نجيب محفوظ بين التشاؤم اللحظي والتفاؤل التاريخي

مرور 17 عاماً على رحيله

نجيب محفوظ بين التشاؤم اللحظي والتفاؤل التاريخي
TT

نجيب محفوظ بين التشاؤم اللحظي والتفاؤل التاريخي

نجيب محفوظ بين التشاؤم اللحظي والتفاؤل التاريخي

هل كانت رؤية نجيب محفوظ للوضع الإنساني متفائلة أم متشائمة؟ فلنتأمل هذه العبارة من «ثرثرة فوق النيل» (1966) على لسان إحدى الشخصيات: «إرادة الحياة هي التي تجعلنا نتشبث بالحياة بالفعل، ولو انتحرنا بعقولنا». (الفصل 7). في هذه العبارة يبدو تأثر نجيب محفوظ بالفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور الذي خلُص إلى أن الحياة «مشروع لا يغطي نفقاته»، وأن الأمر لو ترك للعقل وحده، لما كانت هناك حجة منطقية واحدة تدفع للتمسك بالحياة. إنما هي «إرادة الحياة» أو الغريزة العمياء المركبة فينا التي «تجعلنا نتشبث بالحياة» بأي ثمن.

لكن هذه اللحظة التشاؤمية لا تدل على موقف فلسفي عام عند محفوظ. العبارة الأصدق في الدلالة على موقفه الفلسفي هي التالية، أيضاً من «ثرثرة فوق النيل»: «تأملوا (...) المسافة التي قطعها الإنسان من الكهف إلى الفضاء!» (الفصل 7). هذه العبارة تكشف عن إيمان محفوظ بالخط البياني الصاعد لتقدم الجنس البشري، وهو الإيمان الذي يستمد منه تفاؤله التاريخي المستقبلي كترياق ضد قتامة الحاضر. فهو القائل: إنك إن نظرت إلى الحاضر في أي لحظة فستجد شتى أنواع المآسي تحيط بك، أما إذا نظرت إلى الحاضر من منظور تاريخي فستجد أن البشرية قد قطعت شوطاً كبيراً في طريق التقدم.

مصداق تفاؤلية نجيب محفوظ لفتني بشدة عندما استغرقت قبل فترة في قراءة عدد هائل من مقالات عموده الأسبوعي في جريدة «الأهرام»، في الفترة من 1982 إلى 1988، وهي الفترة التي تعاصر السنوات المبكرة من حكم حسني مبارك. مقالات تواصلت على مدى 6 سنوات في الفترة الحرجة من تاريخ مصر المعاصر التي أعقبت اغتيال السادات، وتصاعد فيها الإرهاب، واشتدت الأزمة الاقتصادية ضمن تداعيات سياسة الانفتاح الاستهلاكي. كانت الصورة قاتمة تماماً، إلا أنك تجد التفاؤل يقطر من مقالات محفوظ، والروح الإيجابية تنبض بها كلماته أسبوعاً بعد أسبوع. كانت مقالاته على وعي تام بالعيوب، والسلبيات، وإرث الديكتاتورية، والهزائم، والديون، والفقر، وأزمات الحياة اليومية، وضياع الشباب، وتفتت الوحدة الوطنية، وانتشار التعصب، والتفرق العربي، وحروب المنطقة، وتعثر التحول الديمقراطي، إلى آخر القائمة الطويلة، إلا أن روح القنوط لم تتسلل أبداً إلى مقالاته. كان يتجاوز هذا كله مقترحاً الحلول، طالباً العبرة من الماضي، متطلعاً إلى مستقبل أفضل، باثّاً العزيمة والأمل دائماً فيمن يقرأه.

أدهشتني هذه الروح الشابة المتفائلة بغير هوادة، في كاتب شيخ عاصر تراجع النهضة المصرية من أوائل القرن إلى أواخره. إلا أني كنت على وعي بالمفارقة الكبيرة بين كتاباته الصحافية وتلك القصصية. إذا ما تركنا هذه المقالات وعدنا إلى رواياته وقصصه القصيرة من الفترة نفسها، لما وجدنا فيها بارقة أمل. هناك يصدمنا الواقع والإحباط القومي والفردي بكل شراسته.

أي الصورتين نصدق؟ شخصياً أميل إلى تصديق الصورة الفنية. ولكني أكبرت في محفوظ القدرة على التفرقة بين التناول الفني؛ حيث لا مناص من تصوير الوضع البشري في أحلك صوره، وبين التناول اليومي المباشر أمام الجمهور الذي يحتاج حلولاً وأفكاراً تعينه على مواجهة الحياة، ولا تدفع به نحو اليأس الكامل.

صيرورة الزمان وديمومة المكان

فكرة أخرى محورية عند محفوظ، هي الزمن وتحولاته المؤثرة في حياة الفرد والجماعة. في مفتتح «زقاق المدق» (1947) ترد هذه العبارة على لسان المجذوب الشيخ درويش: «ذهب الشاعر وجاء المذياع. هذه سنة الله في خلقه. وقديماً ذُكرت في التاريخ، وهو ما يُسمّى بالإنجليزية history، وتهجيتها h.i.s.t.o.r.y». العبارة تشير لشاعر الربابة الذي كان يُسلّي رواد المقهى حتى جاء اختراع الراديو فأزاحه عن مكانه، وأنهى دوره كشخص وكظاهرة اجتماعية في آنٍ. التاريخ الذي يتهجى لفظته الشيخ درويش هو نفسه الذي يحيل عازف الربابة إلى ظاهرة من الماضي، لا محل لها في عصر المذياع.

هذا الفهم للتاريخ أو الزمن بمعنى أعمّ الذي تقرره الرواية لنا في مبتداها تؤكده في خاتمتها مرة أخرى بهذه العبارة: «وانداحت هذه الفقاعة أيضاً كسوابقها، واستوصى الزقاق بفضيلته الخالدة في النسيان وعدم الاكتراث، وظل كدأبه يبكي صباحاً -إذا عرض له البكاء- ويقهقه ضاحكاً عند المساء. وفيما بين هذا وذاك تصرّ الأبواب والنوافذ وهي تُفتح، ثم تصرّ كرة أخرى وهي تُغلق». (الفصل 35). تصور العبارة عودة الزقاق لحياته الاعتيادية عقب مصرع عباس الحلو، مؤكدة عبوريّة الفرد وديمومة المكان، واستمرار الحياة غير مكترثة بمن يبقى ومن يغادر.

المصادفة والمفارقة

من الأفكار الصميمة عند نجيب محفوظ، فكرة هشاشة المصير الإنساني، واعتماده على المصادفة، على اللحظة العابرة، على تضارب الزمان والمكان. ففرص السعادة قائمة، ولكنه قيام نظري، يخضع للمصادفة التي هي اسم مستعار للقدر. فلنتأمل «الحلم 428» من «الأحلام الأخيرة» الذي يمضي على هذا النحو: «رأيتني أجد المرحومة (ب) تحت شجرة جميز، فقلت لها إني كثيراً ما أراها في أحلام اليقظة والنوم، فماذا فرّق بيننا؟ فقالت لي: تذكر ما حدث في شارع الكورنيش، فقد تبعتني خطوة بخطوة حتى تمنيت أن توجّه لي كلمة فأستجيب لك فوراً. فلما طال انتظاري قررت أن أتغلب على خجلي وأنظر خلفي نحوك، ولكنك أرخيت جفنيك فتولاني اليأس من ناحيتك. فقلت: يا للخسارة، فإن السعادة قد سعت إليّ حتى قد كانت منّي على بعد قيراط، فماذا أعماني عنها؟» (الشروق 2015).

في هذا الحلم، كان إرخاء الجفون في اللحظة الخطأ سبباً لضياع حب العمر. خضوع المصير البشري للمصادفة القادرة على العصف بالجهد البشري في لحظة، هو فكرة محورية عند الكاتب، تتكرر في رواياته وقصصه القصيرة، وتلخصها هذه الخاطرة.

وليس بعيداً من المصادفة في فن نجيب محفوظ، الدور الذي تلعبه أداة أخرى، هي المفارقة، أو الموقف الذي ينطوي على تضاد يبعث على التأمل. ولننظر في هذا التفصيل من رواية «الطريق» (1964). في هذه الرواية تقع جريمة قتل على يد الشخصية الرئيسية، صابر سيد الرحيمي. يقتل صابر صاحب الفندق العجوز الذي يقطن به، والذي يقف حائلاً بينه وبين امتلاك زوجته الشابة التي أقام معها علاقة سرية. يهمني هنا فقط أداة الجريمة التي يحددها محفوظ بدقة متناهية. هي قضيب من الحديد كان في الأصل «رِجل كرسي ولادة أثري»، تشتريه كريمة، الزوجة المشتركة في الجريمة، من إحدى أسواق البضائع المستعملة. لماذا يحرص محفوظ على تحديد مصدر القضيب الحديدي؟ لأنه كان مغرماً بالمفارقات. أداة الموت تأتي من كرسي ولادة قديم. هذا الكرسي الذي كان أداة حياة شهدت ولادة الآلاف، صار الآن مكلّفاً بمهمة عكسية. صار مكلّفاً بسفك الدماء. بالقتل والإماتة. مفارقة تعب محفوظ في العثور عليها. كان من الممكن أن تكون أداة القتل سكيناً، أو ساطوراً، أو شاكوشاً، أو هراوة غليظة، أو، أو... إلا أن محفوظ ترك هذا كله وسعى إلى قضيب حديدي، ثم سعى إلى مصدره، فجعله رجل كرسي ولادة. مجرد تفصيل صغير، إلا أنه يظهر كيف أن الكتابة فعل عمدي. إنه عند الكاتب العظيم لا تفصيل من دون قصد. كل كلمة في محلها، وكل صورة لها وظيفة تسهم بها في الصرح الكبير الذي هو الرواية. قد يعبر القارئ المتعجل مثل هذا التفصيل، فلا يرى ما وراءه، أما القارئ المتمهل، فستصدمه المفارقة وتدعوه للتأمل في مفارقات الحياة، في سخرية الأقدار، في تداخل الحياة والموت، في حيادية الأشياء أمام قصد الإنسان: الكرسي يؤدي ما يريده منه الإنسان وإن تضادت المهام الموكلة إليه: تريدني أن أُعِين امرأة على الولادة، أو تريدني أن أهشم رأس رجل حتى الموت، سمعاً وطاعة، ما أنا إلا جماد في يد إنسان.

خضوع المصير البشري للمصادفة القادرة على العصف بالجهد البشري في لحظة هو فكرة محورية عند محفوظ

الموت

في الستينات من القرن الماضي انشغل محفوظ بالقضايا الوجودية الكبرى: الله والإنسان، الحياة والموت، المعنى والعبث، الفرد والسُّلطة... إلخ. من تلك الفترة تأتي قصة «ضد مجهول» في مجموعة «دنيا الله» (1963). في تلك القصة يبدو واضحاً انشغال محفوظ بهاجس الموت. هو بالطبع هاجس متواتر في أعماله كلها، إلا أن عدداً لافتاً للنظر من قصص هذه المجموعة منشغل بمسألة الموت انشغالاً فلسفياً متأملاً محتاراً متسائلاً. قصة «ضد مجهول» تتتبع تحقيقاً جنائياً في سلسلة جرائم تُرتكب بالأسلوب نفسه في كل مرة، ومن دون دافع للجريمة، ومن دون أن يترك المجرم أي أثر يمكن أن يؤدي إليه. كما أن القاتل يُنوّع في قتلاه، فلا ينجو منه رجل أو امرأة، طفل أو بالغ، شاب أو شيخ، صحيح أو مريض، غني أو فقير، متسول شريد أو ساكن قصور، حاكم أو محكوم. ينقلب البلد رأساً على عقب، ولا يصبح لأجهزة الدولة ولا لأجهزة الإعلام من شاغل إلا هذا المجرم الطليق الذي يواصل جرائمه بلا رادع ولا هدف إلا القتل في ذاته، وبلا أمل في القبض عليه أو إيقافه. يعيش الناس في رعب مقيم ليل نهار، لا حديث لهم إلا القاتل الخفي وجرائمه، لا يدرون من يكون الضحية التالية لذلك المجرم الطاغية الذي تُسجّل كل جرائمه «ضد مجهول».

القصة رمزية، وتعمل على مستويين -كما الحال في كثير من أعمال محفوظ- أحدهما واقعي سطحي، والآخر رمزي دفين. على المستوى الرمزي في هذه القصة الرائعة ليس القاتل المجهول العصي على الاكتشاف إلا الموت نفسه.

* أستاذ فخري في جامعة «إكستر» بالمملكة المتحدة.


مقالات ذات صلة

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.