سلماوي: لدي 500 ساعة مسجلة مع محفوظ أطمح إلى نشرها

الكاتب المصري يعدّ الأدب منبع الوجدان الجمعي للبشر

محمد سلماوي (الشرق الأوسط)
محمد سلماوي (الشرق الأوسط)
TT

سلماوي: لدي 500 ساعة مسجلة مع محفوظ أطمح إلى نشرها

محمد سلماوي (الشرق الأوسط)
محمد سلماوي (الشرق الأوسط)

تتعدد وجوه الكاتب المصري محمد سلماوي إبداعياً، ما بين الرواية والمسرح والترجمة والصحافة والعمل الثقافي العام، لكن من بين هذه الوجوه تظل الرواية هي الأقرب إلى روحه. وقد صدرت له حديثاً رواية «أوديب في الطائرة»، وفيها جعل البطل الأشهر في التراجيديا الإغريقية شاهداً على ثورة المصريين في 25 يناير (كانون الثاني)... تولى سلماوي عدداً من المناصب الثقافية، منها رئاسته اتحادَي الكتاب المصريين والعرب، وحاز عدداً من التكريمات العربية والدولية، أبرزها «وسام الاستحقاق» من الرئيس الإيطالي كارلو تشامبي، و«وسام الفنون والآداب الفرنسي».

«الشرق الأوسط» حاورته حول روايته الجديدة، ووجوهه المتعددة، وعلاقته بنجيب محفوظ .

> في روايتك الجديدة «أوديب في الطائرة» تزاوج فني مثير بين واقع التاريخ القريب وتراجيديا «أوديب» الإغريقية القديمة... حدثنا عن هذا التناص المُعاصر مع الأسطورة اليونانية.

- أسطورة «أوديب» هي جزء من التراث الإنساني بشكل عام، لكن هناك موقفاً مُحدداً هو الذي ألهمني روايتي الجديدة، شاهدت لقاءً تلفزيونياً مع مدير السجن الذي كان مُخصصاً لاستقبال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، روى فيه الرجل أن مبارك عندما وصل بالطائرة إلى السجن رفض النزول منها، وسط محاولات ممن حوله لإقناعه بضرورة المثول للأمر، وكانت لذلك دلالة مهمة جداً تخص رؤية مبارك لنفسه، فقد ظلّ حتى النهاية لا يرى أنه يستحق السجن، ولا يدرك حجم الخطأ الذي ارتكبه، وهذه هي قصة «أوديب» الذي ارتكب إثماً كبيراً تسبب في لعنة أصابت بلاده، دون أن يُدرك حجم هذا الخطأ ولا أثره المدمر على البلاد. إن التناقض هنا بين رؤية الحاكم لنفسه في مقابل رؤية الشعب له، وهو ما يفجّر المأساة والدراما في الحالتين، الأسطورية والرواية المعاصرة، وقد وجدت المعنى نفسه يتكرر فى الحالتين.

> «أوديب» فى مسرحية «سوفوكليس» كان يرى أنه يواجه صراعاً مع القدر، وبطل الرواية المعاصر يقول: «سأصنع نهاية الرواية بنفسي»... كيف اخترت هذه النهاية؟

- حين يتناول الأديب أسطورة قديمة لا ينقلها للقارئ كما هي، فالأصل موجود لمَن يريد، لكنه يُطوّعها لأغراضه الفنية، وقد يعطيها معنى جديداً، أو بُعداً عصرياً، وهو ما فعلته في هذه الرواية التي أعدّها رواية معاصرة وليست سرداً للأسطورة القديمة، ومع ذلك يظلّ التشابه قائماً، فكما كان أوديب يرى أن مشيئة الآلهة التي لا يفهمها هي التي قادته لمصيره، فإن البطل المُعاصر في الرواية أيضاً يرى نفسه في صراع مع قوى لا يفهمها، وفي النهاية انتصرت عليه تلك القوى كما انتصرت الآلهة على أوديب، ولم يستطع بطلنا أن يضع نهاية الرواية بنفسه، كما أن موته بعد فترة وجيزة من دخوله السجن دلالة على توّحد الحاكم مع السلطة، فإذا فقد السلطة، فقد معها الحياة.

> تطرح الرواية سؤال: مَن يكتب التاريخ؟ حيث بدا أن الشعب في الرواية قد اختلق سرديات بطولية مُتخيّلة حول حاكمه الذي ثار عليه بعد ذلك.

- هذا سؤال يتعلق بمسلك إنساني موجود منذ قِدم التاريخ: كيف تحوّل الحكام لأبطال وجبابرة؟ وهذه قصة مُتكررة من قبل أسطورة أوديب ومن بعدها، لكن هذا ليس هو التاريخ، فمَن يكتب التاريخ في الحقيقة ليس المؤرخين فقط، وإنما الأدباء أيضاً؛ لأن التاريخ الحقيقي ليس الوقائع التي يدونها المؤرخ، وإنما هو المشاعر الإنسانية والصراعات النفسية التي تؤدي لحدوث تلك الوقائع، فالمؤرخ يهتم بالوقائع، بينما الأديب يهتم بالدوافع الإنسانية التي تصنع تلك الوقائع.

من هنا كان الأدب قاعدة كل المعارف الإنسانية، فحين أراد سيغموند فرويد فهم عقدة ارتباط الابنة بأبيها ذهب إلى الدراما الإغريقية في شخصية «إليكترا»، وكذلك عقدة «أوديب» عاد فيها لأسطورة المسرح الإغريقي الشهيرة، فالأدب هو منبع الوجدان الجمعي للبشر.

> استعنت في الرواية بأدوات المسرح مثل لغة الحوار على سبيل المثال... حدثنا عن خياراتك الفنية هنا.

- اختيار أسطورة «أوديب» وربطها بأحداث ثورة 25 يناير المصرية، استلزم إلغاء عامل الزمن تماماً، لذلك فلا يوجد ماضٍ وحاضر في الرواية، حيث «أوديب» والصراع بين إسبرطة وطيبة، يتعايشان في الرواية جنباً إلى جنب مع الطائرة والكاميرا والمهرجانات السينمائية.

أما استخدام الحوار المسرحي في الرواية، فهو كذلك شكل آخر من أشكال التزاوج بين الزمنين الماضي والحاضر، فهنا جاء التزاوج بين السرد الروائي والتراجيديا المسرحية، هي محاولة لإسقاط كل الأسوار الفاصلة بين الأسطورة والواقع، والمكان والزمان في بنية أدبية واحدة.

> كيف ترى دور الأدب في استشراف الأحداث، خصوصاً وقد ظهرت في روايتك السابقة «أجنحة الفراشة» ملامح تتنبأ بثورة يقوم بها الشباب بالاستفادة بمواقع التواصل؟

- التشابه بين «أوديب في الطائرة» و«أجنحة الفراشة» أن الاثنتين تتناولان الحدث نفسه وهو الثورة، لكن «أجنحة الفراشة» كانت تصوراً روائياً مُستقبلياً يستشرف ثورة ستقع في ميدان التحرير وتؤدى لسقوط النظام، لكن في «أوديب في الطائرة» ثمة محاولة لتفسير الماضي باستدعاء أسطورة قديمة تُعطي بعداً تراجيدياً للحدث.

> انفعلت بقضية التطرف الديني والفكر الإرهابي بشكل كبير ظهر في عملك المسرحي «الجنزير»... هل كان ذلك الانفعال عقب مُحاولة اغتيال نجيب محفوظ الذي كانت تربطك به علاقة قوية؟

- ليس بشكل مباشر، فقد تابعت هذا الاتجاه المُتطرف على مدار فترة طويلة، وصولاً للأحداث الدامية التي أدت لمحاولة اغتيال نجيب محفوظ، وكنت أكرس كثيراً من مقالاتي ضد هذا التطرف وصولاً لكتابتي مسرحية «الجنزير» في أوائل التسعينات، وقد عُرضت على خشبة المسرح عام 1995، ثم عُرضت على مسرح «تريانون» في باريس في العام التالي، وواكبتها في ذلك الوقت تهديدات لي وصلت لحد تخصيص حراسة خاصة حول المسرح، وكذلك الحراسة على بيتي. لقد كان هذا الاتجاه يسيطر على حياتنا بشكل كبير، ذلك هو الذي دفعني لكتابة «الجنزير». لقد ظلّ ملف التطرف الديني هاجساً كبيراً لدى المثقفين في مصر والعالم العربي، لما له من نتائج سلبية على مسار التاريخ العربي الحديث، وخلال فترة حكم الإخوان في مصر، خصصت عمودي اليومي في جريدة «المصري اليوم» للتصدي لممارساتهم، وبعد سقوط حكمهم تواصل معي الناشر محمد رشاد وقال لي إن مقالاتي على مدار السنة التي كتبتها عنهم هي سجل يوميات لحكم الإخوان في مصر، وقام بطباعتها في كتاب بعنوان «مسدس الطلقة الواحدة» رمزاً لحكم الإخوان الذي حدث لمرة واحدة لن تتكرر.

> ظللتَ لسنوات طويلة تكتب الحديث الأسبوعي لنجيب محفوظ بـ«الأهرام» بعد تأثر يده اليمنى بمحاولة الاغتيال... كيف تتذكر هذه الأحاديث اليوم؟

- أتذكر ذهابي طيلة 12 عاماً لنجيب محفوظ أسبوعياً في بيته مصطحباً معي جهاز التسجيل لنتحدث لنحو ساعة في أمور كثيرة، ثم أختار منها موضوعاً واحداً لكي يُنشر في «الأهرام» بعدما أقوم بعرضه عليه أولاً، فيصبح هذا هو حديث الأسبوع الذي يُنشر في الجريدة. وما زلت أحتفظ إلى اليوم بباقي الأحاديث التي دارت بيننا خلال زمن الساعة من كل أسبوع، وهي أحاديث لم تُنشر بعد، وتزيد على 500 ساعة مُسجلة معه.

> ومتى ستقوم بنشرها؟

- أرجو أن يسع الوقت والعمر لأن أُتم هذا الأمر العزيز عليّ.

> إلى أي مدى ترى أنه تمت الاستفادة من إرث نجيب محفوظ؟

- أعتقد بأن كل ما كُتب عن نجيب محفوظ من كُتاب عرب أو أجانب، وهو كثير، لم يفِ محفوظ حقه بعد، فلا تزال هناك جوانب كثيرة لم تتم معالجتها ولا دراستها تتعلق بحياته وأعماله وآرائه، والمواقف التي اتخذها في حياته. وأتصوّر أن «متحف نجيب محفوظ» من الممكن أن يضم مركزاً للدراسات المحفوظية، ليُعالج هذه القضايا المُتعلقة بمحفوظ، عبر رؤى بحثية جديدة لأعمال محفوظ.

> هناك كثير من المخاوف والتحديات التي ترتبط بكتابة الأدباء لسيرهم الذاتية... كيف وجدت تجربة كتابة سيرتك؟

- الحقيقة أن كتابة سيرتي الذاتية كانت اقتراحاً من ناشر الكتاب، وهو ابني سيف سلماوي صاحب دار «الكرمة»، وذلك بعد أن كتبت مقالاً في عيد تأسيس جريدة «الأهرام» وتحدثت فيه عن الطابق السادس في الجريدة الذي كان يضم مكاتب كبار المثقفين الذين جمعتني بهم معرفة شخصية آنذاك، منهم توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وزكي نجيب محمود، وبنت الشاطئ، ويوسف إدريس، ولطفي الخولي، وغيرهم. وتحدث معي سيف عن أن السيرة ستكون إحاطة بتجاربي مع هؤلاء، وحياتي المتنوعة ما بين الأدب والسياسة والعمل النقابي وغيرها من الفروع، بوصفها توثيقاً شخصياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً لفترة من أهم فترات تاريخنا الحديث، من مولدي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى قيام ثورة 25 يناير 2011 ووضع دستور مصر الجديد الذي شاركت في كتابته وكنت المتحدث الرسمي للجنة الخمسين التي أصدرته.

وبالفعل صدرت المذكرات في جزأين: «يوماً أو بعض يوم» و«العصف والريحان»، واستعنت في كتابتهما بأرشيفي الخاص من وثائق وكتابات وصور فوتوغرافية، وعندما نُشرت لم أتوقع أن تحظى بهذا الإقبال، لكني فوجئت تحديداً من الجيل الذي أنتمي له، أنهم وجدوا في تلك المذكرات تأريخاً لحياتهم نفسها.

> يبدو في اختيار العنوانين تأثر بالتعبير القرآني... ما دلالتهما؟

- القرآن هو مرجع البلاغة العربية، ومن ناحية أخرى كنت آخذ على سير ذاتية عربية أن كُتّابها كرسوا سيّرهم لإنجازاتهم غير المسبوقة، في حين أرى أن قيمة السيرة الذاتية قد تكمن في لحظات الضعف وليست فقط في الأمجاد، فلو هناك أمجاد فالناس تعرفها ولست بحاجة لإخبارهم بها، أما الكاتب فليخبرنا عن إنسانيته، وضعفه، وانهزاماته، التي ربما تكون هي نفسها ما دفعه لتحقيق تلك الإنجازات.

وفي الحقيقة وجدت في عنوان سيرتي الذاتية تجسيداً بليغاً لمعنى التواضع الذي كنت أبحث عنه، وكأنني أقول إن بعد هذه السبعين سنة من الحياة، التي كتبتها مطبوعة في جزأين، كل جزء منهما 400 صفحة، كلها في النهاية ما هي إلا يوم أو حتى بعض يوم.

> حدثنا عن ترجمتك لرواية «الأمير الصغير» دُرة أعمال الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري؟

- «الأمير الصغير» من الأعمال التي تُرجمت أكثر من مرة إلى اللغة العربية، لكنني حاولت في ترجمتي الجديدة الاقتراب من الأسلوب الأدبي لإكزوبيري، فأسلوبه المُميز البسيط جعل هذه الرواية في مُتناول النشء؛ لأنها تكاد تكون قصة أطفال، لكنها في الحقيقة رواية مليئة بالبُعد الفلسفي، ما جعلها رواية للكِبار أيضاً، وهذا انعكس على الأسلوب الأدبي الذي اختاره سانت إكزوبيرى لكتابة هذا العمل، ومن جهة أخرى قادني البحث في موضوع الرواية إلى أن الموقع الذي فجّر خيال إكزوبيري في أحداث روايته، هو منطقة «وادي النطرون» بالصحراء الغربية في مصر، وألقيت الضوء على هذه القصة في كلمة نقدية مرفقة بالترجمة، حيث لم تكن هذه مطروقة في الكتابات الأجنبية عن الرواية.

> هل استطعت عبر مسيرتك الاحتفاظ بطقوس خاصة للكتابة؟

- حياتي مُتشعبة بشكل كبير، ما بين العمل الإبداعي والصحافي، والنقابي - منذ كنت عضواً بمجلس نقابة الصحافيين، ثم عملي لعشر سنوات رئيساً لاتحاد الكُتّاب في مصر، ثم رئيساً لاتحاد الكتاب العرب - وبين العمل العام، كل هذا لا يمكّنني من تخصيص وقت محدد يومياً للكتابة الأدبية، كما أفعل بالنسبة لعمودي اليومي بجريدة «الأهرام»، ولكن عندما تُسيطر عليّ فكرة عمل أدبي جديد تأخذ فإنها أغلب وقتي، وقد أنقطع للعمل عليها بشكل متواصل على الأقل حتى أضع الدفقة الأولى على الورق ثم أعود إليها بعد ذلك كلما استطعت، مدركاً أن ما سيبقى في النهاية هو الإبداع الأدبي وليس المقالات الصحافية.


مقالات ذات صلة

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

ثقافة وفنون «موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف.

جمال القصاص
ثقافة وفنون «عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي.

د. سمير الخليل
ثقافة وفنون جانب من المعرض

حضور نوعي ومبادرات رائدة

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق.

فيء ناصر (لندن)
كتب كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

ثمة كتب تُعيد رسم خرائط الفهم، لا تضيف معلوماتٍ جديدة فحسب، بل تُزلزل ما استقرّ في الأذهان من يقينيات.

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب عبد الله العروي

الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

نشر الزميل د. هاشم صالح، صفحة «كتب» بتاريخ 4 مارس (آذار) مقالاً بعنوان «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث».

د. نادية هناوي

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب
TT

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الروائي، متخذاً من إبداع الروائي المصري الراحل علاء الديب نموذجاً للرصد والتحليل والتطبيق، وفي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفاً رافضاً للحياة وعبثيتها؟ هل أحكمت دوائر الاغتراب والاستلاب على روحه وجسده فأصبح غريباً عن ذاته وواقعه وأحلامه في عالم تتعدد فيه المفاهيم والرؤى، وتتشابه النصوص وطرائق النسج، ويحتار الإنسان ثقافياً ومعرفياً في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟!

صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في 258 صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتاً إلى أن المثقف العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، قد مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، زادت من همومه وإحساسه بالاغتراب وعدم التآلف مع كل المحيطين به، كما تعمق إحساسه بعدم قدرته على الاندماج مع المجتمع. ثم يناقش دور ومفهوم المثقف، في اللغة والثقافة، وفي أفكار وآراء كثير من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، مثل إدوارد سعيد، وبرهان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعاً ينطلقون «تقريباً من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومن ثم فإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأسلحة التي تعزز دور المثقف، في مواجهة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صعد إليها بحسب غرامشي، أياً كانت هويتها، وإنما يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية.

ومن باب رصد أفعال الشخصية ومدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسياً واجتماعياً، يدلف شهريار إلى صورة المثقف في إبداع علاء الديب، ويرى أن المثقف في أعماله الروائية ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، شهدها الواقع المصري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مروراً بهزيمة 67، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال بلا دموع »، لافتاً إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حاضراً بوعيه وقدرته قادراً على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة.

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين

يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمام أنماط متنوعة من النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المسيري بطل رواية «زهرة الليمون »، وهناك «المثقف الخائن» الذي يخون أفكاره وينفر من طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الذي يواجه إحساساً بالعجز والاغتراب عن الواقع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائماً مستلباً بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحساسها الممض بالهزيمة. وهناك «المثقف المسخ» الذي يمثله ناصر منير فكار بطل وسارد رواية «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كونه شاعراً ومثقفاً لا يستطيع أن يتجاوز تناقضاته، بدءاً من علاقته بزوجته المستَلبة وبالواقع والوطن، وهناك «المثقف المقاوم» الذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل رواية «القاهرة»، فهو غير قادر على التواؤم مع ما يحيط به من أوضاع اجتماعية والتعايش معها، فظل في حالة اغتراب تام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيراً «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علمياً وإنسانياً.

ويرصد الكتاب في فصله الثالث علاقة المثقف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتاً إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هذه الدوائر، وفي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق في روايات علاء الديب، سواء في الحدث أو في بناء الشخصيات، وطرائق توظيف المكان والزمان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومع الأمكنة والزمن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثم يتكشف عبر هذه الروايات الانفصال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية.

لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل معها روائياً؟ في الفصل الرابع «أمكنة المثقف» يركز الكتاب على فاعلية المكان في السرد وتحريكه، وتهيئته للشخوص لتلعب أدوارها، بل تولد من رحمه أحياناً، لافتاً إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي.

ويؤكد شهريار على ضرورة دراسة التشكيل الجمالي للمكان في روايات علاء الديب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيداً مادياً للشخصية التي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والميادين، والمكان المؤقت كالمقاهي والبارات، والمكان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكداً أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوماً ما، لكنها تتجاوز هذا الوجود الفيزيقي، إلى وجود ذهني، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايات الديب، يستعيدها أبطالها كذكرى بعيدة تركت آثاراً فيهم، كما تركوا آثارهم فيها، وعادة ما يكون هذا المكان مرتبطاً بالبحر وبالطبيعة، وأيضاً بحبّ قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيداً جماليات المكان والمشهد في رواية «زهرة الليمون»: «الماء أزرق والرمال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً».


«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ
TT

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي، من خلال توظيف التاريخ مع حفريات الذاكرة الشعبيّة، ومن منظور وذاكرة تعدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتضافرت مع الحكاية الإطارية، والمضمون المركزي الذي تصدّى لقصّة بناء سفينة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثم تعرّضها للحرق على سواحل جيبوتي عام 1978، وما بين أيام البناء، وتحقيق كل المستلزمات من قبل عالم الأعراق والحضارات القديمة (تور هيرالد) وبمساعدة (الشيخ مسعد)، إلى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة.

تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة الفضائية العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: «هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة» (الرواية: 28).

وقبل الخوض في البؤر والأبعاد والتقنيات والظواهر الفنيّة، يتوجّب التوقف عند دلالة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه من إشارات ودلالات، فهو عنوان متعدّد الدلالات ومفتوح على التأويل والإحالة، وقد وردت معانٍ مختلفة له في الرواية.

و«الهراتي» هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات الصراع أو النزالات بين الديكة، بمراهنات اشتهرت بها أجواء المقاهي والأماكن الخاصة بهذا النوع الذي يعتمد على المقامرة والرهان، وما يحدث فيها من تنافس على الفوز وربح المال. و(زعبول الهراتي) هو الديك الذي كان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة (عبد الغني)، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكات والسحر والصراعات الاجتماعية.

وعلى وفق هذه الملامح فإنّ الرواية تمثّل نمطاً من السرد القائم على البحث والتحرّي، وسبر أغوار الألغاز والطلاسم والأسرار، وهي ثيمة شاعت في مثل هذا النوع من الروايات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والدير والتحقيق في الجرائم التي ارتكبت فيه، ونجدها في رواية «الخيميائي» لكويلو، وعربياً نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المخاض» لغائب طعمة فرمان، إذ يبحث البطل في هذه الرواية عن أهله وتاريخه بعد ردح من الغربة.

ورواية البحث والتحرّي وكشف الأسرار تحقّق نوعاً من التشويق والإثارة، وتتّخذ من المهمّة طابعاً بوليسياً، وبؤرة للكشف عن المخفي، والمسكوت عنه والمدهش، ممّا ينتج طاقة لجذب استقطاب المتلقّي، وإسهامه ذهنياً في التشبّع، ومتعة الكشف عمّا خُفي من التاريخ. وهذه المعطيات تحمل كثيراً من المحمولات الجمالية والفكريّة والإحالات والإشارات المتعدّدة، أي توظيف الشكل البوليسي وشكل السرد القائم على التحرّي، وجعله فضاءً ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيراً ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الروائي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلك ما نجده قد تجلّى في رواية «عين الهراتي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع القرنة العشائري والشعبي، بين عالم الأعراق «تور هيرالد» وبين الصراع الاجتماعي القائم بين الشخصيّات داخل هذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة السفينة التي تسعى للبرهنة على التواصل بين الحضارات عبر التاريخ، والغوص في تاريخ الحضارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ من الخصائص الفنية في الرواية، ارتكازها على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لسان الشخصيّة (أحمد فؤاد فتاح) ووصف كلّ تفاصيل رحلة الاستكشاف في مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة.

وبحسب تصنيف «جيرالد جينيت» فإنّ بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائياً أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الرواية، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مرويّ له، من قبل سارد أو راوٍ جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويسرد الأحداث ويتعمق في سيرة (عبد الغني) وإيداعه في السجن والاعتقال بسبب رسالة وصلته من زوجة (تور هيرالد) تبلّغه بموت الأخير، ممّا جعل السلطات تتهمّه بالتجسس، ويحكم عليه بالإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري).

يجسد (سمير القاص) نمطاً من الحكّاء الماهر المخاتل، وهو رمز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المرويات، ويمكن الاستدلال على توصيف السرد داخل الرواية بأنه سرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلك لميل الرواية إلى استثمار المفارقة الحادّة والدالة، بدءاً من التناقض بين المجتمع في القرنة، وبين شخصيّة القادم من النرويج، وتصادم البيئتين، والرواية تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تتضمّن البعد الساخر عبر المفارقة، وقد تصل بحمولتها أحياناً إلى الكوميديا أو التهكم المرّ، لا سيما قصّة الحب والعشق بين الفتاة الريفية (غالية) وعشقها للعالم أو صانع السفينة (هيرالد) النرويجي، ومن ثم المرويات المتناقضة حول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمفارقة أنّ (أحمد فؤاد) يهدي جهده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فالإهداء يقول: «إلى روح (غالية) أنثى هذه الأطروحة، البنت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أسمى آيات التقدير والتبجيل يوم ضاع دمها بين القبائل المتشاطئة ما بين نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما توَصّلتُ إلى اكتشافات مهمّة حول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد من أصل هذه الدراسة» (الرواية:7).

وتتولد أنساق المفارقة الكرنفالية أيضاً بإطلاق سراح (عبد الغني) من حبل المشنقة والإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الذي أُلغي بسبب سقوط النظام، والهروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعلّ المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثمّ قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أنّ الرواية استثمرت ووظّفت جانباً من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الرسائل التي أدت إلى الهاوية والإعدام على أنّها محركّات مركزيّة، وبؤرة دراميّة لصنع الحدث الفادح.


حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لم يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض، وهو أيضاً ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم.

وشهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/ Bloomsbury) التي يقودها نايجل نيوتن، وبونيير بوكس، وغيرهما، بالإضافة إلى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة برنستون. لا تكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من إصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات.

من الورق إلى الخوارزميات

يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي:

> ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك ديسكفري»، مثلاً، ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وإغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم.

> استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة.

> سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية.

> معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً.

المشاركة العربية

شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الإبداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان.

وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم.

كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية 2030».