قصص قصيرة تتأمل في الذات... والعالم

أحمد الخميسي في مجموعته «حفيف صندل»

قصص قصيرة  تتأمل في الذات... والعالم
TT

قصص قصيرة تتأمل في الذات... والعالم

قصص قصيرة  تتأمل في الذات... والعالم

يقبض الكاتب المصري أحمد الخميسي، في مجموعته القصصية «حفيف صندل» على لحظات رهيفة وفارقة في حياة شخوصه، مشحونة بطاقات من التأمل؛ تأمل الذات والعالم، الشخصي والموضوعي، إذ يتجاور السياسي والعاطفي، ويئن الحب تحت وطأة واقعٍ قاسٍ، وتبرز قدرة واضحة للمؤلف على الإمساك بلحظات التوتر التي تبدو عابرة، لكنها مفصلية؛ فشخوص قصصه مأزومون بقضاياهم وهمومهم الذاتية، لكنها في النهاية مشروطة بهموم جمعية أكبر منهم، ملتبسة بشروط سياسية وثقافية واجتماعية ضاغطة، فتبدو الأزمات الشخصية العابرة نتاج أزمات أكبر مرتبطة بالواقع السياسي والاجتماعي وارتباكاته.

تتكون المجموعة الصادرة عن دار «كيان» للنشر في القاهرة، من 29 قصة قصيرة، متراوحة في الطول، ومتنوعة الموضوعات والعوالم، لكن ما يغلب على قصصها أن البطل دائماً رجل في مرحلة الشيخوخة، يعاني الوحدة، ويصاحب ذكرياته، ويستعيد أحلام طفولته وشبابه، وما آل إليه، وأحياناً يجلس في انتظار ما لا يجيء، مثلما ينتظر تواصلاً من حبيبة قديمة في قصة «ربما». لكنه في الأحوال متصالح مع وحدته وشيخوخته، يعيد تأمل ما حوله، حتى إنه يتأمل وحدته ذاتها، ليفهمها ويتصالح معها، كما في قصة «نافذة»، فالراوي يبدو مشغولاً بتأمل شيخوخته ووحدته: «أجلس وحدي إلى المنضدة. لا يكسر الصمت سوى رنين المعلقة بين جنبات القدح الزجاجي. أتطلع إلى الفراغ، أتسمَّع صوت الذكريات. لم تعد لديَّ أحلام، وحدها الذكريات (...) في العصر أقعد أمام التليفزيون، أتلفَّت من وقت إلى آخر إلى هاتفي، لا أحد يتصل. لا أحد يدق جرس الباب».

في خضمّ هذه الوحدة، التي يتآلف معها، لا يبقى أمامه سوى النافذة، ليطل منها على العالم، ويتواصل معه، حتى لو كان هذا التواصل هو مجرد الإصغاء إلى عراك تلاميذ المدرسة القريبة نهاراً، ونباح الكلاب ليلاً. في كثير من قصص المجموعة، يتأمل الخميسي -الحاصل على جائزة ساويرس لكبار الكتاب في فئة القصة القصيرة مرتين- ما يكتنف العالم من مفارقات، بعضها يبدو مسكوناً بأبعاد طبقية وسياسية، مثلما نرى في قصة «رأسان»، إذ يلتقط السارد مفارقة اقتراب رأسَي إنسانين أحدهما من الآخر: «اثنان لا يعرف أحدهما الآخر، لم ير أحدهما الآخر من قبل، جمعتهما لحظة عابرة، وهبّة هواء من النيل»، أحدهما نزيل الفندق الذي يركب سيارته، برأس مرفوع، ويخامره «شعور خفيف عذب كالنسمة أنه إنسان ذو شأن»، والآخر عامل بالفندق، مهمته أن يفتح باب السيارة مطأطئاً رأسه احتراماً للنزيل، وجزء من وظيفته أن «يظل مدة في هذه الوضعية احتراماً وخضوعاً»، كي يَهَبَ «نزلاء الفندق ذلك الشعور اللطيف بأنهم أصحاب رفعة ومقام، لا يليق أن يفتحوا الأبواب بأنفسهم». هكذا تبدو عين الكاتب الخبيرة قادرة على التقاط ما في اللحظات العابرة من مفارقات بنيوية، مشحونة بكثير من الدلالات، وتعرِّي ما يكتنف العالم من زيف ومظهرية.

هذه الأبعاد الاجتماعية تبدو واضحة من القصة الأولى، التي تحمل المجموعة عنوانها، إذ يسأل الراوي واحداً ممن يمسحون زجاج السيارات، عن مكان المواصلات، ويلمح في وجهه أمارات الفقر والبؤس، ويرتدي أثمالاً بالية وصندلاً (حذاء) ممزقاً يحتكّ بالأرض مُصدراً حفيفاً، يعطيه ورقة نقدية فيتبعه ماسح السيارات ككلب وفيّ، يشرح له مكان المواصلات، وكلما أعطاه الراوي أموالاً أخرى ليصرفه، يتبعه أكثر ويُمعن في الشرح ليأخذ المزيد، حتى وصل الراوي إلى المكان الذي يريده، وقتها فقط يعود ماسح السيارات ويتركه، ويتابعه الراوي ببصره حتى يختفي عن نظره، ويُنهي الراوي القصة بقوله: «فلم يبق سوى صندل، وحفيف قلب يحتكّ بالأرض»، هكذا لم يعد الصندل هو الذي يحتكّ بالأرض، بل القلب الذي انفطر، ولا نعرف هل هو قلب الراوي المتعاطف مع فقر الرجل، أم ماسح السيارات الذي ينتعل قلبه بدلاً من الحذاء، وكلاهما ممزق من فرط الاحتكاك بأسفلت الشوارع.

إلى جانب ذلك، يبرز في المجموعة -التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الملتقى للقصة القصيرة التي تقدمها الجامعة الأمريكية بالكويت- حضور قوي للنقد السياسي، أحياناً بصورة ساخرة كما في قصة «بطة»، أو بصورة عبثية كما في قصة «أفندم» التي تحكي قصة سجين سياسي، وهو عامل بسيط في الأساس، كل ما يهمه أن يعرف سبب سجنه، حتى يقوله للناس عندما يسألون عنه عقب خروجه من السجن الطويل. وحيناً بصورة مفعمة بالشجن كما في قصة «حقول الموت»، التي تروي قصة رجل فلسطيني تحت القصف الدائم، ويخشى أن تصيب إحدى الغارات بيته ويموت هو وزوجته وأبناؤه، فيفكر أن يتبادل الأبناء مع شقيقه الذي يعيش في بيت آخر، بأن يرسل ابنته لتعيش عند شقيقه، وأن يأتي ابن شقيقه ليعيش معه، حتى إذا تهدم بيته يظل أحد من نسله في الحياة، وإذا تهدم بيت شقيقه، يظل أحد من نسل هذا الشقيق، في محاولة لابتكار حيل دفاعية لمواجهة الموت الجماعي. إنها شعرية المقاومة والتحايل على واقع قاسٍ، وتلتقط القصة لحظة وقوف الراوي ممسكاً بيد طفلته تحت بيت أخيه، وهو غير قادر على الصعود لتركها، إذ نرى أزمته الوجودية، وتمزقه بين خيارين كلاهما صعب على نفسه.

في قصة «هاربان» تتجلى الهموم السياسية، أيضاً، لكن بمعالجة غرائبية، حافلة بالفانتازيا، فالسرد هنا يفارق الواقع ويحتمي بالخيال المسكون بقسوة الواقع السياسي، ممثلاً في الرقابة الشديدة على الكاتب والكتابة، وهي واحدة من أجمل قصص المجموعة، وتدور حول شخصين، لكنهما ليسا شخصين حقيقيين، بل مجرد شخصيتين ورقيتين تعيشان داخل قصة، ويخشيان سطوة الرقابة التي تتبع المؤلفين والأدباء وكتاباتهم، فتقرر الشخصيتان الهرب من القصة قبل أن تقبض عليهما الرقابة، وقبل إيداعهما السجن، فتهبطان من القصة عبر السطور، وتقفزان من آخر سطر إلى فضاء الشوارع لتذوبا بين الناس، بعد محو كل ما يخصهما من النص القصصي، تمحوان اسميهما وأوصافهما وجملهما الحوارية ووجهات نظرهما، حتى لا تجد السلطات ما يدل عليهما، ولا يمكنها تتبعهما أو إلقاء القبض عليهما. رغم غرائبية القصة، وبنائها الفانتازي الواضح، فإن إحالتها إلى الواقع الفعلي تبدو باذخة. وقد عمد الخميسي إلى عدم تحديد مكان أو زمان لهذه القصة، حتى تبدو صالحة للدلالة على أي واقع استبدادي في أي زمان ومكان.

وعلى نهج نجيب محفوظ في استلهام روايته الشهيرة «اللص والكلاب» من حادثة حقيقية، يسير الخميسي -الذي قدمه يوسف إدريس كاتباً للقصة للمرة الأولى عام 1968- في استلهام قصة «لحظة حب» من حادثة شغلت الرأي العام في القاهرة لفترة، رغم بساطة الحادثة وسذاجتها، إذ صوّر أحدهم فيديو قصيراً لمراهقَين على أحد الكباري، وقد اختلسا قُبلةً عابرةً، لينتشر الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، وتُدمَّر حياة الولد والبنت، لمجرد قُبلة عابرة، في مجتمع يكره الإعلان عن الحب. وفي قصة أخرى يكشف الكاتب عن تململ المجتمع من أي علاقة حب، حتى لو كانت في إطار شرعي وقانوني، كما يحدث في قصة «مشوار»، حين يتحرش سائق ميكروباص لفظياً بشاب وخطيبته، لمجرد أنه يمسك يدها، معتبراً أنهما يجلبان «النجاسة» لسيارته.

تبدو قصص المجموعة كلها كاشفة عن تشوق الراوي، أو مجموعة الرواة، في مرحلة الشيخوخة، وبعد تجارب ممتدة على مدار العمر، إلى العدل والحب والحرية، بوصفها قيماً كبرى قادرة على إصلاح العالم، وانحياز الكاتب إلى هذه الأنساق القيمية في مواجهة كل ما يتهددها من قيم مضادة، متمسكاً بجماليات السرد وفنيته بوصفه خطاباً فنياً بالأساس، وفكرياً يتوق إلى الحب والتحرر والعدالة.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.