أحمد صبري أبو الفتوح: لست نادماً على ترك منصّة القضاء... الأدب وحريتي أثمن من أي منصب

الروائي المصري أكد أن «فن الرواية» يتعرض لمؤامرة

الكاتب أحمد صبري أبو الفتوح
الكاتب أحمد صبري أبو الفتوح
TT

أحمد صبري أبو الفتوح: لست نادماً على ترك منصّة القضاء... الأدب وحريتي أثمن من أي منصب

الكاتب أحمد صبري أبو الفتوح
الكاتب أحمد صبري أبو الفتوح

يعد الكاتب أحمد صبري أبو الفتوح أحد أبرز الأسماء في المشهد الروائي المصري الراهن، نظراً لما تتضمنه أعماله من براعة في السرد وتنوع في الشخصيات وتعدد البيئات الزمانية والمكانية. كما يؤسس مشروعه الأدبي على الانحياز للفقراء والمهمشين وقيم العدالة الاجتماعية. ورغم أنه ارتقى مناصب رفيعة في السلك القضائي، إلا أنه ضحى بكل شيء من أجل التفرغ للأدب والكتابة بحرية. من أبرز أعمالة «ملحمة السراسوة» حصلت على جائزة مؤسسة ساويرس لأفضل عمل روائي فئة كبار الكتاب عام 2010، و«أجندة سيد الأهل»، و«برسكال».

هنا حوار معه حول روايته الجديدة «صاحب العالم» وهموم الكتابة.

* في روايتك الجديدة «صاحب العالم»، ثمة تحذير مكتوب برهافة من سطوة الوسائط التكنولوجية الحديثة، لا سيما مواقع التواصل الاجتماعي، وكيف أصبحت أداة للتجسس على البشر... هل أنت من مؤيدي «نظرية المؤامرة»؟

- إن الأكثر خطورة من تأييد نظرية المؤامرة هو الإقرار بأن العالم خالٍ من المؤامرات، وقد أثيرت على مدى العقود القليلة الماضية الكثير من الأمور المتعلقة بإتاحة البيانات الشخصية للغير من قبل الشركات المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي، بل بيعها للشركات وللحكومات وغيرها. وهذا يعني ببساطة أن المعلومات التي يظن المتعاملون مع هذه المنصات أنها سرية هي في الحقيقة ليست كذلك، وهو ما دعا المشرعين في كل أنحاء العالم للتدخل لإقرار تشريعات جنائية تجرم هذا المسلك وتفرض عقوبات مغلظة عليه، والتشريعات لا تجرم أعمالاً تخيلية أو مفترضة، وإنما تواجه واقعاً يتطلب التدخل للحد من الجريمة، الأمر إذن ليس تأييداً أو إنكاراً لنظرية المؤامرة، إنه واقع ملموس ومحسوس ويتقاضى الناس بشأنه أمام المحاكم في جميع أنحاء العالم.

* يهرب البطل في نهاية العمل إلى منطقة نائية بعيداً عن ملاحقات شبكات الهاتف أو الإنترنت حيث الطبيعة والعزلة... هل هذه هي «وصفة السعادة» لإنسان العصر برأيك؟

- لقد اخترت للرواية نهاية مفتوحة يلتم فيها شمل الحب بين حبيبين من نوع خاص جداً، أحدهما مهدد بفضيحة تطيح بكل تاريخه وتدمر سمعته وأسرته، والأخرى امرأة لم تعرف في حياتها الحب، وبعد تجربة زواج مريرة لم تجن منها إلا المال عرفت الحب مع هذا الرجل المهدد بالفضيحة. إنه حب صادق عاقل فيه من معاني الأبوة ومعاني الهيام الكثير، وقد اختارت المرأة أن تذهب إليه حيث يختبئ لتكون معه في محنته، لكن هذا لا يعنى أن الانعزال هو وجهتهما، فالرواية لا تتحدث عن الانعزال إلا بوصفه مؤقتاً، حتى يخرج الرجل المهدد بالفضيحة من دائرة اهتمام وانتقام صاحب العالم وأعوانه، أما كيف سيتعاملان مع الأمر بعد تجنب الفضيحة فهذا أمر متروك للمستقبل، إذ إن هذه الإشكالية المتعلقة بإمكانية إتاحة الأسرار لأي جهة تدفع ثمنها لم تُحل عالمياً برغم القوانين التي تجرمها.

* إلى أي حد استفدت من خلفيتك رئيساً أسبق للنيابة في كتابة عالم السجن بنماذجه البشرية الفريدة التي تعج به هذه الرواية؟

- من حسن حظي أنني لم أكن فقط وكيلاً أول للنيابة الكلية ورئيساً للنيابة فقط، كنت أيضاً أحد أعضاء لجنة العُمد والمشايخ على مستوى محافظة الدقهلية، وكنت - وهذا هو المهم هنا - المختص من أعضاء النيابة العامة بالتفتيش على السجن العمومي. وأتاح لي هذا الاختصاص أن أفاجئ السجن بالزيارة في أي وقت وأتجول في أرجائه وأعاين عنابره وزنازينه وأستمع إلى شكاوى السجناء وأحقق منها ما يحتاج إلى تحقيق. ولهذا أقول بكل أريحية: نعم استفدت من كل ذلك ولم أجد أي صعوبة في تخيل الوضع بالسجن، لا من حيث جغرافيته، ولا من حيث تراتب الرتب فيه، ولا أيضاً من حيث العادات التي يسير وفق مجرياتها المحبوسون بتوافق مع الإدارة في بعض الأحيان.

* ما الذي يميز الأديب حين يكون قادماً من خلفية قضائية، كما في حالتك، وهل ندمت على الاستقالة من المناصب الرفيعة التي بلغتها، هل كان الأدب يستحق تلك التضحية؟

- يتميز الأديب القادم من خلفية قضائية بميزة قد لا توجد إلا لدى الكاتب الموهوب جداً، ألا وهي النظر إلى الموضوع من زوايا مختلفة ومتعددة، وهو ما أسميه «ليبرالية السرد الروائي»، الذي يعني بكل أطياف اللون وليس بالأبيض والأسود فقط. وفي النهاية أنا لم أندم أبداً على تركي العمل في القضاء، فالأدب وحريتي ككاتب أثمن عندي من أي منصب، ثم إن المحاماة التي أمارسها حالياً معنى آخر من معاني القضاء، إنها تجسيد لحق الدفاع وهو أقدس حق من حقوق الإنسان، وكل متهم لا بد أن يتمتع به، حتى لو كان الشيطان نفسه.

* في الجزأين الرابع والخامس من عملك الضخم «ملحمة السراسوة» وكذلك رواية «برسكال»، تتناول ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 بشكل عدّه بعض النقاد منحازاً لها ومدافعاً عنها.. كيف ترى الأمر؟

- لقد اعتاد الناس أن يقولوا هذا، ولا أدرى لماذا، وما الذي زكّى هذا القول، وفي الحقيقة فإن أحداً من النقاد الذين كتبوا عن الملحمة، خصوصاً عن الروايتين الأخيرتين، لم يقل بهذا أبداً، لقد كتب عنها عشرات النقاد، هنا في مصر وفي الوطن العربي، وحتى في المطبوعات العربية في أوروبا، ولم يقل أحد ممن كتبوا هذا. أغلب الظن أن هذا القول منسوب إلى بعض من يريدون تسريب هذا وكأنه واقع، تماماً مثلما يلجأ البعض من باب العداء غير المعروفة أسبابه إلى نشر أكاذيب يجري التأكيد عليها حتى تصبح وكأنها حقيقة.

أما فيما يتعلق بثورة يوليو وانتمائي لها، فهذه تهمة لا أنفيها وشرف لا أدعيه، أنا من أبناء يوليو، وقد عاصرت ورأيت بأم عيني كيف كانت منحازة للفقراء والبسطاء، وكيف انتهجت برامج للتنمية غير مسبوقة، غيرت واقع الناس وحياتهم إلى الأفضل. ورغم ذلك، فإن «ملحمة السراسوة» وجهت نقداً موضوعياً جاداً لتجربة ثورة يوليو، ولو قرأ أصحاب هذا الادعاء العمل لما قالوا هذا، ولهذا أخذت تلك الرواية تحديداً مكانها اللائق في تاريخ الأدب العربي، لست أنا من يقول هذا، الجميع يقولونه.

*هل لا تزال تشعر بأن الآيديولوجية القومية المتعلقة بالعروبة والتي تتبناها جعلت النقاد يتعمدون تجاهلك؟

- لا يمكن إنكار أننا نعيش عصراً من العداء لثورة يوليو وللفكر الاشتراكي بمقارباته كافة، ولا يمكن أيضاً إنكار أن معظم من يمسكون بمقاليد الأمور أو يوجدون في الأماكن المؤثرة هم من الأعداء بالنسبة للفكرة القومية ومن أنصار الفكر اليميني ولديهم في الغالب هوى غربي على نحو أو آخر. ومن أسف فإن انهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي ألجأت بعض الماركسيين إلى التمنطق ببعض مقولات الفكر الليبرالي وتمويلاته خشية السقوط في الفراغ، وكذلك وقعوا تحت مطرقة أحد أوجه الفكر السلفي الديني، مطرقة التمويل والانحيازات ضد أعدائهم، فأصبح الجميع يقولون الشيء نفسه، كأنه لم يعد هناك فارق بين الماركسي والليبرالى والسلفي في تقييم ما يجري في العالم. لا ينجو من هذا إلا من رحم ربي، ربما لهذا يشكل كوني قومياً اشتراكياً عائقاً كبيراً لدى من يتأثرون بهذا، وفي الحقيقة هم لم يتجاهلوني، لكنهم يقرأونني لمتعتهم كقراء، جميعهم قال لي هذا.

* لماذا تهاجم عموماً النقد بضراوة وترى أنه مات أو على الأقل يحتضر منذ زمن؟

- هناك فارق كبير بين مهاجمة النقد وبين محاولة البحث عن أسباب ضعف دوره في متابعة ومواكبة وتقييم الإبداع. لدينا على المستوى الفردي نقاد عظام، منهم أساتذة في الجامعات وأستطيع أن أضرب عشرات الأمثلة على ذلك، ومنهم من ليسوا كذلك، ولكنهم لم يطوروا مدرسة نقدية عربية على غرار ما يفعلون في الغرب، ولهذا يختلف التقييم من ناقد إلى ناقد، وربما لا يكون الناقد ملماً بصورة الإبداع كاملة. من يريد للمدرسة النقدية العربية الكمال والازدهار لا يمكن عدّه مهاجماً للنقد، بالعكس أنا أحترم النقد والنقاد وأتمنى أن يتبوأ موقعه الصحيح رمزاً لموضوعية وعدالة التقييم الأدبي غير المبني على الشللية أو الهوى أو حتى المحدودية، أو المدرسية النمطية القديمة.

* أليس غريباً أنه في زمن تُرفع فيه شعارات التكثيف وعصر السرعة، تخرج أنت على الناس برواية ملحمية كلاسيكية متعددة الأجزاء... ألا تخشى اتهامك بمعاداة التجريب؟

- هذا ما حدث، الرواية العربية كانت تفتقر إلى كتابة كهذه «الساجا» أو الملحمة الروائية، لقد أدى هذا اللون من الإبداع دوره في فهم ومتابعة تطور المجتمعات الغربية، بل الشرقية أيضاً، في الصين واليابان مثلاً، أما في العالم العربي وفي مصر بالذات لم يكن لـ«الساجا» وجود ملحوظ، اللهم إلا باستثناءات محدودة للغاية. لم يكن الأدب جزءاً من التأريخ في مجتمعاتنا العربية، لقد أسهمت «ساجا» أو ملحمة «السراسوة» بجهد غير منكور في هذا الاتجاه، ولهذا هي التي دافعت عن نفسها، وشقت طريقها فبدأ الجميع يكتب أعمالاً كبيرة، بعضها نجح وبعضها لم ينجح لأنه يفتقر لشروط الأدب الكبير. أما الزعم بأن التاريخ دفن أشكالاً أدبية وأقام على روحها المآتم فهذا أعده نوعاً من التخريف، وهؤلاء الذين يتكلمون عن الكلاسيكية لا يعرفون عما يتحدثون، أيتحدثون عن الرواية البلزاكية مثلاً؟ جيد، بماذا إذن يصفون معظم الروايات الأخرى؟ هل «عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني تجريبية؟ هل هي من تيار الرواية الجديدة؟ هل رواية «طيور العنبر» لإبراهيم عبد المجيد تجريبية؟ أنا لا أعادي التجريب، ولكن هذا التجريب يجري منذ خلق الله الإنسان وتكونت المجتمعات، لا أحد يستطيع أن يقاوم التجديد، و«السراسوة» مليئة بالتجريب لمن يقرأها عن وعي.

* تؤكد أن الرواية في محنة وتتعرض إلى مؤامرة كبرى. ما الذي تقصده تحديداً ومن يقف وراء ذلك برأيك؟

- لا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال الكبير في عجالة، ولكنني أؤكد على أن الرواية تمر بظروف صعبة بعض الشيء، التجريب يأخذها بعيداً عن مسارها الطبيعي، إلى متاهات لا تمت لعالم الرواية بصلة. فكرة إلغاء الحكاية واحتقار الحبكة ونبذ التراتب وتعظيم وصف الأشياء كما هي وليس من وجهة نظر الإنسان أو بتأثيرها فيه أو تأثرها به وغيرها من الأمور التي لم تستقر على شاطئ حتى الآن تأخذ الفن الروائي بعيداً عن مساره الصحيح، لقد جرى تحديث المدارس الأدبية الروائية بطرق سرد جديدة وأعيد اكتشاف الواقعية مرات ومرات في صور جديدة وبقيت الرواية كما هي مغمورة بسحر الفن، هذا السحر الذي يسعى البعض الآن لتجريدها منه.


مقالات ذات صلة

إطلاق أول منصة رقمية لتوثيق الفنون البصرية اليمنية

يوميات الشرق يُعد المشروع أول منصة رقمية شاملة ومتخصصة تُعنى بتوثيق الفنون البصرية اليمنية (الشرق الأوسط)

إطلاق أول منصة رقمية لتوثيق الفنون البصرية اليمنية

يُعد المشروع أول منصة رقمية شاملة ومتخصصة تُعنى بتوثيق الفنون البصرية اليمنية بمختلف مجالاتها وأجيالها، ضمن مبادرات الدار الهادفة إلى خدمة الثقافة اليمنية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق نجاحات السوق تدفع بالشخصية نحو تجربة سينمائية (رويترز)

بعد اجتياحها الأسواق... «لابوبو» إلى السينما

أعلنت شركة الألعاب الصينية «بوب مارت»، بالتعاون مع «سوني بيكتشرز»، أنّ دمى «لابوبو» ذات الشعبية الواسعة ستخوض قريباً تجربة السينما، عبر فيلم روائي طويل خاص بها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يطلق تأسيس «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته علمياً.

عمر البدوي (الرياض)

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.