«آخ يا بلدنا وأخواتها» توثيق لتجربة شوشو المسرحية

فارس يواكيم وشفافية البوح عن أصول النصوص وجيناتها

شوشو في إحدى مسرحياته
شوشو في إحدى مسرحياته
TT

«آخ يا بلدنا وأخواتها» توثيق لتجربة شوشو المسرحية

شوشو في إحدى مسرحياته
شوشو في إحدى مسرحياته

رغم مرور 48 عاماً على وفاته، لا تزال مسرحيات شوشو التي قدمها على خشبة «المسرح الوطني اللبناني» من بين الأعمال التي لا تنسى. لا بل إن شوشو من خلالها، أبدع، وسحر، وتمكن من اجتذاب جمهور يومي، بقي يتابعه لسنوات دون انقطاع، في تجربة فريدة، لم يشهد المسرح اللبناني مثيلاً لها إلى اليوم. ومن بين أبرز المسرحيات الكوميدية التي اشتهرت، هي تلك التي كتبها لشوشو، في ذلك الوقت، فارس يواكيم. وكما غالبية النصوص المسرحية فهي، لم تُطبع، ولم تنشر، ولم يتداولها الناس. وما نعرفه اليوم عن تلك المسرحيات، هو ما صوّر منها للتلفزيون، وباتت بطبيعة الحال، قديمة، وصوتها رديء، وصورتها ضعيفة، ولا تتاح لنا إلا حين تمرّ على الشاشة، بين الحين والآخر.

وحسناً فعل فارس يواكيم، أنه عكف أخيراً على تنقيح نصوص تلك المسرحيات، ودفع بها إلى الطباعة لتصبح كتاباً توثيقياً، قيماً، كنا في غاية الحاجة إليه، كي نتمكن من العودة إلى تلك الأعمال، ودراستها، وقراءتها، وربما ربطها بالوضعين الاجتماعي والسياسي في ذلك الوقت.

إضافة إلى مقدمة المؤلف التوضيحية المهمة في الكتاب الذي يحمل عنوان «مسرحيات آخ يا بلدنا وأخواتها»، صادر عن «دار الفرات» في بيروت، هناك مقدمة لكل مسرحية تشرح ظروفها، وكيف تم العمل عليها، وتاريخ كتابتها، وما أحاط بها من تفاصيل عملية عند وضعها على المسرح، إضافة إلى الشخصيات والممثلين، وشروحات حول الديكور والإخراج، وتاريخ العرض ومدته.

نادراً ما يكتب المؤلفون العرب بهذه الدقة والشفافية حول مؤلفاتهم، إذ يحدد يواكيم وبمنتهى الصدق ما ألفه من بنات أفكاره، وما اقتبسه عن مسرحيات أجنبية، وما استوحاه، ولا يضع نصوصه المسرحية جميعها في خانة واحدة.

ويواكيم كتب مختلف أنواع المسرحيات، للأطفال والكبار، كوميدية، وغنائية، وشانسونية. للرجل 30 مسرحية، 14 منها كوميدية، 12 من بينها خصصت لشوشو، حيث قام بلعب دور البطولة فيها، وعرضت جميعها على المسرح، ما عدا واحدة، بقيت نصاً على ورق، هي «زوجة الفران»، التي استوحاها عن مسرحية لمارسيل بانيول تحمل الاسم نفسه. ولم تبصر المسرحية النور بسبب وفاة شوشو واحتراق مسرحه.

ويصنف يواكيم المسرحيات التي كتبها: «بحسب مبلغ جهدي فيها، وبحسب نصيبي من الإبداع». وهي على ثلاثة أنواع: اقتباس، وإعداد، وكتابة، وتأليف.

أما المسرحيات المقتبسة فلم يأتِ على إدراج نصوصها في الكتاب، لأنه رغم لبننتها وإسباغ بعض الإضافات والتعديلات عليها، لا يعد أن له كبير فضل فيها، فأهملها.

لكن الكتاب يتضمن نصين لمسرحيتين من إعداد المؤلف، وهما «جوّه وبره» و«الشلمسطي». ويقصد بالإعداد أنه لجأ إلى نص أجنبي اعتمد حبكته والعديد من مواقفه، وأضاف عليه من عندياته، سواء في الشخصيات أو المواقف. كذلك في الكتاب نصان آخران لمسرحيتين من كتابة يواكيم، وهما «آخ يا بلدنا» و«كرمبول». ويعترف يواكيم أنه لم يؤلف لشوشو سوى ثلاث مسرحيات، هي «فوق وتحت» و«خيمة كراكوز» و«الدنيا دولاب»: «مع التنويه بأن الثالثة فيها فكرة مستوحاة من نص أجنبي».

حرص يواكيم على أن يجعل مسرحياته حتى التي أعدّها عن نصوص أجنبية مختلفة في البناء والنسيج والحوار والأماكن، والعلاقات بين شخصياتها، كما أن معظم المشاهد جديدة في حبكتها وحواراتها والعلاقة بين السادة والخدم، وحرص في كتابه الجديد على البوح بمصادر وحيه والنصوص التي منها أفاد دون أن يواريها كما يفعل غالبية الكتاب، ولم يكن ليحاسبه أحدٌ على ذلك بعد مرور عشرات السنين على عرض المسرحيات.

ويواكيم، في لجوئه الكثيف إلى الاقتباس، والإعداد، لا يختلف عن غالبية من كتبوا للمسرح في ستينات وسبعينات القرن الماضي، حيث لجأت الغالبية إلى الاستفادة من النصوص الأجنبية. ويشرح يواكيم في إحدى مقابلاته الصحافية أن المسرح في مصر، ومن ثم لبنان في بداياته، اعتمد على الاقتباس والترجمة بتصرف، أو حتى الترجمة الأمينة، لكن مع نضوج التجربة بدأ ظهور المؤلفين المسرحيين.

«أنا شخصياً مررتُ بالخطوات ذاتها. الاقتباس يعني اللَّبنَنَة مع تصرّف بسيط، والإعداد يعني الارتكاز إلى فكرة مسرحية عالمية وكتابتها من جديد، وهذه عملية شبه تأليفية مارستُها في (جوه وبرّه) عن (ألاعيب سكابان) لموليير، وفي (الدنيا دولاب) عن (كرايتون المحبّب) لجيمس باري. ثم سلكتُ طريق التأليف في نصَّين قُدّما في مسرح شوشو: (فوق وتحت)، إخراج برج فازليان و(خيمة كراكوز) (إخراج روجيه عساف)».

ويخبرنا يواكيم في الكتاب، أن اللبننة ليست مجرد ترجمة أسماء شخصيات وأماكن، وإنما إضفاء الجو اللبناني على المسرحية.

واحدة من أشهر مسرحيات شوشو على الإطلاق هي «آخ يا بلدنا»، تلك الصرخة التي كتبها يواكيم، لتخترق قلوب الناس، خصوصاً حين يغني شوشو في أحد المشاهد «شحادين يا بلدنا، قالوا عنا شحادين، نشالين يا بلدنا قالوا عنا نشالين». وهي المسرحية التي بلغ فيها شوشو الذروة. لكن يواكيم يشرح بإسهاب كيف تمت بلورة هذا النص المغرق في لبنانيته ومحليته، وأنه كتبه تحت تأثير نص مسرحي ألماني هو «أوبرا القروش الثلاثة» لبيرتول بريشت، وكانت لقيت بنصها وحواراتها وأغنياتها وموسيقاها استحساناً كبيراً من الجمهور في بلادها عند عرضها للمرة الأولى عام 1928. لكن بريشت، لم يأتِ بالعمل كله من بنات أفكاره، بل اقتبسه عن مسرحية إنجليزية كتبت قبل ذلك بمائتي سنة ألفها جون غاي وحملت اسم «أوبرا المتسول»، وكما كل الأوبرات حينها كانت تستوحي أحداثها وموضوعاتها من الأساطير الإغريقية، والقصص التراثية.

هكذا يسعف كتاب يواكيم، إضافة إلى تتبع المسار المسرحي لشوشو، فهم جينيولوجيا النصوص المسرحية، وكأنه يرينا كيف أن الأعمال تولد متكئة على بعضها بعضاً، وأن الأفكار تتناسل بالتلاقح، ولا عيب في الاعتراف بهذا الحوار بين النصوص الذي يولد دائماً أعمالاً جديدة خصبة، وإن اقتبست مما سبقها.

و«آخ يا بلدنا» عرضت ما يقارب سبعة أشهر في بيروت دون انقطاع، ثم جالت في مختلف المناطق اللبنانية، وهي من إخراج روجيه عساف، وكتب أغنياتها الزجلية فارس يواكيم.

نعرف أيضاً أن مسرحية شوشو «كرمبول»، هي نتيجة هذا النوع من التلاقح أيضاً. إذ يعيدنا يواكيم إلى الشاعر والمؤلف المسرحي الإنجليزي بنيامين بن جونسون، الذي عاش في زمن شكسبير وكتب مسرحية «فولبوني»، وعرضت عام 1606، لكن في عام 1926، أي بعد ما يقارب 300 سنة، سيعيد ستيفان زفايغ كتابة هذا النص على طريقته الخاصة، ووفق اجتهاده ورؤيته، ثم اشترك مع الكاتب الفرنسي جول رومان لكتابة النص بالفرنسية ليقدم في باريس عام 1928 ويواكيم في الحقيقة استند في إعداد مسرحيته «كرمبول» إلى هذه النسخة، والنسخة الفرنسية معاً لتوليف أحداثه وإنشاء شخصياته.

من بين أبرز المسرحيات الكوميدية التي اشتهرت هي تلك التي كتبها لشوشو، في ذلك الوقت، فارس يواكيم

كان يواكيم يتصرف في النصوص بشكل كبير، ويتيح لنفسه الإفادة مما يقع تحت يده، والبناء عليه، أو مجرد الاستيحاء أو خلط ما يراه مناسباً، وإلباس كل هذا لباساً مغرقاً في محليته، لأن مسرح شوشو كانت له خصوصيته، وجمهوره كان متطلّباً، وعنده توقعات عالية، ينتظرون منه لا أن يضحكهم فقط، وإنما أن يقهقهوا وبصوت عالٍ.

أما شوشو، فكان يحب الارتجال ويتقنه، حين يطلع على النص أثناء كتابته، يطلب إضافات أو تغييرات. «كان يحب أن ينال الحصة الكبرى من ضحك الجمهور. لكنه يرضى أن يتولى الممثلات والممثلون الإضحاك ما دام هو غائباً عن الخشبة. وفي حال حضوره يسمح لهم بذلك أيضاً، شرط أن يبقى هو المتفوق».

النصوص المسرحية السبعة في الكتاب، هي النسخة الأخيرة التي كتبت، إذ يشرح لنا فارس يواكيم في حديث لـ«الشرق الأوسط» معه أن النص المسرحي تطرأ عليه تعديلات كل ليلة تبعاً لتجاوب الجمهور، وما يرتئيه المخرج، وما يحس به الممثل. فالنص على الورق يختبر بتفاعل الناس معه. والنصوص التي يقدمها لنا اليوم في هذا الكتاب التوثيقي الذي يأتينا من زمن تأسيسي جميل يطوي بين دفتيه النسخة الأخيرة من المسرحيات، التي أضحكت وأبكت وأفرحت القلوب الحزينة.


مقالات ذات صلة

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

يوميات الشرق جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

تبدأ عروض مسرحية «كذبة بيضا» في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

ودّع الوسط الفني بمصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)

«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

«الأرض الحرام» أو «No Man’s Land»، هي مساحة تُفتَح حين تُغلَق المعابر ويتحوَّل الحدّ إلى قَدَر، فيصبح الإنسان مضطرّاً إلى العيش بين أمرين لا يملكهما.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق علي منيمنة وضياء منصور في أحد المشاهد المضحكة (الشرق الأوسط)

«خليني خبّرك ليه؟»... الحب الصادق يُنقذ الزواج بمقالب مضحكة

يحاول صُنَّاع المسرح مؤخراً نقل أعمالهم بقالب ترفيهي يخفِّف من وطأة الحياة اللبنانية المثقلة بالأزمات. فتغدو الضحكة هدفاً أساسياً يساهم في الترويح عن النفس.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق جانب من لقاء لإطلاق مشروع حماية وصون الأراجوز (وزارة الثقافة المصرية)

«اليونسكو» تدشن مشروعاً لحماية وصيانة فن الأراجوز في مصر

أطلقت مصر مشروع «صون التراث وبناء القدرات للتراث الثقافي غير المادي لفن الأراجوز للدمى اليدوية التقليدية في مصر»، بالتعاون مع منظمة اليونسكو.

محمد الكفراوي (القاهرة )

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended