سلماوي: لدي 500 ساعة مسجلة مع محفوظ أطمح إلى نشرها

الكاتب المصري يعدّ الأدب منبع الوجدان الجمعي للبشر

محمد سلماوي (الشرق الأوسط)
محمد سلماوي (الشرق الأوسط)
TT

سلماوي: لدي 500 ساعة مسجلة مع محفوظ أطمح إلى نشرها

محمد سلماوي (الشرق الأوسط)
محمد سلماوي (الشرق الأوسط)

تتعدد وجوه الكاتب المصري محمد سلماوي إبداعياً، ما بين الرواية والمسرح والترجمة والصحافة والعمل الثقافي العام، لكن من بين هذه الوجوه تظل الرواية هي الأقرب إلى روحه. وقد صدرت له حديثاً رواية «أوديب في الطائرة»، وفيها جعل البطل الأشهر في التراجيديا الإغريقية شاهداً على ثورة المصريين في 25 يناير (كانون الثاني)... تولى سلماوي عدداً من المناصب الثقافية، منها رئاسته اتحادَي الكتاب المصريين والعرب، وحاز عدداً من التكريمات العربية والدولية، أبرزها «وسام الاستحقاق» من الرئيس الإيطالي كارلو تشامبي، و«وسام الفنون والآداب الفرنسي».

«الشرق الأوسط» حاورته حول روايته الجديدة، ووجوهه المتعددة، وعلاقته بنجيب محفوظ .

> في روايتك الجديدة «أوديب في الطائرة» تزاوج فني مثير بين واقع التاريخ القريب وتراجيديا «أوديب» الإغريقية القديمة... حدثنا عن هذا التناص المُعاصر مع الأسطورة اليونانية.

- أسطورة «أوديب» هي جزء من التراث الإنساني بشكل عام، لكن هناك موقفاً مُحدداً هو الذي ألهمني روايتي الجديدة، شاهدت لقاءً تلفزيونياً مع مدير السجن الذي كان مُخصصاً لاستقبال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، روى فيه الرجل أن مبارك عندما وصل بالطائرة إلى السجن رفض النزول منها، وسط محاولات ممن حوله لإقناعه بضرورة المثول للأمر، وكانت لذلك دلالة مهمة جداً تخص رؤية مبارك لنفسه، فقد ظلّ حتى النهاية لا يرى أنه يستحق السجن، ولا يدرك حجم الخطأ الذي ارتكبه، وهذه هي قصة «أوديب» الذي ارتكب إثماً كبيراً تسبب في لعنة أصابت بلاده، دون أن يُدرك حجم هذا الخطأ ولا أثره المدمر على البلاد. إن التناقض هنا بين رؤية الحاكم لنفسه في مقابل رؤية الشعب له، وهو ما يفجّر المأساة والدراما في الحالتين، الأسطورية والرواية المعاصرة، وقد وجدت المعنى نفسه يتكرر فى الحالتين.

> «أوديب» فى مسرحية «سوفوكليس» كان يرى أنه يواجه صراعاً مع القدر، وبطل الرواية المعاصر يقول: «سأصنع نهاية الرواية بنفسي»... كيف اخترت هذه النهاية؟

- حين يتناول الأديب أسطورة قديمة لا ينقلها للقارئ كما هي، فالأصل موجود لمَن يريد، لكنه يُطوّعها لأغراضه الفنية، وقد يعطيها معنى جديداً، أو بُعداً عصرياً، وهو ما فعلته في هذه الرواية التي أعدّها رواية معاصرة وليست سرداً للأسطورة القديمة، ومع ذلك يظلّ التشابه قائماً، فكما كان أوديب يرى أن مشيئة الآلهة التي لا يفهمها هي التي قادته لمصيره، فإن البطل المُعاصر في الرواية أيضاً يرى نفسه في صراع مع قوى لا يفهمها، وفي النهاية انتصرت عليه تلك القوى كما انتصرت الآلهة على أوديب، ولم يستطع بطلنا أن يضع نهاية الرواية بنفسه، كما أن موته بعد فترة وجيزة من دخوله السجن دلالة على توّحد الحاكم مع السلطة، فإذا فقد السلطة، فقد معها الحياة.

> تطرح الرواية سؤال: مَن يكتب التاريخ؟ حيث بدا أن الشعب في الرواية قد اختلق سرديات بطولية مُتخيّلة حول حاكمه الذي ثار عليه بعد ذلك.

- هذا سؤال يتعلق بمسلك إنساني موجود منذ قِدم التاريخ: كيف تحوّل الحكام لأبطال وجبابرة؟ وهذه قصة مُتكررة من قبل أسطورة أوديب ومن بعدها، لكن هذا ليس هو التاريخ، فمَن يكتب التاريخ في الحقيقة ليس المؤرخين فقط، وإنما الأدباء أيضاً؛ لأن التاريخ الحقيقي ليس الوقائع التي يدونها المؤرخ، وإنما هو المشاعر الإنسانية والصراعات النفسية التي تؤدي لحدوث تلك الوقائع، فالمؤرخ يهتم بالوقائع، بينما الأديب يهتم بالدوافع الإنسانية التي تصنع تلك الوقائع.

من هنا كان الأدب قاعدة كل المعارف الإنسانية، فحين أراد سيغموند فرويد فهم عقدة ارتباط الابنة بأبيها ذهب إلى الدراما الإغريقية في شخصية «إليكترا»، وكذلك عقدة «أوديب» عاد فيها لأسطورة المسرح الإغريقي الشهيرة، فالأدب هو منبع الوجدان الجمعي للبشر.

> استعنت في الرواية بأدوات المسرح مثل لغة الحوار على سبيل المثال... حدثنا عن خياراتك الفنية هنا.

- اختيار أسطورة «أوديب» وربطها بأحداث ثورة 25 يناير المصرية، استلزم إلغاء عامل الزمن تماماً، لذلك فلا يوجد ماضٍ وحاضر في الرواية، حيث «أوديب» والصراع بين إسبرطة وطيبة، يتعايشان في الرواية جنباً إلى جنب مع الطائرة والكاميرا والمهرجانات السينمائية.

أما استخدام الحوار المسرحي في الرواية، فهو كذلك شكل آخر من أشكال التزاوج بين الزمنين الماضي والحاضر، فهنا جاء التزاوج بين السرد الروائي والتراجيديا المسرحية، هي محاولة لإسقاط كل الأسوار الفاصلة بين الأسطورة والواقع، والمكان والزمان في بنية أدبية واحدة.

> كيف ترى دور الأدب في استشراف الأحداث، خصوصاً وقد ظهرت في روايتك السابقة «أجنحة الفراشة» ملامح تتنبأ بثورة يقوم بها الشباب بالاستفادة بمواقع التواصل؟

- التشابه بين «أوديب في الطائرة» و«أجنحة الفراشة» أن الاثنتين تتناولان الحدث نفسه وهو الثورة، لكن «أجنحة الفراشة» كانت تصوراً روائياً مُستقبلياً يستشرف ثورة ستقع في ميدان التحرير وتؤدى لسقوط النظام، لكن في «أوديب في الطائرة» ثمة محاولة لتفسير الماضي باستدعاء أسطورة قديمة تُعطي بعداً تراجيدياً للحدث.

> انفعلت بقضية التطرف الديني والفكر الإرهابي بشكل كبير ظهر في عملك المسرحي «الجنزير»... هل كان ذلك الانفعال عقب مُحاولة اغتيال نجيب محفوظ الذي كانت تربطك به علاقة قوية؟

- ليس بشكل مباشر، فقد تابعت هذا الاتجاه المُتطرف على مدار فترة طويلة، وصولاً للأحداث الدامية التي أدت لمحاولة اغتيال نجيب محفوظ، وكنت أكرس كثيراً من مقالاتي ضد هذا التطرف وصولاً لكتابتي مسرحية «الجنزير» في أوائل التسعينات، وقد عُرضت على خشبة المسرح عام 1995، ثم عُرضت على مسرح «تريانون» في باريس في العام التالي، وواكبتها في ذلك الوقت تهديدات لي وصلت لحد تخصيص حراسة خاصة حول المسرح، وكذلك الحراسة على بيتي. لقد كان هذا الاتجاه يسيطر على حياتنا بشكل كبير، ذلك هو الذي دفعني لكتابة «الجنزير». لقد ظلّ ملف التطرف الديني هاجساً كبيراً لدى المثقفين في مصر والعالم العربي، لما له من نتائج سلبية على مسار التاريخ العربي الحديث، وخلال فترة حكم الإخوان في مصر، خصصت عمودي اليومي في جريدة «المصري اليوم» للتصدي لممارساتهم، وبعد سقوط حكمهم تواصل معي الناشر محمد رشاد وقال لي إن مقالاتي على مدار السنة التي كتبتها عنهم هي سجل يوميات لحكم الإخوان في مصر، وقام بطباعتها في كتاب بعنوان «مسدس الطلقة الواحدة» رمزاً لحكم الإخوان الذي حدث لمرة واحدة لن تتكرر.

> ظللتَ لسنوات طويلة تكتب الحديث الأسبوعي لنجيب محفوظ بـ«الأهرام» بعد تأثر يده اليمنى بمحاولة الاغتيال... كيف تتذكر هذه الأحاديث اليوم؟

- أتذكر ذهابي طيلة 12 عاماً لنجيب محفوظ أسبوعياً في بيته مصطحباً معي جهاز التسجيل لنتحدث لنحو ساعة في أمور كثيرة، ثم أختار منها موضوعاً واحداً لكي يُنشر في «الأهرام» بعدما أقوم بعرضه عليه أولاً، فيصبح هذا هو حديث الأسبوع الذي يُنشر في الجريدة. وما زلت أحتفظ إلى اليوم بباقي الأحاديث التي دارت بيننا خلال زمن الساعة من كل أسبوع، وهي أحاديث لم تُنشر بعد، وتزيد على 500 ساعة مُسجلة معه.

> ومتى ستقوم بنشرها؟

- أرجو أن يسع الوقت والعمر لأن أُتم هذا الأمر العزيز عليّ.

> إلى أي مدى ترى أنه تمت الاستفادة من إرث نجيب محفوظ؟

- أعتقد بأن كل ما كُتب عن نجيب محفوظ من كُتاب عرب أو أجانب، وهو كثير، لم يفِ محفوظ حقه بعد، فلا تزال هناك جوانب كثيرة لم تتم معالجتها ولا دراستها تتعلق بحياته وأعماله وآرائه، والمواقف التي اتخذها في حياته. وأتصوّر أن «متحف نجيب محفوظ» من الممكن أن يضم مركزاً للدراسات المحفوظية، ليُعالج هذه القضايا المُتعلقة بمحفوظ، عبر رؤى بحثية جديدة لأعمال محفوظ.

> هناك كثير من المخاوف والتحديات التي ترتبط بكتابة الأدباء لسيرهم الذاتية... كيف وجدت تجربة كتابة سيرتك؟

- الحقيقة أن كتابة سيرتي الذاتية كانت اقتراحاً من ناشر الكتاب، وهو ابني سيف سلماوي صاحب دار «الكرمة»، وذلك بعد أن كتبت مقالاً في عيد تأسيس جريدة «الأهرام» وتحدثت فيه عن الطابق السادس في الجريدة الذي كان يضم مكاتب كبار المثقفين الذين جمعتني بهم معرفة شخصية آنذاك، منهم توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وزكي نجيب محمود، وبنت الشاطئ، ويوسف إدريس، ولطفي الخولي، وغيرهم. وتحدث معي سيف عن أن السيرة ستكون إحاطة بتجاربي مع هؤلاء، وحياتي المتنوعة ما بين الأدب والسياسة والعمل النقابي وغيرها من الفروع، بوصفها توثيقاً شخصياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً لفترة من أهم فترات تاريخنا الحديث، من مولدي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى قيام ثورة 25 يناير 2011 ووضع دستور مصر الجديد الذي شاركت في كتابته وكنت المتحدث الرسمي للجنة الخمسين التي أصدرته.

وبالفعل صدرت المذكرات في جزأين: «يوماً أو بعض يوم» و«العصف والريحان»، واستعنت في كتابتهما بأرشيفي الخاص من وثائق وكتابات وصور فوتوغرافية، وعندما نُشرت لم أتوقع أن تحظى بهذا الإقبال، لكني فوجئت تحديداً من الجيل الذي أنتمي له، أنهم وجدوا في تلك المذكرات تأريخاً لحياتهم نفسها.

> يبدو في اختيار العنوانين تأثر بالتعبير القرآني... ما دلالتهما؟

- القرآن هو مرجع البلاغة العربية، ومن ناحية أخرى كنت آخذ على سير ذاتية عربية أن كُتّابها كرسوا سيّرهم لإنجازاتهم غير المسبوقة، في حين أرى أن قيمة السيرة الذاتية قد تكمن في لحظات الضعف وليست فقط في الأمجاد، فلو هناك أمجاد فالناس تعرفها ولست بحاجة لإخبارهم بها، أما الكاتب فليخبرنا عن إنسانيته، وضعفه، وانهزاماته، التي ربما تكون هي نفسها ما دفعه لتحقيق تلك الإنجازات.

وفي الحقيقة وجدت في عنوان سيرتي الذاتية تجسيداً بليغاً لمعنى التواضع الذي كنت أبحث عنه، وكأنني أقول إن بعد هذه السبعين سنة من الحياة، التي كتبتها مطبوعة في جزأين، كل جزء منهما 400 صفحة، كلها في النهاية ما هي إلا يوم أو حتى بعض يوم.

> حدثنا عن ترجمتك لرواية «الأمير الصغير» دُرة أعمال الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري؟

- «الأمير الصغير» من الأعمال التي تُرجمت أكثر من مرة إلى اللغة العربية، لكنني حاولت في ترجمتي الجديدة الاقتراب من الأسلوب الأدبي لإكزوبيري، فأسلوبه المُميز البسيط جعل هذه الرواية في مُتناول النشء؛ لأنها تكاد تكون قصة أطفال، لكنها في الحقيقة رواية مليئة بالبُعد الفلسفي، ما جعلها رواية للكِبار أيضاً، وهذا انعكس على الأسلوب الأدبي الذي اختاره سانت إكزوبيرى لكتابة هذا العمل، ومن جهة أخرى قادني البحث في موضوع الرواية إلى أن الموقع الذي فجّر خيال إكزوبيري في أحداث روايته، هو منطقة «وادي النطرون» بالصحراء الغربية في مصر، وألقيت الضوء على هذه القصة في كلمة نقدية مرفقة بالترجمة، حيث لم تكن هذه مطروقة في الكتابات الأجنبية عن الرواية.

> هل استطعت عبر مسيرتك الاحتفاظ بطقوس خاصة للكتابة؟

- حياتي مُتشعبة بشكل كبير، ما بين العمل الإبداعي والصحافي، والنقابي - منذ كنت عضواً بمجلس نقابة الصحافيين، ثم عملي لعشر سنوات رئيساً لاتحاد الكُتّاب في مصر، ثم رئيساً لاتحاد الكتاب العرب - وبين العمل العام، كل هذا لا يمكّنني من تخصيص وقت محدد يومياً للكتابة الأدبية، كما أفعل بالنسبة لعمودي اليومي بجريدة «الأهرام»، ولكن عندما تُسيطر عليّ فكرة عمل أدبي جديد تأخذ فإنها أغلب وقتي، وقد أنقطع للعمل عليها بشكل متواصل على الأقل حتى أضع الدفقة الأولى على الورق ثم أعود إليها بعد ذلك كلما استطعت، مدركاً أن ما سيبقى في النهاية هو الإبداع الأدبي وليس المقالات الصحافية.


مقالات ذات صلة

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

ثقافة وفنون ‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الـ12 لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالدوحة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون هناء العمير

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة.

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

خرج فن التصوير الأموي من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، حين نشر العالم التشيكي ألويسس موزيل بحثاً تناول فيه جداريات بناء في بادية الأردن

محمود الزيباوي

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.