مكسيم غوركي ينشر قصائد الريحاني بترجمة كراتشكوفسكي!

غوركي
غوركي
TT

مكسيم غوركي ينشر قصائد الريحاني بترجمة كراتشكوفسكي!

غوركي
غوركي

كان لقائي الأول بأمين الريحاني في إحدى الجرائد الصغرى ببيروت سنة 1910م وكان قد رجع من أميركا، وقد أحسست بتعمقه في التأمل، وأن لديه مقدرة كبيرة ترتفع فوق مقدرة صحافيين وخطباء مشهورين في سوريا... تبين هذا الإحساس عندما ظهرت - وقتذاك - مجموعة مقالاته وأشعاره المنشورة في جزأين، كما أنه ارتاد مبكراً كتابة قصيدة النثر في ديوانه «هتاف الأودية» سنة 1910م متأثراً بالشاعر الأميركي والت ويتمان في ديوانه «أوراق العشب»... فأراد كراتشكوفسكي تعريف القراء الروس بالريحاني في كتاب يحتوي ترجمته، لكن ذلك ظهر في فترة صعبة قبل أسبوعين من ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917م، فكان كالنغمة النشاز - كما يُعَبِّر- تدُقّ في غير أوانها، فلم ينل سوى الزجر والتأنيب على صفحات الجرائد... بل إنه تعرض في أعقاب الثورة سنة 1922م للاعتقال بتهمة وجود صلة بين زوجته وأسرة فنلندية، غير أن كراتشكوفسكي استثمر تدخل أكاديمية العلوم الروسية، التي لم تفلح في إطلاق سراحه، فراح يقرأ في كتب مختصة باللغة العربية والتاريخ الإسلامي! حتى أُخليت سبيله بعدما ثبتت براءته وزوجته من التهمة الكيدية... وحين رجوعه إلى عمله في معهد الاستشراق، تواصل هو والريحاني عبر مراسلات بينهما، فأرسل إليه كتابه بعدما رجع في تأليفه إلى أشعار الريحاني التي ترجمها ونشرها في مجلة «الشرق» التي أسسها مكسيم غوركي 1868 – 1936م.

كراتشكوفسكي

كانت نظرة مؤلف رواية «الأم» التي بشّرت بالرواية الواقعية إثر ثورة أكتوبر الاشتراكية، أكثر إنصافاً لكراتشكوفسكي والريحاني، من نظرة أولئك النقاد الذين دشنوا بين سنة 1917 و1918م بداية انطلاق مرحلة النقد «الآيديولوجي».

هذا ملخص ما ذكره إغناطيوس كراتشكوفسكي 1883 – 1951م في كتابه الممتع «مع المخطوطات العربية» سارداً بأسلوبه الأدبي الجذّاب، مغامراته المثيرة مع عالم المخطوطات المتجهم الجاف.

وقتذاك وصل إلى روسيا ميخائيل نعيمة، بعدما أنهى السيمنار الروسي بتفوق في دار المعلمين بالناصرة... وهي وغيرها من مدارس تابعة للطائفة الأرثوذكسية، كانت تدار من حكومة القياصرة مباشرة... وقد حصل نعيمة وفق ذلك على بعثة دراسية لاستكمال دراسته في بلادهم، فتفاعل مع حياة زملائه الروس وشاهد إرهاصات ثورتهم البلشفية، قارئاً - بتأثر - روائع الروايات الروسية المكتوبة بلغتها... كما فصّل ذلك في كتاب رحلته الثانية إلى موسكو منتصف الخمسينات «أبعد من موسكو ومن واشنطن».

وفي سياق التبشير بالحضور الروسي في الشرق العربي، سجّل قبل ذلك رحَّالة وكُتَّاب وشعراء روس انطباعاتهم عن الأرض المقدسة... ومن بينهم شاعر روسيا البارز ميخائيل ليرمنتوف 1814 – 1841م الذي كتب قصيدة بارعة بعنوان «غصن فلسطين» يقول فيها:

حدثني يا غصن عن فلسطين

أين كنت تنمو وأين كنت تزهر

أي وديان وهضاب كنت تزين...

هل كان أبناء القدس الفقراء

يصلون بصوت خافت

عندما يجدلون وريقاتك

أمين الريحاني

وكان كراتشكوفسكي ممن وفد إلى فلسطين ولبنان وسوريا سنة 1908م... ربما لغرض تبشيري... ومع ذلك فقد كان الكتاب العربي - المخطوط منه خاصة - همه الأكبر بحثاً وتنقيباً وتحقيقاً، متواصلاً مع المهتمين به والمقتنين لذخائره... الأب لويس شيخو في لبنان وأحمد تيمور في مصر، وغاشياً المكتبات العامة التي تضم مخطوطات عربية في القدس ودمشق وبيروت والقاهرة والإسكندرية... كاشفاً النقاب عن المجهول من نفائسها.

يذكر أنس خالدوف 1929 – 2001م المحقق الأكاديمي التتري مؤلف كتاب «معجم المخطوطات العربية في روسيا»، وهو يعتني بتحقيق ونشر كتاب «المنازل والديار» لأسامة بن منقذ لأول مرة برعاية المتحف الآسيوي ببطرسبرغ سنة 1961م، أن الفضل في ذلك يعود إلى من أصبح واحداً من أنشط عمداء المتحف... يعني كراتشكوفسكي الذي نَبَّه المحققين من المستشرقين والعرب إلى وجود أصل مخطوطة الكتاب بخزانة المتحف، في مقال له نشره في مجلة المجمع العلمي بدمشق سنة 1925م... كما أن كتاب «البديع» لابن المعتز، ما كان له أن ينتشر بين أوساط المهتمين بدروس البلاغة العربية، لولا كشف كراتشكوفسكي أصل مخطوطته ونشرها... وكذلك فعل مع الشاعر المتفلسف الذي فُتِنَ به أبو العلاء المعري في كتابه «رسالة الملائكة»... وغيرهما من كتب محققة ودراسات أدبية عن الشعر العربي القديم والأدب العربي الحديث في عدة كتب بحثية، يأتي على رأسها كتابه الضخم «تاريخ الأدب الجغرافي العربي» (بجزأيه) المُعتَمَد مرجعاً للباحثين في البلدانيات والمواقع، التي ذكرها الجغرافيون ووقف عندها الرحَّالة في مختلف الحقب.

وفي سياق الحج الروسي إلى فلسطين يذكر بيوتر غريز نيفيتش الباحث الروسي في بحثه «القرآن في روسيا» المنشور في الكتاب الصادر سنة 1986م من أكاديمية العلوم السوفياتية بعنوان «أبحاث جديدة للمستعربين السوفيات»، أن الرحَّالة والدبلوماسيين والمستشرقين الروس كانوا يعودون إلى بلدهم، وهم مأخوذون بحياة الشعوب الإسلامية وفكرها الديني في العالم العربي، واصفين في كتاباتهم عمارة المساجد والطقوس والأعياد الدينية في مجتمعاتها، بما في ذلك وصف مكة المكرمة والمدينة المنورة... ولهذا تمت بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر أولى ترجمات القرآن الكريم إلى البيلاروسية، وتحمس باني روسيا وإمبراطورها المُجدِّد بطرس الأول 1672 – 1725م في سياق علاقة بلده التجارية بالشرق العربي، نحو طباعة القرآن الكريم بلغته العربية، بعدما أمر سنة 1712م بإنشاء مطبعة بحروف عربية خاصة بذلك، وترجمته - رغم موقفه المتحامل على الإسلام - إلى الروسية؛ إذ كانت ترجمة القرآن إلى الفرنسية هي الشائعة في أوساط النخبة من دبلوماسيين وكتاب وشعراء، وفي الطليعة ممن قرأ بها القرآن الكريم شاعر الأمة الروسية الأكبر ألكسندر بوشكين 1799 - 1837م المُتَحَدِّر «حبشياً» من والدته حفيدة أبرام بتروفيتش جانيبال، الذي ضمه بطرس الأكبر إلى جملة موظفيه وخدمه في قصره.

لقد فُتِن بوشكين عبر الترجمات، بقصص الحب والأساطير العربية والليالي المصرية، وبُهِر كثيراً بنظم القرآن وبلاغته وإيقاعه، فراح يستلهمه في قصائده... بل إنه قام بإعادة صياغة سورة «الحجرات» في واحدة من قصائده التي تعارف عليها دارسو شعره بقصائد «محاكاة القرآن»، وقد عدّه ملهمه الأول الذي أذهل مخيلته... يقول في بعض شعره القرآني:

في المغارة السرية

في يوم الهروب

قرأت آيات القرآن الشاعرية

فجأة هدأت روعي الملائكة

وحملت لي التعاويذ والأدعية

كذلك يبدو التأثر القرآني واضحاً هنا:

أقسم بالشفع وبالوتر

أقسم بالسيف ومعركة الحق

أقسم بنجمة الصبح

أقسم بصلاة العصر...

ألست أنا الذي سقيتك

من ماء الصحراء يوم العطش

ترك القرآن الكريم أبلغ الأثر لا في شعر بوشكين وحده وإنما في الأدب الروسي... وعمل كراتشكوفسكي على ترجمة معاني القرآن الكريم من العربية إلى الروسية

لقد ترك القرآن أبلغ الأثر لا في شعر بوشكين وحده وإنما في الأدب الروسي، وكان من بينهم كراتشكوفسكي الذي عمل هو الآخر على ترجمة معاني القرآن من العربية إلى الروسية، وقد أتقن اللغة العربية والكتابة بخطها النسخي، مؤكداً أصالة بلاغتها من أي تأثر يوناني - كما ذهب إلى ذلك قدامة بن جعفر 873 - 948م في كتابه «نقد الشعر» - محاولاً تصحيح الأخطاء التي وقعت فيها ترجمات القرآن السابقة.

أما أمين الريحاني 1876 – 1940م الذي اهتم كراتشكوفسكي بأدبه وشعره، قبل ثورة أكتوبر الاشتراكية وبعدها، فقد هزه هذا الحدث العالمي المزلزل، فطفق يعالج أسبابها ونتائجها في كتابه «تحدر البلشفية» محاولاً تلمس جذور هذه الثورة الشيوعية في بعض الفرق الإسلامية (القرامطة والحشاشون وغيرهما من عقائد برزت قبل مجيء الإسلام)، متبنياً الموقف الغربي وإعلامه المناوئ لثورة أكتوبر، مؤلفاً كتابه هذا باللغة الإنجليزية، وهو في أميركا سنة 1920م حين بدأ اسمه يلمع في الصحافة الأميركية، وقبل ذلك برز سنة 1911م بروايته «كتاب خالد» التي كتبها كذلك باللغة الإنجليزية، معالجاً فيها هجرة اللبنانيين إلى المهجر الأميركي - من بعلبك إلى نيويورك - داعياً فيها إلى استلهام الديمقراطية الأميركية، بمواءمتها مع الثقافة العربية في مشروع العرب الإصلاحي النهضوي المنتظر... لذلك حذر الريحاني المجتمع الأميركي في كتابه «تحدر البلشفية» من عقابيل الثورة الشيوعية في روسيا، وقد توقع سقوطها وحكمها البلشفي سنة 1950م في مقال ضَمَّنه في الجزء الأول من كتابه «الريحانيات»؛ لأنها شرعت «حكم العمال على عرش الحكم الاستبدادي»، حسب تعبيره، عادّاً أن الحكم الاشتراكي سوف يتبعه نوع من الحكم يأخذ بالأصلح من الأشكال السابقة... مستوحياً في حكمه وتوقعه هذا، ما جرى من نكسات في أعقاب «الثورة الفرنسية» التي ألف كتابه نبذةً عنها.

حذر الريحاني المجتمع الأميركي من عقابيل الثورة الشيوعية في روسيا... وقد توقع سقوطها وحكمها البلشفي سنة 1950م

هل لهذا عدّه الشاعر العراقي الثائر محمد مهدي الجواهري جاسوساً للأميركان؟! والريحاني يحل في «قلب العراق» سنة 1922م ضيفاً على الملك فيصل الأول إثر تتويجه عرش العراق برعاية البريطانية المس غيروتد بيل وقتذاك... مع هيمنة الاستعمار البريطاني والفرنسي على الشرق العربي ومغربه، بدأت الأفكار الماركسية تتسلل إلى أوساط المثقفين والحركيين في تلك الدول العربية المستعمرة، وقد قام أول حزب شيوعي عربي في مصر سنة 1922م، غير أن كتاب الريحاني عن «تحدر البلشفية» رغم ذلك لم يترجمه إلى اللغة العربية - وقتها - بل انبرى لترجمته - أخيراً - ليس ابن أخيه أمين الريحاني العاكف على تحقيق ونشر تراث عمه... بل انبرى لذلك سنة 1988م مترجمان لبنانيان آخران، بحماس دار نشر عُرِفَت بميولها الآيديولوجية، لكن ذلك تم بعد رحيل الريحاني بقرابة نصف قرن. وكانت بيريسترويكا غورباتشوف - بعد انتهاء فترة حكم بريجنيف المتجمدة - تلوح في الأفق، متأخرة عن توقع أمين الريحاني بقرابة أربعة عقود.

هذا، ولم تنسَ روسيا الريحاني، رغم مرور السنين وتعاقب الأحداث، عندما أقامت مكتبة بوريس باسترناك سنة 2010م أمسية موسيقية وأدبية من أماسي موسكو النوستالجية، احتفالاً بأمين الريحاني شاعراً وناثراً، قرئت فيها نصوص «ريحانية» اختارتها المستشرقة ماريا نيكولاييفا باللغتين الروسية والعربية، مشيرةً إلى أن ما قرأته مأخوذ من ترجمة المستعرب الروسي كراتشكوفسكي، الذي افتتح دراسته أدب الريحاني سنة 1917م بترجمة قصائده النثرية إلى الروسية، فوق صفحات مجلة مكسيم غوركي الأدبية.


مقالات ذات صلة

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

ثقافة وفنون 70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.