نجيب محفوظ بين التشاؤم اللحظي والتفاؤل التاريخي

مرور 17 عاماً على رحيله

نجيب محفوظ بين التشاؤم اللحظي والتفاؤل التاريخي
TT

نجيب محفوظ بين التشاؤم اللحظي والتفاؤل التاريخي

نجيب محفوظ بين التشاؤم اللحظي والتفاؤل التاريخي

هل كانت رؤية نجيب محفوظ للوضع الإنساني متفائلة أم متشائمة؟ فلنتأمل هذه العبارة من «ثرثرة فوق النيل» (1966) على لسان إحدى الشخصيات: «إرادة الحياة هي التي تجعلنا نتشبث بالحياة بالفعل، ولو انتحرنا بعقولنا». (الفصل 7). في هذه العبارة يبدو تأثر نجيب محفوظ بالفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور الذي خلُص إلى أن الحياة «مشروع لا يغطي نفقاته»، وأن الأمر لو ترك للعقل وحده، لما كانت هناك حجة منطقية واحدة تدفع للتمسك بالحياة. إنما هي «إرادة الحياة» أو الغريزة العمياء المركبة فينا التي «تجعلنا نتشبث بالحياة» بأي ثمن.

لكن هذه اللحظة التشاؤمية لا تدل على موقف فلسفي عام عند محفوظ. العبارة الأصدق في الدلالة على موقفه الفلسفي هي التالية، أيضاً من «ثرثرة فوق النيل»: «تأملوا (...) المسافة التي قطعها الإنسان من الكهف إلى الفضاء!» (الفصل 7). هذه العبارة تكشف عن إيمان محفوظ بالخط البياني الصاعد لتقدم الجنس البشري، وهو الإيمان الذي يستمد منه تفاؤله التاريخي المستقبلي كترياق ضد قتامة الحاضر. فهو القائل: إنك إن نظرت إلى الحاضر في أي لحظة فستجد شتى أنواع المآسي تحيط بك، أما إذا نظرت إلى الحاضر من منظور تاريخي فستجد أن البشرية قد قطعت شوطاً كبيراً في طريق التقدم.

مصداق تفاؤلية نجيب محفوظ لفتني بشدة عندما استغرقت قبل فترة في قراءة عدد هائل من مقالات عموده الأسبوعي في جريدة «الأهرام»، في الفترة من 1982 إلى 1988، وهي الفترة التي تعاصر السنوات المبكرة من حكم حسني مبارك. مقالات تواصلت على مدى 6 سنوات في الفترة الحرجة من تاريخ مصر المعاصر التي أعقبت اغتيال السادات، وتصاعد فيها الإرهاب، واشتدت الأزمة الاقتصادية ضمن تداعيات سياسة الانفتاح الاستهلاكي. كانت الصورة قاتمة تماماً، إلا أنك تجد التفاؤل يقطر من مقالات محفوظ، والروح الإيجابية تنبض بها كلماته أسبوعاً بعد أسبوع. كانت مقالاته على وعي تام بالعيوب، والسلبيات، وإرث الديكتاتورية، والهزائم، والديون، والفقر، وأزمات الحياة اليومية، وضياع الشباب، وتفتت الوحدة الوطنية، وانتشار التعصب، والتفرق العربي، وحروب المنطقة، وتعثر التحول الديمقراطي، إلى آخر القائمة الطويلة، إلا أن روح القنوط لم تتسلل أبداً إلى مقالاته. كان يتجاوز هذا كله مقترحاً الحلول، طالباً العبرة من الماضي، متطلعاً إلى مستقبل أفضل، باثّاً العزيمة والأمل دائماً فيمن يقرأه.

أدهشتني هذه الروح الشابة المتفائلة بغير هوادة، في كاتب شيخ عاصر تراجع النهضة المصرية من أوائل القرن إلى أواخره. إلا أني كنت على وعي بالمفارقة الكبيرة بين كتاباته الصحافية وتلك القصصية. إذا ما تركنا هذه المقالات وعدنا إلى رواياته وقصصه القصيرة من الفترة نفسها، لما وجدنا فيها بارقة أمل. هناك يصدمنا الواقع والإحباط القومي والفردي بكل شراسته.

أي الصورتين نصدق؟ شخصياً أميل إلى تصديق الصورة الفنية. ولكني أكبرت في محفوظ القدرة على التفرقة بين التناول الفني؛ حيث لا مناص من تصوير الوضع البشري في أحلك صوره، وبين التناول اليومي المباشر أمام الجمهور الذي يحتاج حلولاً وأفكاراً تعينه على مواجهة الحياة، ولا تدفع به نحو اليأس الكامل.

صيرورة الزمان وديمومة المكان

فكرة أخرى محورية عند محفوظ، هي الزمن وتحولاته المؤثرة في حياة الفرد والجماعة. في مفتتح «زقاق المدق» (1947) ترد هذه العبارة على لسان المجذوب الشيخ درويش: «ذهب الشاعر وجاء المذياع. هذه سنة الله في خلقه. وقديماً ذُكرت في التاريخ، وهو ما يُسمّى بالإنجليزية history، وتهجيتها h.i.s.t.o.r.y». العبارة تشير لشاعر الربابة الذي كان يُسلّي رواد المقهى حتى جاء اختراع الراديو فأزاحه عن مكانه، وأنهى دوره كشخص وكظاهرة اجتماعية في آنٍ. التاريخ الذي يتهجى لفظته الشيخ درويش هو نفسه الذي يحيل عازف الربابة إلى ظاهرة من الماضي، لا محل لها في عصر المذياع.

هذا الفهم للتاريخ أو الزمن بمعنى أعمّ الذي تقرره الرواية لنا في مبتداها تؤكده في خاتمتها مرة أخرى بهذه العبارة: «وانداحت هذه الفقاعة أيضاً كسوابقها، واستوصى الزقاق بفضيلته الخالدة في النسيان وعدم الاكتراث، وظل كدأبه يبكي صباحاً -إذا عرض له البكاء- ويقهقه ضاحكاً عند المساء. وفيما بين هذا وذاك تصرّ الأبواب والنوافذ وهي تُفتح، ثم تصرّ كرة أخرى وهي تُغلق». (الفصل 35). تصور العبارة عودة الزقاق لحياته الاعتيادية عقب مصرع عباس الحلو، مؤكدة عبوريّة الفرد وديمومة المكان، واستمرار الحياة غير مكترثة بمن يبقى ومن يغادر.

المصادفة والمفارقة

من الأفكار الصميمة عند نجيب محفوظ، فكرة هشاشة المصير الإنساني، واعتماده على المصادفة، على اللحظة العابرة، على تضارب الزمان والمكان. ففرص السعادة قائمة، ولكنه قيام نظري، يخضع للمصادفة التي هي اسم مستعار للقدر. فلنتأمل «الحلم 428» من «الأحلام الأخيرة» الذي يمضي على هذا النحو: «رأيتني أجد المرحومة (ب) تحت شجرة جميز، فقلت لها إني كثيراً ما أراها في أحلام اليقظة والنوم، فماذا فرّق بيننا؟ فقالت لي: تذكر ما حدث في شارع الكورنيش، فقد تبعتني خطوة بخطوة حتى تمنيت أن توجّه لي كلمة فأستجيب لك فوراً. فلما طال انتظاري قررت أن أتغلب على خجلي وأنظر خلفي نحوك، ولكنك أرخيت جفنيك فتولاني اليأس من ناحيتك. فقلت: يا للخسارة، فإن السعادة قد سعت إليّ حتى قد كانت منّي على بعد قيراط، فماذا أعماني عنها؟» (الشروق 2015).

في هذا الحلم، كان إرخاء الجفون في اللحظة الخطأ سبباً لضياع حب العمر. خضوع المصير البشري للمصادفة القادرة على العصف بالجهد البشري في لحظة، هو فكرة محورية عند الكاتب، تتكرر في رواياته وقصصه القصيرة، وتلخصها هذه الخاطرة.

وليس بعيداً من المصادفة في فن نجيب محفوظ، الدور الذي تلعبه أداة أخرى، هي المفارقة، أو الموقف الذي ينطوي على تضاد يبعث على التأمل. ولننظر في هذا التفصيل من رواية «الطريق» (1964). في هذه الرواية تقع جريمة قتل على يد الشخصية الرئيسية، صابر سيد الرحيمي. يقتل صابر صاحب الفندق العجوز الذي يقطن به، والذي يقف حائلاً بينه وبين امتلاك زوجته الشابة التي أقام معها علاقة سرية. يهمني هنا فقط أداة الجريمة التي يحددها محفوظ بدقة متناهية. هي قضيب من الحديد كان في الأصل «رِجل كرسي ولادة أثري»، تشتريه كريمة، الزوجة المشتركة في الجريمة، من إحدى أسواق البضائع المستعملة. لماذا يحرص محفوظ على تحديد مصدر القضيب الحديدي؟ لأنه كان مغرماً بالمفارقات. أداة الموت تأتي من كرسي ولادة قديم. هذا الكرسي الذي كان أداة حياة شهدت ولادة الآلاف، صار الآن مكلّفاً بمهمة عكسية. صار مكلّفاً بسفك الدماء. بالقتل والإماتة. مفارقة تعب محفوظ في العثور عليها. كان من الممكن أن تكون أداة القتل سكيناً، أو ساطوراً، أو شاكوشاً، أو هراوة غليظة، أو، أو... إلا أن محفوظ ترك هذا كله وسعى إلى قضيب حديدي، ثم سعى إلى مصدره، فجعله رجل كرسي ولادة. مجرد تفصيل صغير، إلا أنه يظهر كيف أن الكتابة فعل عمدي. إنه عند الكاتب العظيم لا تفصيل من دون قصد. كل كلمة في محلها، وكل صورة لها وظيفة تسهم بها في الصرح الكبير الذي هو الرواية. قد يعبر القارئ المتعجل مثل هذا التفصيل، فلا يرى ما وراءه، أما القارئ المتمهل، فستصدمه المفارقة وتدعوه للتأمل في مفارقات الحياة، في سخرية الأقدار، في تداخل الحياة والموت، في حيادية الأشياء أمام قصد الإنسان: الكرسي يؤدي ما يريده منه الإنسان وإن تضادت المهام الموكلة إليه: تريدني أن أُعِين امرأة على الولادة، أو تريدني أن أهشم رأس رجل حتى الموت، سمعاً وطاعة، ما أنا إلا جماد في يد إنسان.

خضوع المصير البشري للمصادفة القادرة على العصف بالجهد البشري في لحظة هو فكرة محورية عند محفوظ

الموت

في الستينات من القرن الماضي انشغل محفوظ بالقضايا الوجودية الكبرى: الله والإنسان، الحياة والموت، المعنى والعبث، الفرد والسُّلطة... إلخ. من تلك الفترة تأتي قصة «ضد مجهول» في مجموعة «دنيا الله» (1963). في تلك القصة يبدو واضحاً انشغال محفوظ بهاجس الموت. هو بالطبع هاجس متواتر في أعماله كلها، إلا أن عدداً لافتاً للنظر من قصص هذه المجموعة منشغل بمسألة الموت انشغالاً فلسفياً متأملاً محتاراً متسائلاً. قصة «ضد مجهول» تتتبع تحقيقاً جنائياً في سلسلة جرائم تُرتكب بالأسلوب نفسه في كل مرة، ومن دون دافع للجريمة، ومن دون أن يترك المجرم أي أثر يمكن أن يؤدي إليه. كما أن القاتل يُنوّع في قتلاه، فلا ينجو منه رجل أو امرأة، طفل أو بالغ، شاب أو شيخ، صحيح أو مريض، غني أو فقير، متسول شريد أو ساكن قصور، حاكم أو محكوم. ينقلب البلد رأساً على عقب، ولا يصبح لأجهزة الدولة ولا لأجهزة الإعلام من شاغل إلا هذا المجرم الطليق الذي يواصل جرائمه بلا رادع ولا هدف إلا القتل في ذاته، وبلا أمل في القبض عليه أو إيقافه. يعيش الناس في رعب مقيم ليل نهار، لا حديث لهم إلا القاتل الخفي وجرائمه، لا يدرون من يكون الضحية التالية لذلك المجرم الطاغية الذي تُسجّل كل جرائمه «ضد مجهول».

القصة رمزية، وتعمل على مستويين -كما الحال في كثير من أعمال محفوظ- أحدهما واقعي سطحي، والآخر رمزي دفين. على المستوى الرمزي في هذه القصة الرائعة ليس القاتل المجهول العصي على الاكتشاف إلا الموت نفسه.

* أستاذ فخري في جامعة «إكستر» بالمملكة المتحدة.


مقالات ذات صلة

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

ثقافة وفنون محمد سليمان

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي

عمر شهريار (القاهرة)
ثقافة وفنون رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932،

فاروق يوسف
ثقافة وفنون غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended


رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ