تِمْ بيرنرزــ لي يمزج بين سيرته الذاتية وتاريخ الإنترنت

أوّلُ من ابتدع فكرة الشبكة العالمية يعيش متخفياً في شقة لندنية متواضعة

تِمْ بيرنرزــ لي يمزج بين سيرته الذاتية وتاريخ الإنترنت
TT

تِمْ بيرنرزــ لي يمزج بين سيرته الذاتية وتاريخ الإنترنت

تِمْ بيرنرزــ لي يمزج بين سيرته الذاتية وتاريخ الإنترنت

إنّها لمفارقةٌ صارخة أن يكون أباطرة التقنية الرقمية المعاصرون ملء السمع والبصر كلّ حين؛ لكنّ (الصانع الأمهر) الذي مكّنهم من أن يصيروا أباطرةً في هذا العالم يعيش مختفياً في شقة لندنية متواضعة، ولو شاء لبزّ الجميع في ثروته. إنّه السير تِمْ بيرنرز- لي Tim Berners-Lee، أوّلُ من ابتدع فكرة الشبكة العالمية World Wide Web، أو الإنترنت.

يُعرَفُ عن بيرنرز - لي في أثناء عمله أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات في مختبر سيرن للأبحاث النووية في جنيف بسويسرا أنّه اقترح فكرة ربط الوثائق عبر الإنترنت باستخدام روابط تشعبية (hyperlinks) وبروتوكولات مثل HTTP و HTML، والتي صارت لاحقاً حجر الأساس في فلسفة الربط الشبكي المعلوماتي العالمي. اعتمد السير لي منذ بواكير عمله الثوري قراراً أخلاقياً صارماً حين أتاح شفرة المشروع (الويب) للعامة مجاناً دونما احتكار أو حقوق ملكية؛ الأمر الذي ساعد في انتشار الشبكة بسرعة. أسّس لي مع جهات أخرى اتحاد الويب (World Wide Web Consortium) الذي يرمزُ له W3C، وذلك لضمان معايير موحدة ومفتوحة لشبكة العالمية. من المشاريع التي يشارك بها لي الآن، ويدعمها بقوة هو مشروع Solid الذي يهدف إلى إعادة سيطرة المُسْتخدِم على بياناته عبر تخزينها في «وحدات بيانات شخصية Data Pods» بدلاً من جعلها ملكية مشاعة للشركات المتغوّلة المهيمنة على فعاليات الشبكة العالمية والتي جعلتها وسيلة للتربّح الفاحش. على الصعيد الشخصي يعرَفُ عن لي أنّ لديه خلفية أكاديمية وعملية راسخة، وهو معروف بدعمه للمبادئ الأخلاقية في التقنية مثل حرية الإنترنت، وحقوق الخصوصية، والحياد الشبكي net neutrality (أي عدم جعل الشبكة منصّة للترويج الآيديولوجي والسياسي المشخّص أو المستهدَف).

نشر السير لي هذه السنة (2025) كتاباً جديداً يجمع بين سيرته الذاتية والفلسفة التقنية للشبكة العالمية، وأظنّه فعل حسناً؛ إذ زاوج بين سيرته والشبكة العالمية لأنْ لا انفصام بينهما، تماماً كما أنّ النظرية النسبية تعدُّ جزءاً بنيوياً من سيرة ألبرت آينشتاين. عنوان الكتاب:

هذا للجميع: القصة غير المكتملة للشبكة العالمية This is for Everyone: The Unfinished Story of the World Wide Web،

يمتدّ الكتاب على 400 صفحة، مازجاً بطريقة عضوية بارعة بين السيرة الذاتية وتاريخ الشبكة العالمية، فضلاً عن تقديمه تحليلاً للتحدّيات التي تواجه هذه الشبكة اليوم، مع اقتراحات لإصلاح أو إعادة التوازن لبلوغ شبكة أكثر إنسانية. الكتاب تركيبة كولاجية مشوّقة تجمع بين القصص الشخصية، والتفاصيل التقنية، والرؤى المستقبلية.

يبدأ الكتاب بمقدّمة تمهيدية Prologue تضع القارئ في سياق التوتر بين الوعد الأصلي لمبتدع الشبكة - كفضاء مفتوح، شفاف، مشترك للجميع - وبين الواقع الذي أصبح فيه جزء من الشبكة مركزياً من حيث السيطرة والربحية اللتين تخضعان بالكامل للهيئة الإمبراطورية التقنية للشركات الكبرى المعروفة.

بعد المقدّمة الضرورية التي تشرح خريطة الأفكار الكبرى في الكتاب يشرع المؤلف عبر 19 فصلاً في حكاية سيرته المتعشّقة مع الشبكة العالمية. في الفصل الأوّل المسمّى (الأيام المبكّرة) يسرد المؤلف المراحل الأولى لميلاد الأفكار التي قادت إلى تخليق الشبكة العالمية. يتحدّث عن طفولته، وانجذابه لسحر الحاسوب، وتجاربه المبكرة وارتباطها بشغفه اللامحدود لفكرة المعلومات. في الفصل الثاني يحكي المؤلف عن دوره في مختبر CERN، وكيف تطورت فكرة الشبكة العالمية هناك، والتحديات التقنية والتنظيمية التي واجهت المشروع داخل المؤسسة العالمية، ثمّ يتناول في الفصل الثالث لحظة «انطلاق» المشروع: كيف بدأ المشروع يأخذ شكله العملي، كيف بدأ الربط، الاختبارات الأولى، والانتشار البطيء في المجتمعات العلمية. ثم يمضي المؤلف في الفصول اللاحقة في تفصيل التطورات التي حصلت لفكرة الشبكة العالمية، مع شرح خبير للمعضلات التقنية والأخلاقية التي توقّع منذ البدء نشأتها مع مشروع عالمي القياس كالشبكة العالمية. ليس مِنْ تقنية أكثر تأثيراً فينا من الشبكة العالمية بسبب شيوعها على مقياس عالمي، وقدرتها على بلوغ كلّ فرد (أي بمعنى عدم اقتصارها على جماعات نخبوية)، وتأثيرها في تشكيل وصياغة التوجّهات الفردية على كلّ المستويات، ولتجاوزها محدّدات التكلفة واشتراطات الزمان والمكان والعوائق الجغرافية والعرقية.

لو شئنا الإشارة إلى أهمّ الأفكار التي أوردها السير لي في كتابه فيمكن تلخيصُها في التالي: بدأت الشبكة العالمية كمبادرة مفتوحة وتعليمية الطابع بغرض ربط العلماء معلوماتياً مع بعضهم بدلاً من المرابحة وجني الأموال كما يحصل اليوم. يشير لي في ملاحظة كاشفة أنّه عمل على تحرير هذا النظام، وجعله متاحاً خارج الأسوار الأكاديمية والبحثية حتى تعمّ الفائدة منه أكبر الأوساط الممكنة سعياً وراء المنفعة المجتمعية (الحكومات، المؤسسات الأكاديمية العالمية مثل الجامعات). لن يتغافل لي أيضاً عن التهديدات واسعة النطاق التي تواجه (روح الشبكة العالمية) بسبب التوسع التجاري، وظهور منصّات تسيطر على البيانات، وتستغلُّ المستخدِمين كمنتِجين للمحتوى، وتبيع انتباههم للإعلانات، وتستخدم تقنيات تتبّع وجمع بيانات كثيفة. يؤكّد لي أيضاً على تعاظم المركزية في الشبكة العالمية مقابل ضمور اللامركزية فيها، وأنّ كثيراً من مزايا الشبكة العالمية قد تراجعت بسبب بروز منصات مركزية (مثل فيسبوك، غوغل،...). يدعو لي إلى تعزيز مفهوم وممارسة اللامركزية في الشبكة العالمية؛ بمعنى بناء بنى لا مركزية تعيد السلطة للمستخدمين، وتخفف سطوة الإمبراطوريات التقنية الاحتكارية للشبكة؛ ولأجل تحقيق هذه الرؤية الطموحة يدعو لي - كما ذكرتُ في ملاحظة سابقة بشأن مشروعه المسمّى Solid- لتخليق مفهوم (وحدات البيانات الشخصية) لتكون بديلاً عن نماذج التحكم المركزي للشركات العملاقة. تتأسّس فكرة هذا المشروع حول أنّ كلّ مستخدم يمتلك مخزونه الخاص من البيانات التي بمستطاعه مشاركتُها مع من يختار، بدلاً من أن تكون ملكية مُحتكرة من قبل شركات ضخمة توظّفها كما تشاء. يؤكّد لي أيضاً فكرة غاية في الأهمية، وأظنّها هي الخصيصة السيكولوجية التي تعتمدها الشركات المتغوّلة لتعظيم أرباحها. يوجّه لي سهام النقد المُر لشيوع فكرة الانتباه مقابل النية Attention vs. Intention السائدة اليوم- هذا النموذج القائم على الشدّ المستمر لإثارة اهتمام المستخدم، ويقترح أنّ النمو التقني يجب أن يُوجَّه لخدمة نوايا المستخدم الحقيقية، وليس للسيطرة على انتباهه بغية حرفه عن مقاصده الأصلية نحو ما تسعى إليه الشركات لا ما يسعى هو إليه. لن يتناسى لي بالتأكيد الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته، خصوصاً أنّه قد أصبح البشير بعصر تنوير جديد بدلاً من كونه محض ثورة تقنية جديدة. يناقش لي في هذا الشأن التأثير المتزايد للتعلّم الآلي على المحتوى والتوصية والتحكم، ويحذّرُ من أنّ هذه التقنيات المقترنة بالذكاء الاصطناعي قد تُستخدَمُ لتعميق التحيزات الضارة. لا يغفل لي عن الإشارة إلى العلاقة العضوية بين التقنية والمجتمع، ويكرّرُ في غير موضع من الكتاب أنّ القرارات التقنية ليست محايدة، بل تعكس قيماً سياسية واجتماعية محدّدة، وأنّ تغييرات بسيطة في التصميم والتنفيذ للمشروعات التقنية الكبرى (على شاكلة الشبكة العالمية) قد تؤدي إلى متغيّرات كبيرة غير متوقّعة على السلوك الجمعي العام. يدعو لي للعمل الجماعي في مواجهة المعضلات الخاصة بالشبكة العالمية. لا يرى لي أنّ الحلول فردية فقط؛ بل يعتمد الأمر على تعاون الحكومات، والمؤسسات، والمجتمعات التقنية، والمستخدمين أنفسهم، كما يشدّد على أهمية المبادرات ذات النطاق العالمي، ويقدّم مبادرة مثل Contract for the Web مثالاً عملياً فاعلاً على المستوى العالمي.

*****

انتقد بعض مراجعي الكتاب في الصحف العالمية على أساس إسهابه في عرض الفكرة الأساسية (الشبكة العالمية للجميع) على نحو خطابي أشبه بالبيان الأخلاقي أكثر من كونه تحليلاً متعمقاً، كما أشاروا إلى أنّ لي معروف بكونه مهندساً ومفكراً تقنياً؛ لكنه ليس كاتباً أدبياً؛ لذا فإنّ لغته، رغم وضوحها، تميل إلى الجفاف الأكاديمي أحياناً.

يأخذ كثير من النقاد على لي مثاليته الأخلاقية لكونه يُقلّل من قوة المصالح الاقتصادية والسياسية التي تتحكم حالياً في الشبكة العالمية، ويضيفون أنّ مقترحاته - مثل مشروع Solid أو ميثاق الشبكة العالمية - تُعد جميلة كتأسيس نظري؛ لكنها تبدو صعبة التطبيق عملياً في عالم تحكمه شركات عملاقة مثل ميتا وغوغل وأمازون.

من جانبي أظنُّ أنّ الكتاب عظيم الأهمية من الوجهتين الفكرية والتاريخية حتى لو بدا فيه لي أقرب إلى (غورو) أخلاقي. ليس بالضرورة أن يقدّم الكتاب حلولاً تقنية أو يوغل في مقارباته العملية المتناغمة مع اشتراطات السياسة والتربح المالي. قيمة الكتاب تكمن في تحريك الضمير العالمي عبر إعادة طرح الأسئلة الأخلاقية حول واقع ومستقبل الشبكة العالمية من جانب (الأب) المؤسس لها الذي ارتضى العيش في شقة لندنية فقيرة، ولو شاء ربما لكان أوّل تريليونير في العالم.


مقالات ذات صلة

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

يوميات الشرق ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

بيعت نسخة نادرة من الطبعة الأولى لكتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» مقابل 302 ألف جنيه إسترليني، في مزاد أقيم بمدينة دالاس الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من...

ندى حطيط
كتب «طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».