العيشُ مع العمالقة

سيرة ومذكّرات لعقليْن استثنائييْن

ستيفن واينبرغ
ستيفن واينبرغ
TT

العيشُ مع العمالقة

ستيفن واينبرغ
ستيفن واينبرغ

كان إسحاق نيوتن بارعاً ودقيقاً عندما وظّف بطريقة استعارية مثيرة عبارة كتبها مفكّرٌ قبله بأربعة قرون. كتب نيوتن في إحدى رسائله: «إذا كنتُ رأيتُ أبعد مما يراه آخرون، فذلك لأنّني وقفتُ على أكتاف عمالقة». وقف كثيرون من سليلي العائلة النيوتنية على أكتاف نيوتن بالطبع، ورأوا أبعد مما رآه؛ لكنّ بينهم من لم يكتفِ بالوقوف على أكتاف العمالقة؛ بل كان هو ذاته عملاقاً فيزيائياً بثقافة موسوعية ومعرفة استثنائية. مثلُ هؤلاء عاشوا صحبة العمالقة، وثمّة شواهد تؤكّدُ هذه الصحبة. أظنُّ أنّ باكورة عام 2025 جاءت مبشّرة لي بقراءات مدهشة؛ إذ أتيح لي كتابان يمثلان سيرتين ملهمتين لاثنين من سليلي العائلة النيوتنية الذين يصنعون شواخص مهمّة في علم الحاضر وتقنياته المبهرة، ولا يتغافلون في خضمّ هذه المنجزات عن مساءلة المعضلات الفلسفية والفكرية المقترنة بكلّ انعطافة علمية رئيسية.

روجر بنروز

الكتاب الأوّل هو « الرجل اللامعقول: روجر بنروز وثمنُ العبقرية »

The Impossible Man: Roger Penrose and the Cost of Genius

الكتاب منشور أواخر عام 2024 عن دار نشر «Basic»، ومؤلّفه هو باتشن بارس Patchen Barss، المختص بالصحافة العلمية والأفكار الكبيرة التي غيّرت عالمنا. يكشف لنا عنوان السيرة هذه عن أنّ العبقرية لا تأتي بالمجان، وإنما لها ثمنٌ قد يكون قاسياً أحياناً.

ربما من المفيد هنا أنّ مبحثاً رئيسياً في علم الأعصاب صار يتناول البحث في ظاهرة العبقرية، وبات يعرفُ بـعلم أعصاب العبقرية «Neuroscience of Genius»، وهناك كثير من الكتب في هذا المبحث، ومنها كتاب مهمّ مترجم إلى العربية.

جاءت معرفتي باسم بنروز للمرة الأولى في حياتي عبر بوّابة ستيفن هوكنغ؛ إذ قادني ولعي بهوكنغ -بعد أن استحال أيقونة علمية وإنسانية، وعقب قراءتي لكتابه ذائع الصيت «موجز تأريخ الزمان» بداية تسعينيات القرن الماضي- إلى متابعة كلّ منشوراته العلمية، وحصل بالفعل أن قرأتُ كتاب «فيزياء العقل البشري والعالم من منظورين» الذي ألّفه هوكنغ بالاشتراك مع بنروز وفيلسوف العلم أبنر شيموني، والفيلسوفة نانسي كارترايت، فأعجبتُ بمنهجية بنروز في عرض الأفكار، وبخاصة أنه أبان عن نفسه كائناً معرفياً رفيع الطراز، يسعى لتحقيق نمط خاص من التشبيك (interdisciplinarity) المعرفي بين الجبهات العلمية المتقدّمة.

كتب بنروز لاحقاً كتاباً سمَّاه «عقل الإمبراطور الجديد» (The Emperor’s New Mind) تناول فيه هذا التداخل المعرفي بين الفيزياء الحديثة وموضوعات الوعي والإرادة الحرّة، وميكانيكية عمل الدماغ على المستوى الكمومي الدقيق. هذا الكتاب مترجم إلى العربية، ويستلزم قراءة متطلّبة ومعرفة معقولة بالفيزياء الحديثة.

باتشن بارس

سنعرف عبر قراءة هذه السيرة، أنّ بنروز قدّم مساهمات أساسية في الفيزياء والرياضيات؛ فقد أعاد تفسير نظرية النسبية العامة، للبرهنة على أنّ الثقوب السوداء يمكن أن تنشأ من النجوم المحتضرة، وهذا هو الاكتشاف التقني الذي أهّله لنيل جائزة نوبل.

عمل بنروز (المولود عام 1931) عقوداً عدة أستاذاً متمرّساً (Emeritus) في معهد الرياضيات في جامعة أكسفورد، وعاش حياة متواضعة جعلته يبدو كمن يسعى لتثبيت قدميه في الحياة الأكاديمية كأي باحث مستجد، حتى بعد أن بلغ مرتبة الباحث المتمرّس المعروف على أوسع النطاقات العالمية. من الأمور المعروفة عن بنروز أنه ظلّ يشغلُ في جامعة أكسفورد مكتباً تشاركه مع ستة أساتذة آخرين، ولم يسعَ أبداً للانفراد بمكتب خاص به، وكان في نهاية كلّ يوم دراسي يندفع بسيارته المتواضعة نحو مدرسة ابنه الصغير، لكي يقلّه عائداً به إلى البيت.

حافظ بنروز طيلة حياته المهنية والفكرية على ذلك الشغف الروحي الذي دفعه للتفكّر والبحث في طائفة واسعة من الأسئلة الأساسية: كيف بدأ الكون؟ هل ثمة أبعادٌ أعلى من الأبعاد المعروفة تقليدياً للمكان والزمان؟

عاش بنروز وسط عائلة معروفة بشغف أفرادها بالمعرفة بشتى أشكالها: كان أخو بنروز الأكبر عالم فيزياء نظرية مرموقاً، وزميلاً في الجمعية الملكية البريطانية، أما أخوه الأصغر فقد حصل على بطولة الشطرنج لعموم بريطانيا عشر مرّات (رقم قياسي بالتأكيد)، أما أبوه؛ ففضلاً عن عمله في حقل الوراثة البشرية، كان فناناً محترفاً، مثلما كان إخوته الأربعة فنانين محترفين.

حاز بنروز جائزة نوبل عام 2020، وهو يبلغ اليوم الثالثة والتسعين. سيرته هذه هي نتاجُ سنوات قضاها المؤلف في محاورة بنروز، والاطلاع على أوراقه ومراسلاته وتفصيل حياته الشخصية. سنعرف مثلاً أنّ بنروز لم يكن زوجاً طيباً. تزوّج مرّتين وانتهت الزيجتان بالطلاق، وهو يعيش اليوم في شقته وحيداً يعاني مشاكل صحية في ارتفاع ضغط الدم وضعف البصر وأوجاع المفاصل. يخبِرُنا المؤلّف أنّ بنروز يصنع قهوة تكفيه أسبوعاً كاملاً، ويضعها في الثلاجة، ويكتفي بشربها باردة مع الحليب كلّ صباح، وكثيراً ما أوحت له تشكّلاتُ القشدة المتكثفة على سطح قدح الشاي بالحليب عن أسئلة بشأن مآلات الكون وأنماط نهايته المحتملة!

الكتاب الثاني هو «ستيفن واينبرغ: حياة في الفيزياء»

Steven Weinberg: A Life in Physics

وهذا الكتاب ليس سيرة؛ بل هو جزء أوّل من مذكّرات كتبها واينبرغ نفسه، ونشرتها جامعة كامبردج مع مطلع عام 2025. ويتشارك واينبرغ مع بنروز حصوله على نوبل الفيزياء عام 1979، بالمشاركة مع آخرين، لعمله في ميدان أساسي في الفيزياء، تتوّج بما يُعرَفُ بالموديل المعياري في فيزياء الجسيمات الأولية (The Standard Model of Particle Physics)؛ ذلك النموذج الذي لم يزل فاعلاً وميدان مباحث كثيرة.. تغطّي هذه المذكّرات الفترة من البدايات الأولى لحياة واينبرغ حتى نهاية القرن العشرين، وسيحتوي الجزء الثاني على مذكّرات واينبرغ في القرن الحادي والعشرين. من المثير أن ندقّق في التقديم المختصر لواينبرغ لهذه المذّكرات، أنّه كتب التقديم بتأريخ 2 يونيو (حزيران) 2021، ثم حصل أن توفّي بتأريخ 21 يوليو (تموز) 2021. أشارت ملاحظة لجهة النشر (جامعة كامبردج) إلى أنّ زوجة واينبرغ التي تعمل أستاذة للقانون في جامعة تكساس ستتكفّل بترتيب وإعداد مواد الجزء الثاني، كما نوّهت بأنّ هناك سيرة وافية لواينبرغ ستُنشرُ في وقت لاحق، بعد إكمالها من جانب مؤلفها غراهام فارميلو Graham Farmelo، الذي كتب سيراً عديدة لفيزيائيين كبار، أهمّهم بول ديراك Paul Dirac.اعتمد واينبرغ في مذكّراته أسلوب الفصول القصيرة التي تتناول موضوعة رئيسية واحدة، يمكن اختصارها في كلمة واحدة أو كلمتين. نقرأ مثلاً عناوين بعض الفصول: أشياء أولى، الانعطاف نحو العلم، كورنل، كوبنهاغن، برينستون، مانهاتن، بيركلي... هذا التكنيك في سرد المذكّرات جذّاب، ويدفع القارئ للتركيز والمضي في القراءة بفهم ودقّة ورغبة في الاستزادة، من غير الضياع في متاهة الزمن والوقائع الكثيرة المتداخلة.

كتب واينبرغ -مثلما فعل بنروز- كتباً عدّة أهّلته ليكون أحد الأحفاد الخُلّص للعائلة النيوتنية؛ لكنّ عبقريته تتمايز نوعياً عن عبقرية بنروز. يبدو بنروز شخصية أفلاطونية معاصرة، منكفئاً في عالمه المصمم بصرامة داخل نطاق عقله التوّاق للترحّل بين الأبعاد الهندسية المتعدّدة؛ في حين أنّ واينبرغ قضى حياته أكثر انشغالاً بموضوعات العلم والسياسة العلمية، وتاريخ العلم والأفكار الفلسفية المتّصلة به.

يبدو بنروز شخصية أفلاطونية معاصرة، منكفئاً في عالمه المصمم بصرامة داخل نطاق عقله... في حين أنّ واينبرغ قضى حياته أكثر انشغالاً بموضوعات العلم والسياسة العلمية

عرف معظمنا واينبرغ قبل معرفتهم ببنروز بسنوات عدة، تمتدُّ إلى أواخر سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي، عبر كتابه المترجم إلى العربية، حول البحث عن نظرية نهائية (Final Theory) في الفيزياء، ثمّ صار اسماً شائعاً في الأخبار، عبر تعضيده ومشاركته في مبادرة الدفاع الفضائي التي أعلنها الرئيس ريغان في بداية ثمانينيات القرن الماضي، ثمّ دافع بضراوة عن مشروع المصادم الهادروني الفائق الذي يتفوّق على مصادم سيرن قرب جنيف، وكان من المفترض إنشاؤه في تكساس؛ لكنّ الكونغرس الأميركي أجهض المشروع بسبب تكلفته الهائلة. بدا واينبرغ وهو يدافع عن فكرة المشروع أمام لجنة الكونغرس للعلوم والتقنية مثل «زيوس» كبير آلهة الإغريق، وتصلح أطروحته إعلاناً للأهمية الاستراتيجية للعلم والتقنية في تشكيل السياسات المعاصرة.

يتشارك مَن اعتاد صحبة العمالقة خصيصتين اثنتين: التواضع، والنزاهة. أذكر في كتاب واينبرغ المنشور عام 2015 بعنوان «فهمُ العالم To Explain the world» الذي تناول فيه تاريخ العلم الحديث، أنّه أفرد فصلاً كاملاً (الفصل التاسع) للحديث عن منجزات العرب في حقل الفيزياء، وضمّن الكتاب ملحقاً بديعاً يحوي رسومات وتصاميم لآلات ابتدعها علماء عرب مرموقون.

نقول في مأثوراتنا العرفانية: «كلّما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة». أظنّ الأمر مماثلاً مع العبقرية الحقيقية: كلّما اتّسعت مضامير العبقرية ناء بها صاحبها. ليست العبقرية في النهاية سلسلة من حفلات الشاي والتكريم وجوائز نوبل؛ بل إن لها أثقالها ومفاعيلها التي قد لا يعرفها سوى من ينوء بحملها (لا يعرف الشوق إلا مَنْ يكابده). أعتقد أنّ الوظيفة الأولى لمِثْلِ السِّيَر والمذكّرات السابقة ونظائرها، أنها تفيد في إطلاعنا على بعض التفاصيل المخبوءة وغير السعيدة في حياة عباقرة من طراز بنروز وواينبرغ، وتصحيح وجهات نظرنا المسبّقة عنها، والتي غالباً ما تكون من نسج خيالنا ومُجانِبَةً للحقيقة.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.


صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار
TT

صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل وفكرته الأساسية تقول: «صمتُ المظلوم ليس استسلاماً، بل شروعٌ في صياغة لغةٍ جديدة، أشدُّ فتكاً من الصراخ، إنه الصمتُ الصاخب».

تدور أحداث الرواية، الصادرة أخيراً عن «دار تشكيل» بالقاهرة، داخل أسوار أحد السجون، تحديداً بين عدد كبير من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي العام على غرار ما كان يحدث في حقب زمنية سابقة من اعتقال سياسي بهدف تكميم الأفواه حين تختلف السلطة مع معارضيها وتقرر التنكيل بهم، فلا تجد أمامها سوى الزج بهم بشكل جماعي وراء الأسوار.

يركز النص على استبطان الحالة النفسية للشخصيات الرئيسية مثل الراوي و«الصول مسعود» ومأمور السجن وبعض النزلاء الجنائيين، وكيف أن الصمت المشحون بانفجار قادم يشكل لغزاً يستعصي على الفهم، فيما يسخر المأمور من الشعراء ويتهمهم بالتخاذل والعيش في عوالم وهمية بعيداً عن الواقع.

اتسمت اللغة السردية بالإيقاع السريع والمشاعر المتأججة بين السطور، دون استطراد يوقع العمل في شراك الرتابة، كما عمد المؤلف للدخول في بؤرة الصراع النفسي بين جميع الأطراف دون تمهيد، ما جعل الرواية تفيض بالتشويق والإثارة النفسية منذ الصفحة الأولى.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«بالأمس، وما إن غادرني الجميع متجهين إلى العمل بالورش، حتى انفتح باب العنبر ودخل الصول مسعود، كبير السجّانين وأقدمهم هنا. بيني وبينه علاقة بدأت عادية، ثم تحوّلت بمرور السنوات إلى ما يشبه الرفقة الحذرة التي تجمع رجلين يحترقان في فرنٍ واحد، اقترب مني بخطواته الثقيلة، ثم ألقى بجسده الضخم إلى جواري، برم شاربه الكثيف كعادته، وفرك فروة رأسه الكبيرة قبل أن يخرج صندوق سجائره، أشعل لنفسه سيجارة، ثم مدّ إليّ أخرى بصمت، بلا كلمة منه ولا مني، كأنما يدرك أن الكلام عندي أصبح شحيحاً، نادراً كقطرة ماء في صحراء قاحلة، نفث دخانه الأول، ثم بدأ يمطرني بأسئلة متلاحقة، كلها تدور حول ما بعد الصمت، ماذا نُخفي؟ وإلى أين سيقودنا هذا الهدوء المريب؟ أكمل سيجارته دون أن ينتزع مني جواباً واحداً، ورغم يقيني بإخلاصه، فالحيطة في أيام الحرب واجبة، فنحن نحارب قائده الجلّاد، ومن السهل أن تنزلق أسرارنا من فم مسعود تحت ضغط المأمور، مهما كان قلبه معنا، وحين أنهى سلسلة أسئلته، مال نحوى وقال بصوت خفيض:

ـ أريدك أن تأتي معي إلى مكتب المأمور.

رفعت يدي دون تفكير، وقاطعته بنظرة حادة كحدّ السكين:

ـ ماذا يريد مني المأمور؟

ابتسم ابتسامة باهتة، ثم عاد يلوّي شاربه كما لو أنه يبحث عن وقت إضافي قبل أن ينطق:

- من المؤكّد أنّه سيُعيد عليك أسئلته التي تؤرّقه حول أسباب صمتكم، وإلى أيّ مدى سيطول، فثمة ما ينهش يقينه بأنّ أمراً جللاً يوشك أن يقع داخل السجن عقب هذا الصمت المفاجئ».