ولّادة وابن زيدون: المرأة المعشوقة في أندلس الفقدان

علاقتهما الوثيقة أفسدتها الخيانة والنزوع النرجسي وغريزة الانتقام

لوحة «فاصل رومانسي» المستوحاة من الأندلس للتشكيلي النمساوي - الفرنسي رودلف إرنست (دار سوذبيز)
لوحة «فاصل رومانسي» المستوحاة من الأندلس للتشكيلي النمساوي - الفرنسي رودلف إرنست (دار سوذبيز)
TT

ولّادة وابن زيدون: المرأة المعشوقة في أندلس الفقدان

لوحة «فاصل رومانسي» المستوحاة من الأندلس للتشكيلي النمساوي - الفرنسي رودلف إرنست (دار سوذبيز)
لوحة «فاصل رومانسي» المستوحاة من الأندلس للتشكيلي النمساوي - الفرنسي رودلف إرنست (دار سوذبيز)

لم يكن بالأمر المفاجئ أن تؤول العلاقة بين ولادة وابن زيدون إلى فشل محقق لأن نرجسية كل منهما وطبعه المزاجي كانا يضعانهما في حالة من التصادم

قلّ أن حملت علاقة عاطفية بين عاشقين من الدلالات الاجتماعية والسياسية والنفسية، مقدار ما حملته علاقة الحب التي ربطت بين ابن زيدون وولادة بنت المستكفي، على المفترق الزمني الفاصل بين نهاية الحكم الأموي للأندلس وبداية عصر الدويلات وملوك الطوائف. لذلك فإن أي قراءة معمقة لهذه العلاقة لا يمكن أن تتم إلا في ضوء معطيين اثنين، يتعلق أولهما بالموقع الشخصي والثقافي والاجتماعي المتميز لكل من العاشقين اللذين ينتميان إلى بعض أعرق الأسر العربية وثانيهما بالظروف السياسية التي شهدها مسرح العلاقة بين الطرفين، وأثر هذه التحولات السلبي على تطور العلاقة ومآلاتها اللاحقة.

وإذا كان المفكر التونسي الطاهر لبيب، قد درس ظاهرة الحب العذري من الزاوية السوسيولوجية التي تربط بين تراجع الدور الاقتصادي والاجتماعي لبني عذرة في صدر الإسلام وبين حالة الانكفاء المازوشي على الذات التي جسدتها رؤيتهم المثالية للمرأة والحب، فإننا في ضوء المقاربة نفسها نستطيع أن نقارن بين التقهقر الدراماتيكي لعلاقة ابن زيدون بولادة، وبين حالة التشرذم والتصدع التي أصابت الأندلس زمن ملوك الطوائف في القرن الحادي عشر، الأمر الذي عبر عنه ابن العسال بقوله:

يا أهل أندلسٍ حثّوا مطيّكمُ

فما المقام بها إلا من الغلطِ

الثوب ينسُل من أطرافه وأرى

ثوب الجزيرة منسولاً من الوسطِ

ومع ذلك فإن الصراعات السياسية والعسكرية التي حكمت العلاقة بين الممالك المتنابذة، والتي أدت إلى سقوط طليطلة بيد الإسبان، لم تنعكس بشكل سلبي على الأدب والفن، بل تحولت رعاية الإبداع والمبدعين إلى محل للمنافسة والمباهاة بين أمراء الدويلات، الأمر الذي يذكر بدويلات المشرق وتنافس بلاطاتها على الاحتفاء بالشعراء والعلماء والمفكرين، كما حدث في بلاط سيف الدولة على سبيل المثال لا الحصر. وفي ظل مناخ الانفتاح ذاك، وما واكبه من تعزيز دور المرأة وحقها في العلم والحرية، توفرت لولادة بنت المستكفي كل الشروط الملائمة لتصدّر المشهد الثقافي في قرطبة، عبر عقد مجلس أدبي دوري يلتقي فيه كبار الشعراء والكتاب، بمن فيهم ابن زيدون، الذي كان له من اتقاد موهبته وقوة حضوره، ما لفت إليه نظر ولادة وجعلها تبادله الإعجاب بالإعجاب والعشق بمثله، إلى أن باتت قصة حبهما في صعودها وهبوطها إحدى اكثر قصص الحب شيوعاً في التاريخ العربي.

على أن أي مقاربة موضوعية لشخصية ولادة وسلوكها العاطفي، يجب ألا تكتفي بالتركيز على ترف النشأة وسلوك الأب العبثي فحسب، بل على المصير المأساوي لهذا الأخير، الذي ولد لدى الابنة افتقاراً لاحقاً الى الحنان والحدب والحماية الأبوية، ومعطوفاً على نرجسية فاقعة وانعدام القدرة على المسامحة والغفران، ونزوع سادي سببته الرغبة في الانتقام للأب المقتول. كما حملها على التصدي الجريء للتقاليد الذكورية المزمنة التي حظرت على الشاعرات الحرائر نظم الغزل الصريح، حاصرة إياه بالقيان والجواري، المنوطات في الأصل بتوفير المتع الحسية لأسيادهن. أما أكثر نصوص ولادة تعبيراً عن جرأتها وتحررها من التقاليد فقد تمثلت ببيتيها الشهيرين:

أنا والله أصلح للمعالي

وأمشي مشيتي وأتيه تيها

أمكّن عاشقي من صحن خدي

وأعطي قبلتي من يشتهيها

وإذا كانت سكينة بنت الحسين قد سبقت ولادة إلى تأسيس المجالس الأدبية، فإن بين المرأتين وجوهاً عديدة للشبه تتصل بفقدان الأب على نحو مأساوي، رغم التباينات الشاسعة بين شخصيتي الحسين والمستكفي. وهما إذ تتشابهان أيضاً في الجمال وسحر الحضور والتشبث بالحرية، فإن الفوارق بين السلوك المحافظ للأولى والمتجرئ للثانية، لا تتصل بنشأة كل منهما وتربيتها المختلفة فحسب، بل بالفوارق الأوسع بين عصرين متباعدين وبيئتين شديدتي التباين.

ومع أن ما تقدم يؤشر بوضوح إلى أن ظروف ولادة وتكوينها النفسي قد أورثاها عطشاً للحب عصياً على الارتواء، لكن الحب بالنسبة لها بدا أقرب إلى التلقي منه إلى الإرسال، وإلى الأخذ منه إلى العطاء. وهي حين وقعت في حب ابن زيدون، فلأن فيه من المواصفات ما يجعله نداً لها في النسب والرفعة، ومتجاوزاً إياها على مستوى الموهبة الشعرية، ولذلك لم يكن غريباً أن تبادله الشغف بالشغف والافتتان بمثله، وتدعوه إلى انتظار زيارتها بالقول:

ترقّب إذا جنّ الظلام زيارتي

فإني رأيتُ الليل أكتم للسرِّ

وبي منكَ ما لو كان في الشمس لم تلح

وبالبدر لم يطلع وبالنجم لم يسْرِ

لكن ذلك الحب المحفوف بالعقد كان ينتظر الفرصة السانحة للانتقام من الذات ومن الآخر، التي وفرها ابن زيدون عبر إقدامه على خيانة ولادة، ومع جاريتها «السوداء» بالذات، حيث اقترنت الطعنة الناجمة عن الخيانة بطعنة مماثلة أصابت كرامة الشاعرة «البيضاء» في الصميم. وهو ما يعكسه قولها لابن زيدون إثر معرفتها بخيانته:

لو كنتَ تنصفُ في الهوى ما بيننا

لم تهوَ جاريتي ولم تتخيّرِ

وتركتَ غصناً مثمراً بجماله

وجنحت للغصن الذي لم يثمرِ

ومع أنني لا أستبعد الأثر السلبي الذي تركه في نفس ولادة انتقاد ابن زيدون لها على أبيات نظمتها، وهي المفرطة في الكبرياء والاعتداد بالنفس، إلا أن ذلك الأمر بدا بمثابة القشة التي قصمت ظهر العلاقة المترنحة في الأصل. لكن ما آلمها في الصميم هو عدم اكتفاء ابن زيدون بخيانتها، بل هجاؤه لها بشكل لاذع إثر معرفته بالعلاقة التي بدأت بنسجها مع ابن عبدوس، الأمر الذي جعلها تحرق من خلفها سفن العلاقة دون أي تفكير بالرجوع.

أما من الزاوية المتعلقة بابن زيدون، فيكفي أن نستعرض ديوانه الشعري لكي نتيقن من الدور المحوري الذي لعبته هذه المرأة الفاتنة في حياته، على المستويين الشخصي والإبداعي. وإذ يقر الشاعر في إحدى مقطوعاته بخيانته لولادة مع جاريتها عبر قوله «إن أجنِ ذنباً في الهوى/ خطأ فقد يكبو الجواد»، لا يتوانى في مقطوعة ثانية عن التغزل بجارية أخرى متعمداً إثارة غيرة حبيبته الصدود بقوله:

عاودتُ ذكرى الهوى من بعد نسيان

واستحدث القلب شوقاً بعد نسيان

من حب جارية يبدو بها صنم

من اللجين عليه تاج عقيان

كما يتبين لنا من خلال الديوان أن ابن زيدون، وقد آلمه أشد الألم ارتماء ولادة الانتقامي في أحضان ألد خصومه إلى الإقدام على تعنيف ولادة وضربها، كما يظهر في قوله نادماً ومعتذراً :

إن تكن نالتكِ بالضرب يدي

وأصابتكِ بما لم أُردِ

فلقد كنت لعمري فادياً

لكِ بالمال وبعض الولدِ

غير أن ولادة قررت أن تصم سمعها بشكل نهائي عن نداءات ابن زيدون ومناشداته لها بالعودة. وحيث لا تأتي المصائب فرادى في حياة البعض، فقد اقترنت مأساة الشاعر العاطفية بمأساة أخرى موازية حين زج به ابن جهور حاكم قرطبة في السجن بتهمة التآمر ضده، وبناء على دسيسة حاقدة يقال إن ابن عبدوس كان مهندسها الرئيسي. اللافت أن ابن زيدون ظل على حبه لولادة بعد فراره من السجن والتحاقه ببلاط المعتضد بن عباد في إشبيلية وتعيينه وزيراً هناك، وصولاً إلى لحظة وفاته عام 1072م، أي قبل عشرين عاماً من رحيل المرأة التي خلخلت ركائز حياته واقترن اسمها به، وعمرت طويلاً من بعده.

ولم يكن بالأمر المفاجئ أن تؤول العلاقة بين ولادة وابن زيدون إلى فشل محقق، شأنهما في ذلك شأن شعراء ومبدعين كثيرين، لأن نرجسية كل منهما وطبعه المزاجي كانا يضعانهما في حالة من التصادم يصعب وضع حد لها إلا بالفراق، وإذا كان ابن زيدون قد دفع القسط الأوفر من أكلاف هذه العلاقة التي حولته بالتدريج إلى بطل تراجيدي، فإن ما خسره على مستوى الحياة ربحه بالمقابل على مستوى الشعر. وهو ما لم تجسده قصيدته المعروفة «أضحى التنائي» بمفردها، بل نصوص كثيرة أخرى تعكس انكسار قلبه، وتحول الآخر المنشود في شعره إلى منادى بعيد في أندلس الفقدان:

أغائبةٌ عني وحاضرةٌ معي

أناديكِ لما عيل صبريَ فاسمعي

أفي الحق أن أشقى بحبكِ أو أُرى

حريقأً بأنفاسي غريقاً بأدمعي

ألا عطفةٌ تحيا بها نفس عاشقٍ

جعلتِ الردى منه بمنأىً ومسمعِ

صلينيَ بعض الوصل حتى تَبيّني

حقيقة حالي ثم ما شئتِ فاصنعي

وإذ يلح ابن زيدون على مخاطبة ولادة بصيغة المذكر في الكثير من مقطوعاته، فليس لأن العرب قد درجوا في شعرهم على تحويل المعشوق إلى كائن محلق خارج الأجناس فحسب، بل لأنها وقد أصبحت الطرف الأقوى في العلاقة، انتقلت على المستوى الرمزي إلى خانة الذكورة، تاركة لشاعرها المهيض دور الأنوثة الرمزية. لا بل إن تمادي الشاعر في التذلل يدفعه إلى التصريح المتكرر بأنه بات أسير المعشوق وعبده وتابعه.

اللافت أن انسحاق ابن زيدون التام أمام ولادة، لم يرقق قلبها إزاءه، كما كان يتوهم، بل زادها قسوة عليه ونأياً عنه، ربما لأنه لم يعد يذكّرها بالرجل السابق ذي الشخصية القوية الذي كانه من قبل، ولأن ضعفه المستجد أثار نفورها وسخطها في الآن ذاته، وهي التي لم تعد تحتاج بعد مقتل أبيها المأساوي إلى من يذرف الدموع نيابة عنها، بل إلى ظهير صلب يشاطرها مصاعب الحياة، حتى ولو كان مخاتلاً وفاسد السريرة كابن عبدوس.


مقالات ذات صلة

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمود البريكان... شعرية الاغتراب

محمود البريكان... شعرية الاغتراب

تجربة الشاعر محمود البريكان، بوصفه أحد شعراء الحداثة العراقيين، المجايلين للشاعر بدر شاكر السياب، منذ خمسينات القرن الماضي، تجربة شعرية متفردة إلى حدٍ كبير.

فاضل ثامر
الوتر السادس مصطفى الجارحي: أغنياتي مُحمّلة بطاقات شعرية لا تخضع لحسابات السوق

مصطفى الجارحي: أغنياتي مُحمّلة بطاقات شعرية لا تخضع لحسابات السوق

كان لأغنيات الشاعر مصطفى الجارحي التي لحنها وغناها الفنان مصطفى رزق، مطرب الجاز المصري، حضور كبير في النسيج الدرامي لمسلسل «ولاد الشمس».

حمدي عابدين (القاهرة)
كتب ركائز الخطاب الشعري في أعمال الأبنودي

ركائز الخطاب الشعري في أعمال الأبنودي

صدر حديثا عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر كتاب «عبد الرحمن الأبنودي: شاعر الهوية المصرية» للناقد الدكتور رضا عطية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

«تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

يبدو ديوان «تجرحني بخفة وتعلو»، للشاعر المصري جمال القصاص، منذ عنوانه مفتوحاً على احتمالات تأويلية متعددة.

عمر شهريار

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».