الذاكرة مرتع للكتابة

«يغتسل النثر في نهره» لشربل داغر

الذاكرة مرتع للكتابة
TT
20

الذاكرة مرتع للكتابة

الذاكرة مرتع للكتابة

فاز كتاب «يغتسل النثر في نهره» بجائزة «أبو القاسم الشابي» في تونس في دورتها الثلاثين 2024، الديوان الشعري الصادر عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع (الأردن). وقالت لجنة التحكيم في بيان إنها منحت الجائزة إلى الشاعر شربل داغر «لاختلاف الكتاب عن الكثير من السائد في قصيدة النثر، وفي البناء الشعري والمعرفي، ولما تميز به وما احتواه من لغة حية، وبنية محكمة، وكتابة موقعة متعددة مشرعة على الأجناس الأدبية».

يكتب الشاعر شربل داغر في كتابه الشعري (يغتسل النثر في شعره) المقطع التالي:

(ففي التمشّي ما يلدني، من دون أن أنتظر بطاقة ثبوتية من جالسِين يتفقدون النسب، والعصبية، وتقطيبة الحاجبين لدى الأجداد...

لعلي كنت أتمشَّى، وأنا أكتب.

لعلي كنتُ أكتب، وأنا أتمشَّى.

لعلي كنتُ أتقدم في دروب، لا في جادات، قبل أن أصل إلى حيث أرغب في أن أصل أحياناً.

لعلي كنتُ أتقدم صوب قارئ قبل أن أصل إليه.

لعل الماشي يتقدم بخفة النحلة، أو بعزم النسر، على أن في رواحه ومجيئه حيويةَ ما تفعلُه القصيدة في تنقلها الحر صوب بيتِها الافتراضي، والأكيد في آن). (ص8)

وَحْدهُ المَشّاء يُرَوضُ الذاكرة. المشّاء مُحب للحياة بالضرورة. فيلسوف ذاته، وقودُ فكره الخلّاق المشيُ في أرض الله البهية. المشي فرحٌ بقدمين، يبتهج بجماليات الحياة التي تلتقطها العين المغمورة بالتفاؤل، عين الحكمة... والحكمة كتابة، أن تتشكّل في الذهن قصيدة كأنما تضع لها أساسات هندسية فأنت مبدع حقاً، لا ينفك ذهنك المضيء عن شحذ ماكنة تنوير المعنى المتشظي إلى معانٍ مخبوءة كالجواهر الدفينة تحت أنقاض الحضارات.

شربل داغر
شربل داغر

المشي ولادة متجددة للشاعر/ الكاتب المتعدد في فرادته، الكتابة ليس حبراً فقط، هي انكتاب ذهني ينضج أكثر بجرّة قلم أو بكبسة زٍر على الحاسوب أو اللابتوب، نضوج الفكرة الشعرية أو النثرية على مهل معناه بلوغ التشابك المثمر حد القناعة بجمالية النص المُعتمِل في مختبر مُتخيله الذاتي، المختبر المملوء بنفائس أدبية تحتاج إلى جُهد وصقل مُـتواصل بالمقروئية وتطوير التقنيات الأسلوبية المُبتكرة دوْماً في حالة أصالة الخامة المُنتمية للشاعر/ الكاتب. هكذا يحفر في خامة منجمه الفكري الخاص. لطالما اعْتُبِرَ الفكر مصطلحاً منطقياً فقط، مع أن الفكر الإبداعي هو الأصل لكل ما هو مُمنطق وغير مُمنطق (لا غرابة في قرابة صوتية تجمع المنطق بالنطاق بما هو حزام، يشتركان في حبس دفق البوح الأدبي المُتجمِّل بالمجاز والاستعارة وشتّى صنوف الجمال...). القصيدة فكرة كما القصة والرواية والسيرة واليوميات والرحلة، وكل نص يتحقق فيه شرط الأدبية، حال كل الفنون والعلوم على اختلاف حقولها.

المشي في منظور داغر يستدعي الذاكرة، لا يطلب فيما يكتبه من شعر «إنعاش ذاكرتي، وإنما يستدعيها المشي» (ص8)، يُحفز الذاكرة، يوقظها من سُباتها، حتى تشرئب بعُنقها الطويل بعدد السنين، الذاكرة منبع أفكار لها طراوة تُسعف في بناء النص شعراً أو نثراً، تمُدُّه بطاقة الكتابة الإبداعية المُبتكرة بالوقائع والتخيُّلات، بما أن الطفولة مرتعُ الصِّبا فالذاكرة مرتعُ الكتابة.

ينفي شربل عنه هذه التفصيلة المُلفتة للتمعن في تجربته «لستُ بشاعر يلوذ بالطبيعة، أو يجعل منها مثالاً للفن والأدب، وإنما أعود إليها طلباً لملامسة الوجود في عناصره البدئية، من شجر وطير وصخر ونهر...». (ص8)

أنهارٌ من شِعر

دفق شعري جارف منبعه القريحة ومصبَّاتُه قُراء العربية، يغتسلُ النثرُ في نَهْرِه، النهر شعر يسري في مسراه:

(ما يجري في النهر، يجري في قصيدة،

بخلاف الغبار الذي يغسل عينَي الشاعر في مدينته). (ص16)

ثمّة مِسحة تصوف بطريقة أو أخرى، نوع من الحُلولية المُعاصرة بهالات رؤيوية تمـُت للشاعر بكُل الصِّلات المُحتملة، يتكشَّفُ ذلك في غَمْرة وَجْدٍ ينحته بقول كهذا:

(يا نهري،

يا أناي.

نهرٌ ما يَمضي في مجراه،

هذه القصيدة). (ص17)

يريد الشاعر لجريان القصيدة أن يمضي في طريقه، بلا تنقيح أو محو أو تشطيب على جُمل وتبديلها بأخرى، دع القصيدة حُرّة -ليس للسيّاب أو نازك صلة في هذا المقام-، الجريان سَجيّة، الدهشة الأولى، الفِطرة المُضاعفة التي يتمتع به الشاعر دون الناس، لهم فطرتهم أو الجِبلَّة المشتركة مع الشعراء كوْنُهم بشراً، بيد أنّ «سَحرة الكلام» لديهم الفطرة الزائدة بمتانة الرؤية المخترقة للعوالم وأسرار الحياة:

(اُترك خلفكَ ما كتبتَ.

هذا أوان الكلام من دون إبطاء، أو مراجعة.

ما ستقوله، سيكون عابراً وموجعاً، لأنك لن تقوى على استعادته أو محوه). (ص19)

الثنائيات القدَرية لا مفر منها، إلّا أن تفرَّ من القدر إلى القدر ذاته، لهذا يكتب الشاعر في المقطع الموالي:

(عُمْري

نهري.

شِعري

نثري،

العُمر مسَّودةٌ من دون تصحيح.

القصيدة نهرٌ لا تصبُّ في بحر، بل في نثر). (ص23)

شربل يعيد صياغة بطاقة التعريف للمُنجز الشعري/ النثري الذي حفلت به تجربته الطويلة الممتدة في حقول الكتابة الموسوعية من نقد، وفنون، وشعر، ونثر، وتاريخ، ومعجم، في المحصلة إبداعات، ودراسات متعددة المشارب. في الكتابة الأدبية يستثمر المُمكنات الجمالية بصيغ مُبتكرة، وتراكيب ومفردات مصقولة بعناية الصانع/ الشاعر، وما ثيمة النهر الدال على مدلول الشعر في هذا الكتاب إلا عنوان الهاجس المُحرِّك للطاقة الإبداعية المتسامية على أسْيِجة النوع الأدبي، ومتاريس الحدود التقليدية.

* كاتب مغربي


مقالات ذات صلة

الكتب مهّدت لانتصار الغرب الحاسم في الحرب الباردة

كتب تشارلي إنجلش

الكتب مهّدت لانتصار الغرب الحاسم في الحرب الباردة

يبدو اسم كتاب صحافي «الغارديان» البريطانية تشارلي إنجلش الأحدث «نادي الكتاب في وكالة المخابرات المركزية» أقرب لعنوان رواية جاسوسيّة منه لكتاب تاريخ

ندى حطيط
ثقافة وفنون العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

إذا كانت نقاط التقاطع بين صخب الحياة العباسية المدينية، وبين بوادي الحجاز التي كانت مأهولة بالحرمان وشظف العيش في العصر الأموي، هي من الندرة بمكان

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة

مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

أدّت عمليات المسح والتنقيب المتواصلة خلال العقود الأخيرة في دولة الإمارات المتحدة إلى الكشف عن سلسلة من المواقع الأثرية، أبرزها موقع مليحة

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون المدينة الفاضلة

المدينة الفاضلة

كان الصينيون القدامى يتركون عظام جنودهم الذين سقطوا في الحرب، عند أسس بوابات المدينة ومبانيها الرئيسية.

حيدر المحسن
ثقافة وفنون «الليلة الكبيرة»... الواقع والفانتازيا يمتزجان عبر لغة ساخرة

«الليلة الكبيرة»... الواقع والفانتازيا يمتزجان عبر لغة ساخرة

يستدعي عنوان رواية «الليلة الكبيرة» للكاتب محمد الفولي حالة من الحنين أو «النوستالجيا» لأوبريت مسرح العرائس الأشهر الذي يحمل الاسم نفسه وتربت عليه الأجيال

منى أبو النصر (القاهرة)

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي
TT
20

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

إذا كانت نقاط التقاطع بين صخب الحياة العباسية المدينية، وبين بوادي الحجاز التي كانت مأهولة بالحرمان وشظف العيش في العصر الأموي، هي من الندرة بمكان، بحيث يصعب أن نعثر في العصر العباسي الأول على نسخ عذرية مماثلة لمجنون ليلى، وجميل بثينة، وكثيّر عزة. إلا أن ما تقدم لا يعني بالضرورة الغياب التام لحالات التتيم العاطفي وتجارب العشق الصادقة في ذلك العصر. ذلك أن الإشباع الجسدي لا يوقف وجيب القلوب، والحصول على المتعة لا يروي عطش الروح، ولا يوفر للشخص المعني ما يحتاج إليه من الحب والعاطفة الصادقة. وهي الفرضية التي تجد ضالتها المثلى في حالة العباس بن الأحنف، الذي لم تحل حياته المترفة ووسامته الظاهرة، وظرفه المحبب، دون وقوعه في حب «فوز»، المرأة التي شغلته عن كل ما عداها من النساء.

ومع أن الرواة قد اختلفوا حول نشأة العباس ونسبه، حيث ذكر الأصفهاني أنه نشأ في بغداد وينتمي إلى بني حنيفة العرب، وقال الأخفش إنه كان من عرب خراسان، ورأى آخرون أنه نشأ في البصرة ثم وفد إلى بغداد، فقد أجمع المبرّد والصولي والأصمعي على تقريض شعره، ورأى الجاحظ أنه كان شاعراً غزِلاً شريفاً مطبوعاً، وله مذهب حسن ولديباجة شعره رونق وعذوبة، وأنه لم يتجاوز الغزل إلى مديح أو هجاء. لكن اللافت أن الأصفهاني لم يولِ العباس وأخباره الكثير من الاهتمام، ولم يركز إلا على أشعاره الصالحة للغناء، دون أن يأتي على ذكر فوز، أو أيٍّ من معشوقاته الأخريات.

ورغم أن العباس يعرض في ديوانه للكثير من النساء، مثل ظلوم وذلفاء ونرجس ونسرين وسحر وضياء، ومعظمهن من الجواري، فإن فوز هي التي احتلت النصيب الأوفر من شعره الغزلي. ومع ذلك، فقد ظلت هويتها الحقيقية في دائرة الغموض واللبس. وحيث ذهب البعض إلى أنها والجارية ظلوم تسميتان لامرأة واحدة، إلا أن قصائد الشاعر تؤكد أن فوز لم تكن جارية، بل امرأة من الأشراف ذات نسب عريق. وفي مواضع عدة يشير العباس إلى أنه أخفى اسم حبيبته الحقيقي خشية على نفسه وعليها، كما في قوله:

كتمتُ اسمها كتمان من صار عرضةً وحاذر أن يفشو قبيح التسمُّعِ

فسمّيتها فوزاً ولو بحتُ باسمها

لسُمِّيتُ باسمٍ هائل الذكْر أشنعِ

وفي بحثها النقدي الاستقصائي عن العباس بن الأحنف، ترى الكاتبة العراقية عاتكة الخزرجي أن حبيبة الشاعر لم تكن «كائناً متخيلاً، بل امرأة من لحم ودم، وأن ديوانه الشعري كان سيرته وقصة قلبه». إلا أن الخزرجي تذهب إلى أبعد من ذلك، فترجح أن تكون فوز هي الاسم المعدل لعليّة بنت المهدي، أخت هارون الرشيد، وأن العباس أخفى هويتها الحقيقية خوفاً من بطش الخليفة، الذي كان الشاعر أحد جلسائه.

وقد كان يمكن لاجتهاد الخزرجي حول هوية فوز، أن يكون أكثر مطابقة للحقيقة، لو لم يشر الشاعر في غير موضع إلى أن حبيبته قد انتقلت للعيش في الحجاز، في حين أن عليّة، ظلت ملازمة لبغداد ولقصر أخيها الرشيد بالذات. وأياً تكن هوية حبيبة العباس الحقيقية، فقد بدت المسافة الشاسعة التي تفصله عنها، بمثابة النقمة والنعمة في آن واحد. فهي إذ تسببت له بالكثير من الجروح العاطفية والروحية، إلا أنها منحته الفرصة الملائمة لإحالتها إلى خانة الشعر، ولتحويلها نداءً شجياً في صحراء الغربة الموحشة، كقوله فيها:

أزيْنَ نساءِ العالمين أجيبي

دعاء مشوُقٍ بالعراق غريبِ

أيا فوز لو أبصرتِني ما عرفْتني

لطول نحولي دونكم وشحوبي

أقول وداري بالعراق، ودارها

حجازيةٌ في َحرّةٍ وسهوبِ

أزوّار بيت الله مُرّوا بيثربٍ

لحاجة متبولِ الفؤاد كئيبِ

ولو تركنا هذه الأبيات غفلاً من الاسم، لذهب الظن إلى أن ناظمها الفعلي هو جميل بثينة أو مجنون ليلى. وليس من قبيل الصدفة أن ينسب الرواة إلى العباس، ما نُسب قبله إلى المجنون، ومن بينها مقطوعة «أسرْب القطا هل من يعير جناحه؟» المثبتة في ديوانَي الشاعرين. وإذا كان لذلك من دلالة، فهي أن هاجس العباس الأهم، كان يتمثل في إعادة الاعتبار للشعر العذري بوصفه الحلقة المفقودة في الحب العباسي، إضافة إلى أنه أراد في ظل القامات الشاهقة لأبي نواس وأبي تمام وغيرهما، أن يحقق عبر الحب العذري، ما يمنحه هويته الخاصة ويمهد له الطريق إلى الخلود. وهو ما يظهر في قوله إن التجربة التي اختبرها سوف تكون «سنناً للناس»، أو قوله: «وصرنا حديثاً لمن بعدنا، تحدّث عنا القرونُ القرونا».

وإذ يقارب المستشرق الفرنسي جان كلود فاديه في كتابه «الغزل عند العرب»، تجربة العباس من زاوية كونها خروجاً على التجارب الحسية البحتة لمعاصريه، يتوقف ملياً عند حبه لفوز، متسائلاً عما إذا كانت الأخيرة قد وُجدت حقاً، أم أن الشاعر قد ألفها من عنديات توقه للمرأة الكاملة. وإذا كان فاديه قد رأى في فوز المعادل الشرقي لبياتريس، حبيبة دانتي في «الكوميديا الإلهية»، فإن النموذج الغزلي الذي راح العباس ينسج على منواله، هو نموذج عربي بامتياز. وحيث كانت البيئة الحاضنة لشعره خالية من البوادي المقفرة والفقر المدقع، فقد استعاض الشاعر عن الصحراء المحسوسة، بصحراء الحب المستحيل الذي يلمع كالسراب في أقاصي العالم، موفراً له ما يلزمه من بروق المخيلة ومناجم الإلهام.

ومع أن العباس كان يسير عبر قصائده الغزلية والعاطفية، في اتجاه معاكس لنظرائه ومجايليه من الشعراء، فإن من يقرأ ديوانه لا بد أن ينتابه شعور ما، بأنه ليس إزاء شاعر واحد متجانس التجربة والمعجم والأسلوب، بل إزاء نسختين أو أكثر من الشخص إياه. فهناك القصائد الطويلة المترعة بالحسرة والوجد، التي تحتل فوز مكان الصدارة فيها، وهناك بالمقابل النصوص القصيرة ذات المعاني والمفردات المستهلكة، التي يدور معظمها حول مغامرات الشاعر العابرة مع القيان والجواري. إلا أن ما يدعو إلى الاستغراب هو أن يكون بين المنظومات المهداة إلى فوز ما هو متكلف ومستعاد وسطحي، كمثل قوله:

أيا سيدة الناسِ

لقد قطّعت أنفاسي

يلوموني على الحبّ

وما في الحب من باسِ

ألا قد قدُمتْ فوزٌ

فقرَّت عينُ عباسِ

رغم أن العباس يعرض في ديوانه للكثير من النساء، ومعظمهن من الجواري فإن فوز هي التي احتلت النصيب الأوفر من شعره الغزلي

ولعل الأمر يجد تفسيره في كون العباس لم يحصر اسم فوز في المرأة التي محضها قلبه، بل استعاره لغير واحدة من نسائه العابرات. إضافة إلى أن رغبته بأن تصدح بهذا الاسم حناجر المغنين والمغنيات، جعلته يتنازل عن سقف شعريته العالي، لمصلحة النصوص السهلة والصالحة للغناء، خصوصاً أن احتفاء عصره بهذا الفن، لم يكن موازياً لاحتفاء الأمويين به فحسب، بل كان متجاوزاً له بفعل التطور والرخاء واختلاط الشعوب والثقافات.

وعلينا ألا نغفل أيضاً أن النزوع النرجسي للعباس، قد دفعه إلى أن يصيب بقصائده ومقطوعاته أكثر من هدف. فرغبته في أن يحاكي التجربة الفريدة لعمر بن أبي ربيعة، والتي جعلته يكرس بعضاً من النصوص لسرد فتوحاته ومغامراته العاطفية التي يواجه فيها المخاطر ليظفر بامرأته المعشوقة، لم تحل دون رغبته الموازية في التماهي مع تجارب العذريين الكبار، وما يستتبعها من بوح صادق وشفافية مفرطة.

إلا أن المقارنة بين النموذجين الحسي والمتعفف في تجربة الشاعر، لا بد أن تصبح في مصلحة هذا الأخير، حيث يذهب العباس بعيداً في الشغف وحرقة النفس، وفي الأسئلة المتصلة بالحب واللغة والفراق والموت. وهو إذ يحول العناصر والمرئيات مرايا لروحه الظامئة إلى الحب، تتراءى له فوز في كل ما يلوح له من الأشياء وظواهر الطبيعة، حتى إذا أبصر السيل منحدراً من أعالي الهضاب، تذكر أن ثمة في مكان قريب، حبيبة له «مسيلة» للحنين والدموع وآلام الفراق، أنشد قائلاً:

جرى السيلُ فاستبكانيَ السيلُ إذ

جرى وفاضت له من مقلتيّ سروبُ

وما ذاك إلا حيث أيقنتُ أنه

يمرُّ بوادٍ أنتِ منه قريبُ

يكون أجاجاً دونكمْ فإذا انتهى

إليكمْ تلقَّى طيبكمْ فيطيبُ

أيا ساكني شرقيّ دجلةَ كلُّكمْ

إلى النفس من أجل الحبيب حبيبُ