أسقليبيوس سيّد الطب في الميراث اليوناني القديم... في البحرين

لوحة برونزية تمثل رجلاً ملتحياً في وضعية المواجهة

اسقيليبوس كما يظهر على لوح برونزي من البحرين يقابله تمثال من محفوظات متحف الآثار الوطني في أثينا
اسقيليبوس كما يظهر على لوح برونزي من البحرين يقابله تمثال من محفوظات متحف الآثار الوطني في أثينا
TT
20

أسقليبيوس سيّد الطب في الميراث اليوناني القديم... في البحرين

اسقيليبوس كما يظهر على لوح برونزي من البحرين يقابله تمثال من محفوظات متحف الآثار الوطني في أثينا
اسقيليبوس كما يظهر على لوح برونزي من البحرين يقابله تمثال من محفوظات متحف الآثار الوطني في أثينا

شكّلت جزيرة البحرين في الماضي السحيق جزءاً من إقليم بحري واسع عُرف باسم «دلمون». عاش هذا الاسم طويلاً، وغاب في القرون التي تلت الألف الأولى قبل الميلاد، وآخر شواهده المعروفة لوح طيني من الحقبة الإمبراطورية البابلية الحديثة يعود إلى عام 544 قبل الميلاد. في ذلك الزمن، خضعت البحرين لسلطة الإمبراطورية الفارسية الأولى المعروفة بالأخمينية، ثم أطلق عليها الإغريق لاحقاً اسم «تايلوس»، وهو الاسم الذي عُرفت به من القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن الأول للميلاد. من تايلوس، خرجت مجموعة كبيرة من الآثار الفنية؛ منها لوح صغير من البرونز زُيّن بنقش ناتئ يمثّل أسقليبيوس؛ سيّد الطب والشفاء في الميراث اليوناني القديم.

أسّس الإسكندر الكبير إمبراطورية شاسعة الأرجاء امتدّت من البحر الأدرياتيكي غرباً إلى نهر السند شرقاً، ثم أقدم على غزو الهند سنة 326 قبل الميلاد، غير أنه اضطرّ إلى أن يعود أدراجه بناء على إلحاح قادة جيشه، وشرع في التخطيط للسيطرة على جزيرة العرب بغية تأمين الوصول إلى سواحل المحيط الهندي، فأرسل بعثات استطلاعية لاستكشاف الطرق المؤدية إلى سواحل هذه الجزيرة. وفق الرواية التي سجّلها آريانوس النيقوميدي في كتابه «أنباسة الإسكندر»، عهد الإمبراطور بهذه المهمة إلى القائد البحري أرخياس، فسار في اتجاه السواحل، وبلغ جزيرة سمّاها تايلوس، ولم يتجاوزها. نقل جواد علي في «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، أن هذه الجزيرة «تبعد عن مصب نهر الفرات بمسيرة سفينة تجري مع الريح يوماً وليلة، وهي واسعة وعرة، لا يوجد بها شجر وافر، غير أنها خصبة ويُمكن غرسها بالأشجار المثمرة كما يمكن زرعها بنباتات أخرى».

توفي الإسكندر في بابل قبل أن يشرع في تحقيق هذا المشروع، وعقب تقسيم تركة إمبراطوريته، نشأت الدولة السلوقية، وعمدت إلى تنفيذ خطته الرامية إلى السيطرة على سواحل الخليج والجزر الواقعة فيه. في ظل هذه الدولة، برزت تايلوس بين القرنين الثالث والأول قبل الميلاد، وعرفت حركة تجارية واسعة، وترافقت هذه الحركة مع ازدهار حركة فنية كبيرة تمثّلت في شواهد متعدّدة الأنواع؛ منها لوحة أسقليبيوس البرونزية التي تبقى فريدة من نوعها في ميراث جزر الساحل الخليجي. عُثر على هذه اللوحة صغيرة الحجم في عام 1997، وسط كوم من الحجارة البحرية المتراصة، شكّل في الماضي على ما يبدو أساساً لمنارة مجاورة لقلعة البحرين، ويرى أهل الاختصاص أن هذه المنارة التي انهارت واندثرت تعود على الأرجح إلى قناة أنشأها السلوقيون، تمتد من شمال غربي إلى جنوب شرقي الخط الساحلي.

وصلت هذه اللوحة بشكل شبه كامل، وتمثل رجلاً ملتحياً يقف في وضعية المواجهة، وهو ذو شعر طويل يلتف كخوذة من حول رأسه. ملامح وجهه ممحوة، وأبرز ما بقي منها الأنف الطويل المستقيم. يرتدي هذا الشيخ عباءة من الطراز اليوناني التقليدي الذي يُعرف باسم «هيماتون»، وهي أشبه بوشاح طويل وعريض يلتف حول الكتف اليسرى وينسدل حتى أسفل الساقين، كاشفاً عن الصدر العاري. القدمان عاريتان؛ اليمنى في وضعية جانبية، واليسرى في وضعية المواجهة. الذراع اليمنى متدلية، ويدها ممحوة، وهي منحنية في اتجاه الحوض. أما الذراع اليسرى فمغطّاة بالرداء الطويل، ويبدو أنها تمسك بعصا طويلة يلتفّ من حولها ثعبان متلولب. اسم الشيخ مدوّن بأحرف مرصوفة عمودياً، وهو اسم أسقليبيوس الذي ضاعت منه الأحرف الأربعة الأولى. وهذا الاسم معروف وذائع الصيت في العالمين اليوناني والروماني، والصور التي تمثّله لا تُحصى.

تعود أقدم شهادة أدبية معروفة عن أسقليبيوس إلى هوميروس الذي ذكره في النشيد الرابع من «الإلياذة» بوصفه والد «ماخون الطبيب الذي لا غُبار عليه»، وماخون هو الطبيب الذي استُدعي لمعالجة المحارب مينيلاوس، فقام بذلك، ووضع فوق جرحه «الأدوية الشافية التي كان خيرون قد أعطاها لأبيه باسم الصداقة». المعروف أن خيرون «قنطور»؛ أي مخلوق له جسد حصان، وصدر ورأس إنسان، وقد تميّز عن أبناء جنسه بالخلود، واشتهر بعلومه المتعددة. وفق أقدم الروايات؛ كان أسقليبيوس أحد أبناء «أبوللو» سيد الشمس، الذي حمل لقب لقب «لاتروس»؛ أي الطبيب، وقد ورث عنه هذه الصفة. هام «أبوللو» بأميرة من البشر تُدعى كورونيس، غير أنها كانت مغرمة بالأمير الأركادي أيسخوس، فحكم عليها أبوللو بالموت وهي حامل منه، وقبل أن يقضي عليها، طلب من شقيقه هرميس أن ينقذ الجنين، فانتزعه من رحم كورونيس.

تعود أقدم شهادة أدبية معروفة عن أسقليبيوس إلى هوميروس الذي ذكره في «النشيد الرابع» من «الإلياذة» بوصفه والد «ماخون الطبيب الذي لا غُبار عليه»

أطلق أبوللو على وليده اسم أسقليبيوس، وعهد بتربيته إلى القنطور خيرون الذي لقّنه علوم الطب، فأمسى ماهراً في العلاج بالأعشاب، ثم أصبح طبيباً قادراً على معالجة كل الأمراض، وأنجب أبناء احترفوا الطب، وعُرفت سلالته من الأطباء بـ«الأسقليبيين»، ومنهم أبقراط؛ أول مدون لكتب الطب. خرجت هذه السلالة عن دائرة الأطباء الكهنة التي جمعت بين الطب والدين والسحر في العالم اليوناني القديم، وأضحى أسقليبيوس «سيد الذهن» الذي مهّد لما سيُعرف لاحقاً بـ«الطبّ العلمي الصافي»، وسمع العلماء بهذا الطبيب من خلال ما نقلوه من نتاج ورثته، وتناقلوا على مدى قرون طويلة من الزمن أقوالاً نُسبت له. في منتصف القرن الثالث عشر، وضع ابن أبي أصيبعة موسوعته «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»، وفيها تحدّث عن أسقليبيوس؛ «أوّل من ذُكر من الأطباء، وأوّل من تكلّم في شيء من الطب على طريق التجربة».

أشار ابن أبي أصيبعة إلى التماثيل التي تجسّد أسقليبيوس، وقال إن صورة هذا الطبيب هي «صورة رجل ملتح»، يحضر «آخذاً بيده عصا، معوجة ذات شعب»، «عليها صورة حيوان طويل العمر، ملتفّ عليها؛ وهو التنين». والصحيح أن هذا التنين الملتف حول العصا هو في الواقع أفعوان اتُّخذ منذ تلك الحقبة البعيدة رمزاً لعلوم الطب. يتبع لوح تايلوس في تأليفه هذا النموذج التقليدي، ويتفرّد بسلسلة من الشعاعات تحيط بهامة الطبيب الشافي، وهو كما يبدو من نتاج محلّي يعود إلى ما بين القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد، وهو من النوع النذري، كما يوحي حجمه الصغير.


مقالات ذات صلة

الكتب مهّدت لانتصار الغرب الحاسم في الحرب الباردة

كتب تشارلي إنجلش

الكتب مهّدت لانتصار الغرب الحاسم في الحرب الباردة

يبدو اسم كتاب صحافي «الغارديان» البريطانية تشارلي إنجلش الأحدث «نادي الكتاب في وكالة المخابرات المركزية» أقرب لعنوان رواية جاسوسيّة منه لكتاب تاريخ

ندى حطيط
ثقافة وفنون العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

إذا كانت نقاط التقاطع بين صخب الحياة العباسية المدينية، وبين بوادي الحجاز التي كانت مأهولة بالحرمان وشظف العيش في العصر الأموي، هي من الندرة بمكان

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة

مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

أدّت عمليات المسح والتنقيب المتواصلة خلال العقود الأخيرة في دولة الإمارات المتحدة إلى الكشف عن سلسلة من المواقع الأثرية، أبرزها موقع مليحة

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون المدينة الفاضلة

المدينة الفاضلة

كان الصينيون القدامى يتركون عظام جنودهم الذين سقطوا في الحرب، عند أسس بوابات المدينة ومبانيها الرئيسية.

حيدر المحسن
ثقافة وفنون الذاكرة مرتع للكتابة

الذاكرة مرتع للكتابة

فاز كتاب «يغتسل النثر في نهره» بجائزة «أبو القاسم الشابي» في تونس في دورتها الثلاثين 2024، الديوان الشعري الصادر عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع (الأردن).

رشيد أزروال

مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة
مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة
TT
20

مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة
مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة

أدّت عمليات المسح والتنقيب المتواصلة خلال العقود الأخيرة في دولة الإمارات المتحدة إلى الكشف عن سلسلة من المواقع الأثرية، أبرزها موقع مليحة الذي يقع في الجزء الجنوبي الشرقي من إمارة الشارقة، ويمتدّ على مساحة تقارب 5 كيلومترات مربعة. بدأ استكشاف مليحة في عام 1986، وخرجت حملات التنقيب فيه بمجموعة كبيرة من اللقى الأثرية تشهد لتعدديّة مثيرة في الأساليب الفنية المتبّعة، منها مبخرة من الحجر الجيري لا تشبه المجامر الأثرية التي عُثر عليها في المواقع الأثرية الخاصة بالإمارات.

تعود هذه المبخرة إلى الفترة الممتدة من القرن الثاني إلى القرن الأول قبل الميلاد، ويبلغ طولها 30 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وهي مكونة من قاعدة أسطوانية عريضة يعلوها عنق طويل يحمل الإناء المخصص لاحتواء الجمر والبخور وما شابه من الطيوب. تنتصب هذه القاعدة على ثلاثة قوائم مقوّسة بشكل طفيف، وتشكّل نصف فلكة تمتدّ قمّتها أفقياً، مشكّلةً مجسّماً مستطيلاً تحيط به ثلاثة تماثيل أنثوية متجانسة. يعلو هذا العنق حوض أصغر حجماً يتّصل بإناء تحيط به كذلك ثلاث هامات أنثوية. تزيّن هذه المبخرة حلّة لونية صبغت بالأحمر القاني، تتمثّل في سلسلة من العقود الزخرفية. تؤلّف هذه العقود شبكة تتكون تباعاً من دوائر تنعقد أفقياً حول الكتل التي تتكوّن منها المبخرة.

تزيّن القاعدة ستة عقود متناغمة. تحضر الدائرة الأولى على شكل خط رفيع. وتحضر الثانية على شكل شريط تعلوه شبكة من الخطوط العمودية المرصوفة كأسنان المشط. وتحضر الثالثة على شكل شريط تعلوه شبكة من المثلّثات. وتحضر الرابعة على شكل مماثل للثانية، وتعلوها دائرتان متشابهتان، تتكوّن كلٌّ منهما من عقد تزيّنه سلسلة من الخطوط اللولبية. في المقابل، تزيّن العنق حلّة مماثلة انمحت وبقي منها أثر طفيف، ويزيّن الحوض شريط من المثلّثات يعلوه شريط من الخطوط اللولبية، وتزيّن الإناء كما يبدو شبكة من الدوائر المجردة بقي منها طيفها.

تتماثل المجسّمات الأنثوية التي تحيط بعنق قاعدة المبخرة، وتحضر كلّ منها على شكل امرأة جاثية على ركبتيها. يتميّز الرأس بحجمه الكبير قياساً إلى الصدر، وتتكوّن ملامحه من عينين لوزيتين ضخمتين، وأنف عريض ينساب من أعلى الجبين، وثغر صغير يفصل بين شفتيه شقّ بسيط. تعلو هذا الوجه كتلة مقوسة تزيّنها سلسلة من الخصل الناتئة، مع فارق في الوسط الأعلى يرسم تسريحة الشعر. يستقرّ هذا الرأس فوق عنق عريض يعلو صدراً ناتئاً غاب تكوينه تحت رداء عريض. الذراعان مسدولتان وملتصقتان بالصدر، واليدان معقودتان عند حدود الركبتين، والساقان غائبتان وذائبتان في كتلة القاعدة. تتماثل كذلك الهامات التي تحيط بأعلى المبخرة، وتشابه وجوه القامات التي تحيط بقاعدتها إلى حد التطابق.

تزيّن كلًّا من هذه المجسمات الأنثوية الستة حلّةٌ لونية بالأحمر القاني المعتمد في هذه الصياغة، وتتمثّل هذه الحلّة في خطوط تحدّ العينين، وخطوط تنعقد حول العنق، وخطوط ترتسم عمودياً فوق الرداء الذي يكسو الصدر العارم. تتآلف هذه الخيوط مع تلك التي تؤلف الحلة الزخرفية، وتشكّل معها حلّة واحدة متناغمة تسبغ على هذه القطعة طابعاً خاصاً.

خرجت من مواقع الإمارات الأثرية مجموعة من المجامر والمباخر، تقابلها مجموعة أخرى خرجت من مواقع سلطنة عُمان التي شكّلت مع الإمارات في الماضي وحدة جغرافية وثقافية. واتبعت هذه القطع الأنماط والأساليب المحلية التي سادت في نواحي الجزيرة العربية. في هذا الميدان الثري، تخرج مبخرة مليحة الأنثوية بمكوناتها عن هذا السياق، وتبدو فريدة من نوعها. تتبع هذه القطعة الجميلة كما يبدو أسلوباً خاصاً مصدره بلوشستان، أي بلاد البلوش التي تقع في جنوب غربي آسيا، على طرف الهضبة الإيرانية. تمتد هذه البلاد بشكلٍ أساسي في مناطق واسعة تشمل اليوم أقصى الجنوب الشرقي من إيران، والجزء الجنوبي الغربي من باكستان، وفي جزء من جنوب أفغانستان، وهي في الميراث الأدبي بلاد مكران المطلّة على بحر العرب، ذكرها الإصطخري في «المسالك والممالك»، وقال إنها إقليم واسع من أعمال السند، ولسانها الفارسية.

تحتلّ مليحة مكانة خاصة في خريطة مواقع الإمارات الأثرية، وتكمن هذه الخصوصيّة في تعدّديتها الثقافية التي تشهد لها اللقى الأثرية المتنوعة التي خرجت منها منذ انطلاق أعمال المسح المتواصلة فيها في عام 1986. تعكس مجموعة كبيرة من هذه القطع طابع جنوب الجزيرة العربية، وتعكس مجموعة أخرى الأثر الهلنستي الذي بلغ هذه الناحية من شمال شرقي شبه الجزيرة العربية، ونقع على مجموعة مغايرة تحمل طابع بلاد الهند والسند بشكل جليّ، وتعود مبخرة مليحة بمجسماتها الأنثوية إلى هذه المجموعة بشكل لا لبس فيه.

شكّلت الإمارات وسلطنة عُمان في الماضي السحيق قطباً من أقطاب بلاد ماجان التي ورد ذكرها في نقوش بلاد ما بين النهرين الكتابية، وضمّت هذه البلاد مكران. شكّل إقليم عمان الجزء الغربي من مجان، وشكّلت مكران الجزء الشرقي، ومع مرور الزمن اندثرت ماجان، غير أن التواصل بين جزأيها ظلّ حياً على مدى قرون، وشواهده الفنية عديدة في شمال شرقي شبه الجزيرة العربية، وتُعدّ مبخرة مليحة الأنثوية من أجمل هذه الشواهد وأبلغها.