«مطعم فيصل»... ستون عاماً من النضال الثقافي

كتاب يوثق لسيرة مكان تجاوزت شهرته لبنان

«مطعم فيصل»... ستون عاماً من النضال الثقافي
TT

«مطعم فيصل»... ستون عاماً من النضال الثقافي

«مطعم فيصل»... ستون عاماً من النضال الثقافي

مع خفوت نجم المقاهي الثقافية في المنطقة العربية، وبشكل خاص في بيروت، التي عرفت الظاهرة الكبرى اعتباراً من منتصف القرن الماضي، يأتي كتاب «مطعم فيصل» لمؤلفته إيمان عبد الله (دار نلسن) ليعيد إلى الذاكرة حكاية مكان ليس ككل الأمكنة. فهذا المقهى البيروتي الذي كان مطعماً أيضاً تجاوزت شهرته لبنان، لينال صيتاً عربياً. ورغم مرور عقود على إغلاقه لا يزال ما دار في أروقته والدور الذي لعبه وأنشطة رواده تشغل الكتّاب والمؤرخين لإعادة قراءة فترة ذهبية عاشتها العاصمة اللبنانية، احتضنت خلالها أسماء ستصبح فيما بعد نجوماً في عالم الأدب والسياسة والفكر.

«مقهى فيصل» أو «مطعم الثوار» كما أسماه سمير صنبر، جاءت أهميته في البدء من موقعه، مقابل البوابة الرئيسية للجامعة الأميركية في بيروت، وتدريجياً، رغم وجود العديد من المقاهي المجاورة، أصبح امتداداً للحركات الفكرية والسياسية التي كانت تدور في أروقته بين الأساتذة والطلاب. أما لماذا كان هذا المقهى تحديداً هو الأوفر حظاً، والأحب إلى قلوب النخبة اللبنانية، والعربية التي تتلمذت في بيروت، أو مرت بها؟ فهذا ما يكشف عنه الكتاب، الذي يصدر في بيروت، بعد أيام. عوامل عديدة، إضافة للموقع الجغرافي، كانت وراء هذا النجاح، الذي سكن الذاكرة الجمعية. هناك شخصية صاحب المقهى توفيق، وبعده ابنه فريد؛ إذ تميّزا بالعمل الدؤوب والكرم والحنان المرافقَين للصرامة في التعاطي مع الطلّاب، ثم هناك النوادل الذين يُروى عن حسن تعاملهم الكثير، وكذلك طيب المأكولات، وخصب المناخ، وسعة الصدر.

يقول الزميل سمير عطا الله في مقدمته للكتاب عن «مقهى فيصل»: «أصبح شيئاً يتمنى الكثيرون الانتساب إليه كأنهُ نادٍ صحافيٍّ مغلق، أو كأنهُ جمعية أهل القلم، أو أنه ملتقى الأفكار والتيارات السياسية التي إما يحملها العرب من بيروت إلى أوطانهم، أو من أوطانهم إلى بيروت، حيث انفتاح المنابر وسماع الأفكار». في «مقهى فيصل»، كانت تُكتب لعقود البيانات السياسية، وتنطلق المظاهرات الاحتجاجية، وتُدبّج القصائد، وتُصحح المسرحيات، وتكتمل المخطوطات الأولى للكتب، وتُحفظ الأناشيد وتُصاغ الشعارات.

مؤسس المطعم/ المقهى توفيق سعاده، أتى من قرية عين عنوب، لقب عائلته فيصل، ومن هنا جاء اسم المكان. كان رجلاً رؤيويّاً. اختار موقعاً ممتازاً لمشروعه، مقابل المدخل الرئيسي لجامعة النخبة العربية.

ليبرالية بيروت

«الجامعة الأميركية» في بيروت، تميزت منذ نشأتها عام 1866 بجوها الليبرالي ومعاركها الفكريّة والسياسيّة. واحدة من أوائل حركاتها الشهيرة، احتجاج الطلّاب عام 1882 بسبب خلاف حول الداروينية بين أساتذة أميركيّين مُحافظين وآخرين متحرّرين، وهو ما تسبب باندلاع حركة طُلّابية امتدّت وتوسعت، وذلك عندما ثار طُلّاب كليّة الطبّ، من بينهم جورجي زيدان ويعقوب صروف وفارس نمر، وتركوا الكليّة.

هذه الأجواء التي عُرفت بها الجامعة الأميركية صارت تنتقل إلى «مقهى فيصل» الذي يُعتقد أنه تأسس عام 1919، أو على أبعد تقدير عام 1920، وبقي جزءاً من الحياة الفكرية حتى أغلق أبوابه تحت وطأة الحرب الأهلية اللبنانية، في اليوم الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985.

البعض يرى أنه يمكن التأريخ لبيروت من خلال مرآة «مقهى فيصل». فقد تزامن افتتاحه مع انتهاء الحرب العالمية الأولى وقيام لبنان الكبير، وتغيير اسم الجامِعة من «الكلية السورية الإنجيلية» إلى «الجامِعة الأميركيّة». في تلك الفترة وفد عدد كبير من الطلاب العرب من سوريا وفلسطين والعراق والأردن إلى بيروت، وبشكل خاص للالتحاق بالجامِعة الأميركيّة. كانوا في غالبيتهم شديدي الحماسة للثورة العربيّة، ومن عائلات ميسورة: العظم، والبرازي، والدالاتي، وحرب، ومن آل الشوا من غزة.

فوران الحياة الطلابية

أثر غليان الأحداث السياسية على الجامِعة وطُلّابها. يقول أنيس فريحة في كتابه «قبل أن أنسى» عن ذكرياته في تلك المرحلة: «شارل مالك كان شاباً ذكيّاً من الكورة، وكوستي (قسطنطين) زريق كان في الـ(هاي سكول)، وفؤاد صروف كان غادر للتو إلى القاهرة للالتحاق بمطبوعات عمّه».

فترة الثلاثينات تميزت بنشاطها الاجتماعي والسياسي، حيث ظهرت حركات قوميّة أبرزها «جمعية القوميّة العربيّة» السريّة، وعند «فيصل» كان بمقدور أعضائها مناقشة موضوعاتهم الحساسة. كتب يوسف الصايغ في مذكراته: «كنا نتجادل حول القوميّة العربيّة مقابل القوميّة السوريّة. وكلما جفّت حناجرُنا من النقاش، ذهبنا لتناول القهوة في (مطعم فيصل) الذي كان مؤسسة، وصاحبه ذو شخصية فريدة، ومحلّه بمثابة صالون سياسي. كان فؤاد مفرّج يذهب إلى هناك، ومحمد شقير، ومحمود صائب، وكان مُنح الصلح يذهب إليه، ولكن في وقت لاحق. كان أساساً مُلتقى القوميّين العرب، ولكن نحن أيضاً كنا نذهب إليه لنُجادلهم».

في هذا المطعم نَـظَـم سعيد عقل بعض أشعاره، منها نشيد «العروة الوثقى»، وقصيدته الغرامية التي يتغزّل فيها بإحدى الطالبات الجميلات، وكانت محط إعجاب الجميع، ومطلعها:

سمراء يا حلم الطفولة وتمنع الشفه البخيلة

لا تقربي مني وظلي فكرة لغدي جميلة

وكان لتقسيم فلسطين تأثيره الكبير على الطلّاب. بدّل هذا الحدث الجلل في حياتهم ونشاطاتهم، خصوصاً عند الطالب جورج حبش الذي دخل كليّة الطبّ، ويروي أن مطعم ومقهى فيصل كان ملتقى الطلّاب، وأصبح علامة بارزة في الحياة الجامعيّة، وبقي شهيراً ومعروفاً حتى سنوات الحرب اللبنانيّة. ويضيف: «كم أسفتُ لإغلاقه فيما بعد بسبب ظروف الحرب... كان أحد المراكز التي يدور فيها نقاشٌ حول مفاهيم البعث والناصريّة وحركة القوميّين العرب، ومُختلف الموضوعات الحيوية التي تواجه الأُمّة العربيّة».

الستينات والقومية

بقي «مقهى فيصل» في الستينات من القرن المنصرم «من المعاقِل الأساسيّة للحركة القوميّة، سواء حزب (البعث)، أو حركة القوميّين العرب، أو الأحزاب اللبنانيّة الخالصة، كحزب (الكتائب) وحزب (النجّادة)... وكان مكان التجمّع الأساسي لقادة هذا الحِزب، لا سيما في السنوات الأخيرة للوحدة، بعد تفاقُم الخلافات بين عبد الناصر وحزب (البعث العربي الاشتراكي) وانسحاب وزراء الحزب من حكومة الوحدة».

استمرّت التحركات الطلّابية ناشطة أواخر الستينات وحتى منتصف السبعينات. واستمر رؤساء مجالس الطلبة يجتمعون في «فيصل»، يكتبون بعضاً من بياناتهم هناك ويخطّطون لتوزيعها، حتى قيل إنّ «مقهى فيصل» كان أحد رموز الجامِعة الأميركيّة. ونُسب يومئذ إلى الزعيم الفلسطيني كمال ناصر قوله إنه «لا لزوم لدائرة علوم سياسيّة في الجامِعة الأميركية، ما دام (مقهى فيصل) يقوم، بالنيابة عنها، بهذه المُهمّة المُستحيلة».

في «فيصل» كُتبت الأناشيد الثورية، وعلى بابه تجمع الطلّاب للمشاركة في الاحتجاجات في الخمسينات والستينات والسبعينات. وعلى طاولاته أَعدّ ما عُرف بـ«جماعة» «مطعم فيصل» (بشارة مرهج، وماهر المصري...)، ورؤساء المجالس الطلّابية، المنشورات والبيانات الإذاعيّة المستخدمة في تحركاتهم واحتجاجاتهم ومخطّطاتهم. وقد احتُسب على الناشطين في الحركات القوميّة العربيّة، فارتاده القوميون العرب والبعثيون، بشكل كبير.

كان المفكر مُنح الصلح من أبرز روّاد «مطعم فيصل»، جعل منه مقرّه اليومي، تتحلّق حوله شخصيّات سياسيّة وفكريّة للتداول في شؤون البلد والأُمّة.

شخصيات مؤثرة

أكثر من مرة كتب المؤرخ نقولا زيادة، عن هذا المكان، وكان هو نفسه من روّاده لكونه أحد الأساتذة المبرزين في الجامعة الأميركية، وعن أمنيته بأن يبادر أحدهم إلى كتابة تاريخ «مطعم فيصل»، عادّاً أن «من لا يتعرّف إلى (مطعم فيصل) لا يستحقّ أن يكون أستاذاً في الجامِعة».

أما خليل جحا فيروي: «كنّا نلتقي الأديب الكبير أمين نخلة، والشاعر الفلسطيني كمال ناصر الذي عندما سألته عن عنوانه في بيروت أجاب: (مطعم فيصل)، بالإضافة إلى الشاعر العراقي رزوق فرج رزوق الذي كان يُعدّ أطروحة ماجستير عن الشاعر اللبناني الكبير الياس أبو شبكة. وخليل حاوي الذي كان قد تخلى عن نظم الزجل وبدأ ينظم شعر التفعيلة، و(البيك) مُنح الصلح».

على مدى سنين طويلة من عمر «مطعم فيصل» ارتادته شخصيّات مؤثرة في تاريخ لبنان والبلدان العربيّة، مثل سعيد عقل، وبدر شاكر السياب، وغادة السمان، ونزار قباني، وعبد الوهاب البياتي، وإبراهيم طوقان، وشخصيات سياسية وفكرية.

توثيق وشهادات

يعتمد هذا الكتاب التوثيقي الجديد على جمع معلومات وذكريات منشورة في كتب ومقالات عن «مقهى فيصل»، ويضعها في سياق الأحداث الاجتماعية والسياسيّة في تلك الفترة المؤثرة في الجسم الطلّابي الجامعي، كما أنه يحاول رسم صورة استعادية حية للمكان، من خلال مُقابلات أُجريت مع شخصيّات عرفت تلك الحقبة وعاشتها.

يمكن تشبيه دور «مقهى فيصل» بدءاً من خمسينات القرن الماضي حتى إغلاقه، بما كانت تمثله مقاهٍ مثل «كافيه دي فلور» أو «دو ماغو» لجان بول سارتر أو سيمون دي بوفوار في باريس، بما كان له من بعد ثقافي، ومن هالة أضفاها على «شارع بليس» البيروتي الذي يوجد فيه، حتى شبّهه الكاتب المصري أحمد بهاء الدين، بـ«الحيّ اللاتيني» في فرنسا، لكن كل هذا قد انطفأ بسبب الحروب والصراعات والظروف القاهرة التي مرّت بها بيروت من جهة، ولأن طبيعة دور المقاهي أصابها خلل كبير، وتبدّل شديد؛ فقد غزت مطاعم ومقاهي «الفاست فود» شارع «بليس» كله، وتغيرت وظائف الأمكنة بتبدل العقليات والاحتياجات والقناعات. يبقى أن هذا الكتاب ضرورة جميلة، غير أنه يحتاج بعض التشذيب لتخليصه من المعلومات المكرورة، والزيادات التي لا حاجة للقارئ بها كي يبدو أكثر جاذبية ومتعة.


مقالات ذات صلة

«(In) Seam» لديما يوسف ربيز: الدَرْزة فلسفةُ بقاء

يوميات الشرق ما سقط من الحسابات دخل في النسيج (الشرق الأوسط)

«(In) Seam» لديما يوسف ربيز: الدَرْزة فلسفةُ بقاء

الدَرْزة هي الأثر الظاهر لفعل الاحتفاظ. عندما تتمزَّق قطعة ما، تصبح الدَرْزة إعلاناً عن قرار بعدم التخلّي عنها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)

منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

الآن، يخرج اسمها من سياقه المُعتاد المرتبط بالسلاحف والبيئة إلى سياق بالغ الوحشية...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق حين تعود المكتبات... يعود شيء من الحياة (وزارة الثقافة)

المكتبات العامة في لبنان... مسعى لترميم العلاقة بالمعرفة

يبدو مشروع إعادة تأهيل المكتبات العامة أقرب إلى استثمار طويل الأمد في الإنسان.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق أشكال مختلفة يجمعها شغف التحوّل (الشرق الأوسط)

«خزفة من أجل طفل»... السيراميك يُداوي جراح الطفولة

راكمت «دار الطفل اللبناني» تجارب آلاف المسارات الإنسانية التي عَبَرَت برامجها خلال العقود الـ5 الماضية ثم شقَّت الطُرق نحو حياة مختلفة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق مسلسل «ممكن» يُعرض على منصة «شاهد» (أمين درة)

أمين درة لـ«الشرق الأوسط»: أميلُ إلى القصص الدرامية المتّصلة بالإنسانية

مع الأبطال ظافر العابدين، ونادين نسيب نجيم، وزينة مكي، وإيلي سعادة وغيرهم، ينجح في رفع منسوب التفاعل وتعزيزه...

فيفيان حداد (بيروت)

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة
TT

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

تبدو كرة القدم، في ظاهرها، لعبةً بسيطةً إلى حد الخداع: كرة، ملعب، فريقان، مرميان، وتسعون دقيقةً يتعلّق بها ملايين البشر كما لو أن مصائرهم الشخصية تُحسم مع كل هجمة ضائعة أو هدف في وقت قاتل. هذه البساطة الظاهرية هي تحديداً ما يمنح الساحرة المستديرة قوتها، فكلما حاولنا النظر إليها باعتبارها ترفيهاً عابراً، عادت لتكشف شيئاً أعمق عن المجتمعات التي تصنعها وتشاهدها وتعيشها. في المدرجات، والشاشات، وطوابير التذاكر، والهتافات، والعنف أحياناً، والدموع التي تسبق صافرة النهاية، تظهر كرة القدم كمرآة كثيفة لتناقضات العالم الحديث: الدافعية للانتماء، والخوف من الآخر المختلف، وقوة السوق، وهشاشة الجماعات، وصعود القوميات، وتوق الإنسان إلى لحظة يشعر فيها أنه جزء من شيء أكبر من عزلته اليومية.

لذلك؛ يصعب فهم كرة القدم بوصفها رياضة محض. لقد أصبحت ظاهرةً اجتماعيةً كاملة، يقرأ من خلالها علماء الاجتماع ومؤرخو الثقافة والفلاسفة أسئلة الهوية والطبقة، والسلطة، والعنف، والذاكرة. فالملعب ليس مساحةً محايدةً تماماً، ولا المدرج تجمعاً بريئاً كلية من السياسة. هناك، داخل المستطيل الأخضر وحوله، تتقاطع مصالح الشركات الكبرى، ورغبات الدول في القوة الناعمة، وأحلام الجماهير العادية، ومخاوفها، وحنينها إلى شكل من أشكال التضامن الإنساني الذي صار عملة نادرة في زمن الرأسمالية المتأخرة.

تشتغل الملاعب الحديثة، في جانب من جوانبها، كمعابد علمانية. يدخلها الناس بقمصان بألوان محددة، ويرددون أناشيد محفوظة، ويرفعون شعارات ورموزاً، ويعيشون لحظات من الانفعال الجماعي يصعب القبض عليها ضمن مناحي الحياة اليومية ليذوب الفرد، ولو لحظياً، داخل جسد أكبر: جمهور يهتف بصوت واحد، ويغضب بصوت واحد، وينفجر فرحاً في اللحظة نفسها كتجربة نادرة للانتماء الحسّي المباشر.

لكن الطاقة نفسها التي تصنع هذا التلاحم يمكن أن تنقلب شيئاً أكثر ظلمةً. فالمدرج الذي يمنح الإنسان شعوراً بالانتماء قد يتحول أيضاً مساحةً للإقصاء عندما يغدو الهتاف الذي يوحّد الجماعة أداةً للعنصرية أو الكراهية أو العداء القومي. هذه المفارقة تجعل كرة القدم شديدة الالتباس: إذ هي تصنع تضامناً حقيقياً، وتستطيع أيضاً صُنع قبيلة مغلقة على ذاتها. وفي بعض السياقات، قد تتحول الروابط المتطرفة من جماعات تشجيع إلى تشكيلات ثقافية خشنة، تستبعد النساء، والمهاجرين، والأقليات، وكل من لا يطابق صورتها الضيقة عن «المشجع الحقيقي». هكذا يظهر تناقض جدلي آخر للعبة: قدرة الجماعة على احتضان الفرد، وقدرتها في الوقت نفسه على سحق الاختلاف.

حاول عدد من المفكرين فهم هذه الطاقة العميقة في اللعب. رأى المؤرخ الثقافي يوهان هويزنجا، في كتابه «الإنسان اللاعب»، أن اللعب ليس إضافةً ثانويةً إلى الثقافة، بل واحد من جذورها الأولى. فالإنسان، قبل أن ينظّم السياسة والقانون والفن، كان يلعب، ويضع قواعد، ويقبل بالدخول إلى زمن خاص ومكان خاص، حيث يصبح الفعل رمزياً ومحدوداً ومشحوناً بالمعنى. بهذا المنظور، لا تبدو كرة القدم مجرد تسلية، بقدر ما هي تمظهر حديث لغريزة قديمة: رغبة الإنسان في تحويل الصراع طقساً، والعنف شكلاً منظماً مقبولاً اجتماعياً.

في الاتجاه نفسه، ذهب عالم الاجتماع نوربرت إلياس، ومعه إريك دونينغ، إلى أن الرياضات الحديثة جزء من «سيرورة التمدن»، أي العملية الطويلة التي تعلّم فيها البشر ضبط العنف وتأطيره. فالمباريات الشعبية القديمة كانت، في كثير من صيغها، أقرب إلى معارك مفتوحة، تختلط فيها المنافسة بالفوضى والإصابات الجسدية. ومع تطور القوانين، والحكام، وحدود الملعب، تحوّل العنف صراعاً رمزياً مضبوطاً بوقت محدد وقواعد معلنة. غير أن ضبط العنف لا يعني اختفاءه. إنه يعود في هيئة توتر، وحماسة، وهتافات، ورغبة متدفقة لتحقيق الانتصار، وإثارة مكثفة يفتقدها روتين الحياة الرتيبة. لذلك؛ يصبح الملعب مكاناً يسمح للإنسان الحديث بأن يلامس شيئاً من طاقته الغريزية، من دون أن يخرج تماماً على نظام المجتمع.

تدرك الأنظمة السياسية هذه الطاقة جيداً. ولهذا لم تكن كرة القدم بعيدةً عن مشاريع الهيمنة وصناعة الشرعية. فاستضافة البطولات الكبرى صارت وسيلةً لتجميل صورة الدول، واستعراض قدرتها التنظيمية وقوتها الناعمة، وإخفاء أزماتها الحقوقية أو الاجتماعية خلف مشهد عالمي منظم ومبهر. يقدم التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك: من استغلال موسوليني لكأس العالم عام 1934 في إيطاليا لتقديم الفاشية كقوةٍ حديثة ومنضبطة، إلى توظيف المجلس العسكري في الأرجنتين لبطولة كأس العالم 1978 لتلميع سلطةٍ ديدنها القمع والاختفاءات، وصولاً إلى زمننا الراهن، حيث تستخدم دول وشركات وكيانات كبرى الرياضة وسيلةً لغسل السمعة وشراء القبول الدولي.

لا تعمل المؤسسات الرياضية الدولية خارج هذا المنطق. فـ«فيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم)، مثل غيره من الهيئات الكبرى، يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة، لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال، والسياسة، والرعاية، والمصالح.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كرة القدم كأداة سلطوية. ففي بيئات مضطربة، يمكن للملعب أن يتحول أيضاً مساحةً بديلة للتعبير والمقاومة. تجربة نادي أتلتيك بيلباو الإسباني، خلال الحقبة الفرانكوية، تقدم مثالاً فصيحاً. إذ حاولت السلطة المركزية فرض هويةٍ إسبانية موحدة وتجريف الخصوصيات اللغوية والثقافية، ليغدو ملعب «سان ماميس» ببيلباو مكاناً يحافظ فيه الباسكيون على شعورهم المتفرد بلغتهم وذاكرتهم وتاريخهم. ولم تكن سياسة النادي الاعتماد على اللاعبين ذوي الأصول الباسكية مجرد اختيار رياضي، بل كانت إعلاناً رمزياً عن خصوصية ثقافية ترفض الذوبان الكامل في المركز.

تكشف دراسات سوسيولوجية بإيران عن شكلٍ آخر من هذه المقاومة اليومية. فحرمان النساء لسنوات طويلة من دخول الملاعب لم يلغِ حضورهن في الثقافة الكروية. لقد دفعهن إلى اختراع مساحات بديلة: مجتمعات افتراضية، تجمعات خاصة، نقاشات عامة، وطرق ملتوية للمشاركة في لعبة تحاول السلطة احتكار فضائها ذكورياً، لتصبح كرة القدم اختباراً لحق الظهور، وحق الجسد في المكان، وحق الجماعة المقموعة بأن تقول: نحن أيضاً جزء من هذه الحكاية.

ترتبط كرة القدم الحديثة، في أصلها الاجتماعي، بالطبقة العاملة البريطانية خلال القرن التاسع عشر. فقد نشأت في ظل المدن الصناعية القاسية، حيث كانت المصانع تلتهم الوقت والجسد، وكان العمال يبحثون عن مساحةٍ ينفلتون فيها من رتابة الآلة وضغط العمل. الأندية المحلية لم تكن في بداياتها علامات تجارية، بل كانت امتداداً للحي، وللعائلة، وللمصنع، وللشارع، وارتبطت بالكرامة الشعبية، وبالذاكرة المشتركة، وبشعور الناس بأن هناك شيئاً يخصهم مقابل عالم لا يملكون فيه الكثير.

لكن العولمة الرأسمالية أعادت تشكيل هذه العلاقة جذرياً. فمنذ تسعينات القرن الماضي، وخصوصاً مع تضخم حقوق البث التلفزيوني ودخول المستثمرين والشركات الكبرى، تحولت كرة القدم صناعةً عالمية باهظة: ارتفعت أسعار التذاكر، وتغير شكل الجمهور، وصارت الملاعب أكثر أناقة وأقل شعبية في كثير من الأحيان، وجلس الأثرياء في المقصورات، وابتعدت عائلات كثيرة عن مدرجاتها القديمة، في حين صار المشجع التقليدي يراقب فريقه عبر اشتراكات مدفوعة. وهكذا تكرّس شرخٌ واضح بين من يرى النادي ذاكرةً وانتماءً، ومن يراه أصلاً مالياً قابلاً للبيع والشراء.

انقسم الخطاب الفلسفي المعاصر في مقاربة المنظومة الكروية بين تيارين شديدي التطرف والتباين. يتبنى التيار الأول قراءة شاعرية وجدانية، يمثلها المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، الذي رأى كرة القدم لغة جسدية متكاملة تمتلك نحواً وصرفاً خاصين بها، واعتبر لحظة إحراز الهدف خرقاً شعرياً صاعقاً لشيفرة الواقع البليد، وانعتاقاً إنسانياً مفعماً بالخلود البدائي والجمال الخالص، مؤكداً أن الشغف الكروي يمنح الفرد فرصة لاختبار قيم الوفاء والتضحية الجماعية والثقافة الحرة بعيداً عن جفاف التنظير العقلاني الصارم.

 

اتحاد «فيفا» يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة... لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال والسياسة

في القطب المقابل، يقف تيار نقد بنيوي ينظّر للعبة بوصفها أداة تدجين وتجهيل ممنهج للجماهير. يتبدى هذا الموقف الراديكالي في أطروحات السوسيولوجي الفرنسي مارك بيرلمان الذي وصف كرة القدم بـ«الطاعون العاطفي»، معتبراً إياها منظومة بربرية حديثة تُنمّط العقول، وتنشر البلادة الفكرية، وتُلهي الطبقات الشعبية عن قضاياها المصيرية وصراعها الطبقي الحقيقي. يتلاقى هذا التحليل البنيوي مع الموقف التهكمي الشهير للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس الذي ربط بوضوح بين اتساع شعبية اللعبة وصعود الغباء الجمعي، واصفاً إياها بلعبة المغفلين التي تطرد الفكر النقدي المستنير لتستبدل به إثارة غريزية جوفاء تحاكي معارك الرومان القدامى في الكولوسيوم.

لكن بين تقديس بازوليني وازدراء بيرلمان وسخرية بورخيس، تضيع الحقيقة الأكثر تركيباً. كرة القدم ليست شعراً خالصاً، ولا وباءً خالصاً. إنها المجال الذي يتجاور فيه الشعر والوباء، الجمال والتدجين، الحرية والامتثال، الجماعة والغوغاء. من يراها خلاصاً شعبياً كاملاً يتجاهل ما فيها من عنف وشوفينية وتجارة. ومن يراها خداعاً كاملاً يتجاهل ما تمنحه لملايين الناس من ذاكرة وانتماء وفرح حقيقي. لذلك؛ يحتاج تحليل كرة القدم إلى عينين مفتوحتين معاً: عين ترى السوق والسلطة، وعين ترى الإنسان العادي الذي لا يجد في أسبوعه القاسي سوى تسعين دقيقةً يشعر فيها بأن قلبه يتحرك مع قلوب الآخرين.

من هنا يتوقف الأفق الأخلاقي للعبة مستقبلاً على قدرة الجماهير الواعية، وروابط المشجعين، والحركات الاجتماعية، على مقاومة تحويل كرة القدم سوقاً مغلقة أو أداة آيديولوجية. فالمعركة ليست بين حب اللعبة ورفضها، بل بين أشكال مختلفة من امتلاك معناها.

وستبقى كرة القدم واحدةً من أوضح التمثلات لتناقضات الحداثة. فيراقب الجمهور اللاعبين، وتراقب الشاشات الجمهور، وتراقب الشركات الجميع. وفي هذه الدائرة العاكسة، تكشف اللعبة الساحرة عن الصيغ التي تصنع بها المجتمعات هوياتها، وتدير غضبها، وتخوض معاركها الرمزية في فضاء يتأرجح بين صخب المدرجات وعزلة الشاشات.


نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية

نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
TT

نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية

نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم

يقع قصر هشام على مسافة 5 كيلومترات إلى الشمال من مدينة أريحا، ويُعد اليوم من أهم المعالم السياحية في الضفة الغربية. يحتلّ هذا القصر موقعاً بارزاً في خريطة المنشآت المعمارية التي شيّدها خلفاء بني أمية في نواحٍ متعدّدة من بوادي بلاد الشام، ويتميّز بحلله الزينية المتنوّعة التي كشفت عنها سلسلة من حملات التنقيب المتعاقبة، أجرتها دائرة الآثار البريطانية حلال عهد الانتداب في خربة تُعرف باسم «خربة المفجر». نُقلت هذه اللقى إلى متحف أنشأته هذه الدائرة في القدس الشرقية، وأطلقت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار». دخل هذا المتحف تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية إثر نكبة 1948، وحافظ على اسمه إلى أن استولت الدولة العبرية عليه إثر هزيمة 1967، وأطلقت عليه اسم «متحف روكفلر»، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. في هذا المتحف الذي أُلحق بـ«متحف إسرائيل»، وبات مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية، تحضر حلل قصر هشام الأثرية، وتلمع بثرائها الفني، وأشهرها نصب ملكي كبير يبلغ طوله نحو متر ونصف المتر.

وصل هذا النصب مهشّماً من بين أطلال خربة المفجر، وتمثّل عند اكتشافه بقطعتين منفصلتين تمّ جمعهما لاحقاً، على ما تُظهر التقارير التوثيقية الخاصة بهذا الاكتشاف. يحضر الرأس في إحدى هاتين القطعتين، ويحضر في القطعة الأخرى النصف الأسفل من القامة المنتصبة على قاعدتها العريضة، وتجمع بين القطعتين كتلة مضافة صُنعت من مادة مغايرة، وفقاً للتقاليد العلميّة المتّبعة في ميدان حفظ الآثار. كتلة الرأس مهشّمة جزئياً، وقمّتها ضائعة. تساقط سطح الجبين، وتساقطت معه كتلة الأنف الناتئ، غير أن العينين حافظتا على تكوينهما بشكل شبه كامل، وهما ضخمتان ولوزيّتان، ويتوّسط كلّ منهما بؤبؤ جاحظ، يتكوّن من كتلة على شكل خاتم ناتئ، تلتف حول كتلة دائرية غائرة. الخدّان عريضان، وتحدّهما أذنان ظاهرتان، تتكوّن كلّ منهما من صيوان ناتئ يلتفّ حول تجويف غائر. الثغر ضائع، ويعلوه شارب مفتول عريض، يتكوّن من 3 خصل أفقية مقوّسة. تغيب الذقن تحت لحية بيضاوية كثيفة، صيغت خصلها على شكل سلسلة متراصة من الخيوط العمودية المتعرّجة.

القسم الأعلى من القامة مفقود، وما تبقى منه يكشف عن حزام عريض يلتف حول الخصر. القسم الأسفل وصل بشكل كامل، ويكشف عن عباءة طويلة فضفاضة تأخذ شكل مثلّث تحدّه بطانة عريضة، تعلوها سلسلة من الخواتم اللؤلؤية المتراصة. تعلو هذه العباءة بطانة مماثلة تنسلّ عمودياً، وتتقاطع مع بطانة الحزام الأفقيّة. تظهر القدمان في الأسفل، وتكشفان عن طرفي سروال فضفاض. هويّة هذا اللباس جليّة، وتتبع الطراز الساساني الشائع بشكل لا لبس فيه. ينتصب صاحب التمثال بثبات في وقفة ساكنة تخلو من أي حركة حية، ويحمل بيده اليسرى سيفاً قصيراً يتدلّى من وسط خصره، وفقاً لهذا الطراز الساساني المعهود. ترتفع هذه القامة الملكية فوق قاعدة عريضة، يزيّن واجهتها نقش تصويري ناتئ يمثّل أسدين رابضين، يدير كل منها ظهره في اتجاه الآخر. في المساحة الفارغة التي تفصل بين ظهري هذين الأسدين، تحضر وردة زخرفية تتكون من 5 بتلات متراصة، تشكّل قرصاً يعلوه شريطان نباتيان.

يتشابه هذا الأسدان حتى التماثل. القالب واحد، ويجسّد ليثاً يفتح شدقه إلى أقصى حدّ، ويُظهِر أنيابه، كأنه يزأر ويزمجر. فمه منفّذ برهافة بالغة، وقوامه شدق عريض يكشف عن أنياب مسنّنة. أنفه عريض وبارز، ويتميّز بفتحتيه الكبيرتين. عيناه لوزتان مجوّفتان فارغتان، يحدّ كل منهما إطار هدبي ناتئ. يعلو هاتين العينين حاجبان عريضان لكل منهما طرفان مقوّسان نحو الأعلى. تحيط بهذا الرأس المزمجر لبدة مكونة من خصل شعر متوازية، مع لحية مشابهة تشكّل عقداً حول الذقن. يجثو هذا الأسد على قائمتيه الخلفيتين، ويشرئب على قائمتيه الأماميتين المنتصبتين، وفقاً لطراز انتشر في العالم القديم، تبنّاه الأمويون ومن حكم من بعدهم، وشواهد هذه الاستمرارية عديدة ومتنوّعة، وترتبط كلها برمزية السلطة الحاكمة.

يحوي قصر هشام حماماً كبيرا، تتقدّمه شرفة عظيمة زيّنت بشبكة من النقوش والتماثيل، ويرى أهل الاختصاص أن موقع نصب الحاكم المنتصب فوق الأسدين الرابضين يعود في الأصل إلى مدخل هذه الشرفة. قيل إنّ هذا النصب يمثّل صاحب هذا القصر، هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية، غير أن الدراسات أظهرت أن حركة البناء استمرّت في هذا القصر بعد وفاة الخليفة إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في سنة 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته يعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين عامي 743 و744. ومن هذا المنطلق، خرجت قراءة ثانية تقول إن صاحب النصب يمثّل الوليد بن يزيد، لا هشام بن عبد الملك، وهاتان القراءتان افتراضيّتان في غياب أي شاهد يحسم هذا الجدال.

يمثّل هذا النصب على الأرجح صورة رمزية للحاكم، تشابه في تكوينها الجامع الصور التي تزيّن المسبوكات الأموية. وفقاً لما نقله شمس الدين الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، كان هشام «جميلاً أبيض مسمناً أحول خضب بالسواد»، أي أنه كان يصبغ شعره باللون الأسود. وكان الوليد بحسب الرشيد «من أجمل الناس، وأشعرهم، وأشدهم». لا نجد في هذا التمثال ما يشبه هذه الأوصاف؛ ما يعني أنه يجسّد صورة مثالية غير شخصية، لو افترضنا أنه يمثّل عاشر الخلفاء الأمويين، أو مَن حكم من بعده. في الخلاصة، يبرز هذا النصب بأسلوبه المتقن، ويشهد لتبنِّي الأموين طرزاً فنية سادت خلال العهود التي سبقت ظهورهم. تجدّدت هذه الطرز بشكل خلاّق في ميدان الفن الأموي المدني، وظهر هذا التجدّد في قوالب مبتكرة يزخر بها هذا الميدان المثير.


شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر
TT

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

يمثل كتاب «شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر» للناقد والأكاديمي والشاعر الأردني د.عبد الرحيم مراشدة، محاولة نقدية للربط بين جماليات الشعر وعمقه الثقافي، وفتح مسارات جديدة أمام قراءة الشعر العربي بوصفه مساحة تتقاطع فيها اللغة والفكر والذاكرة والحضارة.

يبحث الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) في 230 صفحة، في الطبقات العميقة للنصوص الشعرية العربية الحديثة، متجاوزاً القراءة الجمالية المباشرة نحو الكشف عن المرجعيات والأنساق الثقافية التي تتخفى داخل البناء الشعري، ويتتبع العلاقة بين الشعر والثقافة والتاريخ والفكر، ويقدم قراءة للنصوص الشعرية من منظور يكشف عما وراء اللغة الظاهرة من دلالات ورؤى ومهيمنات ثقافية.

في مقدمته، يشير مراشدة إلى أن موضوع الأنساق الثقافية أصبح يحتل مساحة بارزة في النقد الثقافي الحديث، سواء في الدراسات الغربية أو العربية، وأن هذا الاتجاه يتيح البحث عن الدلالات التي تتجاوز المستوى اللغوي والجمالي للنص، للكشف عن البنى الفكرية والتاريخية والحضارية الكامنة فيه، موضحاً أن النص الشعري لا ينفصل عن روافده الثقافية، إذ يتشرب التاريخ والتراث والأحداث والمرجعيات المختلفة، لتصبح جزءاً من تشكيله الفني والدلالي.

يضم الكتاب ثلاثة فصول هي: «الأنساق الثقافية: الرؤيا والتشكيل»، و«الصوفية والوجودية نسقاً ثقافياً: قراءة في قصيدتين من الشعر العربي الحديث»، و«النسق الثقافي الرحلي الوجداني»، وجميعها تقوم على دراسات نقدية تطبيقية تتناول نماذج شعرية عربية حديثة، تهدف إلى تقديم قراءة تتقاطع مع مناهج النقد المعاصر، وبخاصة النقد الثقافي، بما يحمله من اهتمام بالأنساق المضمرة والمهيمنات التي تعمل داخل النص وخارجه.

ومن أبرز النماذج التي يتوقف عندها د.عبد الرحيم تجربة الشاعر أدونيس، لا سيما مشروعه «الكتاب: أمس، المكان، الآن»، حيث يقرأ الناقد هذا العمل بوصفه نصاً إشكالياً يتجاوز الحدود التقليدية للأجناس الأدبية، ويعتمد على كثافة المرجعيات الثقافية والتاريخية والفكرية، موضحاً أن الشاعر كان دائم السعي إلى التجديد والتجاوز والتجريب، سواء في الشعر أو النقد، وأنه أسهم في نقل القصيدة العربية إلى فضاءات جديدة عبر محاولاته المستمرة لكسر القوالب التقليدية.

كما يتناول الباحث تجربة الشاعر الأردني طاهر رياض من خلال قصيدته «حلاج الوقت» التي يرى فيها المؤلف حضوراً واضحاً للمرجعيات الصوفية والفلسفية والوجودية، وكيف تتحول هذه المرجعيات إلى طاقة شعرية داخل النص، وإلى جانب ذلك يدرس مراشدة نماذج شعرية أخرى، منها قصائد للشاعرين نزار قباني وأدونيس، حيث يرصد حضور التاريخ والحضارة والفكر في نصوصهما، ويرى أن هذه الكتابات تمثل مرحلة من التحولات المهمة في الشعر العربي الحديث، سواء على مستوى اللغة الشعرية أو طرق التعبير أو الانفتاح على ثقافات متعددة، ويتوقف كذلك عند تجربة الشاعر الأردني عمر أبو الهيجاء في مجموعته الشعرية «وأقبل التراب»، بوصفها تجربة شعرية تتداخل فيها الذاكرة والمكان والقضية والبعد الإنساني، ويخصص د.مراشدة مساحة لدراسة شعر الناقد، والأديب الأردني ناصر الدين الأسد، متتبعاً حضور الذات والذاكرة والقيم الإنسانية في تجربته الشعرية، وما تحمله من ارتباط بالوجدان والطبيعة والرؤية الخاصة للعالم.