كتاب «السياسي الأخير» يروي أسرار بايدن واعترافاته 

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
TT

كتاب «السياسي الأخير» يروي أسرار بايدن واعترافاته 

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)

يكشف كتاب «السياسي الأخير داخل البيت الأبيض لجو بايدن والنضال من أجل مستقبل أميركا» للكاتب فرانكلين فوير خفايا أول عامين من حكم الرئيس الأميركي جو بايدن، وطريقة تفكيره وأسلوب اتخاذه للقرارات التي أصدرتها إدارته خلال العامين الماضيين، ومنها تصميمه على سحب القوات الأميركية من أفغانستان، ورده السريع على الغزو الروسي لأوكرانيا، وعلاقاته بالرؤساء مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وزلات لسانه، ونوبات غضبه على مساعديه ومستشاريه في البيت الأبيض.

غلاف كتاب «السياسي الأخير»

ومن المقرر أن يطرح الكتاب في الأسواق الأسبوع المقبل، ما يثير قلق مسؤولي البيت الأبيض مما سيكشفه الكتاب من خفايا وتأثير نشره على مسار الانتخابات للعام المقبل.

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ف.ب)

ومن المقتطفات التي أشارت لها بعض وسائل الإعلام الأميركية عن الكتاب الجديد ما يتعلق بكواليس قرار بايدن سحب القوات الأميركية من أفغانستان، حيث يقول فرانكلين فوير إن بايدن كان مصمما على الخروج من أفغانستان بغض النظر عن التكلفة.

ويروي الكاتب في مقاله بمجلة «أتلانتك» أن المسؤولين في البيت الأبيض والخارجية كانوا يعلمون أن عليهم التعامل مع التاريخ المحدد لمغادرة القوات الأميركية من أفغانستان بحلول 31 أغسطس (آب)، ويعملون للتوصل إلى نوع من الاتفاق الذي من شأنه أن يتوج باستقالة الرئيس أشرف غني من منصبه وبدء انتقال منظم للسلطة إلى ائتلاف يضم حركة طالبان.

ويضيف الكاتب: «كان هناك خطط لسيناريوهات كارثية، لكن لم يكن أحد يتوقع أن تكون هناك حاجة إليها خاصة أن التقييمات الاستخباراتية أكدت أن الجيش الأفغاني سيكون قادرا على صد تحركات طالبان لعدة أشهر».

ويقول الكاتب، بناء على عشرات المقابلات التي أجراها مع المسؤولين عقب سقوط كابل في يد طالبان، «تحدثت مع هؤلاء المشاركين في قرار الانسحاب وكانت إخفاقاتهم واضحة للغاية، لدرجة أنهم كانوا في حاجة ماسة إلى شرح أنفسهم».

ويصف تلك الفترة، قائلا: «في تلك الأيام المشحونة كانت السياسة الخارجية التي تتم مناقشتها من غرفة العمليات (the Situation Room) حية بشكل مرعب».

ووجد الرئيس جو بايدن ومساعدوه أنفسهم يحدقون في عواقب قراراتهم، وبينما كانوا يتابعون تفاصيل الإخلاء الجماعي، كان بايدن والدائرة الداخلية له يرون أن إرث أفغانستان سيظل يطاردهم خلال الانتخابات المقبلة وأيضا إلى قبورهم.

ويوضح الكاتب أن أزمة أفغانستان أثرت على شخصية بايدن، فبينما كان يتم تصويره على أنه ريشة في المجال السياسي، أظهر بايدن التصميم حتى العناد على الخروج من أفغانستان على الرغم من الانتقادات الغاضبة من شخصيات (عسكرية) كان يتوق للحصول على موافقتها.

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)

ويضيف الكاتب: «عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية كان جو بايدن يملك ثقة كبيرة بنفسه ويحب مهاجمة الدبلوماسيين والنقاد وكان يصفهم بأنهم كارهون للمخاطرة وكسالى في تفكيرهم».

غضب بايدن على زيلينسكي

ويشير الكتاب إلى غضب بايدن على الرئيس الأوكراني زيلينسكي في أول اجتماع لهما بالبيت الأبيض، حينما طلب الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، ما أغضب الرئيس الأميركي.

وبحسب الكاتب فرنكلين فوير فشل الرجلان في إقامة علاقة جيدة في بداية علاقتهما، وغضب بايدن بشدة من تحليل زيلينسكي «السخيف» لديناميكيات حلف شمال الأطلسي.

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)

ويقول فوير إن زيلينسكي ظل يعاني من الاستياء المستمر من هذه المقابلة، ويلوم بايدن على الإذلال والإحراج السياسي الذي تعرض له.

ويقول المؤلف أيضا إن زيلينسكي عد بايدن ضعيفا خاصة حينما قرر في عام 2021 التنازل عن العقوبات ضد الشركة الروسية التي تقوم ببناء نورد ستورم 2 وهو خط أنابيب الغاز إلى ألمانيا.

وبعد اندلاع الحرب الروسية ضد أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، أشاد فوير في كتابه بقيادة بايدن للدعم الدولي لأوكرانيا قائلا: «إن بايدن أثبت أنه رجل بالنسبة لعمره» لكن مع استمرار الحرب والدعم العسكري والمالي لكييف أصبح الأمر قضية ساخنة في الكونغرس وفي الانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الجمهوري.

ويري خبراء أن استعراض الكتاب للبداية المتعثرة لعلاقة بايدن وزيلينسكي قد يزيد من قلق المسؤولين في البيت الأبيض من الكتاب وتأثيره بعد صدوره الأسبوع المقبل.

بايدن وبوتين

ويشير الكتاب إلى كثير من زلات لسان بايدن، ومنها تصريحه العام الماضي في بولندا، حينما قال «من أجل الله، لا يمكن لهذا الرجل أن يبقي في السلطة» وكان يشير إلى الرئيس بوتين.

وبدا كأن الرئيس الأميركي يدعو إلى تغيير النظام في روسيا. ويقول الكتاب «بعد إلقاء هذا الخطاب الذي ربما أكسب بايدن التقدير الذي يريده، أصبح ارتجاله هو العنوان الرئيسي، وعرف بايدن على الفور أن البيت الأبيض سيتعين عليه توضيح الخطأ، وبالفعل أصدر مساعدوه بيانا ينفي فيه البيت الأبيض فكرة تغيير النظام في روسيا».

ويقول الكاتب «فجأة لم تعد الصحافة تتغزل في انتصاراته الدبلوماسية ووصفته بأنه شخص يفتقر إلى ضبط النفس».

ويضيف فوير «غادر بايدن بولندا منهيا جولته وهو يشعر بالأسف على نفسه، وكان يعلم أنه أخطأ لكنه استاء من أن مساعديه خلقوا الانطباع أنهم قاموا بتنظيف الفوضى التي ارتكبها» ويقول الكاتب إن «بايدن بدلا من الاعتراف بخطئه أعرب لأصدقائه عن غضبه من الطريقة التي عومل بها كطفل صغير».

الاعتراف بالتعب

ويشير الكاتب إلى نوبات غضب بايدن ضد موظفيه وأن بايدن اعترف سرا لمستشاريه بشعوره بالتعب والإرهاق.

ويقول «كان من اللافت أن بايدن لم يعد يعقد سوى عدد قليل من الاجتماعات الصباحية، وبدا واضحا التدهور الجسدي وتراجع قدراته العقلية مع مرور الوقت، وعدم القدرة على استحضار اسم بسهولة، وهو ما لا يمكن لأي نظام غذائي أو تمرين أن يقاومه، وفي السر كان بايدن يعترف أحيانا أنه يشعر بالتعب».

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)

ومن المقرر أن يطرح كتاب «السياسي الأخير داخل البيت الأبيض لجو بايدن والنضال من أجل مستقبل أميركا» المكون من 432 صفحة الأسبوع المقبل في الأسواق، ووصفت مجلة «بولتيكو» الكتاب بأنه سيكون بمثابة شهادة مفصلة لنجاحات وإخفاقات بايدن من الانتخابات الرئاسية في 2020 إلى الانتخابات التشريعية في 2022.

وقالت المجلة إن الكاتب فرانكلين فوير بدأ في رصد أول مائة يوم للرئيس بايدن في منصبه، وكان جوهر الكتاب هو التركيز على الطريقة التي تعاملت بها إدارة بايدن مع وباء «كوفيد - 19» وكيف تراجع عن سياسات ترمب، لكن الكاتب توسع في كتابه ليشمل أول عامين للرئيس بايدن في البيت الأبيض ويستفيض في كشف خفايا الانسحاب من أفغانستان وبدايات الحرب الروسية ضد أوكرانيا، والانتخابات التشريعية النصفية التي جرت في 2022.

وقد أجرى الكاتب ما يقرب من 300 مقابلة من نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 إلى فبراير 2023.

عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية كان جو بايدن يملك ثقة كبيرة بنفسه

فرانكلين فوير


مقالات ذات صلة

نتنياهو ورؤساء أميركا في 30 سنة: مَن رئيس الدولة العظمى هنا؟

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب أمام الكونغرس يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو ورؤساء أميركا في 30 سنة: مَن رئيس الدولة العظمى هنا؟

منذ تولى نتنياهو رئاسة الحكومة للمرة الأولى قبل 30 سنة، شهدت علاقات تل أبيب وواشنطن منعطفات مختلفة، لكنها لم تعرف متطاوِلاً مثله، ثم جاء ترمب ورسَّخ طريقته.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي السابق جو بايدن مع زوجته جيل (إ.ب.أ) p-circle

زوجة بايدن تكشف تطورات مرضه: السرطان انتشر وسيلازمه مدى الحياة

كشفت السيدة الأميركية الأولى السابقة جيل بايدن تفاصيل جديدة بشأن الحالة الصحية لزوجها جو بايدن، مؤكدة أنه يعاني من سرطان البروستاتا في المرحلة الرابعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ جيل بايدن (أ.ب)

ترمب يسخر من اعترافات جيل بايدن: لم تكن تعلم مشكلة «جو النعسان»

سخر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الجمعة، من اعترافات جيل بايدن بشأن انهيار زوجها جو بايدن خلال المناظرة التلفزيونية الرئاسية في يونيو 2024.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ بايدن يقاضي وزارة العدل لمنع نشر تسجيلاته الصوتية

بايدن يقاضي وزارة العدل لمنع نشر تسجيلاته الصوتية

رفع الرئيس الأميركي السابق جو بايدن دعوى ضد وزارة العدل لمنعها من نشر تسجيلات ونصوص مقابلاته الخاصة بين عامي 2016 و2017.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب أثناء الإعلان من المكتب البيضوي (أ.ب)

ترمب يرفع القيود المفروضة على الغازات الدفيئة القوية

وصف ترمب الإجراءات التي أقرها سلفه الديموقراطي بأنها «سخيفة» مؤكدا أن قراره سيساعد في خفض كلفة الغذاء للأميركيين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون
TT

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

رحل الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه عن عالمنا في 1900، وتزامن رحيله مع انطواء صفحة القرن التاسع عشر. لكن تأثيره ما زال ممتداً حتى اليوم في مجالات الفلسفة وعلم النفس والفكر السياسي. تشهد بذلك عشرات الدراسات الصادرة عنه بمختلف اللغات خلال القرن الماضي، وفي هذه الألفية الثالثة. وأحدث هذه الدراسات كتاب صادر في 2025 عن دار «أركتوروس للنشر»، في لندن، عنوانه «فردريك نيتشه: المفكر الذي شق درباً جديداً وأحدث ثورة في الفلسفة»

Friedrich Nietzsche: The Ground - Breaking Thinker who Revolutionized Philosophy

من تأليف توني لي مورال Tony Lee Moral.

كان لنيتشه حضور في حقلنا الثقافي منذ العقود الأولى من القرن العشرين؛ فقد كتب الرواد، من أمثال عباس محمود العقاد وعلي أدهم، مقارنين فلسفته في القوة بفلسفة المتنبي. وأخرج عبد الرحمن بدوي كتاباً عنه، وكذلك فعل فؤاد زكريا في مرحلة لاحقة. وترجم فيلكس فارس كتابه «هكذا تكلم زرادشت»، كما تجد لنيتشه ذكراً، يطول أو يقصر، في تواريخ الفلسفة، والفلسفة الوجودية خاصة، في عديد من الكتب لمؤلفين عرب.

أهم معالم الطريق في حياة نيتشه هي مولده في 1844، التحاقه بجامعة بون ليدرس اللاهوت وفِقْه اللغتين اليونانية واللاتينية، ثم التحاقه بجامعة لايبتسغ حيث تعرف على فكر أرتور شوبنهاور، أداؤه الخدمة العسكرية لعام واحد في الجيش البروسي، صداقته للموسيقار ريتشارد فاغنر (تحطمت علاقتهما فيما بعد كما تحطمت علاقته بأصدقاء آخرين)، اشتغاله أستاذاً لفقه اللغة بجامعة بازل في سويسرا، بدء مسيرته في التأليف بإصدار كتابه «مولد التراجيديا من روح الموسيقى» في 1872، هجرته إلى إيطاليا وانهيار قواه العقلية حتى وفاته بالتهاب رئوي وجلطة في سن الخامسة والخمسين. وقد تولت أخته إليزابيث إصدار مؤلفاته بعد وفاته، ولكنها للأسف تلاعبت في نصوصه بما زيَّف حقيقته، إرضاء للسلطات النازية التي تبنَّته (كما تبنت فاغنر) مع أن نيتشه من النازية براء.

وفي حياته الخاصة كان نيتشه معذّباً؛ عانى طيلة عمره من عدد من الأمراض: نوبات صداع عنيف، وآلام في العينين، واضطرابات معدية، ودفتيريا ودوسنتاريا، ونوبات اكتئاب. ولم يعرف السعادة في الحب، ولا هو تزوج. وكانت في حياته قصة حب بلا أمل للو أندرياس سالومي، وهي شابة روسية لامعة مهتمة بالفلسفة وعلم النفس والأدب كانت (مثل مي زيادة) أنثى فريدة انجذب إليها كثير من مفكري العصر وأدبائه. لقد كان نيتشه نموذجاً للمفكر المنعزل (عاش في إيطاليا بين ثلوج جبال الألب، ووصف الفلسفة بأنها طريقة للعيش بين «الجليد والجبال العالية»). وزاده انعزالاً أن أفكاره الجريئة كانت صادمة لمعاصريه، وموضع هجوم من أغلب المشتغلين بالفلسفة.

وفلسفة نيتشه في القوة رد فعل إزاء معاناته الشخصية؛ فهو من ناحية يؤكد الجانب التراجيدي في الوجود. ومن ناحية أخرى يبذل محاولة بطولية لتجاوز المعاناة وارتقاء قمم فكرية ووجدانية عالية رغم أوجاع البدن والنفس. ومن أقواله: «إن ما لا يقتلني يقويني».

بلغ من نبوغ نيتشه أنه تعلَّم أبجدية اللغة اليونانية القديمة والعزف على البيانو في سن الثالثة. وفي سنوات دراسته أُولِع بالأدب ونظم شعراً وانجذب إلى موسيقى موزار وبيتهوفن. كان أدباؤه المفضلون هم شعراء المأساة الإغريقية، إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديز، وشعراؤه الأثيرون هم بايرون وهولدرلين. وكان قارئاً نهماً يقضي الليل كله في القراءة، وقد غمس قدميه في دلو مليء بماء مثلّج كي يظل صاحياً!

تناول نيتشه في كتاباته قضايا جوهرية، مثل معنى الحياة والحرية الفردية والمواضعات الاجتماعية. وأشاد بما دعاه الإنسان الأعلى (السوبرمان) قائلاً إنه سيعلو على الإنسان الحالي، كما علا الإنسان الحالي على القردة. وفلسفته إيجابية تقدس القوة والغلبة ولا تخلو من تعالٍ ذكوري على المرأة (له في ذلك أقوال سيئة السمعة مثل: «أذاهب أنت إلى المرأة؟ لا تنس إذن سوطك»). وهو لا يقدم إجابات جاهزة قدر ما يطرح أسئلة تحث على التفكير.

ولا يملك المرء إلا أن يشعر بالأسى؛ إذ يرى هذا الذهن الجبار ينحدر في أواخر أيامه إلى هاوية الجنون. ومن مظاهره شعور مفرط بالعظمة يجعل نيتشه يكتب أشياء من قبيل: «لماذا كنتُ حكيماً إلى هذا الحد؟»، و«لماذا كانت كتبي جيدة هكذا؟».

ويوقع رسائله باسم «دويو نيزوس» أو «المصلوب» (متقمِّصاً شخصية المسيح). ويرى بعض الباحثين أنه كان مصاباً بالزهري، مما أدى إلى شلل تدريجي وتدهور للنسيج المخي.

لكن التراث الذي خلفه يبقى من بعده. لقد تلقف منه الناقد والفيلسوف الدنماركي جورج براندز فكرة الإنسان الأعلى. واهتم به الكاتب المسرحي السويدي سترندبرغ. ورسم المصوِّر إدوارد مونج لوحته المسماة «الصرخة» من وحي كتاباته.

وعلى الصعيد الفكري، ألقى هايدغر سلسلة محاضرات عن نيتشه في جامعة فرايبورغ. وأعاد الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتبه عن تاريخ الجنس ومؤسسات السجن والمدرسة والمستشفى أفكار نيتشه عن إرادة القوة والتنافس على السيطرة والعقوبة. أما الفلاسفة الوجوديون (مثل سارتر وكامو)، فقد طوروا أفكار نيتشه ومضوا بها إلى آفاق أبعد.

ونظريات فرويد عن اللاشعور تدين بالكثير لنيتشه، وكذلك الشأن مع يونغ الذي اقتبس من كتاب «هكذا تكلم زرادشت» مفهوم الفردية والتميُّز ومجاوزة الذات.

وامتد تأثيره إلى مفكري ما بعد الحداثة، مثل جاك دريدا وجول ديلوز، وذلك في نظرياتهم عن الصدق والتفسيرات وديناميات المعرفة.

ومن الأدباء الذين اهتموا بنيتشه جويس وكافكا وهرمان هسه، وتوماس مان في روايته «الجبل السحري»، ود. ه. لورنس في «نساء عاشقات»، وويليام فوكنر في «الصخب والعنف»، وصمويل بكيت في «في انتظار غودو»، ونابوكوف في «لوليتا».

هكذا يظل فكر نيتشه المثير للخلاف ولا يخلو من متناقضات قوة حيوية في الفكر المعاصر واستكشافاً راديكالياً لقضايا الأخلاق والدين والثقافة والفن، ومنصة وثب نقفز منها (سواء وافقناه أو خالفناه) إلى فهم أعمق لمعنى وجودنا ولدوافعنا ومحركات السلوك لدى الآخرين.


مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية
TT

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

طرح العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (السابع - يوليو/ تموز 2026)، مجموعة من الملفات الثقافية، بالإضافة إلى بانوراما فكرية تجمع بين قضايا الثقافة واللغة، والتعليم، والعلوم، والتراث، والفلسفة.

وأبرزُ ملفات العدد ملفُ «اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية»، الذي تناول قضايا اللغة والهوية وتعريب العلوم. فعبر مقالات عدة تتناول العلاقة بين اللغة وإنتاج المعرفة، والتحديات التي تواجه العربية في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وآفاق تجديد حضورها في البحث العلمي والتعليم والثقافة؛ يؤكد هذا الملف أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، وإنما وعاء للهوية.

وبمناسبة تجديد ولاية الأمين العام لمنظمة «الإيسيسكو»، الدكتور سالم بن محمد المالك، فقد أجرت معه رئيسة التحرير الشاعرة روضة الحاج، مقابلة، تحدث فيها عن أهم عناوين المرحلة الجديدة للمنظمة، وهو «تعظيم الأثر وترسيخ الشراكات».

حمل غلاف العدد صورة مدينة قازان «عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026»، احتفاءً بمدينة استطاعت أن تقدم نموذجاً فريداً للتفاعل الخلاق بين الحضارات، وأن تجمع بين أصالة التراث وروح العصر، لتبدو فضاءً رحباً للتعايش والتنوع الثقافي.

وفي كلمتها بافتتاحية العدد، ذكرت رئيسة التحرير أن صدور المجلة ابتداءً من هذا العدد سيكون بثلاث لغات: العربية، والفرنسية، والإنجليزية.

اللغة العربية: ثراءٌ وتغريب

تحت عنوان: «اللغة العربية... بين واقع مُغْنٍ وتغريب مُضْنٍ»، كتب أحمد سليم بن أحمد الأرمي، الأمين العام لـ«الرابطة الموريتانية لحماية اللغة العربية»، مقالاً ناقش فيه واقع اللغة العربية في العالم من زاويتين متقابلتين؛ الأولى تؤكد المكانة الدولية المتنامية للعربية، والثانية ترصد مظاهر التراجع داخل المجتمعات العربية نفسها.

مقالٌ آخر، في الملف ذاته، حمل عنوان: «تعريب التعليم الطبي: بين استعادة الهوية وتعزيز جودة التعلم»، للدكتور خالد آل عبد الرحمن، أستاذ طب الأسرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السعودية.

في هذا المقال، يطرح الكاتب رؤية استراتيجية وتربوية غاية في الأهمية، تُفكك إشكالية لغة التدريس في كليات الطب العربية. ينطلق الكاتب من رؤية مفادها بأن اللغة هي وعاء التفكير العميق وليست مجرد أداة تواصل؛ وبالتالي؛ فإن التعليم باللغة الأم هو الركيزة الأساسية للفهم الإبداعي والتفكير النقدي وتجنب تلقين الحفظ.

وضمن الملف، جاء مقال: «تعليم العلوم لماذا بالعربية بعيداً عن الهوية؟»، للكاتبة الدكتورة ندى نور الدائم، الأستاذة المساعدة في قسم اللغة العربية بكلية الآداب - جامعة الخرطوم.

في هذا المقال، تقدم الكاتبة طرحاً تربوياً وعلمياً جريئاً يتجاوز الخطاب التقليدي المرتبط بالهوية، ليركز على «كفاءة التعلم وجودة التعليم» معياراً وحيداً لاختيار لغة التدريس.

وكتب الدكتور يوسف إسماعيلي، الخبير في «مركز الإيسيسكو للغة العربية للناطقين بغيرها» في المغرب، مقالاً بعنوان: «الدبلوماسية اللغوية وتعليم العربية عالمياً».

يقدم الكاتب تأصيلاً لمفهوم «الدبلوماسية اللغوية» بوصفها أداة استراتيجية فاعلة وصامتة في فضاء العلاقات الدولية المعاصرة وقوتها الناعمة. ويطرح المقال رؤية حديثة للعلاقة بين اللغة والسياسة الدولية، إذ يؤكد أن اللغة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل أو وعاء للتراث، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لبناء نفوذها وتعزيز حضورها العالمي.


التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»
TT

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

في أزقة مدينة نابولي الإيطالية، حيث تتدلى الزهور من الشرفات وتختلط رائحة البحر بدخان الأفران، وُلدت البيتزا كوجبة سريعة تسد جوع العمال والفقراء، وضرورة عملية فرضها الأمر الواقع، وليست كطبق فاخر يكتسب شهرة عالمية ويوحد بين مختلف الثقافات والشعوب، ويكتب قصة مشوقة عن الهجرة والطبقات الاجتماعية والذوق الشعبي وتحولات العالم الحديث.

في كتابه «البيتزا: تاريخ وحكايات»، الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة آلاء أحمد جاد، يتتبع الباحث الإيطالي لوكا تشيزاري رحلة هذا الطعام، بعيداً عن الحكايات المكررة التي تختزلها في قصة ملكة إيطالية تسمى «مارغريتا» حملت أشهر أنواع تلك الوجبة اسمها.

ويوضح المؤلف أن البيتزا ليست اختراعاً مفاجئاً، بل ثمرة تاريخ طويل من الخبز المسطح الذي عرفته شعوب البحر المتوسط منذ قرون، فقد عرف الإغريق والرومان وغيرهم أشكالاً متعددة من العجين المخبوز الذي يُضاف إليه الزيت والأعشاب والجبن، غير أن نابولي هي التي منحت هذه الفكرة شخصيتها الحديثة.

واللافت أن الطماطم، التي تبدو اليوم عنصراً لا يمكن فصلها عن البيتزا، لم تكن جزءاً أصيلاً من المطبخ الإيطالي، فقد وصلت إلى أوروبا بعد اكتشاف القارة الأميركية، وظلت لفترة طويلة موضع شك؛ إذ اعتقد بعض الناس أنها نبات ضار غير صالح للأكل.

ومع الوقت، وجدت طريقها إلى مطابخ جنوب إيطاليا، خصوصاً بين الفقراء الذين رأوا فيها مكوناً رخيصاً ومشبعاً، هنا بدأت ملامح البيتزا «النابولية» تتشكل: خبز دائري ساخن، وطماطم، وزيت، وثوم أو جبن، يؤكل باليد في الشارع دون أطباق أو مراسم.

كانت نابولي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مدينة مكتظة، تعج بالعمال والحرفيين والباعة والبحارة، فظهرت الحاجة إلى طعام يمكن شراؤه بثمن زهيد، وتناوله أثناء العمل أو في الطريق، بل إن بعض الباعة كانوا يبيعونها بنظام الدفع المؤجل للفقراء. ولهذا ارتبطت البيتزا في بدايتها بالطبقات الشعبية، ونظر إليها كثير من أبناء الطبقات الميسورة باعتبارها طعاماً بسيطاً لا يليق بالموائد الراقية.

ومن أشهر القصص المرتبطة بها حكاية «بيتزا مارغريتا»، التي يُقال إنها صُنعت تكريماً للملكة مارغريتا عام 1889 بألوان العلم الإيطالي: الأحمر للطماطم، والأبيض للموزاريلا، والأخضر للريحان، لكن لوكا تشيزاري يدعو إلى التعامل بحذر مع هذه الرواية، فالكثير من تفاصيلها اكتسبت شهرتها لاحقاً، حين احتاجت البيتزا إلى أسطورة وطنية تمنحها مكانة أكثر رفعة، فالحقيقة الأهم أن هذا الطبق كان موجوداً قبل القصة، وأن شهرته لم تأتِ من القصور، بل من الشوارع.

التحول الأكبر حدث مع موجات الهجرة الإيطالية إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث حمل المهاجرون معهم وصفاتهم وحنينهم إلى نابولي، فظهرت مطاعم البيتزا في أحياء الإيطاليين بنيويورك وشيكاغو ومدن أخرى.

هناك تغيرت البيتزا لتلائم المكونات الجديدة والشهية الأميركية، فكبرت أحجامها، وتنوعت إضافاتها، وصارت جزءاً من ثقافة المدن الحديثة، قبل أن تعود إلى أوروبا والعالم في صورة مختلفة وأكثر انتشاراً.

وهكذا أصبحت البيتزا مرآة لثقافة الشعوب: في نابولي تحكي عن الفقر والابتكار اليومي، وفي أميركا تروي قصة الهجرة والاندماج، وفي العالم المعاصر تعكس سرعة الحياة والعولمة وقدرة الطعام على عبور الحدود.