«مطعم فيصل»... ستون عاماً من النضال الثقافي

كتاب يوثق لسيرة مكان تجاوزت شهرته لبنان

«مطعم فيصل»... ستون عاماً من النضال الثقافي
TT

«مطعم فيصل»... ستون عاماً من النضال الثقافي

«مطعم فيصل»... ستون عاماً من النضال الثقافي

مع خفوت نجم المقاهي الثقافية في المنطقة العربية، وبشكل خاص في بيروت، التي عرفت الظاهرة الكبرى اعتباراً من منتصف القرن الماضي، يأتي كتاب «مطعم فيصل» لمؤلفته إيمان عبد الله (دار نلسن) ليعيد إلى الذاكرة حكاية مكان ليس ككل الأمكنة. فهذا المقهى البيروتي الذي كان مطعماً أيضاً تجاوزت شهرته لبنان، لينال صيتاً عربياً. ورغم مرور عقود على إغلاقه لا يزال ما دار في أروقته والدور الذي لعبه وأنشطة رواده تشغل الكتّاب والمؤرخين لإعادة قراءة فترة ذهبية عاشتها العاصمة اللبنانية، احتضنت خلالها أسماء ستصبح فيما بعد نجوماً في عالم الأدب والسياسة والفكر.

«مقهى فيصل» أو «مطعم الثوار» كما أسماه سمير صنبر، جاءت أهميته في البدء من موقعه، مقابل البوابة الرئيسية للجامعة الأميركية في بيروت، وتدريجياً، رغم وجود العديد من المقاهي المجاورة، أصبح امتداداً للحركات الفكرية والسياسية التي كانت تدور في أروقته بين الأساتذة والطلاب. أما لماذا كان هذا المقهى تحديداً هو الأوفر حظاً، والأحب إلى قلوب النخبة اللبنانية، والعربية التي تتلمذت في بيروت، أو مرت بها؟ فهذا ما يكشف عنه الكتاب، الذي يصدر في بيروت، بعد أيام. عوامل عديدة، إضافة للموقع الجغرافي، كانت وراء هذا النجاح، الذي سكن الذاكرة الجمعية. هناك شخصية صاحب المقهى توفيق، وبعده ابنه فريد؛ إذ تميّزا بالعمل الدؤوب والكرم والحنان المرافقَين للصرامة في التعاطي مع الطلّاب، ثم هناك النوادل الذين يُروى عن حسن تعاملهم الكثير، وكذلك طيب المأكولات، وخصب المناخ، وسعة الصدر.

يقول الزميل سمير عطا الله في مقدمته للكتاب عن «مقهى فيصل»: «أصبح شيئاً يتمنى الكثيرون الانتساب إليه كأنهُ نادٍ صحافيٍّ مغلق، أو كأنهُ جمعية أهل القلم، أو أنه ملتقى الأفكار والتيارات السياسية التي إما يحملها العرب من بيروت إلى أوطانهم، أو من أوطانهم إلى بيروت، حيث انفتاح المنابر وسماع الأفكار». في «مقهى فيصل»، كانت تُكتب لعقود البيانات السياسية، وتنطلق المظاهرات الاحتجاجية، وتُدبّج القصائد، وتُصحح المسرحيات، وتكتمل المخطوطات الأولى للكتب، وتُحفظ الأناشيد وتُصاغ الشعارات.

مؤسس المطعم/ المقهى توفيق سعاده، أتى من قرية عين عنوب، لقب عائلته فيصل، ومن هنا جاء اسم المكان. كان رجلاً رؤيويّاً. اختار موقعاً ممتازاً لمشروعه، مقابل المدخل الرئيسي لجامعة النخبة العربية.

ليبرالية بيروت

«الجامعة الأميركية» في بيروت، تميزت منذ نشأتها عام 1866 بجوها الليبرالي ومعاركها الفكريّة والسياسيّة. واحدة من أوائل حركاتها الشهيرة، احتجاج الطلّاب عام 1882 بسبب خلاف حول الداروينية بين أساتذة أميركيّين مُحافظين وآخرين متحرّرين، وهو ما تسبب باندلاع حركة طُلّابية امتدّت وتوسعت، وذلك عندما ثار طُلّاب كليّة الطبّ، من بينهم جورجي زيدان ويعقوب صروف وفارس نمر، وتركوا الكليّة.

هذه الأجواء التي عُرفت بها الجامعة الأميركية صارت تنتقل إلى «مقهى فيصل» الذي يُعتقد أنه تأسس عام 1919، أو على أبعد تقدير عام 1920، وبقي جزءاً من الحياة الفكرية حتى أغلق أبوابه تحت وطأة الحرب الأهلية اللبنانية، في اليوم الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985.

البعض يرى أنه يمكن التأريخ لبيروت من خلال مرآة «مقهى فيصل». فقد تزامن افتتاحه مع انتهاء الحرب العالمية الأولى وقيام لبنان الكبير، وتغيير اسم الجامِعة من «الكلية السورية الإنجيلية» إلى «الجامِعة الأميركيّة». في تلك الفترة وفد عدد كبير من الطلاب العرب من سوريا وفلسطين والعراق والأردن إلى بيروت، وبشكل خاص للالتحاق بالجامِعة الأميركيّة. كانوا في غالبيتهم شديدي الحماسة للثورة العربيّة، ومن عائلات ميسورة: العظم، والبرازي، والدالاتي، وحرب، ومن آل الشوا من غزة.

فوران الحياة الطلابية

أثر غليان الأحداث السياسية على الجامِعة وطُلّابها. يقول أنيس فريحة في كتابه «قبل أن أنسى» عن ذكرياته في تلك المرحلة: «شارل مالك كان شاباً ذكيّاً من الكورة، وكوستي (قسطنطين) زريق كان في الـ(هاي سكول)، وفؤاد صروف كان غادر للتو إلى القاهرة للالتحاق بمطبوعات عمّه».

فترة الثلاثينات تميزت بنشاطها الاجتماعي والسياسي، حيث ظهرت حركات قوميّة أبرزها «جمعية القوميّة العربيّة» السريّة، وعند «فيصل» كان بمقدور أعضائها مناقشة موضوعاتهم الحساسة. كتب يوسف الصايغ في مذكراته: «كنا نتجادل حول القوميّة العربيّة مقابل القوميّة السوريّة. وكلما جفّت حناجرُنا من النقاش، ذهبنا لتناول القهوة في (مطعم فيصل) الذي كان مؤسسة، وصاحبه ذو شخصية فريدة، ومحلّه بمثابة صالون سياسي. كان فؤاد مفرّج يذهب إلى هناك، ومحمد شقير، ومحمود صائب، وكان مُنح الصلح يذهب إليه، ولكن في وقت لاحق. كان أساساً مُلتقى القوميّين العرب، ولكن نحن أيضاً كنا نذهب إليه لنُجادلهم».

في هذا المطعم نَـظَـم سعيد عقل بعض أشعاره، منها نشيد «العروة الوثقى»، وقصيدته الغرامية التي يتغزّل فيها بإحدى الطالبات الجميلات، وكانت محط إعجاب الجميع، ومطلعها:

سمراء يا حلم الطفولة وتمنع الشفه البخيلة

لا تقربي مني وظلي فكرة لغدي جميلة

وكان لتقسيم فلسطين تأثيره الكبير على الطلّاب. بدّل هذا الحدث الجلل في حياتهم ونشاطاتهم، خصوصاً عند الطالب جورج حبش الذي دخل كليّة الطبّ، ويروي أن مطعم ومقهى فيصل كان ملتقى الطلّاب، وأصبح علامة بارزة في الحياة الجامعيّة، وبقي شهيراً ومعروفاً حتى سنوات الحرب اللبنانيّة. ويضيف: «كم أسفتُ لإغلاقه فيما بعد بسبب ظروف الحرب... كان أحد المراكز التي يدور فيها نقاشٌ حول مفاهيم البعث والناصريّة وحركة القوميّين العرب، ومُختلف الموضوعات الحيوية التي تواجه الأُمّة العربيّة».

الستينات والقومية

بقي «مقهى فيصل» في الستينات من القرن المنصرم «من المعاقِل الأساسيّة للحركة القوميّة، سواء حزب (البعث)، أو حركة القوميّين العرب، أو الأحزاب اللبنانيّة الخالصة، كحزب (الكتائب) وحزب (النجّادة)... وكان مكان التجمّع الأساسي لقادة هذا الحِزب، لا سيما في السنوات الأخيرة للوحدة، بعد تفاقُم الخلافات بين عبد الناصر وحزب (البعث العربي الاشتراكي) وانسحاب وزراء الحزب من حكومة الوحدة».

استمرّت التحركات الطلّابية ناشطة أواخر الستينات وحتى منتصف السبعينات. واستمر رؤساء مجالس الطلبة يجتمعون في «فيصل»، يكتبون بعضاً من بياناتهم هناك ويخطّطون لتوزيعها، حتى قيل إنّ «مقهى فيصل» كان أحد رموز الجامِعة الأميركيّة. ونُسب يومئذ إلى الزعيم الفلسطيني كمال ناصر قوله إنه «لا لزوم لدائرة علوم سياسيّة في الجامِعة الأميركية، ما دام (مقهى فيصل) يقوم، بالنيابة عنها، بهذه المُهمّة المُستحيلة».

في «فيصل» كُتبت الأناشيد الثورية، وعلى بابه تجمع الطلّاب للمشاركة في الاحتجاجات في الخمسينات والستينات والسبعينات. وعلى طاولاته أَعدّ ما عُرف بـ«جماعة» «مطعم فيصل» (بشارة مرهج، وماهر المصري...)، ورؤساء المجالس الطلّابية، المنشورات والبيانات الإذاعيّة المستخدمة في تحركاتهم واحتجاجاتهم ومخطّطاتهم. وقد احتُسب على الناشطين في الحركات القوميّة العربيّة، فارتاده القوميون العرب والبعثيون، بشكل كبير.

كان المفكر مُنح الصلح من أبرز روّاد «مطعم فيصل»، جعل منه مقرّه اليومي، تتحلّق حوله شخصيّات سياسيّة وفكريّة للتداول في شؤون البلد والأُمّة.

شخصيات مؤثرة

أكثر من مرة كتب المؤرخ نقولا زيادة، عن هذا المكان، وكان هو نفسه من روّاده لكونه أحد الأساتذة المبرزين في الجامعة الأميركية، وعن أمنيته بأن يبادر أحدهم إلى كتابة تاريخ «مطعم فيصل»، عادّاً أن «من لا يتعرّف إلى (مطعم فيصل) لا يستحقّ أن يكون أستاذاً في الجامِعة».

أما خليل جحا فيروي: «كنّا نلتقي الأديب الكبير أمين نخلة، والشاعر الفلسطيني كمال ناصر الذي عندما سألته عن عنوانه في بيروت أجاب: (مطعم فيصل)، بالإضافة إلى الشاعر العراقي رزوق فرج رزوق الذي كان يُعدّ أطروحة ماجستير عن الشاعر اللبناني الكبير الياس أبو شبكة. وخليل حاوي الذي كان قد تخلى عن نظم الزجل وبدأ ينظم شعر التفعيلة، و(البيك) مُنح الصلح».

على مدى سنين طويلة من عمر «مطعم فيصل» ارتادته شخصيّات مؤثرة في تاريخ لبنان والبلدان العربيّة، مثل سعيد عقل، وبدر شاكر السياب، وغادة السمان، ونزار قباني، وعبد الوهاب البياتي، وإبراهيم طوقان، وشخصيات سياسية وفكرية.

توثيق وشهادات

يعتمد هذا الكتاب التوثيقي الجديد على جمع معلومات وذكريات منشورة في كتب ومقالات عن «مقهى فيصل»، ويضعها في سياق الأحداث الاجتماعية والسياسيّة في تلك الفترة المؤثرة في الجسم الطلّابي الجامعي، كما أنه يحاول رسم صورة استعادية حية للمكان، من خلال مُقابلات أُجريت مع شخصيّات عرفت تلك الحقبة وعاشتها.

يمكن تشبيه دور «مقهى فيصل» بدءاً من خمسينات القرن الماضي حتى إغلاقه، بما كانت تمثله مقاهٍ مثل «كافيه دي فلور» أو «دو ماغو» لجان بول سارتر أو سيمون دي بوفوار في باريس، بما كان له من بعد ثقافي، ومن هالة أضفاها على «شارع بليس» البيروتي الذي يوجد فيه، حتى شبّهه الكاتب المصري أحمد بهاء الدين، بـ«الحيّ اللاتيني» في فرنسا، لكن كل هذا قد انطفأ بسبب الحروب والصراعات والظروف القاهرة التي مرّت بها بيروت من جهة، ولأن طبيعة دور المقاهي أصابها خلل كبير، وتبدّل شديد؛ فقد غزت مطاعم ومقاهي «الفاست فود» شارع «بليس» كله، وتغيرت وظائف الأمكنة بتبدل العقليات والاحتياجات والقناعات. يبقى أن هذا الكتاب ضرورة جميلة، غير أنه يحتاج بعض التشذيب لتخليصه من المعلومات المكرورة، والزيادات التي لا حاجة للقارئ بها كي يبدو أكثر جاذبية ومتعة.


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي ينذر مَن لم يخلِ ضاحية بيروت الجنوبية بمغادرتها «فوراً»

المشرق العربي لبناني يحمل أغراضه ويغادر منطقة الشياح في العاصمة اللبنانية بيروت عقب غارات إسرائيلية (إ.ب.أ) p-circle

الجيش الإسرائيلي ينذر مَن لم يخلِ ضاحية بيروت الجنوبية بمغادرتها «فوراً»

جدد الجيش الإسرائيلي تحذيره لمن تبقى من سكان ضاحية بيروت الجنوبية بإخلائها «فوراً»، منذراً بمواصلة الغارات في المنطقة التي تعتبر معقل «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
يوميات الشرق ميسا جلّاد تُحيي حفل ختام المهرجان (نادي لكلّ الناس)

«مهرجان الفيلم العربي»... 6 أيام من العروض والندوات السينمائية

منذ تأسيسه عام 1998، يعمل «نادي لكلّ الناس» على أرشفة الأعمال السينمائية والموسيقية، وترميمها وتحويلها إلى نسخ رقمية.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

التخيُّل عند مارون الحكيم تقنيّة ووعي وإتقان، يمرّ عبر التحكُّم بالسطح وبالصدمة البصرية وبالإيقاع الداخلي للنقاط واللطخات...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)

«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

«الأرض الحرام» أو «No Man’s Land»، هي مساحة تُفتَح حين تُغلَق المعابر ويتحوَّل الحدّ إلى قَدَر، فيصبح الإنسان مضطرّاً إلى العيش بين أمرين لا يملكهما.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)

«كرامة بلا مساومة»: إعادة صياغة خطاب الحماية في لبنان

العنف قد يتسلَّل عبر عبارة أو نظرة أو سلوك داخل بيت يُفترض أنه مساحة أمان...

فاطمة عبد الله (بيروت)

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».