«محنة كورو»... الراوي والأبطال الحقيقيون فيروسات

رغد السهيل تستثمر تخصصها في علم المناعة والأحياء المجهرية

«محنة كورو»... الراوي والأبطال الحقيقيون فيروسات
TT

«محنة كورو»... الراوي والأبطال الحقيقيون فيروسات

«محنة كورو»... الراوي والأبطال الحقيقيون فيروسات

رواية «محنة كورو»، للروائية رغد السهيل الصادرة عام 2023، رواية غريبة ومختلفة وطريفة في موضوعها وشخصياتها. فهي ليست عن شخصيات بشرية اعتيادية، كما عودتنا الروائية ذاتها في رواياتها السابقة مثل «أحببت حماراً» و«منازل ح 17»، بل هي عن كائنات حيوانية غير مرئية، لكنها ليست لوناً من رواية الحيوانات المعروفة fables أو لوناً من رواية الخيال العلمي fiction science. يخيل لي أنها ليست هذه أو تلك، فأبطالها الحقيقيون كائنات غير مرئية، لكنها قوية وشرسة، وقادرة على تدمير الإنسان وقتله: إنها الفيروسات، وتحديداً فيروسات جائحة كورونا (كوفيد - 19). فالإنسان في هذه الرواية يُروى عنه، ومن يروي هو الفيروس اللامرئي الذي يحب أن يتماهى مع الطائر اللامرئي أو الماكر المسمى (كورو) (ص 192)، وربما هو ما دفع بالمؤلفة لوضع اسم (كورو) في عنوان الرواية، بافتراض أن الرواية بكاملها مسرودة أو مروية من وجهة نظر فيروس (كوروني) ماكر يتنقل بين الناس بحرية ويورثهم المرض أو يسبب لهم الموت.

وخلال رحلات هذا الفيروس في عالم البشر، يقوم بوصف عالم الناس الذين يعايشهم أو يصيبهم بالعدوى. كما أن اسم كورو يشير أيضاً إلى فيروس كورونا – (كوفيد - 19)، لذا أدرجته المؤلفة في العنوان الذي هو عتبة نصية دالة.

ويحتل الوصف هنا مكانة متميزة في الرواية، لأنه وصف يقوم عبر منظور «نزع المألوفية» defamiliarization الذي صاغه الناقد الشكلاني الروسي فيكتور شكلوفسكي عام 1917، الذي يذهب فيه الى أن الأدب لكي يتميز عن النثر العادي، يميل إلى «التغريب»، وهو منظور جديد يعيد رؤية المرئيات والأشخاص بطريقة مغايرة، حتى لتبدو وكأنها من عالم مغاير ومختلف عن العالم المألوف. ففي رواية «محنة كورو» نجد فيروس كورونا، سارد الرواية أو راويها المتماهي مع الطائر الخفي (كورو)، لأنه يَرى ولا يُرى، يصف الأشياء وكأنها في بدء تكونها أو نشوئها.

فعندما يصف الفيروس السارد بغداد يقدمها عبر منظور جديد، وهو يرسم منظراً بانورامياً وأفقياً عريضاً، وهو يجوس شوارعها وأزقتها وبيوتها ليشكل لنا عالماً طازجاً حديث الولادة. فالطائرة تبدو له مثل كبسولة مجنحة (ص 219) والبشر عمالقة والسيارة مثل صندوق حديدي متحرك (ص 13).

ويبدو أن محنة الراوي الفيروس قد بدأت عندما تعرضت الغابة التي يعيش فيها إلى حريق مدمر، أتى على كل شيء ولم تنج منه سوى الطيور التي هربت بعيداً عن النيران، وعندما اندلع ذلك الحريق كان الفيروس السارد يقبع في أنف (هورشو)، ذلك الطائر الذي تعود أن ينام معلقاً بالمقلوب، ويقصد به (الخفاش) ونجا بأعجوبة، لكنه فقد مضيّفه الذي حلق بعيداً، وهو يظن أن صغاره (الهورشات) قد ماتت في الحريق. وإذا ما كانت محنة الراوي، ونعني به فيروس كورونا المتماهي مع الطير الخفي (كورو) قد بدأت بعد حريق الغابة وانفصاله عن مضيفه، فإن ذلك لم يدفعه إلى اليأس، بل ظل يبحث، خلال رحلاته بين عالم البشر، عن صديقه ومضيّفه الخفاش (هورشو) في كل مكان، ويحن للعودة معه إلى الغابة وإلى بقية (الهورشات) التي لم تحترق. ولذا نراه في نهاية سياحته هذه بين المدن يتجه ثانية نحو موطنه الأصلي، وهو يتطلع إلى اللقاء بمضيفه الخفاش (هورشو)، من خلال انتقاله إلى أنف العملاق حاكم 2003 الذي قرر العودة إلى العراق بالطائرة:

«ليس أجمل من العودة إلى أبناء (هورشو)، إلى الغابة التي جئت منها» (ص 214)

ونلاحظ أن الفيروس السارد يكتشف صورته لأول مرة، في المرآة بينما كان (العملاق حاكم 2003) يتطلع إلى صورته في الحمام، فقد عكست (المرآة) صورة كائن مدور سميك ككرة من لفائف متعددة الطبقات، لكل طبقة لون، تسبح الكرة في المرآة وحدها وهو الذي جعل الفيروس يصرخ باستغراب: «يا إلهي: أهذا... أهذا أنا؟». (ص 219) وهذا ما دفع بالفيروس الراوي لأن يصرح بفرح غامر، وهو يستخدم كنية الطائر الخفي (كورو) الذي يرغب في التماهي معه: «أخيراً رأيتني، ما أجملني أنا السيد كورو» (ص 219)

وهكذا تنتهي محنة كورو التي تصدرت عنوان الرواية، في إشارة إلى أن محنته قد انتهت أخيراً بحلم العودة إلى موطنه في الغابة للالتقاء بأصدقائه (الهورشات) التي تعودت أن تنام معلقة بالمقلوب.

لقد استثمرت الرواية، كما أشرت سابقاً، تقنية السرد من خلال مفهوم «نزع المألوفية» لإعادة تجسيد صورة الواقع بطريقة جديدة وصادقة، تفضح دمويته وسوداويته بوصفه يمثل عالماً (دستوبياً) dystopian مليئاً بالدم والخبث والعنف. ولم يكن غريباً أن يرسم السارد صورة مأساوية ورمزية، لمدينة بغداد من خلال شباك الطائرة المحلقة، وهي رؤية تعبر عن موقف لا يخلو من إدانة للواقع السياسي والاجتماعي في العراق آنذاك:

«وما إن طارت (الطائرة) حتى لمحت من النافذة نهراً جارياً أحمر اللون على ضفته جبل ضخم مدهش من النفايات المكدسة اخترقت قمته الغيوم. يا للفظاعة!» (ص219)

ويبدو لي أن رحلة طائر (كورو) الذي يَرى ولا يُرى، وأعني بها رحلة فيروس كورونا، وعودته إلى موطنه في الغابة شبيهه برحلة الطيور في سردية فريد الدين العطار «منطق الطير»، بحثاً عن طائر السيمرغ. إذْ يستدل الفيروس بحدسه وربما بغريزته و«منطقه» على موطنه الأصلي في الغابة، منهياً فصول محنته الاغترابية في عالم البشر.

وإذا ما كانت محنة كورو قد انتهت، فإن محنة البشرية لم تنتهِ، لأن الفيروس راح يفتك بالملايين من الناس. ولذا فقد راحت الروائية، مستثمرة ثقافتها العلمية وتخصصها الدقيق في علم المناعة والأحياء المجهرية، تؤشر لدلالات هذه الجائحة التي أصابت الناس في كل مكان، وترسم خريطة طريق لمواجهتها:

ففي حوار مع غزلان: «اسمعي يا غزلان إن انتقال الفيروس من الحيوان إلى الإنسان أمر طبيعي يتكرر في تاريخ الأوبئة»، ثم يستدرك قائلاً: «لكنني تصورت أن هذه الجائحة ستتوجه نحو العلم، وستوحد البشرية وتدفع بسفينتها إلى برّ الأمان، لكن يبدو أنها ستوجه إلى مزيد من البطش... إنه صراع مقيت بين العلم والآيديولوجيا، كلّ يريد فرض سلطته».

وربما هو ما دفع الفتاة للتعليق على كلام عمتها الدكتورة خلود، التي هي صورة للمؤلفة نفسها، بالقول: «كلام فلسفي هذا يا عمتي». (ص 191).

ولخص (أبو نبيل) محنة الناس في مواجهة جائحة كورونا: «يا صبر أيوب. آه، كأن هذه الجائحة وضعتنا في مواجهة آلامنا المدفونة، وتركتنا عراة أمام عاصفة المصير». (ص 193)

وتكشف الرواية عن انشغال عميق بالخطاب المعرفي والفلسفي، في سلسلة من التناصات والإحالات إلى قراءات فلسفية وفكرية عميقة. إذْ يقول نجيب، المصاب بمرض عصبي: «إذا ماتت أمي سأتحول إلى فراشة، وأقلب أحوال الكون». (ص 20)

وفي إشارة تناصية إلى أحدث النظريات العلمية، المرتبطة بواقعية الكم والفوضى الخلاقة، التي ترى أن رفة جناح فراشة في منطقة ما من العالم قد تغير كل شيء. كما تتحدث الرواية عن مجموعة من الآراء والمنظورات الفلسفية والفكرية والسياسية العميقة:

«لا أحتمل رؤية بقرة نيتشه». (ص 202) في تناص مع رأي الفيلسوف الألماني (الذي شبه، في إحدى المرات، المرأة بالبقرة).

ومن الناحية السردية يتم السرد عبر ضمير المتكلم المبأر (أنا) حيث يتقمص السارد قناع فيروس كورونا (كوفيد - 19)، ويتكلم من خلاله، بوصفه شخصية مجسدة بشرياً عبر تقنية التشخيص personofication. فهو يتحدث عن مضيّفه الأصلي الخفاش (هورشو) بطريقة وصفية ذاتية، وكأنه كائن بشري:

«كان حبيبي هورشو كائناً لطيفاً، طويل الجناح يكسو جسمه فراءٌ ناعمٌ ذو لون بني، يعشق قضم الحشرات والعناكب، تعودت الطيران معه في الليل والنهار». (ص 15)

ويصف الفيروس السارد عالم البشر بوصفه «عالم العمالقة»، الذي كان يتنقل بينهم، ويصغي إلى أحاديثهم، ويتعلم منهم، لأنه يتلقف منهم كل معرفة جديدة ومن ضمنها القراءة: «نعم أجيد القراءة، فأنا أكتسب معارف كل من يستضيفني، وأربط بينها حتى أفوقه معرفةً، أنا الذي تعلم الأسماء كلها... أنا الذي يَرى ولا يُرى» (ص 19)

وبشكل عام يمكن أن نقول إن الروائية قد نجحت في توظيف منظور «الكوميديا السوداء» Comedy Black، في مواجهة المآسي والكوارث التي سببتها الجائحة أو النظام السياسي القائم للإنسان، عن طريق تنقية أو «فلترة» إحساس القارئ وتخفيفه ودفعه بدلاً عن ذلك إلى التفكير والتأمل والمساءلة. ويكتسب أهميةً خاصة، الرأي الذي أصدره نجيب، المعتل نفسياً، من «أن العالم يغص بعوالم الكافكاوية». (ص 61)، وهي إشارة مهمة عندما تقترن برؤيا «الكوميديا السوداء» لفهم طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية في العراق في الحقبة التي أعقبت الاحتلال الأميركي عالم 2003 التي اتسمت بهيمنة قوى طفيلية وفاسدة على العملية السياسية، فضلاً عن سيادة أجواء كافكوية عاشها المعارضون للقوى المهيمنة.



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!