ولّادة وابن زيدون: المرأة المعشوقة في أندلس الفقدان

علاقتهما الوثيقة أفسدتها الخيانة والنزوع النرجسي وغريزة الانتقام

لوحة «فاصل رومانسي» المستوحاة من الأندلس للتشكيلي النمساوي - الفرنسي رودلف إرنست (دار سوذبيز)
لوحة «فاصل رومانسي» المستوحاة من الأندلس للتشكيلي النمساوي - الفرنسي رودلف إرنست (دار سوذبيز)
TT

ولّادة وابن زيدون: المرأة المعشوقة في أندلس الفقدان

لوحة «فاصل رومانسي» المستوحاة من الأندلس للتشكيلي النمساوي - الفرنسي رودلف إرنست (دار سوذبيز)
لوحة «فاصل رومانسي» المستوحاة من الأندلس للتشكيلي النمساوي - الفرنسي رودلف إرنست (دار سوذبيز)

لم يكن بالأمر المفاجئ أن تؤول العلاقة بين ولادة وابن زيدون إلى فشل محقق لأن نرجسية كل منهما وطبعه المزاجي كانا يضعانهما في حالة من التصادم

قلّ أن حملت علاقة عاطفية بين عاشقين من الدلالات الاجتماعية والسياسية والنفسية، مقدار ما حملته علاقة الحب التي ربطت بين ابن زيدون وولادة بنت المستكفي، على المفترق الزمني الفاصل بين نهاية الحكم الأموي للأندلس وبداية عصر الدويلات وملوك الطوائف. لذلك فإن أي قراءة معمقة لهذه العلاقة لا يمكن أن تتم إلا في ضوء معطيين اثنين، يتعلق أولهما بالموقع الشخصي والثقافي والاجتماعي المتميز لكل من العاشقين اللذين ينتميان إلى بعض أعرق الأسر العربية وثانيهما بالظروف السياسية التي شهدها مسرح العلاقة بين الطرفين، وأثر هذه التحولات السلبي على تطور العلاقة ومآلاتها اللاحقة.

وإذا كان المفكر التونسي الطاهر لبيب، قد درس ظاهرة الحب العذري من الزاوية السوسيولوجية التي تربط بين تراجع الدور الاقتصادي والاجتماعي لبني عذرة في صدر الإسلام وبين حالة الانكفاء المازوشي على الذات التي جسدتها رؤيتهم المثالية للمرأة والحب، فإننا في ضوء المقاربة نفسها نستطيع أن نقارن بين التقهقر الدراماتيكي لعلاقة ابن زيدون بولادة، وبين حالة التشرذم والتصدع التي أصابت الأندلس زمن ملوك الطوائف في القرن الحادي عشر، الأمر الذي عبر عنه ابن العسال بقوله:

يا أهل أندلسٍ حثّوا مطيّكمُ

فما المقام بها إلا من الغلطِ

الثوب ينسُل من أطرافه وأرى

ثوب الجزيرة منسولاً من الوسطِ

ومع ذلك فإن الصراعات السياسية والعسكرية التي حكمت العلاقة بين الممالك المتنابذة، والتي أدت إلى سقوط طليطلة بيد الإسبان، لم تنعكس بشكل سلبي على الأدب والفن، بل تحولت رعاية الإبداع والمبدعين إلى محل للمنافسة والمباهاة بين أمراء الدويلات، الأمر الذي يذكر بدويلات المشرق وتنافس بلاطاتها على الاحتفاء بالشعراء والعلماء والمفكرين، كما حدث في بلاط سيف الدولة على سبيل المثال لا الحصر. وفي ظل مناخ الانفتاح ذاك، وما واكبه من تعزيز دور المرأة وحقها في العلم والحرية، توفرت لولادة بنت المستكفي كل الشروط الملائمة لتصدّر المشهد الثقافي في قرطبة، عبر عقد مجلس أدبي دوري يلتقي فيه كبار الشعراء والكتاب، بمن فيهم ابن زيدون، الذي كان له من اتقاد موهبته وقوة حضوره، ما لفت إليه نظر ولادة وجعلها تبادله الإعجاب بالإعجاب والعشق بمثله، إلى أن باتت قصة حبهما في صعودها وهبوطها إحدى اكثر قصص الحب شيوعاً في التاريخ العربي.

على أن أي مقاربة موضوعية لشخصية ولادة وسلوكها العاطفي، يجب ألا تكتفي بالتركيز على ترف النشأة وسلوك الأب العبثي فحسب، بل على المصير المأساوي لهذا الأخير، الذي ولد لدى الابنة افتقاراً لاحقاً الى الحنان والحدب والحماية الأبوية، ومعطوفاً على نرجسية فاقعة وانعدام القدرة على المسامحة والغفران، ونزوع سادي سببته الرغبة في الانتقام للأب المقتول. كما حملها على التصدي الجريء للتقاليد الذكورية المزمنة التي حظرت على الشاعرات الحرائر نظم الغزل الصريح، حاصرة إياه بالقيان والجواري، المنوطات في الأصل بتوفير المتع الحسية لأسيادهن. أما أكثر نصوص ولادة تعبيراً عن جرأتها وتحررها من التقاليد فقد تمثلت ببيتيها الشهيرين:

أنا والله أصلح للمعالي

وأمشي مشيتي وأتيه تيها

أمكّن عاشقي من صحن خدي

وأعطي قبلتي من يشتهيها

وإذا كانت سكينة بنت الحسين قد سبقت ولادة إلى تأسيس المجالس الأدبية، فإن بين المرأتين وجوهاً عديدة للشبه تتصل بفقدان الأب على نحو مأساوي، رغم التباينات الشاسعة بين شخصيتي الحسين والمستكفي. وهما إذ تتشابهان أيضاً في الجمال وسحر الحضور والتشبث بالحرية، فإن الفوارق بين السلوك المحافظ للأولى والمتجرئ للثانية، لا تتصل بنشأة كل منهما وتربيتها المختلفة فحسب، بل بالفوارق الأوسع بين عصرين متباعدين وبيئتين شديدتي التباين.

ومع أن ما تقدم يؤشر بوضوح إلى أن ظروف ولادة وتكوينها النفسي قد أورثاها عطشاً للحب عصياً على الارتواء، لكن الحب بالنسبة لها بدا أقرب إلى التلقي منه إلى الإرسال، وإلى الأخذ منه إلى العطاء. وهي حين وقعت في حب ابن زيدون، فلأن فيه من المواصفات ما يجعله نداً لها في النسب والرفعة، ومتجاوزاً إياها على مستوى الموهبة الشعرية، ولذلك لم يكن غريباً أن تبادله الشغف بالشغف والافتتان بمثله، وتدعوه إلى انتظار زيارتها بالقول:

ترقّب إذا جنّ الظلام زيارتي

فإني رأيتُ الليل أكتم للسرِّ

وبي منكَ ما لو كان في الشمس لم تلح

وبالبدر لم يطلع وبالنجم لم يسْرِ

لكن ذلك الحب المحفوف بالعقد كان ينتظر الفرصة السانحة للانتقام من الذات ومن الآخر، التي وفرها ابن زيدون عبر إقدامه على خيانة ولادة، ومع جاريتها «السوداء» بالذات، حيث اقترنت الطعنة الناجمة عن الخيانة بطعنة مماثلة أصابت كرامة الشاعرة «البيضاء» في الصميم. وهو ما يعكسه قولها لابن زيدون إثر معرفتها بخيانته:

لو كنتَ تنصفُ في الهوى ما بيننا

لم تهوَ جاريتي ولم تتخيّرِ

وتركتَ غصناً مثمراً بجماله

وجنحت للغصن الذي لم يثمرِ

ومع أنني لا أستبعد الأثر السلبي الذي تركه في نفس ولادة انتقاد ابن زيدون لها على أبيات نظمتها، وهي المفرطة في الكبرياء والاعتداد بالنفس، إلا أن ذلك الأمر بدا بمثابة القشة التي قصمت ظهر العلاقة المترنحة في الأصل. لكن ما آلمها في الصميم هو عدم اكتفاء ابن زيدون بخيانتها، بل هجاؤه لها بشكل لاذع إثر معرفته بالعلاقة التي بدأت بنسجها مع ابن عبدوس، الأمر الذي جعلها تحرق من خلفها سفن العلاقة دون أي تفكير بالرجوع.

أما من الزاوية المتعلقة بابن زيدون، فيكفي أن نستعرض ديوانه الشعري لكي نتيقن من الدور المحوري الذي لعبته هذه المرأة الفاتنة في حياته، على المستويين الشخصي والإبداعي. وإذ يقر الشاعر في إحدى مقطوعاته بخيانته لولادة مع جاريتها عبر قوله «إن أجنِ ذنباً في الهوى/ خطأ فقد يكبو الجواد»، لا يتوانى في مقطوعة ثانية عن التغزل بجارية أخرى متعمداً إثارة غيرة حبيبته الصدود بقوله:

عاودتُ ذكرى الهوى من بعد نسيان

واستحدث القلب شوقاً بعد نسيان

من حب جارية يبدو بها صنم

من اللجين عليه تاج عقيان

كما يتبين لنا من خلال الديوان أن ابن زيدون، وقد آلمه أشد الألم ارتماء ولادة الانتقامي في أحضان ألد خصومه إلى الإقدام على تعنيف ولادة وضربها، كما يظهر في قوله نادماً ومعتذراً :

إن تكن نالتكِ بالضرب يدي

وأصابتكِ بما لم أُردِ

فلقد كنت لعمري فادياً

لكِ بالمال وبعض الولدِ

غير أن ولادة قررت أن تصم سمعها بشكل نهائي عن نداءات ابن زيدون ومناشداته لها بالعودة. وحيث لا تأتي المصائب فرادى في حياة البعض، فقد اقترنت مأساة الشاعر العاطفية بمأساة أخرى موازية حين زج به ابن جهور حاكم قرطبة في السجن بتهمة التآمر ضده، وبناء على دسيسة حاقدة يقال إن ابن عبدوس كان مهندسها الرئيسي. اللافت أن ابن زيدون ظل على حبه لولادة بعد فراره من السجن والتحاقه ببلاط المعتضد بن عباد في إشبيلية وتعيينه وزيراً هناك، وصولاً إلى لحظة وفاته عام 1072م، أي قبل عشرين عاماً من رحيل المرأة التي خلخلت ركائز حياته واقترن اسمها به، وعمرت طويلاً من بعده.

ولم يكن بالأمر المفاجئ أن تؤول العلاقة بين ولادة وابن زيدون إلى فشل محقق، شأنهما في ذلك شأن شعراء ومبدعين كثيرين، لأن نرجسية كل منهما وطبعه المزاجي كانا يضعانهما في حالة من التصادم يصعب وضع حد لها إلا بالفراق، وإذا كان ابن زيدون قد دفع القسط الأوفر من أكلاف هذه العلاقة التي حولته بالتدريج إلى بطل تراجيدي، فإن ما خسره على مستوى الحياة ربحه بالمقابل على مستوى الشعر. وهو ما لم تجسده قصيدته المعروفة «أضحى التنائي» بمفردها، بل نصوص كثيرة أخرى تعكس انكسار قلبه، وتحول الآخر المنشود في شعره إلى منادى بعيد في أندلس الفقدان:

أغائبةٌ عني وحاضرةٌ معي

أناديكِ لما عيل صبريَ فاسمعي

أفي الحق أن أشقى بحبكِ أو أُرى

حريقأً بأنفاسي غريقاً بأدمعي

ألا عطفةٌ تحيا بها نفس عاشقٍ

جعلتِ الردى منه بمنأىً ومسمعِ

صلينيَ بعض الوصل حتى تَبيّني

حقيقة حالي ثم ما شئتِ فاصنعي

وإذ يلح ابن زيدون على مخاطبة ولادة بصيغة المذكر في الكثير من مقطوعاته، فليس لأن العرب قد درجوا في شعرهم على تحويل المعشوق إلى كائن محلق خارج الأجناس فحسب، بل لأنها وقد أصبحت الطرف الأقوى في العلاقة، انتقلت على المستوى الرمزي إلى خانة الذكورة، تاركة لشاعرها المهيض دور الأنوثة الرمزية. لا بل إن تمادي الشاعر في التذلل يدفعه إلى التصريح المتكرر بأنه بات أسير المعشوق وعبده وتابعه.

اللافت أن انسحاق ابن زيدون التام أمام ولادة، لم يرقق قلبها إزاءه، كما كان يتوهم، بل زادها قسوة عليه ونأياً عنه، ربما لأنه لم يعد يذكّرها بالرجل السابق ذي الشخصية القوية الذي كانه من قبل، ولأن ضعفه المستجد أثار نفورها وسخطها في الآن ذاته، وهي التي لم تعد تحتاج بعد مقتل أبيها المأساوي إلى من يذرف الدموع نيابة عنها، بل إلى ظهير صلب يشاطرها مصاعب الحياة، حتى ولو كان مخاتلاً وفاسد السريرة كابن عبدوس.


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)

هاروت فازليان «في بحر الحبّ»: الموسيقى والشِّعر يُعيدان تشكيل الإنسان

بين صوت رفعت طربيه ونَفَس هاروت فازليان، وبين الشّعراء والملحّنين الذين مرّوا، ترك «في بحر الحبّ» للروح حقّها في أن تُصاب، ثم تتعافى، ثم تتّسع.

فاطمة عبد الله (بيروت)
صحتك وصلات الشعر الشائعة الاستخدام قد تصيب النساء بأمراض خطيرة (أ.ب)

احترسي... وصلات الشعر قد تصيبك بالسرطان واضطرابات الهرمونات

كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود عشرات المواد الكيميائية السامة في منتجات وصلات الشعر (الإكستنشن) شائعة الاستخدام، بعضها مرتبط بالسرطان واضطرابات الهرمونات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمود البريكان... شعرية الاغتراب

محمود البريكان... شعرية الاغتراب

تجربة الشاعر محمود البريكان، بوصفه أحد شعراء الحداثة العراقيين، المجايلين للشاعر بدر شاكر السياب، منذ خمسينات القرن الماضي، تجربة شعرية متفردة إلى حدٍ كبير.

فاضل ثامر

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.