وفاة كريم العراقي أشهر كتّاب القصيدة الشعبية الغنائية العراقية

الشاعر كريم العراقي (وكالة الأنباء العراقية)
الشاعر كريم العراقي (وكالة الأنباء العراقية)
TT

وفاة كريم العراقي أشهر كتّاب القصيدة الشعبية الغنائية العراقية

الشاعر كريم العراقي (وكالة الأنباء العراقية)
الشاعر كريم العراقي (وكالة الأنباء العراقية)

توفي الشاعر الغنائي كريم العراقي، أحد أبرز كتّاب القصيدة الشعبية الغنائية العراقية، الجمعة عن 68 عاماً في مستشفى بالعاصمة الإماراتية أبوظبي، إثر معاناة مع المرض.

ووفق وكالة الصحافة الفرنسية، كان كريم العراقي يمضي أوقاتاً طويلة في المستشفى في السنوات الأخيرة لتلقي العلاج بسبب إصابته بالسرطان.

وقد عُرف العراقي، المولود في بغداد عام 1955 لعائلة تنحدر من جنوب البلاد، بتنوع اهتماماته الأدبية والفنية والصحافية. وكان من أهم كتّاب الأوبريت الغنائي والقصيدة الوطنية والعاطفية.

وكتب العراقي، الحاصل على شهادة في علم النفس وموسيقى الأطفال، خلال مسيرته الطويلة مئات الأغنيات التي أداها عدد كبير من مشاهير الغناء العرب.

لكنّ اسمه ارتبط خصوصاً لدى الجمهور العربي بتعاونه الطويل مع المغني العراقي كاظم الساهر الذي وضع صوته على عشرات الأعمال الغنائية التي ألّف كلماتها كريم العراقي، بينها «ها حبيبي» و«نزلت للبحر» و«المستبدة».

وعبّر كاظم الساهر عن حزنه لرحيل كريم العراقي. وكتب عبر «إكس» (تويتر سابقاً): «الصديق ورفيق الدرب... في ذمة الله، رحم الله الفقيد وألهمنا وذويه الصبر والسلوان».

وارتبط اسم الشاعر الراحل أيضاً بأشهر المطربين العراقيين، عبر قصائد غنائية حققت شهرة بأصواتهم، من بينهم سعدون جابر وياس خضر ورضا الخياط.

وكتب العراقي الذي عُرف بقربه من الطبقة الفقيرة، قصائد وطنية مغناة خصوصاً في فترة الحصار الاقتصادي للعراق في تسعينات القرن الماضي. ومن أبرز الأغنيات الوطنية التي ألّفها «الشمس شمسي والعراق عراقي» بصوت الملحن الغنائي العراقي جعفر الخفاف، و«عراق الكرامة» بصوت المغنية المغربية سميرة سعيد.

وغادر العراقي الذي اشتُهر أيضاً بقصائده الحماسية الموجهة إلى المقاتلين العراقيين إبان معارك الحرب العراقية - الإيرانية، البلاد في تسعينات القرن الماضي متنقلاً بين دول عربية عدة، قبل أن يستقر في نهاية المطاف في دولة الإمارات.

كما يُعد العراقي الذي بدأ مسيرته الفنية بكتابة أغاني الأطفال مطلع السبعينات، واحداً من أهم كتّاب أدب الأطفال في العراق في مجال السيناريو والقصص والمسرحيات المخصصة للأطفال. وفي رصيده أيضاً عدد من الدواوين والألبومات الصوتية.

وعبّر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني عن حزنه لرحيل الشاعر العراقي، واصفاً إياه في بيان بأنه شاعر «معطاء ترك أثراً مهماً في ذاكرة العراقيين الفنية».

كما وجّه السوداني «وزارة النقل باستكمال الإجراءات المتعلقة بنقل جثمان الفقيد ليوارى الثرى في العراق».

ونشر معجبون بالشاعر الراحل عبر مواقع التواصل الاجتماعي عبارات النعي تعبيراً عن الحزن لوفاة العراقي.


مقالات ذات صلة

اتساع الاحتجاجات على انقطاع التيار الكهربائي في العراق

المشرق العربي عراقيون يسبحون في نهر الفرات بمدينة النجف في ظل ارتفاع درجات الحرارة في العراق يوم 21 يونيو الجاري (رويترز)

اتساع الاحتجاجات على انقطاع التيار الكهربائي في العراق

بدأ «ائتلاف إدارة الدولة» الداعم للحكومة العراقية، التحرك على خط أزمة الكهرباء بعد اتساع نطاق الاحتجاجات في أكثر من محافظة.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي عناصر من القوات البيشمركة في حزب «كوملة» الكردستاني الإيراني المعارض في معسكر تدريبي بموقع شمال العراق (إكس)

العراق: لم يبقَ للمعارضة الإيرانية أي تواجد قرب الشريط الحدودي مع إيران

أكد مسؤول أمني عراقي أنه «لم يبقَ للمعارضة الإيرانية أي تواجد قريب من الشريط الحدودي بين العراق وإيران»، كاشفاً أيضاً عن خطة لتأمين الحدود مع تركيا.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عراقي يلطف من الحرارة المرتفعة بمياه نهر شط العراق جنوب البصرة (أ.ف.ب)

مظاهرات واستدعاءات برلمانية تُسخّن أزمة الكهرباء العراقية

زادت مظاهرات بجنوب العراق، واستدعاء محتمل لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى البرلمان، من سخونة أزمة انقطاع الكهرباء المشتعلة بسبب الارتفاع الكبير للحرارة.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني (أ.ف.ب)

فصائل عراقية تُهدد إسرائيل... وحكومة السوداني تتحسب «رد الفعل»

هددت فصائل عراقية مسلحة إسرائيل، وأعلنت اعتزامها دعم «حزب الله» اللبناني، في حين تتحسب حكومة السوداني لـ«رد فعل» تل أبيب، حال نفذت الفصائل ضربات من داخل العراق.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي عراقيون هاربون من انقطاع الكهرباء في منازلهم إلى المسابح الخاصة (رويترز)

صيف عراقي بنصف درجة الغليان... وغضب من تراجع الكهرباء

تجددت الانتقادات الشعبية اللاذعة للحكومة العراقية مع تراجع إمدادات الطاقة الكهربائية في ظل الارتفاع الشديد في درجات الحرارة.

فاضل النشمي (بغداد)

الرواية وأسلوب «ما بعد اليفاعة»

حنا مينه
حنا مينه
TT

الرواية وأسلوب «ما بعد اليفاعة»

حنا مينه
حنا مينه

يمكن تفسير أسلوب ما بعد اليفاعة بوصفه صيغة تواؤم مع الحياة والكتابة بعد انقشاع أوهام البدايات، وإيناع الشكوك حول اختيارات «وهج الإنجاز السريع»، واستيعاب الأخطاء والتعلُّم من إيقاع الزمن، بل يمكن اعتبار الأسلوب في هذا المقام قرين المسافة؛ إذ يستقر الإيمان والاختيار والانتماء للأفكار والتعابير والمرجعيات والموضوعات خارج نطاق الاكتشاف والحماس والعاطفة. معنى مختلف، إلى حد ما، عمّا قصده إدوارد سعيد بـ«الأسلوب المتأخر»، ذلك الذي يحدث ويكتسب ملامحه بعد فوات الأوان، مقترناً بإحساس مأساوي بالزمن، فيبدو في غير محله.

قد تكون الرواية أبلغ الفنون تعبيراً عن أسلوب «ما بعد اليفاعة» في سعيها لتمثيل مكابدة المسافة، بما أنها تتعلق بقياس مفارقات البدايات والمصائر، خبرة لا تتأتى في اليفاعة ظاهرياً، وإنما عبر ما سمّاه ديريدا بـ«الإرجاء في العلاقة بالمعنى»، بترك الصور تكتمل عبر الاختمار في الذاكرة، إذ تكتب الرواية برغبة لاعجة لفهم ما مضى، وما تحصل في جراب العمر من خطوب وتحولات، فتتجلى بما هي تأمل في النوازع الإنسانية العصية على الفهم، المحتاجة دوماً إلى امتحان صلتها بالمعنى والعدم، على حد سواء، ومساءلة للمعتقدات والأفكار المتراسلة عبر التاريخ، عن الكون والإنسان. وعادة ما نعثر في الأعمال الروائية التي تُنعث بالطليعية على مقومات تبديل القناعات، بحيث يمكن أن تخرج بعد قراءتها من سكينة اليقين، إلى جحيم الشك، ذلك ما تحققه نصوص من قبيل «الإنجيل يرويه يسوع المسيح» لجوزيه ساراماغو، ورواية «الأحمر والأسود» لستاندال، و«الغريب» لألبير كامو، وغيرها من الروايات الخالدة، إنها الخاصية الذي تجعل الرواية تمثل بما هي مراجعة لجوهر الإيمان، وسعياً إلى سرديات نقيضة.

غسان كنفاني

والمفترض أن تكتب هذه الروايات المنطوية على مراجعات جذرية بخصوص العقيدة والوجود في سن متقدمة، سيما أن روائيين كثيرين اختاروا الانحياز لأسلوب ما بعد اليفاعة، أي التعبير الروائي، في سن ما بعد الأربعين. بيد أن تفاصيل شديدة الدلالة تجعل قارئ الرواية وناقدها والمتأمل لعوالمها يراجعون مبدأ اقتران أسلوب ما بعد اليفاعة بخريف العمر؛ إذ لم تكن رواية «الغريب» الصادرة سنة 1942 لألبير كامو، وهو في سن التاسعة والعشرين من عمره، إلا مثالاً على ارتباك هذه القاعدة، التي قد يكون رسخها صدور أعمال من قبيل «الإنجيل يرويه يسوع المسيح» في التاسعة والستين من عمر صاحبها، أي في غمار الخريف الذاهب بعنفوان الجسد والذهن.

وجدير بالذكر في هذا السياق، أن الروائي الفرنسي أندري مالرو لم يكن يتجاوز سن الثالثة والثلاثين حين حصل على جائزة الغونكور عن عمله «الشرط الإنساني»، وهي الرواية المتحفية عن جوهر الإرادة المجافية للشر، التي تغدو مكبلة للواجب، وفي تناقض مع مبدأ مكابدة العيش. لقد كان مالرو مقاتلاً في حروب عدة، من الحربين العالميتين الأولى والثانية، إلى الحرب الأهلية الإسبانية، إذ تطوّع فيها ضمن صفوف الجمهوريين، وكانت التجربة أكبر من السنوات التي تحوّل فيها إلى مقاتل وشاهد، ثم مناضل مناهض للاستعمار ومقاوم للغزاة والفاشيين. أستحضر رواية «الشرط الإنساني» جنباً إلى جنب مع «رجال في الشمس» لغسان كنفاني، التي لم تجاوز عتبات الشرط الإنساني، إذ ارتكزت مدارات التخييل فيها على قاعدة استسلام الإنسان إلى قدره بتفاهة ودون مقاومة، لقد كتبها كنفاني وهو في السابعة والعشرين من عمره، وهو المناضل الفلسطيني الذي عاش معترك الثورة وتغريباتها المتراسلة، قبل أن يقضي في يفاعته البهية شهيداً، كانت الرؤية مرة أخرى بعيدة عن خريف العمر، إنما ناضجة، وآتية من قعر الزمن والذاكرة، لفحتها قسوة المنابذ والمنافي والحروب.

فولكنر

هل قدر الرواية أن يعوض فيها قدر الوجود على شفير الموت، ومجاورة الخطر، حكمة خريف العمر؟ لا تستقيم هذه القاعدة في سياق محفوف بالالتباسات والأقدار المتضاربة والمتنائية، فحين نشر فوكنر روايته «المحراب»، وهي من أكثر النصوص الروائية عمقاً وفتنة على امتداد تاريخ الرواية الحديث، كان في الرابعة والثلاثين من العمر، دون أمجاد تذكر، ولا أحداث أو مغامرات فارقة، بعد مسيرة خاملة في إحدى مدن ولاية المسيسيبي الأميركية، كانت حياة هادئة لا تليق بكاتب روايات الرعب والصخب التي أصدرها تباعاً. لقد كتب «المحراب» بنهم إلى الحياة ظاهر؛ حيث كان القصد تدبيج نص مثير وصاعق يفتن القراء، وخلال ثلاثة أسابيع كان قد أكمل أحد أكثر أعماله عمقاً ونضجاً إنسانياً، ولم يكن هذا النص الرؤيوي، الذي بات من أشهر الكلاسيكيات الروائية، إلا حكاية فظاعة النفس البشرية واجترائها على المحرمات، كانت الرواية تنضح بإشراقات أسلوب ما بعد اليفاعة، تلك التي وسمها أندري مالرو حين قدمها للجمهور الفرنسي سنة 1933 بقوله: «إنها إقحام للرواية البوليسية في التراجيديا الإغريقية».

لكن لنعد إلى تجربة ساراماغو نفسها؛ حيث يتجلّى العمل بما هو صيغة دنيوية للإنجيل المقدس، فيشخص يسوع في بشريته. لقد كتبت الرواية بثقل السنوات النافذة من شبكة العين العتيقة المطلة من شرفة السبعين على الماضي الذي عبّر فيه الكاتب العقائد الدينية والسياسية والنضالية قبل أن يستقر على العقيدة الروائية التي جعلته ينهي سرديته على إيقاع فجائعي، يرافق لحظة انقشاع الوهم.

وفي لقطة مماثلة تدل على قنوط بالزمن، سُرّبت وصيتا غارسيا ماركيز، وحنا مينة قبل وفاتيهما بمدة، كما ترددت شائعات كثيرة حول موتهما، لعل المشترك في الوصيتين معاً هو استرسال الصوتين في السرد المتأمل والتركيز على قيم حياتية أثيلة في الروايات. رسالتان للقارئ ليستا عن الموت وإنما عما ينبغي أن يكون وعي القارئ الحي به وبالحياة بالأحرى، دونما شعور كارثي أو حسرة أو شهوة للخلاص، وإنما بنفس أسلوبي ضاج بنبض ما بعد اليفاعة. إذ الطهرانية نقيض الرواية المعجونة بالتوق للاسترسال، لهذا يتطلع الروائي المعمّر، في سطوره الأخيرة، إلى الطمأنينة، أكثر من أي شيء آخر، بعد شبع صادق من فتن خصيبة عيشت لتُروى.

تلفت الانتباه عبارة لا تخلو من سخرية في وصية حنا مينة، تقول: «عمرت طويلاً حتى صرت أخشى ألا أموت»، تختزل جوهر الروائي المتزن العميق والشجاع على حد سواء، فبخلاف القادمين إلى الكتابة الروائية من مسارات مهنية وأكاديمية مختلفة، وتجارب حياتية مرفهة بمعنى ما، ينتمي حنا إلى زمرة الروائيين القادمين إلى الكتابة من معترك العمل اليدوي وفن مكابدة الدروب والوجوه والشهوة والظمأ، التعلُّم نفسه تجلّى بما هو وسيلة نورانية لا تمت بصلة لتحصيل القوت، تُشبه حياته حياة فنانين انطباعيين ممن تحول في اعتقادهم التعبير إلى هوية وانتماء، يمكن أن يأخذ صاحبه إلى تخوم قصوى، دون عجلة في التطلُّع إلى ما بعد ذلك من إنجاز وتحقق.

ليس من شك، أن أحد الأسباب الرئيسية لذيوع الرواية ورواج أنواعها وانتشارها، أنها تحقق مآرب انقلابية عظيمة على الأمد البعيد، وتحسن معارفنا بالمجتمع والتاريخ، وبالمدن والحضارات، وبالنفس البشرية؛ وتسهم بشكل ما في تحويل استعمالاتنا للغة ومفرداتها ومجازاتها، وتملأ ما لا يُملأ من لحظات الوجود، خارج مطحنة التواصل مع الآخرين. بيد أن الأهم والأكثر تأثيراً فوق كل ذلك هو تمكينها القارئ من إدراك معنى الأسلوب، الذي هو قرين النضج، ووعي الاستمرارية.