المترجم... التداخل بين نقل الأدب ونقده

إعادة بناء النصوص عملية نقدية بامتياز

محمد عناني
محمد عناني
TT

المترجم... التداخل بين نقل الأدب ونقده

محمد عناني
محمد عناني

حين دخلت تجربة الترجمة قبل سنوات، أظنها تقارب العشرين الآن، كنت أحمل تجربة في النقد الأدبي والتحليل الثقافي تفوق تجربتي في الترجمة كثافة وتتجاوزها زمنياً. كنت ناقداً أو باحثاً يترجم. هكذا أتصور الآن تجربتي وأنا أعود إليها متأملاً. أعود لأتبين أولاً أن الدخول في فضاء الترجمة لم يعن انتقالاً من وظيفة إلى أخرى أو من شخصية إلى أخرى مغايرة. لم أنقطع عن دراسة الأدب ولا عن مشاغل فكرية متنوعة. جاءت الترجمة لتتسق مع ما قبلها أو لتجد مكاناً مناسباً أو لتكون قبعة أخرى بين قبعات أُخر لم أتوقف عن تبديلها بين الفينة والفينة، والكتاب والآخر.

إدوارد فيتزجيرالد

لكن تجربة الترجمة استدعت سؤالاً رئيساً أحسبه مطروحاً على تجارب أخرى: ما العلاقة بين الترجمة والنقد لا سيما حين يكون كلاهما متصلاً بالأدب؟ هل ثمة علاقة بين ترجمة الأدب ونقده؟ وكيف تؤثر ترجمة الأدب على نقده أو العكس؟ هل يمكن القول، بتعبير آخر، إن الترجمة الأدبية لون من ألوان نقد الأدب؟

المعروف لدى الجميع أن الترجمة لون من ألوان التفسير، فالمترجم يسمى «مفسراً» بالإنجليزية interpreter وربما في لغات أخرى وهي حقيقة لا جدال فيها، فالمترجم ينقل الدلالات من لغة إلى أخرى حسب فهمه، الأمر الذي يخضع تلك الدلالات لتفسيره، فهو مفسر لا ناقل حرفياً، مهما بلغ حرصه على الأمانة في النقل. لكن لا شك أن تفسير نص أو كلام مباشر قليل الالتباسات، مثل تبادل التحيات أو الأوامر أو الأخبار الموجزة، غير تفسير نص مركب مثل النصوص الدينية أو الأدبية أو الفلسفية العالية الكثافة والمتعددة الدلالة. تتعالى مستويات التفسير بتعالي مستويات النصوص، وحين ندخل في التفسير نكون دخلنا فيما نسميه النقد الأدبي الذي يقوم في جانب كبير منه، كما هو معروف، على تفسير النصوص.

أثناء دراستي لأدب اللغة الإنجليزية، أي الإنجليزي والأميركي، كنت بين طلبة أميركيين، شأني في ذلك شأن من درسوا أدب تلك اللغة في بلادها. وكانت المنافسة صعبة مع أهل اللغة لا سيما حين يأتي الأمر إلى تحليل النصوص الأدبية الشعرية بوجه خاص. وأذكر أنني استعنت بالترجمة لتحقيق سبق ولو طفيف على بقية الطلاب. اكتشفت أن ترجمة القصائد تكشف دلالات لم تخطر ببالي عند قراءتها دون ترجمة. كأن تعريض النص لعدسات لغة أخرى أو إدخاله مختبراً ثقافياً ولغوياً مغايراً يستنطق فيه ما لا يمكن استنطاقه لو قرئ بصورة مباشرة.

تجربتي في ترجمة بعض الأعمال الأدبية، الشعرية بصفة خاصة، أكدت لي أنني لم أبتعد كثيراً عن نقد تلك الأعمال، أو أنني في حقيقة الأمر أقوم بعملية مزدوجة أثناء الترجمة: يدخل النقد في هيئة انتقاء النصوص أولاً ثم في تفسيرها والبحث عن الدلالة الأقرب إلى الأصل والأنسب للغة المترجَم إليها. ذلك أن اختيار النص للترجمة هو فعل نقدي أولي وأساسي، هو تعبير عن قناعة بأن النص جدير بالترجمة، تماماً مثل اختيار نص للقراءة. أن نمد أيدينا إلى كتاب ونقلبه ونتخذ قراراً بقراءته أو تركه هو بحد ذاته ممارسة للنقد، هو تقدير لأهمية الكتاب أو جمال أسلوبه أو الأخذ باعتبارات أخرى.

جبرا إبراهيم جبرا

في تاريخ الترجمة أعمال كثيرة ترجمت أكثر من مرة، عشرات المرات أحياناً، وما يدعو بعض المترجمين لإعادة ترجمة عمل أدبي ما مرة أخرى هو في الغالب موقف نقدي إزاء ما ترجم من قبل، موقف ناقد يتأسس على الكشف عن عيوب في الترجمة سواء كانت أخطاء واضحة أو عدم اتفاق في تفسير عنوان أو جملة أو فقرة أو العمل بأكمله. رواية إرنست همنغوي (أو همنغواي، كما يكتب عادة) The Old Man and the Sea ترجمها منير البعلبكي في خمسينيات القرن الماضي مختاراً للعنوان كلمة «شيخ» لتكون «الشيخ والبحر»، وجاء بعده من ترجم الكلمة نفسها إلى «العجوز» ثم اعترض آخرون فأعادوا ترجمة الرواية - ليس بسبب العنوان وحده طبعاً - ولكن ليغيروا العنوان أيضاً ويعيدوه إلى ما اختاره شيخ المترجمين البعلبكي مبررين ذلك بأن «العجوز» لا تعبر عن مسألة أساسية في الرواية هي كفاح الصياد المسن وعدم استسلامه للسمكة المتفلتة، بل إن كلمة «عجوز» تناقض إصرار الصياد بإظهاره «عاجزاً». ولم يكن كل ذلك سوى رؤى نقدية تجاه العمل.

وتتكرر تلك الرؤى النقدية في ترجمات أخرى مثل ترجمة «رباعيات الخيام»، وفي رأيي أنه قبل الترجمة تمثل النقد في صناعة عمل اسمه «رباعيات الخيام»؛ لأن عمر الخيام لم يكتب نصوصاً تحت عنوان واحد بذلك الاسم (بل إن هناك من يشكك في كتابته إياها أو مجملها أساساً)، وإنما جاء من بعده من جمع تلك الرباعيات ورتبها ومنحها عنواناً سارت به عبر التاريخ، إلى أن جاء المترجمون ومنهم البريطاني إدوارد فيتزجيرالد ليترجمها إلى الإنجليزية في ترجمة مشهورة قال بعضهم إنها أفضل من قصائد فيتزجرالد نفسه، الذي عرف بوصفه شاعراً من شعراء العصر الفكتوري.

لكن فيتزجيرالد الذي أنجز ترجمته في أواسط القرن التاسع عشر مارس النقد أولاً من خلال الانتقاء، مترجماً ما رآه مناسباً أو صالحاً للترجمة حسب رؤيته الشخصية. لكنه مارسه ثانية ولكن من زاوية غير أدبية أو نقدية، وإنما من زاوية متعالية، من زاويته بوصفه بريطانياً تستعمر بلاده أنحاء كثيرة من المعمورة، أي أنه نظر إلى العمل بوصفه وصياً عليه وهو البريطاني حامل الثقافة «الأرقى».

في رسالة كشف عنها بعد وفاة فيتزجيرالد بوقت طويل ذكر المترجم البريطاني لصديق له أنه أدخل تعديلات كثيرة على النص من منطلق أن الفرس ليسوا على مستوى عالٍ في نظم الشعر، وأن من واجبه بوصفه بريطانياً متحضراً أن «يحسّن» النص (أوردت نص كلامه الباحثة البريطانية سوزان باسنيت في كتاب لها حول الأدب المقارن).

إعادة بناء النصوص سواء من خلال التحرير أو الترجمة عمليةٌ نقدية بامتياز، ولنا أن نتذكر أن معظم الشعر العربي ما قبل الحديث أعيدت بناء مروياته في دواوين أو في مختارات لم يدر بخلد الشعراء أنها ستأخذ الشكل الذي أخذته لاحقاً، فقد كانت بالنسبة لمعظمهم قصائد ألقيت في مناسبات مختلفة ولم يجمعها أكثرهم، وبالذات في عصر ما قبل الإسلام.

كثير من الشعر الإنجليزي حتى عصر شكسبير على الأقل جاءنا بهذه الطريقة، من خلال المحررين ومؤرخي الأدب. وأشير في هذا السياق إلى سونيتات شكسبير كمثال تأثر بالتحرير الأدبي من خلال جمع قصائد لم يجمعها الشاعر نفسه. لكن فيما يتعلق بالترجمة اتضح ذلك في نماذج كثيرة منها ما آلت إليه السونيتات في الترجمات العربية وهي كثيرة، وإن لم تصل إلى ما وصلت إليه ترجمات الخيام، سواء كانت ترجمات جبرا إبراهيم جبرا، أو بدر توفيق، أو أخيراً محمد عناني. المقارنة بين هذه الترجمات أقنعتني مرة أخرى بأن الترجمة عمل نقدي بامتياز، سواء في اختيار ما يرى المترجم مناسبته أو إمكانية ترجمته أو في لغة الترجمة نفسها، وهي محك رئيس بالطبع للعملية النقدية، حيث تعاد صياغة الصور وتنتقى المفردات، كما يتضح، ليس من مقارنة الترجمات بعضها ببعض، وإنما من مقارنتها بالأصل.

محمد عناني هو الوحيد الذي ترجم السونيتات كاملة، لكن هذا لا يعني غياب المعالجة النقدية لا سيما أنه اختار ترجمتها إلى نصوص موزونة مقفاة. وقدرة المترجم لا ينبغي أن توهم القارئ بأنه بقراءة الترجمة يقرأ الأصل أو يقترب منه بصورة دقيقة أو أمينة. المترجم حاضر بانتقائه للمفردة والتركيب، بتفسيره للنص ابتداءً. الباحث الأميركي لورنس فينوتي بنى نظرية في الترجمة حول ما أسماه «اختفاء المترجم» أو ما فرض عليه من توارٍ غير عادل كما لو كان مجرد ناقل (وكتاب فينوتي أحد منجزات عناني في الترجمة). كثيرة هي النماذج التي تؤكد اشتباك الترجمة بالنقد، فقد كان من الممكن، مثلاً، التوقف عند ترجمة أحمد الصافي النجفي لرباعيات الخيام الذي يوضح في مقدمته لها كيف انتقى، وماذا لم يترجم، وكيف صاغ ما ترجم، إلى غير ذلك من مسائل تقع في صلب النظر النقدي في الأدب. لكن المقام لا يتسع لأكثر من هذا خشية الإطالة والإملال. الترجمة لون من ألوان التفسير، فالمترجم يسمى «مفسراً» بالإنجليزية interpreter وربما في لغات أخرى، وهي حقيقة لا جدال فيها


مقالات ذات صلة

السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

يوميات الشرق من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)

السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

أعلنت السعودية، الاثنين، إنشاء مركز ثقافي في باريس، وذلك على هامش زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى فرنسا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الفنان محمد السلطان خلال أدائه أغاني من إرث الراحل الفني خلال الأمسية (الشرق الأوسط)

في جدة... أمسية تستعيد إرث فوزي محسون وحكاياته الإنسانية والفنية

في ليلة موسيقية استثنائية لـ«سيد الشجن» الراحل فوزي محسون، كانت المدينة الساحلية جدة حاضرة بكل تفاصيلها، عبر الكلمة الجميلة واللحن العذب.

إبراهيم القرشي (جدة)
يوميات الشرق جانب من العمل الميداني الذي يجمع بين توثيق الحرفة ورصد واقع ممارسيها (الشرق الأوسط)

«كليم فُوّه»... إنقاذ حرفة من ذاكرة تتناقص أيدي المشتغلين بها

يتميّز الكليم الفُوهي بتصميمات تستلهم صورها ورموزها من البيئة المحيطة، من الطيور والعصافير والأراضي الزراعية والخيول...

نادية عبد الحليم (القاهرة)
تكنولوجيا السعودية تعزز مكانتها شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي عالمياً (واس)

الرياض تستضيف «المنتدى العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» سبتمبر المقبل

تستضيف العاصمة السعودية الرياض أعمال النسخة الرابعة لـ«منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» من 14 إلى 17 سبتمبر (أيلول) المقبل، بحضور عالمي كبير.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق جيمي غونزاليس في دور «سيفيوس» ومات دايمون في دور «أوديسيوس» وهيميش باتيل في دور «يوريلوخوس» في مشهد من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

رحلة عبر معالم ومواقع تصوير الفيلم الملحمي «الأوديسة»

فيلم «الأوديسة» يعيد إحياء «سينما الواقع»: جولة خلف كواليس التصوير الملحمي وخرائط الوصول إلى مواقعها التاريخية.

كوثر وكيل (لندن)

مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

مبارك العامري
مبارك العامري
TT

مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

مبارك العامري
مبارك العامري

«أشعر أن القطار السريع شارف على الوصول إلى محطته الأخيرة / وأن رحلة الآلام المريرة حان لها أن تنتهي / دون إخلال بسيرها المتعرج / وما دام الأمر كذلك / تركت ورداتي الأثيرات / أصول كتابات لم تُنشر / شعراً ورواية ومقالات ونصوصاً مفتوحة / في بطن مندوس صغير / مطعّم بأنجم مذهبة / اقتنيته قبل شهر مضى / من سوق نزوى».

في تقديمه للأعمال الكاملة للشاعر العماني مبارك العامري (1959 - 2020)، الصادرة عن دار «منشورات كلمات» ببغداد، يتساءل الشاعر سيف الرحبي؛ لماذا تلح عليه تلك الأسطر الشعرية أعلاه كلما تذكر العامري واستعاد مع سيرته بهاء الأدب ونزوعه الطليعي وأحلامه الشاسعة التي تتجاوز شروط الواقع الصعب في تجربة مبدع اختطفه الموت وهو في ذروة عطائه ونضجه الإبداعي؟!

«هكذا فقط من غير أسئلة ولا أجوبة، لا فواصل ولا نقاط، يختتم الشاعر مسيرة حياة حافلة بالإبداع ودفق المخيلة التي لا تعرف الحدود والتصنيف، مع ما تيسر من الأحلام وصخب العائلة والعالم بعد آلام المرض المبرحة الشاقة التي كان يعاني منها».

ويلاحظ الرحبي أنه رغم كل هذا الخضم المأساوي للفراق والبين، جاءت تلك الأبيات هادئة تتأمل وتذكّر أحبته وأبناءه الأوفياء والأصدقاء مجتمعين بذكريات حبه ولطفه وهدوئه المتأمل لما حوله ولأحوال الوجود.

ليست هناك نبرة بوح وشكوى، انثيال عاطفي لشاعر يودع الأحبة وكل هذا البريق الأخاذ، خاصة أن أحلام الشاعر في الإنجاز والإبداع كانت لا تزال في منتصفها، رغم ما حققه من ريادة وإضافة على صعيد الحساسية الجمالية، وجاء مغايراً لما كان سائداً ومستقراً.

أخذ على عاتقه التجديد والتجريب في روح القصيدة وبنيتها ولغتها، وجاءت أشعاره مخالفة للذائقة المتوارثة منذ قرون، التي كانت لا تقبل المساس أو الاقتراب النقدي من معاييرها الصارمة وتصنيفاتها الجاهزة، لذلك كانت المقاومة شديدة والعداء عنيفاً لكل ما هو جديد وتجريبي.

وكان العامري من هذه القلة المبدعة، التي لا بد أن تدفع ثمن الاختلاف عن السائد في الأدب، فقد شاء له التاريخ والقدر أن يكون ضمن الطليعة الصدامية الأولى مع التقليدي من الرؤى والتصورات والأشعار التي يُلبسها أصحابها لباس القداسة، تحصيناً وترويعاً كي لا تُمس.

وعن الجانب الإنساني في حياة الشاعر الراحل، يرى الرحبي أن العامري كان يميل إلى العزلة والانتقائية في علاقاته الشخصية، فالرهافة والصدق لا ينسجمان مع الحشد والقطيع الذي يتطلب كثيراً من التنازل وإجبار الذات على محو الصفات الفردية التي تشكل تميز المبدع وجوهر وجوده وكتابته، خاصة في مجتمعاتنا التي ترى في توسل الفردية والعزلة عرضاً مرضياً يتطلب القدح والإدانة.

كما كان على حزنه وألمه العميقين، محباً للحياة ولأسرته التي أولاها جلّ حبّه واهتمامه كجزء من حبه الشاسع لهذه الحياة، مهما كانت عابرة ومأساوية، وكان السفر من بين هذه النعم لديه، إذ يرى فيه برهة تحرر وتحليق في الفضاءات اللامحدودة للمخيلة والجسد.

ويجزم الشاعر عبد الله الريامي أنه لم يقرأ شاعراً عمانياً تفيض من قصائده كلمة الحب، تصريحاً أو تضميناً أو تورية أو اغترافاً من تشبيهاتها واستعاراتها ومغذياتها جميعها في تفاعل جمالي، كما في تجربة مبارك العامري.

يستحضر العامري الحب ويمارسه في مدى نفسي وفلسفي يتفوق على الحسي، الحب بمستوياته الإنسانية المختلفة ومساراته التي بلا حدّ. يتحول هنا إلى فعل مقاومة ضد القبح وإكراهات العيش، وخلاص من التحديات الوجودية في الحياة الشخصية والعامة، فإن كان الجسد منهكاً والخيارات مهزومة فالحب عنده انتصار الروح، وهو سعي دائم إلى الحرية والاستمتاع بها.

تقع الأعمال الكاملة لمبارك العامري في 536 صفحة من القطع المتوسط، وتضم 4 دواوين، هي «بسالة الغرقى» و«مرايا تستنطق الغيم» و«رجع النواقيس» و«شرفة خضراء»، بالإضافة إلى 4 نصوص متفرقة وغير مصنفة، هي «رؤى الأمس» و«معين بسيسو» و«مطر فسفوري» و«زيتونة مباركة».

ويمكن القول إجمالاً إن العالم الشعري للعامري يندرج ضمن تجربة الجيل الذي أسهم في ترسيخ قصيدة النثر في سلطنة عُمان منذ ثمانينات القرن الماضي، حيث تميزت تجربته بالمزج بين الحس الفلسفي والبعد الإنساني واللغة المكثفة، مع انفتاح واضح على الرمز والأسطورة والتأمل الوجودي.

في ديوان «بسالة الغرقى» يحضر البعد الفلسفي بوصفه جزءاً من النسيج الشعري، لا مجرد فكرة خارجية، أما في «مرايا تستنطق الغيم» فينتقل العامري من التأمل الوجودي إلى مساءلة الواقع الثقافي والسياسي العربي، متوقفاً عند أزمات الهوية والتحولات الحضارية، بالتوازي مع انعكاسات معاناته الصحية التي عاشها في سنواته الأخيرة.

وفي «رجع النواقيس» يخوض الشاعر تجربة شكلية مختلفة، إذ يتجه إلى كتابة مقاطع قصيرة ومكثفة، تتجاور داخل النص الواحد في هيئة أجزاء مرقمة، بما يمنح الإيقاع الداخلي للنص دوراً أكبر من السرد الشعري التقليدي.

ويبلغ المشروع الشعري ذروة رقته في «شرفة خضراء»، وهو آخر دواوينه، حيث تغلب على النصوص مفردات الطبيعة والطفولة والأحلام والاخضرار، فيكتب قصائده دون عناوين مستقلة، في محاولة لمنح النص انسياباً أكبر وحرية في التلقي... مثلما يقول في قصيدة «مأوى العجزة» بديوان «مرايا تستنطق الغيم»:

«نحن الطاعنون في الصمت / ماذا ننتظر بعد / غير قيامة تبارك الخراب / منفيون في جلودنا / ممعنون في التيه / نستغيث بالشمس / المطلة علينا من صهريجها الأزلي / أن تلهب دمنا / فتدير وجهها الفسفوري / ناحية البحر / وتوغل عميقاً في اللجة / هي هناك / ربما لتستحم / من وعثاء السفر الطويل».

يتفق النقاد على أن العامري استطاع بناء لغة شعرية تجمع بين البساطة والعمق، بعيداً عن الغموض المفتعل أو الزخرفة البلاغية، عبر نبرة سلسة، لكنها مشحونة بالدلالات، تتنوع فيها الأساليب الخبرية والإنشائية، ولا سيما الاستفهام والتعجب، بما يخلق حالة من الدهشة ويفتح النص على احتمالات متعددة للتأويل، ما منح قصيدته خصوصيتها داخل تجربة قصيدة النثر العُمانية.

يستحضر العامري الحب بمستوياته الإنسانية المختلفة ومساراته ويتحول عنده إلى فعل مقاومة ضد القبح وإكراهات العيش


كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟
TT

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

ينطلق الباحث العراقي الدكتور سعد التميمي في كتابه «بنية الحكي وتحولاته في سرديات سعيد بن محمد السيابي»، من أن الحكاية ليست شكلاً ثابتاً، بل هي كيان حيّ يتبدل عبر مسارات السرد محتفظاً بجوهره الإنساني؛ وهو ما يفتح تجربة السيابي على أفق التجريب ويعيد مساءلة حدود الأجناس الأدبية.

ويضم الكتاب الصادر حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن في نحو 130 صفحة، دراسة تحليلية تأويلية لمقاربة التجربة السردية للكاتب العُماني الدكتور سعيد السيابي، بوصفها مشروعاً حكائياً متكاملاً، لا مجموعة تجارب متفرقة تتوزع بين أجناس أدبية مختلفة.

وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن القصة القصيرة جداً عند السيابي هي مختبر أولي لتكثيف الحكاية واختزالها إلى حدها الأدنى، حيث تتقاطع المفارقة مع الإيحاء، بينما تشكّل القصة مساحة أوسع لتنامي الحدث وتداخل الأصوات، في حين تتيح الرواية عنده فضاءً رحباً لتجريب أشكال أكثر تعقيداً من السرد، أبرزها الميتاسرد وتفكيك البنية الحكائية.

ويجمع الكتاب ثلاثة فصول، مع مدخل نظري لكل منها يضيء الإطار المفاهيمي للجنس الأدبي المدروس؛ تمهيداً للانتقال من التنظير إلى التطبيق النصي. يحمل الفصل الأول عنوان «المفارقة في القصة القصيرة جداً عند سعيد السيابي»، ويقرأ فيه التميمي نصوص هذا الجنس بوصفها فضاءً للمفارقة وبنية عميقة تنظم الحكاية وتعيد توزيع عناصرها، بما يفضي إلى انزياح في التوقع وخلق توتر بين ما يُقال وما يُضمر.

ويكشف هذا الفصل أيضاً عن الخلفية المسرحية التي يستثمرها السيابي في بناء نصوصه القصيرة جداً؛ إذ يوظّف حساسية المشهد وكثافة الحوار الضمني واقتصاد الحركة، بما يجعل النص أقرب إلى لقطة درامية مكتملة تُبنى على لحظة انكشاف حاسمة. ويستعين التميمي في تحليله بمرجعيات نظرية متنوعة، من جيرار جينيت في مفهومَي «المدة» و«الحذف» السرديين، إلى رولان بارت في فكرة «لذة النص»، وتزفيتان تودوروف في مفهوم «التحول السردي»، إضافة إلى آراء نقاد عرب من بينهم صلاح فضل ويوسف وغليسي، في مقاربة تجمع بين الأدوات السردية الحديثة والحساسية النقدية العربية.

أما الفصل الثاني، فيحمل عنوان «حين تتلألأ النجوم تنبثق الحكاية: قراءة في المجموعة القصصية (اثنتا عشرة نجمة)»، ويعالج فيه المؤلف بنية القصة عند السيابي، من خلال تتبع أنماط بناء الحكاية، والعلاقة بين العنوان والنص، وتوظيف الرمز والصورة، إلى جانب التركيز على تمثيلات الذات والعالم. ويسبق هذا الفصلَ تمهيد نظري حول القصة بوصفها جنساً سردياً يمتاز بالتوازن بين التكثيف والامتداد، وبالقدرة على التقاط لحظة دالة ضمن سياق إنساني أوسع.

ويخصص الفصل الثالث، الذي يحمل عنوان «تحولات الحكي في روايات السيابي: من تمثلات التراث إلى أفق الميتاسرد... العبور المزدوج»، وقفتين قصيرتين عند روايتي «جبرين وشاء الهوى» و«الصيرة... تحكي»، تليهما دراسة مفصلة بعنوان «من الرحلة إلى الميتاسرد... قراءة في رواية (جسور متداعية)»، حيث يُقارب المؤلف النص الروائي بوصفه بنية مركّبة تتداخل فيها مستويات الحكي، ويتحول فيها السرد موضوعاً لذاته، ويقدم هذا الفصل عبر تمهيد نظري حول الرواية بوصفها جنساً مفتوحاً قادراً على استيعاب مختلف الأشكال والخطابات، وعلى مساءلة ذاته عبر تقنيات الميتاسرد والتشظي البنيوي.

في مقدمته، يوضح التميمي أن ما يجمع فصول الكتاب، على اختلاف موضوعاتها، هو الانشغال بسؤال الحكي: كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟ وكيف تُنتج معناها عبر تقنيات سردية مختلفة؟ كما يجمعها الاهتمام برصد العلاقة بين الشكل والمضمون، وبين التقنية والدلالة، وبين البنية والتمثيل، منوّهاً إلى أن النصوص المدروسة لا تُقرأ كأنساقٍ دلالية تتشكل عبر اللغة والسرد.

ويرى التميمي أن اختيار تجربة سعيد السيابي موضوعاً للكتاب جاء من قناعة ترى أن هذه التجربة تمثل نموذجاً جديراً بالدراسة في السرد العربي المعاصر؛ لما تنطوي عليه من تنوع في الأشكال وجرأة في التجريب وقدرة على استثمار الإمكانات التعبيرية لكل جنس أدبي، فهي تجربة تتحرك بين الاقتصاد اللغوي في القصة القصيرة جداً، والتوازن البنيوي في القصة، والانفتاح التركيبي في الرواية.

ويقول التميمي في مقدمته إن الكتاب لا يدّعي الإحاطة بكل جوانب هذه التجربة، بل يقدّم قراءة ممكنة تنفتح على قراءات أخرى، ويطمح إلى الإسهام في إغناء النقاش حول السرد العربي المعاصر وحول الأجناس الأدبية وحدودها وتحولاتها؛ آملاً أن يلفت الانتباه إلى أهمية دراسة التجارب السردية التي لم تحظَ بعد بما تستحقه من اهتمام نقدي رغم ما تنطوي عليه من إمكانات جمالية ومعرفية.


ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

غوركي
غوركي
TT

ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

غوركي
غوركي

يمثل الروائي والكاتب المسرحي الروسي مكسيم غوركي (1868- 1936) حلقة وصل بين عهدين من تاريخ الأدب الروسي: العهد القيصري الذي كتب في ظله عمالقة من أمثال تولستوي ودوستويفسكي وتورجنيف وتشيخوف، والعهد السوفياتي عقب ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917 الاشتراكية، وأدبائه عبر السنين من أمثال مايا كوفسكي وشولوخوف ويفتشنكو. ورغم أن غوركي كان منحازاً إلى هذا العهد التالي، بل كان أكبر ممثلى «الواقعية الاشتراكية» - المذهب الأدبي الرسمي للدولة الشيوعية - وأول رئيس لاتحاد الكتاب السوفيات في 1934 وحائزاً على رضا الديكتاتور ستالين، فقد كان أوسع أفقاً من أغلب معاصريه الشيوعيين، فهو منفتح على الآداب الغربية، قارئ جيد للتراث الإنسانى، وغير ناكر لفضل الجيل العظيم الذي سبقه. تشهد بهذا كتاباته النقدية وذكرياته عن أدباء ذلك الجيل، ومنها الكتاب الذي نتوقف عنده هنا «ذكريات عن تولستوي وتشيخوف وأندريف» (Reminiscences of Tolstoy, Chekhov and Andreyev).

تشيخوف

وقد صدرت له ترجمة، من اللغة الروسية إلى اللغة الإنجليزية، بقلم بريان كارتنك (Brian Karetnyk) في سبتمبر (أيلول) 2025 عن دار فيتزكارالدو للنشر في قرابة 200 صفحة (سبق أن ترجم الكاتب المسرحي المصري ألفريد فرج بعض هذه الكتابات إلى اللغة العربية، كما ترجم الناقد فؤاد دوارة مختارات من مقالات غوركي النقدية، منها مقالة موضوعها «الانحلاليون» أي الشعراء الفرنسيون البوهيميون في أواخر القرن التاسع عشر، مثل أرتور رامبو وبول فرلين).

أهم هذه الكتابات مقالة غوركي في 1919 عن تولستوي. وكان غوركي -الذي فقد أباه في سن الحادية عشرة- يعد تولستوي أباه الروحي رغم الاختلاف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز مؤلف الروائع «الحرب والسلام» و«آنا كارنينا». كان غوركي في صباه وشبابه وقد عرك الحياة عصامياً علّم نفسه بنفسه وكان عاملاً مكافحاً اشتغل صبي حرفة لدى إسكافي وفي مطبخ سفينة تعبر نهر الفولغا ثم خبازاً في قازان. وحين قدّم المخرج ستانسلافسكي مسرحية غوركي «الحضيض» أو «الأعماق السفلى» على مسرح الفن في موسكو عام 1902 بدأ غوركي يجذب الأنظار، لا في روسيا وحدها، وإنما في أوروبا أيضاً. وما لبث تشيخوف أن قدّمه باعتباره كاتباً واعداً إلى تولستوي، فكان غوركي يحج إلى بيت الأستاذ في ياسنايا بولينا أو في القرم.

تولستوي

وبعد عامين من نشر مقالته عن تولستوي، انتقل غوركي إلى جزيرة كابري في إيطاليا. وفي العقد الخامس من عمره بدأ يسجل ذكرياته عن الأدباء الذين عرفهم قبل قيام ثورة 1917. وكما يقول آدم ثرويل في مراجعة للكتاب في «لندن رفيو أوف بوكس» (25 يونيو / حزيران 2026) كانت هذه الذكريات سجلاً لماضٍ بطولي، خاصة أنها تصدر بعد أن رحل تولستوي وتشيخوف عن الدنيا.

لم يكن غوركي يغفل تسجيل أي مشهد أو محادثة مهما كانت بسيطة حتى تافهة. فهو يذكر مثلاً أن تولستوي أثنى على أقصوصة تشيخوف المسماة «العزيزة» في حضور مؤلفها: «ذات يوم كان تشيخوف يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة، يجلس وعلى وجنتيه بقع حمراء ورأسه مائل إلى الأمام، ينظف منظاره المثبت على الأنف مدققاً. لم يقل شيئاً لبرهة، وأخيراً وهو يتنهد، قال بهدوء محرجاً: إن فيها أخطاء طباعية.. قصة بسيطة ولكنها تلقي الضوء على جانب مهم من شخصية تشيخوف، هو الإنسان الدمث المتواضع الذي لا يفخر بمنجزاته، وإن كانت منجزات رائعة قل أن يصل إليها غيره».

وكانت المودة متبادلة بين تولستوي وتشيخوف. لصلاح عبد الصبور مقالة عنوانها «عدو التفاهة» في كتابه «مدينة العشق والحكمة»، يقول فيها عن تشيخوف: «عندما يتحدث عن تولستوي تسبح على عينيه ابتسامة شاحبة رقيقة وخجولة معاً، وينخفض صوته كأنه يتحدث عن شيء قابل للكسر... شيء ينبغي أن يتناوله الإنسان في حرص وفي حب».

وموقف غوركي من تولستوي يلخصه قوله: «لن أكون يتيماً ما ظلّ هذا الرجل يعيش على ظهر الأرض». أبوة روحية رغم الفارق الطبقي الكبير بين تولستوي النبيل الأرستقراطي وغوركي البروليتاري القادم من أسفل السلم الاجتماعي.

وتكشف محادثات غوركي مع تولستوي عن آراء هذا الأخير في عدد من الأدباء. يقول مثلاً: «إن للفرنسيين 3 كتّاب: ستندال وبلزاك وفلوبير. هناك أيضاً موباسان بطبيعة الحال، ولكن تشيخوف خير منه. أما عن الأخوين جونكور فأي مهرجين هما! إنهما لا يعدوان أن يتظاهرا بالجدية. لقد عرفا الحياة من كتب وضعها مؤلفو قصص خرافية مثلهما، وظنّا أنها جدّ. لا أحد بحاجة إلى ذلك». وقد اختلف غوركي معه في هذا الرأي «وضايقه هذا بعض الشيء». كذلك صار تولستوي غير راضٍ عن دوستويفسكي قائلاً: «إن قراءته شاقة ولا تفضي إلى شيء».

كان غوركي يعد تولستوي أباه الروحي رغم الاختلاف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز

كذلك كتب غوركي عن ليونيد آندريف، وهو - وإن يكن أقل شهرة من تولستوي وتشيخوف - قاصّ وكاتب مسرحي ومصور فوتوغرافي موهوب. وقد صدّر أول مجموعة قصصية له عام 1901 بإهداء إلى غوركي الذي شجّعه على دخول مضمار الأدب. ومن رواياته «السبعة الذين شنقوا» (لها ترجمة عربية) عن الإرهاب السياسي. وله أكثر من 20 مسرحية، منها «هو الذي يصفع» (مترجمة أيضاً إلى العربية). وإذ كان مناهضاً لثورة أكتوبر 1917، فقد عاش خارج روسيا ومات منفياً في فنلندا.

والمفارقة أنه بعد مرور 10 سنوات على كتابة هذه الذكريات غدا غوركي ذاته - في نظر أجيال الشباب - حكيماً مثل تولستوي. وفي مؤتمر الكتاب المنعقد في 1934 (الحقبة الستالينية) غضّ غوركي من شأن «الواقعية النقدية» التي يمثلها تولستوي وتشيخوف، ودعا بدلاً منها إلى «واقعية اشتراكية» أدخل في باب الدعاية منها في باب الفن. وأحجم عن مدّ يد العون لأدباء أصغر سناً، مثل الشاعر أوسيب ماندلستام، حين كان هؤلاء الأدباء في أمس الحاجة إلى غذاء وكساء.

وإذا غضضنا الطرف عن هذه السقطات - وهي تكثر في ظل الأنظمة الديكتاتورية - فستظل هناك حقيقة مستفادة من هذا الكتاب؛ أن فوارق السن بين الأجيال لا يجب أن تحول دون تواصلها. واختلاف الرأي السياسي لا يجب أن يفسد للودّ قضية. فما يجمع بين الأدباء أكبر مما يفرق بينهم، كلهم سدنة في معبد الفن مهما جنحوا يميناً أو وسطاً أو يساراً، فالفن أبقى من السياسة.