ولّادة وابن زيدون: المرأة المعشوقة في أندلس الفقدان

علاقتهما الوثيقة أفسدتها الخيانة والنزوع النرجسي وغريزة الانتقام

لوحة «فاصل رومانسي» المستوحاة من الأندلس للتشكيلي النمساوي - الفرنسي رودلف إرنست (دار سوذبيز)
لوحة «فاصل رومانسي» المستوحاة من الأندلس للتشكيلي النمساوي - الفرنسي رودلف إرنست (دار سوذبيز)
TT

ولّادة وابن زيدون: المرأة المعشوقة في أندلس الفقدان

لوحة «فاصل رومانسي» المستوحاة من الأندلس للتشكيلي النمساوي - الفرنسي رودلف إرنست (دار سوذبيز)
لوحة «فاصل رومانسي» المستوحاة من الأندلس للتشكيلي النمساوي - الفرنسي رودلف إرنست (دار سوذبيز)

لم يكن بالأمر المفاجئ أن تؤول العلاقة بين ولادة وابن زيدون إلى فشل محقق لأن نرجسية كل منهما وطبعه المزاجي كانا يضعانهما في حالة من التصادم

قلّ أن حملت علاقة عاطفية بين عاشقين من الدلالات الاجتماعية والسياسية والنفسية، مقدار ما حملته علاقة الحب التي ربطت بين ابن زيدون وولادة بنت المستكفي، على المفترق الزمني الفاصل بين نهاية الحكم الأموي للأندلس وبداية عصر الدويلات وملوك الطوائف. لذلك فإن أي قراءة معمقة لهذه العلاقة لا يمكن أن تتم إلا في ضوء معطيين اثنين، يتعلق أولهما بالموقع الشخصي والثقافي والاجتماعي المتميز لكل من العاشقين اللذين ينتميان إلى بعض أعرق الأسر العربية وثانيهما بالظروف السياسية التي شهدها مسرح العلاقة بين الطرفين، وأثر هذه التحولات السلبي على تطور العلاقة ومآلاتها اللاحقة.

وإذا كان المفكر التونسي الطاهر لبيب، قد درس ظاهرة الحب العذري من الزاوية السوسيولوجية التي تربط بين تراجع الدور الاقتصادي والاجتماعي لبني عذرة في صدر الإسلام وبين حالة الانكفاء المازوشي على الذات التي جسدتها رؤيتهم المثالية للمرأة والحب، فإننا في ضوء المقاربة نفسها نستطيع أن نقارن بين التقهقر الدراماتيكي لعلاقة ابن زيدون بولادة، وبين حالة التشرذم والتصدع التي أصابت الأندلس زمن ملوك الطوائف في القرن الحادي عشر، الأمر الذي عبر عنه ابن العسال بقوله:

يا أهل أندلسٍ حثّوا مطيّكمُ

فما المقام بها إلا من الغلطِ

الثوب ينسُل من أطرافه وأرى

ثوب الجزيرة منسولاً من الوسطِ

ومع ذلك فإن الصراعات السياسية والعسكرية التي حكمت العلاقة بين الممالك المتنابذة، والتي أدت إلى سقوط طليطلة بيد الإسبان، لم تنعكس بشكل سلبي على الأدب والفن، بل تحولت رعاية الإبداع والمبدعين إلى محل للمنافسة والمباهاة بين أمراء الدويلات، الأمر الذي يذكر بدويلات المشرق وتنافس بلاطاتها على الاحتفاء بالشعراء والعلماء والمفكرين، كما حدث في بلاط سيف الدولة على سبيل المثال لا الحصر. وفي ظل مناخ الانفتاح ذاك، وما واكبه من تعزيز دور المرأة وحقها في العلم والحرية، توفرت لولادة بنت المستكفي كل الشروط الملائمة لتصدّر المشهد الثقافي في قرطبة، عبر عقد مجلس أدبي دوري يلتقي فيه كبار الشعراء والكتاب، بمن فيهم ابن زيدون، الذي كان له من اتقاد موهبته وقوة حضوره، ما لفت إليه نظر ولادة وجعلها تبادله الإعجاب بالإعجاب والعشق بمثله، إلى أن باتت قصة حبهما في صعودها وهبوطها إحدى اكثر قصص الحب شيوعاً في التاريخ العربي.

على أن أي مقاربة موضوعية لشخصية ولادة وسلوكها العاطفي، يجب ألا تكتفي بالتركيز على ترف النشأة وسلوك الأب العبثي فحسب، بل على المصير المأساوي لهذا الأخير، الذي ولد لدى الابنة افتقاراً لاحقاً الى الحنان والحدب والحماية الأبوية، ومعطوفاً على نرجسية فاقعة وانعدام القدرة على المسامحة والغفران، ونزوع سادي سببته الرغبة في الانتقام للأب المقتول. كما حملها على التصدي الجريء للتقاليد الذكورية المزمنة التي حظرت على الشاعرات الحرائر نظم الغزل الصريح، حاصرة إياه بالقيان والجواري، المنوطات في الأصل بتوفير المتع الحسية لأسيادهن. أما أكثر نصوص ولادة تعبيراً عن جرأتها وتحررها من التقاليد فقد تمثلت ببيتيها الشهيرين:

أنا والله أصلح للمعالي

وأمشي مشيتي وأتيه تيها

أمكّن عاشقي من صحن خدي

وأعطي قبلتي من يشتهيها

وإذا كانت سكينة بنت الحسين قد سبقت ولادة إلى تأسيس المجالس الأدبية، فإن بين المرأتين وجوهاً عديدة للشبه تتصل بفقدان الأب على نحو مأساوي، رغم التباينات الشاسعة بين شخصيتي الحسين والمستكفي. وهما إذ تتشابهان أيضاً في الجمال وسحر الحضور والتشبث بالحرية، فإن الفوارق بين السلوك المحافظ للأولى والمتجرئ للثانية، لا تتصل بنشأة كل منهما وتربيتها المختلفة فحسب، بل بالفوارق الأوسع بين عصرين متباعدين وبيئتين شديدتي التباين.

ومع أن ما تقدم يؤشر بوضوح إلى أن ظروف ولادة وتكوينها النفسي قد أورثاها عطشاً للحب عصياً على الارتواء، لكن الحب بالنسبة لها بدا أقرب إلى التلقي منه إلى الإرسال، وإلى الأخذ منه إلى العطاء. وهي حين وقعت في حب ابن زيدون، فلأن فيه من المواصفات ما يجعله نداً لها في النسب والرفعة، ومتجاوزاً إياها على مستوى الموهبة الشعرية، ولذلك لم يكن غريباً أن تبادله الشغف بالشغف والافتتان بمثله، وتدعوه إلى انتظار زيارتها بالقول:

ترقّب إذا جنّ الظلام زيارتي

فإني رأيتُ الليل أكتم للسرِّ

وبي منكَ ما لو كان في الشمس لم تلح

وبالبدر لم يطلع وبالنجم لم يسْرِ

لكن ذلك الحب المحفوف بالعقد كان ينتظر الفرصة السانحة للانتقام من الذات ومن الآخر، التي وفرها ابن زيدون عبر إقدامه على خيانة ولادة، ومع جاريتها «السوداء» بالذات، حيث اقترنت الطعنة الناجمة عن الخيانة بطعنة مماثلة أصابت كرامة الشاعرة «البيضاء» في الصميم. وهو ما يعكسه قولها لابن زيدون إثر معرفتها بخيانته:

لو كنتَ تنصفُ في الهوى ما بيننا

لم تهوَ جاريتي ولم تتخيّرِ

وتركتَ غصناً مثمراً بجماله

وجنحت للغصن الذي لم يثمرِ

ومع أنني لا أستبعد الأثر السلبي الذي تركه في نفس ولادة انتقاد ابن زيدون لها على أبيات نظمتها، وهي المفرطة في الكبرياء والاعتداد بالنفس، إلا أن ذلك الأمر بدا بمثابة القشة التي قصمت ظهر العلاقة المترنحة في الأصل. لكن ما آلمها في الصميم هو عدم اكتفاء ابن زيدون بخيانتها، بل هجاؤه لها بشكل لاذع إثر معرفته بالعلاقة التي بدأت بنسجها مع ابن عبدوس، الأمر الذي جعلها تحرق من خلفها سفن العلاقة دون أي تفكير بالرجوع.

أما من الزاوية المتعلقة بابن زيدون، فيكفي أن نستعرض ديوانه الشعري لكي نتيقن من الدور المحوري الذي لعبته هذه المرأة الفاتنة في حياته، على المستويين الشخصي والإبداعي. وإذ يقر الشاعر في إحدى مقطوعاته بخيانته لولادة مع جاريتها عبر قوله «إن أجنِ ذنباً في الهوى/ خطأ فقد يكبو الجواد»، لا يتوانى في مقطوعة ثانية عن التغزل بجارية أخرى متعمداً إثارة غيرة حبيبته الصدود بقوله:

عاودتُ ذكرى الهوى من بعد نسيان

واستحدث القلب شوقاً بعد نسيان

من حب جارية يبدو بها صنم

من اللجين عليه تاج عقيان

كما يتبين لنا من خلال الديوان أن ابن زيدون، وقد آلمه أشد الألم ارتماء ولادة الانتقامي في أحضان ألد خصومه إلى الإقدام على تعنيف ولادة وضربها، كما يظهر في قوله نادماً ومعتذراً :

إن تكن نالتكِ بالضرب يدي

وأصابتكِ بما لم أُردِ

فلقد كنت لعمري فادياً

لكِ بالمال وبعض الولدِ

غير أن ولادة قررت أن تصم سمعها بشكل نهائي عن نداءات ابن زيدون ومناشداته لها بالعودة. وحيث لا تأتي المصائب فرادى في حياة البعض، فقد اقترنت مأساة الشاعر العاطفية بمأساة أخرى موازية حين زج به ابن جهور حاكم قرطبة في السجن بتهمة التآمر ضده، وبناء على دسيسة حاقدة يقال إن ابن عبدوس كان مهندسها الرئيسي. اللافت أن ابن زيدون ظل على حبه لولادة بعد فراره من السجن والتحاقه ببلاط المعتضد بن عباد في إشبيلية وتعيينه وزيراً هناك، وصولاً إلى لحظة وفاته عام 1072م، أي قبل عشرين عاماً من رحيل المرأة التي خلخلت ركائز حياته واقترن اسمها به، وعمرت طويلاً من بعده.

ولم يكن بالأمر المفاجئ أن تؤول العلاقة بين ولادة وابن زيدون إلى فشل محقق، شأنهما في ذلك شأن شعراء ومبدعين كثيرين، لأن نرجسية كل منهما وطبعه المزاجي كانا يضعانهما في حالة من التصادم يصعب وضع حد لها إلا بالفراق، وإذا كان ابن زيدون قد دفع القسط الأوفر من أكلاف هذه العلاقة التي حولته بالتدريج إلى بطل تراجيدي، فإن ما خسره على مستوى الحياة ربحه بالمقابل على مستوى الشعر. وهو ما لم تجسده قصيدته المعروفة «أضحى التنائي» بمفردها، بل نصوص كثيرة أخرى تعكس انكسار قلبه، وتحول الآخر المنشود في شعره إلى منادى بعيد في أندلس الفقدان:

أغائبةٌ عني وحاضرةٌ معي

أناديكِ لما عيل صبريَ فاسمعي

أفي الحق أن أشقى بحبكِ أو أُرى

حريقأً بأنفاسي غريقاً بأدمعي

ألا عطفةٌ تحيا بها نفس عاشقٍ

جعلتِ الردى منه بمنأىً ومسمعِ

صلينيَ بعض الوصل حتى تَبيّني

حقيقة حالي ثم ما شئتِ فاصنعي

وإذ يلح ابن زيدون على مخاطبة ولادة بصيغة المذكر في الكثير من مقطوعاته، فليس لأن العرب قد درجوا في شعرهم على تحويل المعشوق إلى كائن محلق خارج الأجناس فحسب، بل لأنها وقد أصبحت الطرف الأقوى في العلاقة، انتقلت على المستوى الرمزي إلى خانة الذكورة، تاركة لشاعرها المهيض دور الأنوثة الرمزية. لا بل إن تمادي الشاعر في التذلل يدفعه إلى التصريح المتكرر بأنه بات أسير المعشوق وعبده وتابعه.

اللافت أن انسحاق ابن زيدون التام أمام ولادة، لم يرقق قلبها إزاءه، كما كان يتوهم، بل زادها قسوة عليه ونأياً عنه، ربما لأنه لم يعد يذكّرها بالرجل السابق ذي الشخصية القوية الذي كانه من قبل، ولأن ضعفه المستجد أثار نفورها وسخطها في الآن ذاته، وهي التي لم تعد تحتاج بعد مقتل أبيها المأساوي إلى من يذرف الدموع نيابة عنها، بل إلى ظهير صلب يشاطرها مصاعب الحياة، حتى ولو كان مخاتلاً وفاسد السريرة كابن عبدوس.


مقالات ذات صلة

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمود البريكان... شعرية الاغتراب

محمود البريكان... شعرية الاغتراب

تجربة الشاعر محمود البريكان، بوصفه أحد شعراء الحداثة العراقيين، المجايلين للشاعر بدر شاكر السياب، منذ خمسينات القرن الماضي، تجربة شعرية متفردة إلى حدٍ كبير.

فاضل ثامر
الوتر السادس مصطفى الجارحي: أغنياتي مُحمّلة بطاقات شعرية لا تخضع لحسابات السوق

مصطفى الجارحي: أغنياتي مُحمّلة بطاقات شعرية لا تخضع لحسابات السوق

كان لأغنيات الشاعر مصطفى الجارحي التي لحنها وغناها الفنان مصطفى رزق، مطرب الجاز المصري، حضور كبير في النسيج الدرامي لمسلسل «ولاد الشمس».

حمدي عابدين (القاهرة)
كتب ركائز الخطاب الشعري في أعمال الأبنودي

ركائز الخطاب الشعري في أعمال الأبنودي

صدر حديثا عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر كتاب «عبد الرحمن الأبنودي: شاعر الهوية المصرية» للناقد الدكتور رضا عطية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

«تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

يبدو ديوان «تجرحني بخفة وتعلو»، للشاعر المصري جمال القصاص، منذ عنوانه مفتوحاً على احتمالات تأويلية متعددة.

عمر شهريار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.