وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين

تكشف عن صراعه الداخلي مع قضايا العرق والدين والسياسة

مارك توين
مارك توين
TT

وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين

مارك توين
مارك توين

صدر مؤخراً عن دار «بنغوين» للنشر كتاب لافت من توقيع المؤرخ الأميركي رون تشيرنو، الحائز جائزة «بوليتزر»، يُعيد النظر في سيرة الروائي الأميركي الكبير مارك توين. ويكتسب العمل أهميةً استثنائية لكونه يستند في معظمه إلى وثائق لم تُنشر من قبل منها دفاتر يومية، ومراسلات خاصة، ومخطوطات ظلّت حبيسة الأدراج أكثر من قرن، وقد أمضى تشيرنو سنوات في مركز أبحاث مارك توين بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، يتصفح ما يزيد على خمسين دفتراً يومياً سجّل فيها الكاتب الأميركي أفكاراً وانطباعات لم تجد طريقها إلى أعماله المنشورة، إضافةً إلى آلاف الرسائل التي تبادلها مع زوجته وأصدقائه وخصومه، ومئات الصفحات من مسّودات لم تكتمل. وقد أفضى هذا الكم الهائل من المواد الأولية إلى كتابٍ يقع في نحو ألف ومائتي صفحة، يقدّم صورةً مغايرة لكاتب «مغامرات توم سوير» تعكس بجلاءٍ صراعه الداخلي العنيف مع قضايا العرق والدين والسياسة الأميركية، بعيداً عن الأسطورة المصقولة التي رسّختها عقود من الدراسات الأكاديمية.

ومنذ الصفحات الأولى، يُدرك القارئ أن تشيرنو لم يكتب عن مارك توين بقدر ما أقام معه حواراً عابراً للقرون، حيث تبدأ السيرة من مولد صامويل لانغهورن كليمنس عام 1835 في قرية «فلوريدا» بولاية ميسوري المُطلة على ضفاف نهر المسيسيبي. في تلك الجغرافيا المائية اللانهائية تكوّنت الروح الأدبية الأولى لتوين. فالنهر لم يكن مجرد ماءٍ يجري، بل كان معلماً ووطناً ومرجعاً فلسفياً، وقد انعكس ذلك كله في طريقة كتابته التي جعلت من النهر شخصيةً روائية بامتياز وهو ما تجلّى في «مغامرات هكلبري فين» و«توم سوير». ثم يتتبع الكتاب رحلة الشاب الفقير الذي جرّب مهناً عدة قبل أن يستقر على الكتابة؛ من الطباعة، إلى ربانة السفن النهرية، إلى التنقيب عن الذهب في مدينة نيفادا. كما يقف طويلاً أمام سؤال الهوية الذي شغل توين طوال حياته، وكيف تحوّل الصبيُّ الفقير صامويل كليمنس إلى أيقونة عالمية باسم مستعار؟ وهنا يكشف الكتاب عن أن اختيار اسم «مارك توين» لم يكن مجرد نزوة أدبية، بل كان فعلاً تأسيسياً، إذ استعار المصطلح من لغة الملاحة النهرية. وفي ذلك الاختيار رمزيةٌ عميقة، كأن توين أراد أن يقول إنه يسبر دائماً الأعماق الكافية كي لا يجنح قارب القارئ على الصخور. وقد استعان تشيرنو بعشرات الرسائل والمقابلات النادرة ليُثبت أن توين كان أول «مشهور» بالمفهوم الحديث للكلمة، حيث نجح في إدارة صورته العامة بالدقة نفسها التي يدير بها قلمه، فكان يعتني ببدلاته البيضاء الصارخة، وتسريحة شعره المميزة، كما كان يحرص على نوع سيجاره ونبرة صوته وطريقة دخوله إلى القاعة، وكان يُراجع ما تكتبه الصحف عنه ويتدخل في صياغة صورته أمام الجمهور بأسلوب لا يختلف كثيراً عما يفعله نجوم القرن الحادي والعشرين على منصات التواصل الاجتماعي.

من أبرز ما تكشف عنه هذه الوثائق الجديدة حجمُ مشاغل توين المالية وهوسه الدائم بالثروة، وهو ما يخصص له تشيرنو مساحةً واسعة. فقد أنفق توين مبالغ ضخمة على استثمارات فاشلة، كان أسوأها المبالغ الطائلة التي ضخّها في آلة «بايج» للطباعة التي أفلست شركته وأجبرته عام 1894 على مغادرة بيته في هارتفورد والشروع في تنظيم جولات ومحاضرات مضنية حول العالم لجمع المال وسداد ديونه. وقد كشفت رسائله في تلك المرحلة عن قلقٍ عميق وإحساس بالإخفاق لم يَبُح به في العلن، قبل أن ينجح في النهاية في تسوية جميع ديونه دون أن يُعلن إفلاسه الرسمي، وهو ما أضفى عليه احترام معاصريه.

يُفرد تشيرنو مساحةً واسعة لتطور موقف توين من قضية العرق والعبودية، وهي الخيط الأعمق الذي ينسج الكتاب حوله. والمعروف أن توين كان قد وُلد في منطقة تُجيز العبودية، ونشأ في بيئة رأى فيها الرقيق حقيقةً يومية مألوفة لا تُثير استنكاراً. بل إن أقاربه امتلكوا العبيد، غير أن توين شهد تحولاً عميقاً وتدريجياً في نظرته إلى هذه المسألة حتى أصبح من أشدّ الأصوات المدافعة عن المساواة والكرامة الإنسانية في زمنه. وقد ترجم ذلك في كتاباته الأدبية، أبرزها «مغامرات هكلبري فين» الشهيرة، حيث وضع توين على فم طفلٍ أبيض هارب من مجتمعه الفاسد قصيدةً إنسانية عن الصداقة مع «جيم»، الرجل الأسود الفار من العبودية. يحلل تشيرنو بدقةٍ نادرة كيف استطاع توين أن يستخدم السخرية اللاذعة سلاحاً أدبياً للكشف عن تناقضات المجتمع الأميركي، وكيف كان الضحك في كتاباته في أحيان كثيرة وسيلةً للإدانة لا للتسلية. وكان تشيرنو قد كشف عن أن عائدات هذا الكتاب قد أسهمت في التكفل بالمصاريف الدراسية لأحد الطلاب السود في كلية الحقوق، وهو ما عده الكاتب شاهداً ملموساً على عمق هذا التحول.

وعلى صعيد حياته الشخصية، تكشف هذه المذكرات الجديدة عن رجلٍ عاش سلسلة من الأحداث المأساوية، حيث فقد توين زوجته أوليفيا التي كانت حب حياته ومحرّرته الأولى وشريكته على مدى أربعة عقود. كانت «ليفي» تقرأ مخطوطاته قبل النشر وتُشير إلى ما قد يُثير إشكالاً، وكان توين في الغالب يأبه لرأيها حتى وإن تذمّر ظاهرياً. وقد تسببت وفاتها عام 1904، في إشعال نيران حزنٍ لم تنطفئ حتى رحيله. كما فقد ابنه لانغدون في طفولته المبكرة، ثم رحلت ابنته سوزي بداء التهاب السحايا عام 1896، ثم ودّع ابنته جين قبل أشهرٍ قليلة من وفاته في 1910، لتمثّل تلك الوفاة الأخيرة ضربةً قاضيةً أسدلت على أيامه الأخيرة ظلاماً من اليأس والتشاؤم. وقد وصف توين ذاته في تلك المرحلة بأنه «يعيش في مخزن المصانع» حيث كل شيءٍ عتيق وبارد ومحاط بأشباح من يحبهم. وقد انعكس هذا الحزن المتراكم على انتمائه الغريب إلى ما عُرف بـ«نادي السمكة الملاك»، وهو ذلك النادي الذي أسّسه في سنواته الأخيرة من فريق من الفتيات الصغيرات اللواتي كان يتبادل معهن الرسائل ويُسمّيهن حفيداته الروحيات، وهو ما يُحلّله تشيرنو برؤيةٍ نفسية حصيفة في محاولةٍ يائسة من توين لاستعادة طفولةٍ ضائعة وبراءة انقضى عهدها.

ويخصص تشيرنو فصلاً دقيقاً مؤلماً لعلاقة توين بالدين، ذلك الجانب الذي يظل مثار جدل حتى بين معجبيه. فبينما احتفظ توين بظاهرٍ ديني مقبول اجتماعياً، كانت دفاتره السّرية تُخفي نقداً جذرياً ومرّاً للكنيسة بوصفها مؤسسةً للسلطة والنفاق أكثر مما هي بيتٌ للروح. بل إن بعض كتاباته التي أوصى بعدم نشرها إلا بعد وفاته، كـ«ما الإنسان؟» و«الغريب الغامض»، التي تحمل انتقاداً صريحاً للمؤسسة الدينية والطبيعة البشرية، كشفت عن شخصيةٍ تحوّلت من الشك إلى اليأس الوجودي الصريح، مُتسائلةً بحدّة عن قيمة الحياة ومعنى الإنسانية في كونٍ يبدو لامبالياً. وهو ما يُشير إلى أن توين الذي عرفه الناس كاتباً ساخراً مرحاً يملأ القاعات ضحكاً لم يكن سوى قناع لشخصية أشمل وأكثر تعقيداً.

ولا يُفوّت الكتاب مواقف توين السياسية التي تحتل حيّزاً من الوثائق غير المنشورة، وفي مقدمتها معارضته الصريحة للسياسة الأميركية في الفلبين وكوبا في مطلع القرن العشرين، إذ كان من أبرز وجوه الرابطة المناهضة للإمبريالية، يكتب المقالات ويُلقي المحاضرات محتجّاً على ما عدّه تناقضاً صارخاً بين قيم الحرية التي تتشدق بها الولايات المتحدة وسياساتها الخارجية. وقد عرّضته هذه المواقف لانتقاداتٍ حادة في حياته، لكنه لم يتراجع عنها.

استُقبل هذا الكتاب في الأوساط الأكاديمية والصحافية الأميركية استقبالاً إيجابياً واسعاً، وعدّه كثيرٌ من النقاد إضافةً نوعية إلى أدبيات السيرة في الأدب الأميركي، نظراً إلى ما يقدمه من معطيات جديدة تستند إلى مصادر أولية لم تُستثمر من قبل. وقد علّق بعض النقاد على أن تشيرنو، المعروف بسيره الذاتية الكبرى لأمثال ألكسندر هاميلتون وجورج واشنطن وأوليسيس غرانت، قد وجد في توين شخصيةً تُنافس هؤلاء العظماء في التعقيد والإثارة، وإن كانت تختلف عنهم في كونها أكثر شجناً وأغنى دلالةً إنسانية، ويأتي هذا الكتاب ليؤكد مرة أخرى أن مارك توين، بعد مئة وخمسة عشر عاماً على رحيله، لا يزال يحمل ما يكفي من المفاجآت.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

ثقافة وفنون الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

في خريف العام الماضي، أنهى أنطونيو بريسيو، استشاري هندسي مقيم في غوادالاخارا بالمكسيك، مسودة روايته الأولى ـ رواية خيال علمي مثيرة،

ألكسندرا ألتر
ثقافة وفنون  بودلير

بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

لقد سقط بودلير وهو في عز الشباب (46 سنة فقط). وأصيب بالشلل في أواخر حياته، ويقال إنه جنّ. ومع ذلك فقد خلَّف وراءه أكبر ثورة شعرية في تاريخ العصور الحديثة.

هاشم صالح
ثقافة وفنون لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

صدر أخيراً عن «منشورات الربيع» في القاهرة، رواية «بيت الخلد: الحياة السرية لفريدة المفتي»، للروائية والناقدة المصرية الدكتورة هويدا صالح.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون لماذا نحتاج إلى الضحك؟

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات:

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة...

عمر شهريار

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر
TT

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

في خريف العام الماضي، أنهى أنطونيو بريسيو، استشاري هندسي مقيم في غوادالاخارا بالمكسيك، مسودة روايته الأولى ـ رواية خيال علمي مثيرة، تدور حول مؤامرة حكومية لطمس تاريخ أول اتصال للبشرية مع لاجئين فضائيين.

وبعد مراسلة عشرين وكيلاً أدبياً وتلقيه سلسلة من الرفض، أمضى عدة أشهر في مراجعة روايته، بجهدٍ كبير، على أمل أن يقع على ناشر يوماً ما.

اليوم، يساور القلق بريسيو من أن عملية الحصول على عقد نشر، وهي عملية شاقة بطبيعتها لمؤلف مبتدئ ـ قد ازدادت صعوبة. ويخشى أن يتجنب الوكلاء والناشرون مخاطرة التعامل مع مؤلفين غير معروفين، خشية أن يكونوا قد استعانوا بالذكاء الاصطناعي في كتابة روايتهم.

اللافت أن حالة الذعر والريبة حيال الكتب المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، تفاقمت الشهر الماضي، عندما قررت دار نشر كبرى، «هاشيت»، إلغاء إصدار رواية الرعب «فتاة خجولة» للكاتبة ميا بالارد في الولايات المتحدة، بسبب أدلة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أسهم في كتابتها. كما سحبت دار «هاشيت» الرواية من المملكة المتحدة، بعد أن أطلقتها بالأسواق، العام الماضي، بعد إقدام بالارد على نشرها بنفسها، بادئ الأمر.

من جهته، لدى علم بريسيو، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بقرار عدم قبول روايته، انتابه شعور مؤلم بخيبة الأمل. وأكد أنه لا يستعين بالذكاء الاصطناعي في الكتابة، إلا لترجمة كلمة أو عبارة عابرة من لغته الأم الإسبانية إلى الإنجليزية، التي يتقنها كذلك، باستخدام برنامج الترجمة بالذكاء الاصطناعي «ديبل» (Deepl). غير أنه تساءل عما سيقوله نظام كشف الذكاء الاصطناعي عن عمله.

وعليه، اشترك في موقع Originality.ai وحمل فصلاً من روايته. وكانت المفاجأة أن أكد النظام بثقة تبلغ 100 في المائة أنه اعتمد على الذكاء الاصطناعي بطريقة ما.

وبالفعل، بحث بريسيو عن العبارات التي توقف عندها النظام، وحذف بعض الجمل، ثم أعاد تشغيله. هذه المرة، أكد البرنامج بنسبة 100 في المائة أن كاتباً بشرياً يقف خلف هذا النص. في نهاية المطاف، أجرى بريسيو محادثةً عبر الدردشة مع أحد ممثلي خدمة العملاء، الذي أخبره أنه إذا تلقى نتائج تُصنّف عمله خطأً باعتباره مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، فقد يحتاج إلى نسخة مختلفة من البرنامج.

ولم تُسفر هذه المراسلات إلا عن مزيد من القلق لدى بريسيو؛ خاصة وأن تقارير موقع Originality.ai حول مسودته، التي شاركها مع صحيفة «التايمز»، كشفت أن إضافة أو حذف بضع جمل فقط يفضي إلى نتائج مختلفة تماماً.

وعن ذلك، علق بريسيو: «ماذا لو بدأ الناشرون أو الوكلاء الأدبيون بتشغيل أدوات الذكاء الاصطناعي هذه على الجميع؟ سيتعامل الجميع بحذر شديد من الآن فصاعداً».

وفي الوقت الذي يُصارع قطاع النشر، مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في كل جانب من جوانب العمل تقريباً، يبدو أن هناك إجماعاً ضئيلاً حول ما يمكن أو ينبغي للناشرين فعله لتنظيم كيفية استخدام الكُتّاب لهذه التكنولوجيا. ومع ذلك، فإن ما يتفق الكثيرون حوله اليوم أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار.

اليوم، يواجه عدد متزايد من الكُتّاب شكوكاً لا أساس لها حول استخدامهم للذكاء الاصطناعي، بينما يستخدمه آخرون دون الإفصاح عنه. في الوقت ذاته، يشعر الكثير من القراء بالحيرة والحذر، لعدم معرفتهم ما إذا كانت الكتب، التي يقرأونها من تأليف إنسان أم آلة.

في سياق متصل، جابه عدد من المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم، انتقادات لاذعة من القراء وأقرانهم الكتاب على حد سواء، لاستعانتهم الواضحة بالذكاء الاصطناعي. غير أن الجدل الدائر حول رواية «الفتاة الخجولة» قد يُشكّل نقطة تحوّل على صعيد صناعة النشر بأكملها.

في أعقاب إلغاء نشر الرواية، تساءل الكثير من القراء والكُتّاب عن كيفية فشل دار نشر كبرى، في رصد دلائل على استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة. وقد اشتكى مُعلّقون عبر منصتي «غود ريدز» و«ريديت» على مدار شهور، ممَّا وصفوه بأنه دليل واضح على استخدام لغة برامج الدردشة الآلية. ودفعت هذه الفضيحة بعض القراء إلى التساؤل عن مدى تدقيق دور النشر للأعمال التي تستحوذ عليها.

في هذا الصدد، صرَّحت أندريا بارتز، كاتبة روايات الإثارة، التي كانت المدعية الرئيسة في الدعوى الجماعية، التي رفعها مؤلفون ضد دار نشر «أنثروبيك»، بأنه: «ندخل الآن عصر انعدام الثقة، حيث لا توجد طريقة سهلة لإثبات صدق كتاباتك». جدير بالذكر أن الدعوى انتهت بالاتفاق على تسوية بقيمة 1.5 مليار دولار.

حديثاً، أدخلت بارتز بعض كتاباتها في برنامج «إيس» لرصد الذكاء الاصطناعي، وفوجئت عندما صنَّف البرنامج عملها باعتباره مُولَّد بواسطة الذكاء الاصطناعي بنسبة 82 في المائة. وبعد ذلك، اقترح عليها البرنامج حلّاً: «هل ترغبين في إضفاء طابع إنساني على نصك؟».

وعندما كتبت بارتز عن تجربتها على منصة «سبستاك»، شاركها عشرات الكتّاب. وعلّقت الروائية رينيه دينفيلد قائلةً: «أعتقد أن هذا ما يحدث عندما تتعرض كتبك للسرقة، بغية برمجة الذكاء الاصطناعي»، مشيرةً إلى أن برنامجاً لكشف الذكاء الاصطناعي، قد صنَّف كذلك بعض كتاباتها بشكل خاطئ، باعتبارها مُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

في الإطار ذاته، قالت جين فريدمان، استشارية بمجال النشر: «يجب أن يكون هذا بمثابة جرس إنذار لصناعة النشر».

اللافت أن معظم دور النشر الكبرى لا تملك قواعد واضحة بخصوص استخدام الذكاء الاصطناعي للمؤلفين، وإنما تكتفي بالاعتماد على الثقة وتوقع الشفافية من الكتّاب. غير أنه مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في صناعة الكتب بطرقٍ عديدة، من البحث إلى التحرير إلى صياغة الجمل، يسود الارتباك حول أشكال استخدامه التي تتجاوز الحدود، ويتزايد الخوف من أن الكتابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تتجاوز، بل وستتجاوز، حدود المحررين المحترفين.

من ناحيتها، عندما سمعت راشيل لويز أتكين، التي تتولى مراجعة الكتب على مواقع «غود ريدز» و«إنستغرام» و«تيك توك» لآلاف المتابعين، لأول مرة عن رواية «فتاة خجولة» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدت لها الرواية وكأنها ستنال إعجابها - قصة رعب نسوية آسرة وملتوية. وبالفعل، التهمت الرواية في يوم واحد وأوصت بها على نطاق واسع. وقالت إنها صُدمت عندما علمت بسحبها، بسبب أدلة تشير إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

تكتب ألكسندرا ألتر عن الكتب والنشر وعالم الأدب لصحيفة التايمز.

* خدمة «نيويورك تايمز»وعلقت على الأمر بقولها: «لو كنت متأكدة من أن شيئاً ما كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنت تجنبته. أعتقد أنه يجب أن نكون قادرين على اتخاذ القرار بشأن ما إذا كنا نريد قراءة شيء كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي».

أما المؤثرة في عالم الكتب، ستايسي سميث، فقد وقعت على رواية «فتاة خجولة» على موقع «نيت غالي» ـ موقع يتيح للقراء الاطلاع على الكتب ومراجعتها قبل نشرها ـ ومنحتها تقييم خمس نجوم على موقع «غود ريدز». وقد شعرت هي الأخرى بالاستياء لدى علمها بالاتهامات الموجهة للرواية.

وقالت: «لا أمانع مطالعة الكتب المكتوبة باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنني أرغب في معرفة أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي. إن الخداع هو ما يؤلمني هنا».

من جهتهم، يضيف بعض الكتّاب شعاراً إلى كتبهم ومواقعهم الإلكترونية، يُشير إلى أن «المؤلف بشري». هذه الشهادة، التي تُقدمها «نقابة الكتاب»، تُمكّن المؤلفين من الإقرار بأنهم ألفوا كتبهم دون استخدام الذكاء الاصطناعي، في توليد النصوص أو صياغتها بشكل جوهري. ورغم أن النقابة لا تتحقق بشكل مستقل من ادعاءات المؤلفين، فإن الكتّاب قد يتعرضون لدعاوى انتهاك حقوق الملكية الفكرية، إذا انتهكوا شروط استخدام الشعار.

يذكر أنه جرى توجيه اتهامات لسارينا بوين، كاتبة نشرت بعض كتبها بنفسها، وأصدرت أخرى بالتعاون مع دور نشر كبرى، باستخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم غلاف إحدى رواياتها. وقد نفت الكاتبة هذه الاتهامات بسهولة؛ إذ نُشرت الرواية قبل سنوات من انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي على نطاق واسع. ومع ذلك، يساورها القلق اليوم بخصوص أغلفة الكتب التي يجري الحصول عليها من الإنترنت ـ ممارسة شائعة بين المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم ـ وما إذا كان فنان ما قد استخدم هذه التكنولوجيا لإنتاجها.

وعن هذا، قالت: «لا أعرف إلى أين سيقودنا هذا، لكن لحظة اتهامي باستخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم الغلاف، كانت محبطة للغاية. كل من ينشر الكتب يغرق في هذا العالم، الذي لا يمكن فيه التأكد من مصدر محتوانا».

وقالت لورا تايلور نيمي، روائية: «إذا كان هناك من سينفق ماله على كتاب، فإنه يرغب في أن يكون نابعاً من عقل وقلب المؤلف، لا من جهاز كمبيوتر سلب عقل الكاتب. وأنا أؤيد ذلك».

يتردد عدد متزايد من الكُتّاب في استخدام الذكاء الاصطناعي بينما يستخدمه آخرون من دون الإفصاح عن ذلك


بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

 بودلير
بودلير
TT

بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

 بودلير
بودلير

لقد سقط بودلير وهو في عز الشباب (46 سنة فقط). وأصيب بالشلل في أواخر حياته، ويقال إنه جنّ. ومع ذلك فقد خلَّف وراءه أكبر ثورة شعرية في تاريخ العصور الحديثة. لولا بودلير لما كان رامبو. لقد انفجر بودلير بالشعر انفجاراً وعاش من أجله، وله، ولم يكن له هدفٌ آخر في الحياة. أليس هو القائل: لقد عجنت الطين (أو الوحل) وصنعت منه الذهب؟ بمعنى آخر: من كلمات عادية جداً خلقت مجازات إبداعية مبتكرة وصوراً خارقة تدوخ العقول. وهنا تكمن معجزة الشعر، سر الشعر. جوهر الشعر. إنه السهل الممتنع إلا على عباقرة العباقرة. ولكن سارتر في كتابه الرائع عن بودلير يضيف قائلاً: «لم يكن هذا الرجل بلا نقيصة ولا خالياً من التناقضات والعيوب. فهذا المنحرف الضال تبنى أكثر الأخلاق امتثالية وشيوعاً في عصره. وهذا الشخص المترف الناعم كان يتردد على المومسات العواهر. وحبه للبؤس والانحطاط والانهيارات السيكولوجية هو الذي جعله يتعلق بتلك الزنجية البشعة حنة دوفال التي كانت عشيقته لسنوات طويلة. وهذا المتوحد كان يخشى الوحدة كثيراً ولا يخرج إلا مع رفاقه إلى مقاهي باريس وحاناتها. وكان يتمنى بناء حياة عائلية وعش منزلي دافئ ولكنه فشل في تحقيق ذلك فشلاً ذريعاً، فعاش متسكعاً، مشرداً، هامشياً. وكان يثني على الجهد والعمل، ولكنه كان عاجزاً عن أن يكمل أي عمل ينخرط فيه. وكان يحمس الناس للسفر إلى الأصقاع البعيدة واكتشاف العوالم القصية، ولكنه بقي متردداً طيلة ستة أشهر قبل أن يحسم أمره ويقرر أخيراً زيارة أمه في مدينة هونفلير التي لا تبعد عن باريس أكثر من مائتي كيلومتر... باختصار شديد فقد كان شخصاً مليئاً بالتناقضات».

في الواقع إن مشكلة بودلير الأساسية هي زواج أمه بعد وفاة والده. هنا يكمن جرحه الأنطولوجي إذا جاز التعبير. هنا يكمن الجرح العميق الذي دمره من الداخل تدميراً، وفجره تفجيراً. ولم يقم من تلك الضربة القاصمة طيلة حياته كلها. بودلير كان متعلقاً بأمه إلى أقصى الحدود. وعندما مات أبوه وعمره ست سنوات فقط لم يحزن عليه كثيراً بل ربما سعد بذلك. فقد اعتقد أن أمه سوف تكون له وحده منذ الآن فصاعداً... وبالفعل فقد قضى معها فترة رائعة لمدة سنتين تقريباً قبل أن يضرب القدر ضربته ويحصل ما لا تحمد عقباه. فقد أبلغته في صبيحة أحد الأيام أنها سوف تتزوج من الجنرال جاك أوبيك الذي أصبح الحاكم العسكري لمنطقة باريس لاحقاً بل والسفير الفرنسي في إسطنبول. عندما سمع بودلير بالخبر جن جنونه. شعر وكأن السماء انطبقت على الأرض. شعر وكأنه سقط من الجنة. لقد انتهت «جنة الطفولة» بالنسبة لشارل بودلير. عندئذ تعرف لأول مرة على تجربة الشر في العالم. حتى ذلك الوقت كان هذا الطفل المدلل ساذجاً كبقية الأطفال. كان يعتقد أن العالم كله خير، وبركة، وسعادة، وطمأنينة. وفجأة يكتشف شيئاً جديداً لم يكن في الحسبان. فجأة يكتشف أن الشر موجود في قلب العالم بل وينخر فيه كما تنخر الدودة في الثمرة. منذ ذلك الوقت حصل صَدْع في الأعماق النفسية لشارل بودلير. ومنذ ذلك الوقت أصبح الشعر ممكناً.

يقول عنه أحد النقاد: كان بودلير ذا روح رقيقة وحساسة جداً وحنونة أيضاً. وقد انكسرت من أول صدمة من صدمات الحياة. لم يتحمل بودلير أبداً زواج أمه. أمه لم تعد له وحده، بل لم تعد له بالمرة. أصبحت لرجل آخر يختلي بها في الغرفة المجاورة مغلقاً الباب في وجهه. لقد خانته أمه وتركته وحيداً على قارعة الطريق. أبداً لن ينسى هذه الإهانة. أبداً لن يغفر لها فعلتها تلك. ولذلك راح يصرخ في وجهها قائلاً: «من كان لها ابن مثلي لا تتزوج»! كيف يمكنه أن يثق بالحياة بعد الآن؟ لقد انتهى عهد الطمأنينة والشفافية واختل نظام الأشياء. وهذا ما حصل لسارتر أيضاً. فقد تزوجت أمه بعد وفاة والده. لهذا السبب حقد عليها وعلى زوجها تماماً مثلما فعل بودلير. كان يكره زوج أمه كره النجوس. كان يكرهه إلى درجة أنه رفض أن يدفن في المقبرة ذاتها. حتى بعد الموت كان شبحه يلاحقه. وربما لهذا السبب نجح كتابه عن بودلير نجاحاً باهراً. لقد عاش التجربة المرة الساحقة الماحقة ذاتها. لا تكاد تشبع من قراءته: نثر فلسفي متفجر أين منه الشعر... (بين قوسين: لن أغفر للغة الفرنسية ما حييت أنها تدعو زوجة الأب «بالأم الجميلة». ما هذه الحماقة؟ ما هذه الفضيحة؟ الأم الجميلة هي وحدها الأم الحقيقية).

ماذا نستنتج من كل ذلك؟ نستنتج أن مرحلة الطفولة الأولى هي التي تصنعنا وتجبلنا وتصوغ شخصيتنا إلى الأبد. لا نستطيع منها فكاكاً. مستحيل. مؤخراً سمعت مطرباً فرنسياً شهيراً يقول بعد أن تجاوز الثمانين: والله حتى الآن لم أستطع أن أتجاوز طفولتي. والله حتى الآن لم أستطع أن أتصالح معها. ثم يضيف: من يستطيع أن ينجو من طفولته، من يستطيع أن يُشفى من طفولته؟ وهذا شخص شعبي، ناجح، تباع أشرطته بالملايين. فما بالك بالتعساء من أمثالنا؟ كيف يمكن أن تتصالح مع طفولة أصولية غياهبية، أو كارثية فجائعية؟

الآن دعونا نطرح هذا السؤال: كيف كانت شخصية بودلير في الحياة؟ لنستمع إلى مكسيم دوكامب، صديق فلوبير الشهير، يصوره لنا: «كان متوسط القامة، صلب الجسم، قوي العضلات، أو قل يُوحي بالقوة لمن يراه لأول وهلة. ولكن إذا ما تمعنَّا فيه عن كثب وجدناه مسحوقاً من الداخل أو حتى مدمَّراً تماماً. كانت تلوح عليه علائم التهالك والضعف والهُجران...».

كان بودلير ملاحقاً بالإحساس بالخطيئة والذنب دون أي ذنب. كان يشعر بأنه مدان أبدياً سرمدياً، ولا خلاص. طيلة حياته كلها لم يعرف القرار ولا الاستقرار النفسي السيكولوجي. يا جماعة اسمعوا وعوا: بودلير ما كان بحاجة إلى أعداء لكي يضربوه أو يجلدوه. كان هو يجلد نفسه بنفسه يومياً عشر مرات على الأقل. كان هو العدو اللدود لنفسه. أليس هو القائل:

أنا الطعنة والسكين

أنا الضحية والجلاد

أنا لقلبي مصاص الدم

وهو القائل أيضاً هذه الكلمات المعبرة:

«من يستطيع أن يقضي على الندم القديم، الطويل، ذلك الندم الذي يحيا، يختلج، يتلوى، يتغذى من أحشائنا كما تتغذى الدودة من جسد الميت، أو الأسروع من شجر السنديان؟

من يستطيع أن يقضي على الندم العنيد؟».

لقد عضت الحياة شارل بودلير أكثر مما ينبغي. لكن هل كان سيصبح شاعراً لولا ذلك؟ لولا زواج أمه إبان طفولته الأولى، لولا تلك الصدمة القاتلة، هل كان سيصبح أكبر شاعر في تاريخ فرنسا؟ كان بودلير يفكر على النحو التالي: بما أن الشر إجباري في هذا العالم، بما أنه سيد العالم، فلماذا لا نقبل يديه ورجليه وننحني أمامه؟ لماذا لا نجامله بل ونتغزل بأزهاره وجماله؟ آه أيها الشيطان يا أخي يا صديقي.. ولكن الخير ينتصر في نهاية المطاف على الشر، والله على الشيطان، وإلا فعلى الدنيا السلام... هذا ما يعتقده بودلير في قرارة نفسه. وهذا ما عبر عنه في قصائده مرات ومرات عندما كان يحلم بالشفافية ويحلق إلى أعلى السماوات. لكنه ظل يخشى ضربات الشر وغدرات الزمان. كيف يمكن أن تتحاشاها؟ هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فلو أن بودلير عنون ديوانه «أزهار الخير» لما سمع به أحد بل ولربما فشل فشلاً ذريعاً. وذلك لأن «الشعر نكد بابه الشر فإذا دخل في باب الخير ضعف» كما يقول الأصمعي. أخيراً ينبغي العلم أن بودلير قد يتحول أحياناً إلى شخص آخر مختلف تماماً. قد يتحول من تراجيدي إلى كوميدي. والدليل على ذلك هذه القصيدة الفكاهية المرحة:

زوجتي ماتت أنا حر

أستطيع أن أشرب على كيفي

عندما كنت أعود بلا فلس في جيبي

كانت زعقاتها تمزق أعصابي

أنا سعيد كملك متوج

أنا ملك الملوك

يا إلهي ما أرحب البيت بعد رحيلها

أعيش أجمل لحظات حياتي

أغني على كيفي

الهواء نقي والسماء ساطعة

عشنا صيفاً مشابهاً

عندما كنت مغرماً بها

إلخ...


لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21
TT

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

صدر أخيراً عن «منشورات الربيع» في القاهرة، رواية «بيت الخلد: الحياة السرية لفريدة المفتي»، للروائية والناقدة المصرية الدكتورة هويدا صالح.

تقع الرواية في نحو 300 صفحة من القطع المتوسط، وتدور أحداثها في الفترة من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، وتعاين كثيراً من التحولات السياسية العالمية في تلك الفترات، بخاصة قضايا الاستعمار، واستعباد الأوروبيين لأبناء أفريقيا السوداء، وخطفهم من بلدانهم وقراهم في أفريقيا، وبيعهم في أوروبا؛ حيث يجري استعبادهم.

الرواية أقرب إلى نقد الفكر الاستعماري، فضلاً عن نقد الفكر الذكوري، ومن هنا تأتي مركزية المرأة ودورها في مجابهة هذا الاستعمار، وكيف تكون ضحية له في كثير من الأحايين، بوصفها الحلقة الأضعف، ومراوحتها بين مقاومة هذا الطابع الاستعماري، والخضوع والاستسلام له حيناً آخر، وفي الوقت ذاته مقاومة الاستبداد الذكوري الواقع عليها من بني جلدتها أحياناً.

تدور الرواية مكانياً في عدة فضاءات مترامية، بدءاً من مركز الأحداث في العاصمة المصرية، القاهرة، ومحافظة أسيوط في صعيد مصر، ثم إيطاليا؛ حيث ولد «بولدوين» الإيطالي الثري الذي وقع في عشق مصر والشرق عموماً، وحيث ولدت أيضاً عبدته «سورما». أما المكان الثالث فهو إثيوبيا، الموطن الأصلي لجدة «سورما» وأمها، اللتين اختطفتا وبيعتا في سوق العبيد بإيطاليا، واشتراهما جد «بولدوين».

الرواية تتمحور -حسب العنوان- حول شخصية «فريدة المفتي» التي تنحدر من مدينة قفط بمحافظة قنا، وتنتقل إلى القاهرة، وتؤسس وكالة تجارية كبيرة، على عكس الأعراف السائدة وقتها بأن التجارة والعمل للرجال فقط. ولا تكتفي بذلك؛ بل تؤسس بيتاً غريباً، وتسميه «بيت الخلد»، أقرب إلى بيت للمتعة، ولكنه يختلف عن بيوت البغاء التي كانت موجودة آنذاك ومعترفاً بها قانوناً؛ إذ وضعت قانوناً بأن تكون السيدات في هذا البيت لسن بغايا؛ بل سيدات فضليات، ولكنهن لا يشعرن بالحب تجاه أزواجهن، وأن كل امرأة في هذا البيت هي التي ستختار الرجل الذي تريده، وليس العكس كالمعتاد في هذه النوعية من البيوت، للحصول على متعتها، دون تقاضٍ لأي أموال، حتى تمنح كل امرأة حرية التصرف في جسدها.

في مقابل هذه الحرية التي تنطلق من الجسد، كانت شخصية «إستر»، الصعيدية ابنة أسيوط، خريجة الجامعة الأميركية، ترى هذا نوعاً من العبودية، وتؤمن بأن حرية المرأة تبدأ من امتلاك عقلها وليس الجسد، وانخرطت في حركات مقاومة الاستعمار، وكانت ضمن الطليعة الوفدية، وتزوجت «بولدوين» الإيطالي، المحب لمصر والكاره للميول الاستعمارية، والذي أطلق سراح جاريته «سورما» ومنحها حريتها، منذ أن جاءت معه إلى مصر.

ترصد الرواية حياة كل هؤلاء الشخوص، بجذورهم المختلفة، وخلفياتهم المعرفية المتباينة، وعلاقاتهم المركبة بعضهم ببعض، صانعةً خيوطاً درامية أشبه بضفيرة مركبة، تحضر فيها السياسة في الخلفية، وتقدم لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الماضي، مصورة الحياة الفنية الثرية آنذاك، فهناك حضور قوي لشخصيات فنية شهيرة، مثل: نجيب الريحاني، ويوسف وهبي، ومنيرة المهدية، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب.