تِمْ بيرنرزــ لي يمزج بين سيرته الذاتية وتاريخ الإنترنت

أوّلُ من ابتدع فكرة الشبكة العالمية يعيش متخفياً في شقة لندنية متواضعة

تِمْ بيرنرزــ لي يمزج بين سيرته الذاتية وتاريخ الإنترنت
TT

تِمْ بيرنرزــ لي يمزج بين سيرته الذاتية وتاريخ الإنترنت

تِمْ بيرنرزــ لي يمزج بين سيرته الذاتية وتاريخ الإنترنت

إنّها لمفارقةٌ صارخة أن يكون أباطرة التقنية الرقمية المعاصرون ملء السمع والبصر كلّ حين؛ لكنّ (الصانع الأمهر) الذي مكّنهم من أن يصيروا أباطرةً في هذا العالم يعيش مختفياً في شقة لندنية متواضعة، ولو شاء لبزّ الجميع في ثروته. إنّه السير تِمْ بيرنرز- لي Tim Berners-Lee، أوّلُ من ابتدع فكرة الشبكة العالمية World Wide Web، أو الإنترنت.

يُعرَفُ عن بيرنرز - لي في أثناء عمله أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات في مختبر سيرن للأبحاث النووية في جنيف بسويسرا أنّه اقترح فكرة ربط الوثائق عبر الإنترنت باستخدام روابط تشعبية (hyperlinks) وبروتوكولات مثل HTTP و HTML، والتي صارت لاحقاً حجر الأساس في فلسفة الربط الشبكي المعلوماتي العالمي. اعتمد السير لي منذ بواكير عمله الثوري قراراً أخلاقياً صارماً حين أتاح شفرة المشروع (الويب) للعامة مجاناً دونما احتكار أو حقوق ملكية؛ الأمر الذي ساعد في انتشار الشبكة بسرعة. أسّس لي مع جهات أخرى اتحاد الويب (World Wide Web Consortium) الذي يرمزُ له W3C، وذلك لضمان معايير موحدة ومفتوحة لشبكة العالمية. من المشاريع التي يشارك بها لي الآن، ويدعمها بقوة هو مشروع Solid الذي يهدف إلى إعادة سيطرة المُسْتخدِم على بياناته عبر تخزينها في «وحدات بيانات شخصية Data Pods» بدلاً من جعلها ملكية مشاعة للشركات المتغوّلة المهيمنة على فعاليات الشبكة العالمية والتي جعلتها وسيلة للتربّح الفاحش. على الصعيد الشخصي يعرَفُ عن لي أنّ لديه خلفية أكاديمية وعملية راسخة، وهو معروف بدعمه للمبادئ الأخلاقية في التقنية مثل حرية الإنترنت، وحقوق الخصوصية، والحياد الشبكي net neutrality (أي عدم جعل الشبكة منصّة للترويج الآيديولوجي والسياسي المشخّص أو المستهدَف).

نشر السير لي هذه السنة (2025) كتاباً جديداً يجمع بين سيرته الذاتية والفلسفة التقنية للشبكة العالمية، وأظنّه فعل حسناً؛ إذ زاوج بين سيرته والشبكة العالمية لأنْ لا انفصام بينهما، تماماً كما أنّ النظرية النسبية تعدُّ جزءاً بنيوياً من سيرة ألبرت آينشتاين. عنوان الكتاب:

هذا للجميع: القصة غير المكتملة للشبكة العالمية This is for Everyone: The Unfinished Story of the World Wide Web،

يمتدّ الكتاب على 400 صفحة، مازجاً بطريقة عضوية بارعة بين السيرة الذاتية وتاريخ الشبكة العالمية، فضلاً عن تقديمه تحليلاً للتحدّيات التي تواجه هذه الشبكة اليوم، مع اقتراحات لإصلاح أو إعادة التوازن لبلوغ شبكة أكثر إنسانية. الكتاب تركيبة كولاجية مشوّقة تجمع بين القصص الشخصية، والتفاصيل التقنية، والرؤى المستقبلية.

يبدأ الكتاب بمقدّمة تمهيدية Prologue تضع القارئ في سياق التوتر بين الوعد الأصلي لمبتدع الشبكة - كفضاء مفتوح، شفاف، مشترك للجميع - وبين الواقع الذي أصبح فيه جزء من الشبكة مركزياً من حيث السيطرة والربحية اللتين تخضعان بالكامل للهيئة الإمبراطورية التقنية للشركات الكبرى المعروفة.

بعد المقدّمة الضرورية التي تشرح خريطة الأفكار الكبرى في الكتاب يشرع المؤلف عبر 19 فصلاً في حكاية سيرته المتعشّقة مع الشبكة العالمية. في الفصل الأوّل المسمّى (الأيام المبكّرة) يسرد المؤلف المراحل الأولى لميلاد الأفكار التي قادت إلى تخليق الشبكة العالمية. يتحدّث عن طفولته، وانجذابه لسحر الحاسوب، وتجاربه المبكرة وارتباطها بشغفه اللامحدود لفكرة المعلومات. في الفصل الثاني يحكي المؤلف عن دوره في مختبر CERN، وكيف تطورت فكرة الشبكة العالمية هناك، والتحديات التقنية والتنظيمية التي واجهت المشروع داخل المؤسسة العالمية، ثمّ يتناول في الفصل الثالث لحظة «انطلاق» المشروع: كيف بدأ المشروع يأخذ شكله العملي، كيف بدأ الربط، الاختبارات الأولى، والانتشار البطيء في المجتمعات العلمية. ثم يمضي المؤلف في الفصول اللاحقة في تفصيل التطورات التي حصلت لفكرة الشبكة العالمية، مع شرح خبير للمعضلات التقنية والأخلاقية التي توقّع منذ البدء نشأتها مع مشروع عالمي القياس كالشبكة العالمية. ليس مِنْ تقنية أكثر تأثيراً فينا من الشبكة العالمية بسبب شيوعها على مقياس عالمي، وقدرتها على بلوغ كلّ فرد (أي بمعنى عدم اقتصارها على جماعات نخبوية)، وتأثيرها في تشكيل وصياغة التوجّهات الفردية على كلّ المستويات، ولتجاوزها محدّدات التكلفة واشتراطات الزمان والمكان والعوائق الجغرافية والعرقية.

لو شئنا الإشارة إلى أهمّ الأفكار التي أوردها السير لي في كتابه فيمكن تلخيصُها في التالي: بدأت الشبكة العالمية كمبادرة مفتوحة وتعليمية الطابع بغرض ربط العلماء معلوماتياً مع بعضهم بدلاً من المرابحة وجني الأموال كما يحصل اليوم. يشير لي في ملاحظة كاشفة أنّه عمل على تحرير هذا النظام، وجعله متاحاً خارج الأسوار الأكاديمية والبحثية حتى تعمّ الفائدة منه أكبر الأوساط الممكنة سعياً وراء المنفعة المجتمعية (الحكومات، المؤسسات الأكاديمية العالمية مثل الجامعات). لن يتغافل لي أيضاً عن التهديدات واسعة النطاق التي تواجه (روح الشبكة العالمية) بسبب التوسع التجاري، وظهور منصّات تسيطر على البيانات، وتستغلُّ المستخدِمين كمنتِجين للمحتوى، وتبيع انتباههم للإعلانات، وتستخدم تقنيات تتبّع وجمع بيانات كثيفة. يؤكّد لي أيضاً على تعاظم المركزية في الشبكة العالمية مقابل ضمور اللامركزية فيها، وأنّ كثيراً من مزايا الشبكة العالمية قد تراجعت بسبب بروز منصات مركزية (مثل فيسبوك، غوغل،...). يدعو لي إلى تعزيز مفهوم وممارسة اللامركزية في الشبكة العالمية؛ بمعنى بناء بنى لا مركزية تعيد السلطة للمستخدمين، وتخفف سطوة الإمبراطوريات التقنية الاحتكارية للشبكة؛ ولأجل تحقيق هذه الرؤية الطموحة يدعو لي - كما ذكرتُ في ملاحظة سابقة بشأن مشروعه المسمّى Solid- لتخليق مفهوم (وحدات البيانات الشخصية) لتكون بديلاً عن نماذج التحكم المركزي للشركات العملاقة. تتأسّس فكرة هذا المشروع حول أنّ كلّ مستخدم يمتلك مخزونه الخاص من البيانات التي بمستطاعه مشاركتُها مع من يختار، بدلاً من أن تكون ملكية مُحتكرة من قبل شركات ضخمة توظّفها كما تشاء. يؤكّد لي أيضاً فكرة غاية في الأهمية، وأظنّها هي الخصيصة السيكولوجية التي تعتمدها الشركات المتغوّلة لتعظيم أرباحها. يوجّه لي سهام النقد المُر لشيوع فكرة الانتباه مقابل النية Attention vs. Intention السائدة اليوم- هذا النموذج القائم على الشدّ المستمر لإثارة اهتمام المستخدم، ويقترح أنّ النمو التقني يجب أن يُوجَّه لخدمة نوايا المستخدم الحقيقية، وليس للسيطرة على انتباهه بغية حرفه عن مقاصده الأصلية نحو ما تسعى إليه الشركات لا ما يسعى هو إليه. لن يتناسى لي بالتأكيد الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته، خصوصاً أنّه قد أصبح البشير بعصر تنوير جديد بدلاً من كونه محض ثورة تقنية جديدة. يناقش لي في هذا الشأن التأثير المتزايد للتعلّم الآلي على المحتوى والتوصية والتحكم، ويحذّرُ من أنّ هذه التقنيات المقترنة بالذكاء الاصطناعي قد تُستخدَمُ لتعميق التحيزات الضارة. لا يغفل لي عن الإشارة إلى العلاقة العضوية بين التقنية والمجتمع، ويكرّرُ في غير موضع من الكتاب أنّ القرارات التقنية ليست محايدة، بل تعكس قيماً سياسية واجتماعية محدّدة، وأنّ تغييرات بسيطة في التصميم والتنفيذ للمشروعات التقنية الكبرى (على شاكلة الشبكة العالمية) قد تؤدي إلى متغيّرات كبيرة غير متوقّعة على السلوك الجمعي العام. يدعو لي للعمل الجماعي في مواجهة المعضلات الخاصة بالشبكة العالمية. لا يرى لي أنّ الحلول فردية فقط؛ بل يعتمد الأمر على تعاون الحكومات، والمؤسسات، والمجتمعات التقنية، والمستخدمين أنفسهم، كما يشدّد على أهمية المبادرات ذات النطاق العالمي، ويقدّم مبادرة مثل Contract for the Web مثالاً عملياً فاعلاً على المستوى العالمي.

*****

انتقد بعض مراجعي الكتاب في الصحف العالمية على أساس إسهابه في عرض الفكرة الأساسية (الشبكة العالمية للجميع) على نحو خطابي أشبه بالبيان الأخلاقي أكثر من كونه تحليلاً متعمقاً، كما أشاروا إلى أنّ لي معروف بكونه مهندساً ومفكراً تقنياً؛ لكنه ليس كاتباً أدبياً؛ لذا فإنّ لغته، رغم وضوحها، تميل إلى الجفاف الأكاديمي أحياناً.

يأخذ كثير من النقاد على لي مثاليته الأخلاقية لكونه يُقلّل من قوة المصالح الاقتصادية والسياسية التي تتحكم حالياً في الشبكة العالمية، ويضيفون أنّ مقترحاته - مثل مشروع Solid أو ميثاق الشبكة العالمية - تُعد جميلة كتأسيس نظري؛ لكنها تبدو صعبة التطبيق عملياً في عالم تحكمه شركات عملاقة مثل ميتا وغوغل وأمازون.

من جانبي أظنُّ أنّ الكتاب عظيم الأهمية من الوجهتين الفكرية والتاريخية حتى لو بدا فيه لي أقرب إلى (غورو) أخلاقي. ليس بالضرورة أن يقدّم الكتاب حلولاً تقنية أو يوغل في مقارباته العملية المتناغمة مع اشتراطات السياسة والتربح المالي. قيمة الكتاب تكمن في تحريك الضمير العالمي عبر إعادة طرح الأسئلة الأخلاقية حول واقع ومستقبل الشبكة العالمية من جانب (الأب) المؤسس لها الذي ارتضى العيش في شقة لندنية فقيرة، ولو شاء ربما لكان أوّل تريليونير في العالم.


مقالات ذات صلة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

كتب «الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

حين كتبت عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري سيرتها: «الغار والزيتون» (منتدى المعارف، بيروت، 2026) كانت تتأمل مرة أخرى في معنى الانتماء إلى اللغة.

شرف الدين ماجدولين
كتب حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

صدر عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» كتاب الباحث اللبناني وارف قميحة «حين يلتقي الفارابي بشي جينبينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

أمضى الصحافي السوري محمد أمين أكثر من ثلاثة عقود في ملاحقة الوقائع ومحاولة الإمساك بها بلغة الخبر، لكن مع تراكم أحداث الثورة السورية والغربة والزلزال، بدت...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

يصادف اليوم مرور عشرين سنة على رحيل نجيب محفوظ في الثلاثين من أغسطس (آب) 2006، ومع ذلك، ما زال تأثيره طاغياً في المشهد الروائي المصري والعربي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

بعد عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ، الذي غادر عالمنا في الثلاثين من أغسطس عام 2006، يمعن الناقد المصري الدكتور محمد بدوي النظر والتأمل في عالم أديب نوبل

عمر شهريار

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة
TT

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

حين كتبت عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري سيرتها: «الغار والزيتون» (منتدى المعارف، بيروت، 2026) كانت تتأمل مرة أخرى في معنى الانتماء إلى اللغة، بالتوازي مع شرط الترحل الملازم لحياتها، ومسالك الجدل بين مدونتين متقابلتين من المفردات، باعتباره قدراً يحتمه محيط التواصل من جهة، وأيضاً بما هو اختيار واعٍ يعتمده المتكلم زمنياً عبر محطات مساره. فتُعْمِلُ الفكر في الوجود الأول حيث يدرك الفرد العالم عبر مفردات لا يختارها، وإنما توهب له مع المولد والنشأة والتدرج في سلم الإدراك، وحين يعي محدودية اللغة الواحدة، تتنامى تدريجياً مسيرة ترويض الوعي اللغوي، والتنازل عما كان قدراً بدئياً لصالح الاختيارات الطارئة.

تؤكد الساردة في مطلع السيرة أن الطفلة التي ولدت في «دكار» بالسنغال، لأبوين لبنانيين، كانت تتحدث في البدء بالفرنسية، كباقي السنغاليين، كما أن أمها كانت تتحدث بالإضافة إلى الفرنسية، العربية والإنجليزية، ولغة المحليين «الوُلف»، أما الأب الذي رغم هواه العروبي الناصري فكان يكلمها وأختها (ناريمان) وأخوها (سعيد)، في البيت والشارع بالفرنسية، كسلاً و«استعجالاً». فتجلَّت الفرنسية بوصفها بداهة لا فكاك منها، أما العربية التي تنبهق من أسطوانات محمد عبد الوهاب ونقاشات الأبوين، فكانت أقرب لأرشيف عائلي خاص، يستعمل باقتصاد شديد، ويٌتلقى لوقعه، مفعماً بالمشاعر الغامضة، ومبهماً. بدت الفرنسية أداة طيعة في امتلاك المعنى، وصوغه، وسرعان ما شكلت القاعدة في الإدراك والمرجع في المقارنة، والمنطلق الذهني لتكوين المفردات، حتى في اللغات الأخرى. قبل أن تطل العربية فجأة، على نحو أقرب للوقائع اليومية، حين انتقلت العائلة إلى الدار البيضاء للإقامة والعمل في التجارة.

صحيح أن الطفلة التقطت عبر رحلات عابرة إلى صيدا وبيروت بعضاً من فيض الرطانات اللبنانية، غير مساكنة العربية، على نحو مسترسل، لأزيد من أربع سنوات، فلم يتيسر إلا بعد الاستقرار في الدار البيضاء، إذ اختزنت فيها أصداء مفردات اللهجة المغربية المدببة، وتشربتها، وهي تنهمر من أعطاف الأزقة، بين المنزل والمدرسة «الليسيه ميرابو Mirabeau»، حيث تجلى الكون اللغوي، وكأنما في قطعة من فرنسا: «كل شيء فرنسي: المعلمون، المنهج، وباللهجة الباريسية الصافية. نسمع أحياناً اللهجة المغربية التي يتكلمها المغاربة فيما بينهم. وهم على كل حال أقلية، إذا ما قورنوا بالفرنسيين. وعدد قليل من اليهود» (ص 20).

تتدرج وقائع السيرة وفصولها، على إيقاع التعلُّم والنضال السياسي، ثم التخرج والتعليم الجامعي العابر، ثم التأليف والكتابة للصحافة بالعربية. وكان الخيط الناظم في تطور وقائع الحياة الغنية والطريفة، للوافدة من المهجر، إلى بيروت التنوع اللغوي والثقافي والطائفي، ثم مدينة الحرب الأهلية؛ هكذا تتدرج على سلم الرغبة في الخروج من الفرنسية، بأصول تعبيرها ومفرداتها، (دون مرجعياتها ونسقها الذهني)، إلى العربية التلقائية المستوعبة لما حولها. لم تكن البطلة، التي تحكي عن وجودها عبر المفردات، مسيحية، حتى تكون فرنسيتها جزءاً من أركان انتمائها اللبناني، بل منحدرة من بيت مسلم ضم المذهبين، أب سني وأم شيعية، أصل يكرس الاعتقاد في العربية، مرجعاً في التنشئة والتعليم، وسبيلاً إلى التكوين الفكري والوجداني.

وتدريجياً تجلَّى السعي اللغوي إلى الخروج من القدر إلى الاختيار، ومن سنن النخبة إلى اللسان الاجتماعي، بما هو جزء من أبجدية التزام سياسي، رسمت ملامحه رحلة الانغمار في التنظيم اليساري الجذري: «منظمة العمل الشيوعي اللبناني»، خلاياها ولجانها ومدارجها التنظيمية، وما اتصل بتلك المدارات الحياتية والذهنية من نقاش آيديولوجي يومي، واشتباك سياسي... والتطلع إلى أخذ الكلمة أمام الجمهور باللغة المشتركة المعجونة بالعرق والجهد والأحلام، جنباً إلى جنب مع السعي إلى إثبات الذات العربية في صفوف الرفاق وفي أتون الشغب النضالي. كانت المفردات تبدو أشبه ببلورات تنحت على مهل قادمة من قعر سحيق إلى سطح متقلب، سرعان ما تتبدد فيه تحت أمواج الكلام الهادر.

وبقدر ما كان الخروج من الفرنسية مواكباً للنمو والارتقاء في التعليم والتدرج في مستويات الدراسة، من «مدرسة الفرانسيسكان»، إلى «مدرسة الراهبات الأنطونيات» ومن «ثانوية مدام عون» إلى «المدرسة الحسينية» ومن «المركز التربوي» إلى «الجامعة اللبنانية»، وهو التدرج الذي واكب النضج الفكري والسياسي، غير أنه تجلَّى أيضاً بوصفه سمة لتبديل المراتع والأوطان، والتقلب بين البلدان، ليس في اليفاعة فقط، التي تنقلت فيها الطفلة بين المدينتين الفرونكوفونيتين «دكار» و«الدار البيضاء»، وإنما أيضاً في سنوات التنقُّل بين العواصم المشرقية: بيروت والقاهرة والكويت، التي رعت مسارات التأليف والبحث والتدريس الجامعي، والكتابة للصحافة العربية.

لقد مثل التأرجح اللغوي وجهاً آخر للتنقل بين البلدان التي كان فيها اكتساب الهوية الثابتة «اللبنانية»، أساساً لرغبة تطويع العربية والتعبير بها، دون أن يلغي ذلك «الكينونة» الفرنسية الأصيلة، تقول: «أحب الفرنسية، أستمتع بأدبها وحتى بخطابات زعمائها، أناقة لغتهم وثرائها. وأستفيد كثيراً من ترجماتها.... وأنا أتنقل بين اللغتين، العربية والفرنسية. أبحث عن الكلمة الأصح والأدق... والمقصود من هذا التجول بين اللغتين إغناء عربيتي وتهذيبها، وأحياناً تخصيبها، ومع الوقت انقلبت الآية وبدل أن أبحث عن تفسير أو معنى لهذه الكلمة أو تلك من الفرنسية إلى العربية، صرت أبحث عن معنى من العربية إلى الفرنسية» (ص 196).

تثبت الساردة في كل مرة أن الوجود هبة للمفردات التي تصوغه، وتكيف أحواله، بالتوصيف والسرد، قولا وكتابة... ففي السيرة إيحاء لاعج برغبة النهوض من عطب التوصيل بلغة الأصل، بالمواجهة والمثابرة والتحدي، بعيداً عن ذهنية الأصوليات اللغوية العربية، وقريباً من اليومي المعجون بالتولع والاشتباك. إنها اللحظة التي تكون فيها العربية، ولهجاتها المترامية الأعطاف، «توأماً للحياة». وعلى النقيض مما كانه واقع الكتابة الفكرية العربية في النصف الثاني من القرن الماضي، عندما مثَّلت الكتابة بالفرنسية والإنجليزية نموذجاً للتفوق، ومدعاة للاهتمام والتبجيل بين المثقفين العرب؛ فإن سعي المؤلفة إلى تحقيق الذات عبر لغة المنشأ، المحدودة التأثير، والمحصورة الانتشار، في الجغرافيا اللغوية والمعرفية، مثَّل مظهراً سلوكياً لا يمكن فصله عن الطبيعة الشخصية لصاحبة السيرة، التي وسمها واضع مقدمتها الطاهر لبيب بـ«المتمردة» التي «لا تتردد في إظهار عدم الرضا عن الذات».

كتبت دلال البزري سيرتها بعد أن غادرت بيروت، إثر تفجير المرفأ، إلى تورنتو الكندية، بهدف الاستقرار النهائي، إلى جوار ابنتها. أنجزته لتستعيد خرائط مسار بات في عقده السابع، دون أن يتوقف عن تبديل المواطن والترحل بين المدن. خطته بعربية مكتسبة، لم تكن تمتلكها في البداية، وباتت هي مسكن وجودها. فسكبت في مفرداتها كل شفافيتها في قول الوقائع، حول الوطن الذي مزقته الحروب والصراع الطائفي، وتناسل أسباب التراجع في المحيط العربي الواسع، الذي عبرت تضاريسه الفكرية والاجتماعية. فتجلى النص الموضوع برائحة «الغار والزيتون»، لاسعاً، صريحاً، وغير مهادن. مقتصداً، كثيفاً، لا تزيُّد في كلماته. كتاب يشبه صاحبته، التي سرعان ما أعلنت، بعد نشره بأشهر قليلة، على صفحتها في «فيسبوك»، عن إصابتها بالسرطان، فمَثُل ككشف حساب، تخفَّفت فيه من وطأة السنين على الجسد واللسان.

* كاتب مغربي


حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة
TT

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

صدر عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» كتاب الباحث اللبناني وارف قميحة «حين يلتقي الفارابي بشي جينبينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد»، في تجربة فكرية تنتقل إلى مساحة مختلفة من مشروعه البحثي في الشأن الصيني، وتفتح حواراً حضارياً بين فلسفة المدينة الفاضلة لدى أبي نصر الفارابي ورؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ للحوكمة والتنمية وبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية.

يقوم الكتاب على لقاء فكري بين عالمين تفصل بينهما أكثر من ألف سنة، وينطلق من سؤال محوري: كيف يمكن لفلسفة صاغها الفارابي قبل أكثر من ألف عام أن تتحاور مع مشروع الحوكمة الحديث في الصين المعاصرة؟ ويحاول المؤلف الإجابة عن هذا السؤال من خلال قراءة تحليلية لمفاهيم الإنسان وغاية الدولة، والقيادة المسؤولة، والأخلاق في الحكم، والعدالة الاجتماعية، والتنمية، والتعاون والانسجام المجتمعي.

ولا يفترض الكتاب وجود تأثير مباشر أو اقتباس فكري بين الفارابي وشي جينبينغ، ولا يسعى إلى إقامة تطابق بين فلسفة نشأت في سياق تاريخي قديم وتجربة سياسية معاصرة، بل يقرأ المسافة الزمنية والحضارية بينهما بحثاً عن القيم والأسئلة الإنسانية التي يمكن أن تتقاطع رغم اختلاف الأزمنة والبيئات. فالفارابي رأى أن غاية السياسة تتجاوز إدارة الحكم إلى تحقيق سعادة الإنسان وبناء مجتمع تسوده الفضيلة والعدالة والتعاون، بينما يتناول الكتاب رؤية شي جينبينغ بوصفها مشروعاً معاصراً للحوكمة والسياسات العامة يضع خدمة الشعب والتنمية والنزاهة والانضباط في صميم بناء الدولة.

ويتوقف قميحة عند عدد من نقاط اللقاء والاختلاف، من مكانة الإنسان في الدولة وصفات القائد ودوره الأخلاقي والمعرفي، إلى العلاقة بين القانون والأخلاق والانسجام الاجتماعي والتنمية الموجهة نحو تحسين حياة الإنسان. كما ينتقل من حدود الدولة إلى المجال الدولي، مقارباً بين فكرة الاجتماع الإنساني الهادف إلى تحقيق السعادة عند الفارابي ورؤية بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية التي طرحها شي جينبينغ.

ويقول قميحة في كلمة المؤلف إن الكتاب لم يولد من رغبة في إجراء مقارنة سريعة بين اسمين تفصل بينهما قرون طويلة، ولا من محاولة للجمع بصورة مصطنعة بين الفلسفة والسياسة، وإنما من سؤال حول قدرة القيم الإنسانية التي صاغها الفكر الفلسفي في مراحل سابقة من التاريخ على المساهمة في قراءة قضايا الحاضر. ويشدد على أن العمل لا يسعى إلى تقديم تجربة سياسية بوصفها نموذجاً جاهزاً، بل إلى الفهم والتحليل وفتح مساحة للحوار بين التراث والواقع المعاصر.

كتب تقديم الكتاب الدكتور شوي تشينغ قوه، المعروف عربياً باسم بسّام، أستاذ كلية الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، ونائب رئيس جمعية دراسات الشرق الأوسط في الصين، وعضو اتحاد كتّاب الصين.

ووصف شوي الكتاب بأنه إنجاز فكري وإضافة جديدة إلى المكتبة العربية وإلى مسار الحوار الثقافي والفكري بين الصين والعالم العربي، مشيراً إلى أن التأمل في تصوّري الفارابي وشي جينبينغ للحوكمة والسياسة يكشف عن تقاطعات فكرية عميقة تتصل بالأخلاق والعدالة وخدمة الإنسان والقيادة والمسؤولية الاجتماعية.

وأوضح أن الفارابي ينطلق، في كتابه «آراء أهل المدينة الفاضلة»، من تصور يرى أن السياسة ليست مجرد تدبير لشؤون الحكم، بل علم غايته إسعاد الإنسان، وأن الدولة العادلة تقوم على الانسجام بين الفضيلة الفردية والنظام الجماعي. فالحاكم، وفق تصوره، لا يُقاس بقوة سلطته، بل بقدرته على توجيه المجتمع نحو الكمال الأخلاقي والعقلي.

وفي المقابل، يرى الدكتور شوي أن رؤية شي جينبينغ، التي تبلورت في مؤلفاته وخطاباته حول الحكم وإدارة الدولة، تؤكد أن الحوكمة الرشيدة لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية والنزاهة وخدمة الشعب، وأن مفهوم «الحوكمة من أجل الشعب» يشكل أساساً مهماً في ممارسة المسؤولية العامة.

ويتوقف التقديم عند صورة «الرئيس الفاضل» لدى الفارابي، الذي يجمع بين الحكمة والمعرفة والقدرة على القيادة ويكون قدوة أخلاقية قبل أن يكون صاحب سلطة، ويقارب ذلك مع نموذج القائد المسؤول في الدولة الصينية الحديثة، حيث يشدد شي جينبينغ على مسؤولية المسؤول تجاه الشعب، وعلى ضرورة مكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين باعتبار ذلك شرطاً لاستقرار الدولة واستمرارها.

ويرى الدكتور شوي عدم وجود أدلة على أن شي جينبينغ اطّلع على كتابات الفارابي أو تأثر بها، موضحاً أن التقاطعات التي يتناولها الكتاب لا تقوم على فرضية الاقتباس أو التأثير المباشر. فالرؤية السياسية والأخلاقية لدى شي جينبينغ تستند أساساً إلى التراث الحضاري الصيني، حيث يظهر الأثر الكونفوشيوسي في التركيز على الحكم بالأخلاق ونزاهة المسؤول، وتحضر فكرة مركزية الشعب المتجذرة في الفكر الكونفوشيوسي، ولا سيما لدى منشيوس، إلى جانب التشديد على سيادة القانون والانضباط المؤسسي والجمع بين القانون والأخلاق.

ويرى الدكتور شوي أن حوكمة شي جينبينغ تمثل نموذجاً معاصراً لدمج التراث الفلسفي الصيني في مشروع سياسي حديث يعكس استمرارية حضارية أكثر مما يمثل قطيعة مع الماضي. وإذا كان الفارابي من أبرز ممثلي التراث العربي الإسلامي في الفكر السياسي، فإن شي جينبينغ يمثل وريثاً للتراث الصيني المتعلق بالسياسة والحكم، مع اختلاف جوهري يتمثل في أن شي قائد لدولة كبرى، مما يتيح له تحويل التصورات إلى سياسات وممارسات ملموسة.


رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»
TT

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

أمضى الصحافي السوري محمد أمين أكثر من ثلاثة عقود في ملاحقة الوقائع ومحاولة الإمساك بها بلغة الخبر، لكن مع تراكم أحداث الثورة السورية والغربة والزلزال، بدت الصحافة أضيق من أن تتسع لما خلّفته التجربة في الداخل الإنساني؛ الأمر الذي دفعه إلى الانتقال إلى الرواية. وفي باكور إنتاجه «كأن الريح تحتي»، يكتب أمين ما لا تستطيع التقارير قوله عن الخوف والفقد والاقتلاع، وعن إنسان فقد ثبات الأرض كما فقد استقرار المكان.

صدرت الرواية عام 2026 عن «دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع» بدمشق، واتخذت من زلزال فبراير (شباط) 2023 الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا لحظة مفصلية، تتكشف عندها حيوات شخصيات مثقلة أصلاً بالخوف والغربة، وفي مقدمتها محمود الغريب وندى الشوّا.

عنوان الرواية ليس تسمية عابرة، فهو يستدعي قول المتنبي:

على قلق كأن الريح تحتي

أوجهها جنوباً أو شمالاً

لكن القلق ينتقل هنا من حركة الشاعر وترحاله إلى حالة وجودية يعيشها السوري الذي لم تعد الأرض تحته مستقرة، لا بالمعنى الجغرافي ولا النفسي، حيث يحيل العنوان إلى تيه السوري بعد أن خلخلت سنوات الحرب والانتماء معنى المكان، ثم جاء الزلزال ليضاعف فقدان اليقين. كما تكشف التجربة عن انتقال أمين من لغة الصحافة إلى فضاء أرحب، من دون أن يتخلص كلياً من أثر المهنة، فحضر الأسلوب الصحافي في تقديم بعض الشخصيات والتفاصيل، بما يمنح السرد ملمحاً توثيقياً وواقعية قريبة من الحياة.

قوة الرواية الأساسية تقوم على جدلية زلزالين: زلزال طبيعي يهدم الجدران في فبراير 2023، وزلزال سياسي واجتماعي سبق ذلك بسنوات وأعاد تشكيل حياة السوريين ومصائرهم، فالحدث الطبيعي انتقل من كونه مجرد خلفية درامية، إلى لحظة فارقة تكشف عما تراكم في الشخصيات من خوف واغتراب وخيبات، فالزلزال، كما تقدمه الرواية، يحرّك الأرض ويوقظ الذاكرة.

ومن خلال هذا التداخل بين الحاضر وذاكرة الثورة، يتحول المكان في جنوب تركيا من ملاذ بعد النزوح إلى فضاء مهدد بدوره؛ وكأن الشخصية السورية تكتشف أن النجاة من مكان لا تعني الوصول إلى مكان آمن، وهي مفارقة تضع الرواية ضمن سرديات الكارثة واللجوء، لكن خصوصيتها تأتي من جعل الكارثة الطبيعية مرآة لكارثة إنسانية سبقتها.

في تصريح لـ«وكالة الأنباء السورية» (سانا)، أوضح محمد أمين أن الرواية تمثل تجربته الأولى في عالم السرد بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل الصحافي، وأنه كتبها على مدى عام في أربيل عقب انتقاله إليها بعد أيام من الزلزال. وقال: «كان لدي الكثير مما ولّد الزلزال وسنوات الغربة وفقدان الأمل في نفسي، فلم أجد إلا الرواية مجالاً أدبياً يسمح لي بأن أعبّر عن مكنوناتي الداخلية». وأشار إلى أن عدداً من شخصيات العمل يستند إلى تجارب إنسانية حقيقية عاش أصحابها تفاصيل الثورة واللجوء والزلزال، موضحاً أن الرواية تقوم على فكرة «الزلزالين»: زلزال الثورة وما أحدثه من تحولات إيجابية في الوطن، وزلزال الأرض وما خلّفه من أثر مباشر في الفرد. ويرى أمين أن إنقاذ بطلة الرواية من تحت الركام يحمل دلالة رمزية تتجاوز الحدث المباشر، ليحيل إلى إمكانية إنقاذ وطن كامل من آثار سنوات طويلة من الألم، مؤكداً أن الرواية، على الرغم من ثقل موضوعاتها، تبحث عن نور في نهاية النفق وعن قدرة الإنسان على النهوض.

وفي قلب الرواية يقف محمود الغريب وندى الشوّا، شخصيتان تحملان الخوف والحب والتردد والخيبة، وتمنحهما هذه الهشاشة بعداً إنسانياً يتجاوز تقسيم الشخصيات إلى منتصرين ومنكسرين.

على الرغم من ثقل الموت والغربة والخسارة، لا تنتهي الرواية عند الخراب، فنجاة إحدى شخصياتها من تحت الركام تفتح باباً رمزياً على إمكان النهوض، وتجعل الأمل فعلاً مضاداً للفقد لا خاتمة له.

وهكذا، تتحرك «كأن الريح تحتي» بين توثيق ذاكرة السوري وتخييلها، وبين صرامة الصحافي وحساسية الروائي، لتطرح سؤالاً أبعد من الزلزال ذاته: ماذا يبقى للإنسان حين تهتز الأرض التي يقف عليها والوطن الذي ينتمي إليه معاً؟ وربما تكمن إجابة الرواية في أن النجاة لا تعني الخروج من تحت الركام فحسب، بل القدرة على استعادة معنى الحياة بعده.