تِمْ بيرنرزــ لي يمزج بين سيرته الذاتية وتاريخ الإنترنت

أوّلُ من ابتدع فكرة الشبكة العالمية يعيش متخفياً في شقة لندنية متواضعة

تِمْ بيرنرزــ لي يمزج بين سيرته الذاتية وتاريخ الإنترنت
TT

تِمْ بيرنرزــ لي يمزج بين سيرته الذاتية وتاريخ الإنترنت

تِمْ بيرنرزــ لي يمزج بين سيرته الذاتية وتاريخ الإنترنت

إنّها لمفارقةٌ صارخة أن يكون أباطرة التقنية الرقمية المعاصرون ملء السمع والبصر كلّ حين؛ لكنّ (الصانع الأمهر) الذي مكّنهم من أن يصيروا أباطرةً في هذا العالم يعيش مختفياً في شقة لندنية متواضعة، ولو شاء لبزّ الجميع في ثروته. إنّه السير تِمْ بيرنرز- لي Tim Berners-Lee، أوّلُ من ابتدع فكرة الشبكة العالمية World Wide Web، أو الإنترنت.

يُعرَفُ عن بيرنرز - لي في أثناء عمله أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات في مختبر سيرن للأبحاث النووية في جنيف بسويسرا أنّه اقترح فكرة ربط الوثائق عبر الإنترنت باستخدام روابط تشعبية (hyperlinks) وبروتوكولات مثل HTTP و HTML، والتي صارت لاحقاً حجر الأساس في فلسفة الربط الشبكي المعلوماتي العالمي. اعتمد السير لي منذ بواكير عمله الثوري قراراً أخلاقياً صارماً حين أتاح شفرة المشروع (الويب) للعامة مجاناً دونما احتكار أو حقوق ملكية؛ الأمر الذي ساعد في انتشار الشبكة بسرعة. أسّس لي مع جهات أخرى اتحاد الويب (World Wide Web Consortium) الذي يرمزُ له W3C، وذلك لضمان معايير موحدة ومفتوحة لشبكة العالمية. من المشاريع التي يشارك بها لي الآن، ويدعمها بقوة هو مشروع Solid الذي يهدف إلى إعادة سيطرة المُسْتخدِم على بياناته عبر تخزينها في «وحدات بيانات شخصية Data Pods» بدلاً من جعلها ملكية مشاعة للشركات المتغوّلة المهيمنة على فعاليات الشبكة العالمية والتي جعلتها وسيلة للتربّح الفاحش. على الصعيد الشخصي يعرَفُ عن لي أنّ لديه خلفية أكاديمية وعملية راسخة، وهو معروف بدعمه للمبادئ الأخلاقية في التقنية مثل حرية الإنترنت، وحقوق الخصوصية، والحياد الشبكي net neutrality (أي عدم جعل الشبكة منصّة للترويج الآيديولوجي والسياسي المشخّص أو المستهدَف).

نشر السير لي هذه السنة (2025) كتاباً جديداً يجمع بين سيرته الذاتية والفلسفة التقنية للشبكة العالمية، وأظنّه فعل حسناً؛ إذ زاوج بين سيرته والشبكة العالمية لأنْ لا انفصام بينهما، تماماً كما أنّ النظرية النسبية تعدُّ جزءاً بنيوياً من سيرة ألبرت آينشتاين. عنوان الكتاب:

هذا للجميع: القصة غير المكتملة للشبكة العالمية This is for Everyone: The Unfinished Story of the World Wide Web،

يمتدّ الكتاب على 400 صفحة، مازجاً بطريقة عضوية بارعة بين السيرة الذاتية وتاريخ الشبكة العالمية، فضلاً عن تقديمه تحليلاً للتحدّيات التي تواجه هذه الشبكة اليوم، مع اقتراحات لإصلاح أو إعادة التوازن لبلوغ شبكة أكثر إنسانية. الكتاب تركيبة كولاجية مشوّقة تجمع بين القصص الشخصية، والتفاصيل التقنية، والرؤى المستقبلية.

يبدأ الكتاب بمقدّمة تمهيدية Prologue تضع القارئ في سياق التوتر بين الوعد الأصلي لمبتدع الشبكة - كفضاء مفتوح، شفاف، مشترك للجميع - وبين الواقع الذي أصبح فيه جزء من الشبكة مركزياً من حيث السيطرة والربحية اللتين تخضعان بالكامل للهيئة الإمبراطورية التقنية للشركات الكبرى المعروفة.

بعد المقدّمة الضرورية التي تشرح خريطة الأفكار الكبرى في الكتاب يشرع المؤلف عبر 19 فصلاً في حكاية سيرته المتعشّقة مع الشبكة العالمية. في الفصل الأوّل المسمّى (الأيام المبكّرة) يسرد المؤلف المراحل الأولى لميلاد الأفكار التي قادت إلى تخليق الشبكة العالمية. يتحدّث عن طفولته، وانجذابه لسحر الحاسوب، وتجاربه المبكرة وارتباطها بشغفه اللامحدود لفكرة المعلومات. في الفصل الثاني يحكي المؤلف عن دوره في مختبر CERN، وكيف تطورت فكرة الشبكة العالمية هناك، والتحديات التقنية والتنظيمية التي واجهت المشروع داخل المؤسسة العالمية، ثمّ يتناول في الفصل الثالث لحظة «انطلاق» المشروع: كيف بدأ المشروع يأخذ شكله العملي، كيف بدأ الربط، الاختبارات الأولى، والانتشار البطيء في المجتمعات العلمية. ثم يمضي المؤلف في الفصول اللاحقة في تفصيل التطورات التي حصلت لفكرة الشبكة العالمية، مع شرح خبير للمعضلات التقنية والأخلاقية التي توقّع منذ البدء نشأتها مع مشروع عالمي القياس كالشبكة العالمية. ليس مِنْ تقنية أكثر تأثيراً فينا من الشبكة العالمية بسبب شيوعها على مقياس عالمي، وقدرتها على بلوغ كلّ فرد (أي بمعنى عدم اقتصارها على جماعات نخبوية)، وتأثيرها في تشكيل وصياغة التوجّهات الفردية على كلّ المستويات، ولتجاوزها محدّدات التكلفة واشتراطات الزمان والمكان والعوائق الجغرافية والعرقية.

لو شئنا الإشارة إلى أهمّ الأفكار التي أوردها السير لي في كتابه فيمكن تلخيصُها في التالي: بدأت الشبكة العالمية كمبادرة مفتوحة وتعليمية الطابع بغرض ربط العلماء معلوماتياً مع بعضهم بدلاً من المرابحة وجني الأموال كما يحصل اليوم. يشير لي في ملاحظة كاشفة أنّه عمل على تحرير هذا النظام، وجعله متاحاً خارج الأسوار الأكاديمية والبحثية حتى تعمّ الفائدة منه أكبر الأوساط الممكنة سعياً وراء المنفعة المجتمعية (الحكومات، المؤسسات الأكاديمية العالمية مثل الجامعات). لن يتغافل لي أيضاً عن التهديدات واسعة النطاق التي تواجه (روح الشبكة العالمية) بسبب التوسع التجاري، وظهور منصّات تسيطر على البيانات، وتستغلُّ المستخدِمين كمنتِجين للمحتوى، وتبيع انتباههم للإعلانات، وتستخدم تقنيات تتبّع وجمع بيانات كثيفة. يؤكّد لي أيضاً على تعاظم المركزية في الشبكة العالمية مقابل ضمور اللامركزية فيها، وأنّ كثيراً من مزايا الشبكة العالمية قد تراجعت بسبب بروز منصات مركزية (مثل فيسبوك، غوغل،...). يدعو لي إلى تعزيز مفهوم وممارسة اللامركزية في الشبكة العالمية؛ بمعنى بناء بنى لا مركزية تعيد السلطة للمستخدمين، وتخفف سطوة الإمبراطوريات التقنية الاحتكارية للشبكة؛ ولأجل تحقيق هذه الرؤية الطموحة يدعو لي - كما ذكرتُ في ملاحظة سابقة بشأن مشروعه المسمّى Solid- لتخليق مفهوم (وحدات البيانات الشخصية) لتكون بديلاً عن نماذج التحكم المركزي للشركات العملاقة. تتأسّس فكرة هذا المشروع حول أنّ كلّ مستخدم يمتلك مخزونه الخاص من البيانات التي بمستطاعه مشاركتُها مع من يختار، بدلاً من أن تكون ملكية مُحتكرة من قبل شركات ضخمة توظّفها كما تشاء. يؤكّد لي أيضاً فكرة غاية في الأهمية، وأظنّها هي الخصيصة السيكولوجية التي تعتمدها الشركات المتغوّلة لتعظيم أرباحها. يوجّه لي سهام النقد المُر لشيوع فكرة الانتباه مقابل النية Attention vs. Intention السائدة اليوم- هذا النموذج القائم على الشدّ المستمر لإثارة اهتمام المستخدم، ويقترح أنّ النمو التقني يجب أن يُوجَّه لخدمة نوايا المستخدم الحقيقية، وليس للسيطرة على انتباهه بغية حرفه عن مقاصده الأصلية نحو ما تسعى إليه الشركات لا ما يسعى هو إليه. لن يتناسى لي بالتأكيد الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته، خصوصاً أنّه قد أصبح البشير بعصر تنوير جديد بدلاً من كونه محض ثورة تقنية جديدة. يناقش لي في هذا الشأن التأثير المتزايد للتعلّم الآلي على المحتوى والتوصية والتحكم، ويحذّرُ من أنّ هذه التقنيات المقترنة بالذكاء الاصطناعي قد تُستخدَمُ لتعميق التحيزات الضارة. لا يغفل لي عن الإشارة إلى العلاقة العضوية بين التقنية والمجتمع، ويكرّرُ في غير موضع من الكتاب أنّ القرارات التقنية ليست محايدة، بل تعكس قيماً سياسية واجتماعية محدّدة، وأنّ تغييرات بسيطة في التصميم والتنفيذ للمشروعات التقنية الكبرى (على شاكلة الشبكة العالمية) قد تؤدي إلى متغيّرات كبيرة غير متوقّعة على السلوك الجمعي العام. يدعو لي للعمل الجماعي في مواجهة المعضلات الخاصة بالشبكة العالمية. لا يرى لي أنّ الحلول فردية فقط؛ بل يعتمد الأمر على تعاون الحكومات، والمؤسسات، والمجتمعات التقنية، والمستخدمين أنفسهم، كما يشدّد على أهمية المبادرات ذات النطاق العالمي، ويقدّم مبادرة مثل Contract for the Web مثالاً عملياً فاعلاً على المستوى العالمي.

*****

انتقد بعض مراجعي الكتاب في الصحف العالمية على أساس إسهابه في عرض الفكرة الأساسية (الشبكة العالمية للجميع) على نحو خطابي أشبه بالبيان الأخلاقي أكثر من كونه تحليلاً متعمقاً، كما أشاروا إلى أنّ لي معروف بكونه مهندساً ومفكراً تقنياً؛ لكنه ليس كاتباً أدبياً؛ لذا فإنّ لغته، رغم وضوحها، تميل إلى الجفاف الأكاديمي أحياناً.

يأخذ كثير من النقاد على لي مثاليته الأخلاقية لكونه يُقلّل من قوة المصالح الاقتصادية والسياسية التي تتحكم حالياً في الشبكة العالمية، ويضيفون أنّ مقترحاته - مثل مشروع Solid أو ميثاق الشبكة العالمية - تُعد جميلة كتأسيس نظري؛ لكنها تبدو صعبة التطبيق عملياً في عالم تحكمه شركات عملاقة مثل ميتا وغوغل وأمازون.

من جانبي أظنُّ أنّ الكتاب عظيم الأهمية من الوجهتين الفكرية والتاريخية حتى لو بدا فيه لي أقرب إلى (غورو) أخلاقي. ليس بالضرورة أن يقدّم الكتاب حلولاً تقنية أو يوغل في مقارباته العملية المتناغمة مع اشتراطات السياسة والتربح المالي. قيمة الكتاب تكمن في تحريك الضمير العالمي عبر إعادة طرح الأسئلة الأخلاقية حول واقع ومستقبل الشبكة العالمية من جانب (الأب) المؤسس لها الذي ارتضى العيش في شقة لندنية فقيرة، ولو شاء ربما لكان أوّل تريليونير في العالم.


مقالات ذات صلة

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».