رئيس تركيا السابق يتذكر مراحل علاقته مع إردوغان

عبد الله غُل: لم أحلم يوماً بأن يكون بلدنا كما هو اليوم

 غل واروغان يقترعان في أحد الانتخابات في البرلمان (الشرق الأوسط)
غل واروغان يقترعان في أحد الانتخابات في البرلمان (الشرق الأوسط)
TT

رئيس تركيا السابق يتذكر مراحل علاقته مع إردوغان

 غل واروغان يقترعان في أحد الانتخابات في البرلمان (الشرق الأوسط)
غل واروغان يقترعان في أحد الانتخابات في البرلمان (الشرق الأوسط)

يصدر قريباً عن دار «نوفل» كتاب للزميل ثائر عباس «يبحث في ذاكرة الرئيس التركي السابق عبد الله غُل»، ليؤرخ لمرحلة وصول حزب «العدالة والتنمية» إلى الحكم في تركيا، ويتحدث عن تفاصيل «الصعود والهبوط التركي»، من خلال مقابلات أجراها مع الرئيس غُل، ولقاءات مع كثيرين من المحيطين به من مسؤولين فاعلين كانوا إلى جانبه خلال الفترة المذكورة، وصولاً إلى مغادرته السلطة.

في الفصل الأخير من الكتاب الذي تنشر «الشرق الأوسط» مقتطفات منه، ينشر الكاتب حواراً مع الرئيس غُل يتحدث فيه عن خيبة أمله من الواقع الذي أصبحت عليه البلاد. يقول غُل: «رؤيتي كانت لتركيا ديمقراطيّة بنظام برلماني ودولة قانون ومعايير عالية قانونيّاً واقتصادياً. هي الآن بعيدة جدّاً عن هذا، هذه ليست تركيا التي حلمنا بها. هناك حكم شخص واحد في تركيا، فإذا قام بعمله جيّداً تذهب تركيا في الاتّجاه الجيّد، وإذا قام بعمل سيّئ تذهب في هذا الاتّجاه. لا أريد أن ألوم أحداً؛ لكنّ رجلاً واحداً لا يستطيع القيام بكلّ هذا. التاريخ يقول هذا، وليس مفاجئاً أنّ نظام حكم الرجل الواحد لن يحمل النجاح ولا السعادة للشعب التركي».

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

يضيف رداً على سؤال: «لقد أعلنت صراحة أنّني ضدّ النظام الرئاسي عندما بدأ البحث فيه... رئيس الجمهوريّة الحالي هو صديقي، ولهذا كنت أتمنّى له النجاح في قيادة البلاد؛ لكن التجربة أثبتت أنّ هذا ليس صحيحاً وغير مفيد له ولا للوطن. وقد تحدّثت إليه بهذا الشأن كثيراً، وأعلنت ذلك للرأي العامّ. لم يكن ذلك منبعه أي مشكلة شخصيّة، ولا اعتبارات شخصيّة لديّ؛ لكنني أدرس التاريخ السياسي وأعلم ما يعنيه هذا».

قدم للكتاب الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، الذي عاصر العلاقات العربية - التركية. ولعل أكثر ما قاله دلالةً في تقديمه للكتاب، كان عند مقاربته لـ«الاختلاف الشديد» بين رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب إردوغان ومصر. يجزم موسى بأنّه «لم يكن خلافاً شخصيّاً؛ بل كان خلافاً استراتيجيّاً إقليميّاً رئيسيّاً كبيراً. تأكّد ذلك عندما زرت تركيا مع رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علّاوي، ورئيس الوزراء اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة، ورئيس الوزراء الأردني السابق طاهر المصري، ورئيس مجلس العلاقات العربيّة والدوليّة بالكويت الأخ محمد جاسم الصقر».

ويضيف: «لقد لاحظنا، إذ التقينا الرئيس غُل والرئيس إردوغان والوزير داود أغلو، أنّ الخطّ السياسي المتوتّر حاضرٌ مع الجميع، ولكن اختلف التناول الرقيق من جانب غُل عن التناول القاسي من جانب إردوغان، مع التناول (الحيران) للوزير أحمد داود أوغلو».

وهنا مقتطفات من فصول الكتاب:

غُل - إردوغان... الخلاف الصامت

مثّل إعلان الرئيس التركيّ عبد الله غُل في كلمته أمام البرلمان خلال افتتاح دورته التشريعيّة في عام 2013، أنّه «سيستمرّ في خدمة الشعب والمواطن ما دام يستطيع فعل ذلك»، أول إعلان مُضمَر لصراع خفيّ مع رئيس الحكومة رجب طيّب إردوغان. فالتباينات في السابق بقيت قيد الكتمان، رغم أن التقديرات في الخلافات كانت قائمة، وكان أبرزها صمت غُل في مواجهة التحرّكات الاجتماعيّة، على غرار مظاهرات متنزه «جيزي بارك» في إسطنبول، التي تعاملت خلالها الشرطة بعنف مع المتظاهرين.

والاختلاف على إتاحة مساحة حرّية للشعب يؤكّد المقاربات المختلفة بين الرجلين. ففي احتفال قومي، سمح غُل بمظاهرة في أنقرة، بينما كانت الحكومة ترفض ذلك، وصرّح غُل بأنّه هو من أعطى التعليمات بدخول المتظاهرين إلى ضريح أتاتورك، وانتهت المظاهرة بسلام، وهذا أثار حفيظة إردوغان، ليصرّح بأنّه كيف يمكن لبلد أن يدار برأسين؟ ويقول أحد مساعدي غُل إن هذا «أظهر حكماً أنّ هناك جنوحاً نحو التفرّد بالقرارات، ومحاولة فرض رأي واحد على السلطة في تركيا، الأمر الذي انتهى لاحقاً بابتعاد غُل عن المشهد السياسي، منعاً لأن يجد إردوغان من يقول له: (لا)، أو: (تمهّلْ)».

شهدت العلاقة بين عبد الله غُل وإردوغان سلسلة من المواقف المتباينة والمختلفة. ولعلّ أبرزها كانت المواقف من الحروب التي لاحت في الأفق بعد 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وأهمّها حرب العراق. يومها كان إردوغان رئيساً للحزب، ولكن لم يكن عضواً في الحكومة ولا في البرلمان. وكانت تلك الحادثة أول اختبارات العلاقة بين الطرفين، وبداية التباينات التي قامت على أساس مقاربات مختلفة. والتباين لم يُحصر بالمسألة السورية، والنظام المستقبلي الرئاسي في تركيا، وربما الموقف من الدول العربيّة والأجنبيّة.

تعود العلاقة بين غُل وإردوغان إلى أيّام الدراسة التي جمعتهما، فهما من الجيل نفسه، وفارق العمر بينهما قليل (ثلاث سنوات ونصف سنة). خلال الفترة التي كان فيها إردوغان رئيساً لبلديّة إسطنبول الكبرى، كان ينشط سياسياً مع رفاقه ضمن الاتّجاه الإسلامي، ومنهم عبد الله غُل الذي كان أوّل من زاره في سجنه.

على الرغم من الصداقة التي تجمع بين غُل وإردوغان، فإن هذا لا ينفي اختلاف وجهات النظر بينهما، لا سيما في التصوّرات والرؤى حول قيادة تركيا، داخليّاً وإقليميّاً ودوليّاً. غير أنّ التباينات لم تشكّل حواجز شخصيّة وسياسيّة بين الطرفين، يمكن القول إنّ من جعل العلاقة بين غُل وإردوغان بهذه السلاسة هو عبد الله غُل نفسه. يقول المستشار أرشد هورموزلو: «عبد الله غُل بطبيعته شخص هادئ جدّاً، لا يمثّل طبيعة الصراع في أفكاره، وإنما يفضّل الإقناع قبل كلّ شيء، والدعوة إلى قضايا حضاريّة».

في السنوات العشر الأولى من وصول «العدالة والتنمية» إلى الحكم، كانت العلاقة طيّبة بين عبد الله غُل ورجب طيّب إردوغان. عندما كان إردوغان رئيساً للحكومة وغل وزيراً للخارجيّة كانت هناك تباينات بينهما؛ لكنهما لم يصطدما، وكانا يتّفقان على الأمور الأساسيّة. لكن بعد ذلك حدث تغيير، وأصبح إردوغان أقوى، ووظّف قوّته في السياسة. ومنذ عام 2014 أصبح غُل أكثر حذراً في علاقته مع إردوغان لعدم إظهار التباين بينهما.

في عام 2013 قال غُل لإردوغان إنّه لن يترشّح لرئاسة الجمهوريّة إن كان هو يطمح للمنصب، ولكنّه لن يترك السياسة، وتوقع الناس أن يصبح غُل رئيساً للوزراء؛ لكنّ إردوغان لم تكن لديه النيّة لذلك «لأنّه كان يريد حكم البلاد بمفرده»، كما يقول أحد المقرّبين من غُل. غير أنّ غُل لو أصبح رئيساً للحكومة في ذلك الوقت، لما استطاع حكم البلاد كما يريد؛ لأن إردوغان يميل إلى الأحاديّة في السلطة، كما يقول حزبيون في «العدالة والتنمية»، وهو ما أدّى لاحقاً إلى تشظِّي الحزب في عام 2020. في تلك المرحلة، ما كان غُل بوارد تحدِّي إردوغان لأنّه صديقه ولا يزال، كما أنّه لا يريد أن ينشب الصراع داخل الحزب فتقع الملامة عليه.

يقول مطّلعون على معرفة بالرئيسين إنّه عندما كان عبد الله غُل وزيراً للخارجيّة في الحكومة حتى عام 2007، كان لديه تأثير قوي وفعّال على القرارات المتّخذة. وكلّما كان إردوغان يقوم بأمرٍ يتخطّى فيه الحدود، كانت لديه القدرة على إيقافه.

وهكذا عندما كانت تُسنّ القوانين، كان يتم إبلاغه، فيطلب إجراء تغييرات في البرلمان، ولكنّ القليل من الناس يعرفون ذلك، إذ يعتقد معظم الناس أنّ غُل كان يضع ختم الموافقة على معظم القوانين من دون مخالفتها. إلا أنّه كان يفعل ذلك بفاعليّة حتى لا يحصل أي خلاف علني بين الرئيس والحكومة.

وعندما كان يحين موعد التعيينات، كان غُل يبدي رأيه في الأشخاص المطروحين خلال مرحلة التحضير للمسوّدة، حتى لا يُضطرّ إلى استخدام حق النقض على قرار تعيينهم. وكان يعمل على تدخّله في الوقت المناسب حتى يتم تعيين الأشخاص الأكثر جدارة.

ويجزم المصدر بأنّ غُل «مارس سلطاته الرئاسيّة على الحكومة بطريقة غير علنيّة، تجنّب فيها حصول أي نوع من الخلاف العلني، وكان ذلك حتى عام 2014».

وأتت قضيّة الفساد التي طالت أربعة من وزراء حكومة إردوغان عام 2013، في الأحداث المعروفة باسم 17 و25 ديسمبر (كانون الأول)؛ حيث طالت عمليّة أمنيّة أبناء وزراء ورجال أعمال مقرّبين من حزب «العدالة والتنمية»، الأمر الذي عدّته الحكومة محاولة انقلابيّة من «الكيان الموازي» (الاسم الذي تطلقه الحكومة التركيّة على جماعة الداعية فتح الله غولن)، وعملت لاحقاً على الدفاع عن الوزراء ومنع محاكمتهم في المحكمة الإداريّة العليا، وفرضت قوانين جديدة شملت مناقلات لقادة أمنيين محسوبين على جماعة غولن. وعلى الرغم من سعي إردوغان لإجبار الوزراء المتورّطين على الاستقالة، بدل استدعائهم للاستجواب في البرلمان وتشكيل حكومة جديدة، فإنه كان مصرّاً على الاحتفاظ بأحد الوزراء المتورّطين، وهو وزير شؤون الاتّحاد الأوروبي إغمن باغيش، ومع تدخّل غُل امتنع عن تسميته في الحكومة الجديدة.

- سوريا... اللقاء الذي فجّر العلاقات بين دمشق وأنقرة

ساد الظنّ في المنطقة أنّ تجربة التوتّر العسكري على الحدود السورية – التركيّة في عام 1998، انطوت إلى غير رجعة. لكنّ اندلاع الاحتجاجات في سوريا في مارس (آذار) 2011، وتعامل النظام معها بواسطة الحلّ الأمني، ثمّ الحلّ العسكري، بدّل المعادلات، وأعاد خلط الأوراق في علاقة الطرفين التي بدأت بالتشقّق في ربيع 2011، وانكسرت في صيف 2011، إثر زيارة وزير الخارجيّة التركيّة آنذاك أحمد داود أوغلو إلى دمشق، ولقائه مع الرئيس السوري بشار الأسد لمدّة 6 ساعات ونصف ساعة.

اتّسم اللقاء بالتوتّر، وهو واحد من الأخطاء الاستراتيجيّة التي حصلت، من وجهة نظر الرئيس عبد الله غُل الذي كان ميّالاً إلى إرسال مستشاره أرشد هورموزلو، بدلاً من أحمد داود أوغلو، مبعوثاً يحمل الرسالة التركيّة إلى الأسد، قبل أن يستقرّ الخيار على أوغلو الذي يوصف بالمتشدّد، والمقرّب من رئيس الحكومة التركيّة آنذاك رجب طيّب إردوغان، ما أدخل علاقات البلدين في مرحلة جديدة من التأزّم، أدّت عبر مسار السنوات التسع من الأزمة السورية إلى تدخّل تركيا مرّة أخرى عسكريّاً، وبشكل مباشر، داخل الأراضي السورية. وقال غُل مجدداً إنّه «لو كان أرسل مستشاره بدلاً من داود أوغلو... لربما كنا رأينا شيئاً مختلفاً في الأزمة السورية، أعتقد أنّه كان من الممكن أن يقنع الأسد بشكل أفضل».

عندما بدأت المظاهرات في مصر وتونس، وصلت الأحداث إلى سوريا، وبدأ الشعب السوري يتّجه إلى التظاهر بدوره، وبدأت الأحداث من درعا. ولكن في سوريا كان ثمّة اختلاف. الجماهير التي كانت تحتشد في مصر وتونس واليمن كانت ترفع شعار: «الشعب يريد إسقاط النظام»، ولكن في سوريا كانت المظاهرات تنادي بأنّ «الشعب يريد إصلاح النظام». فلذلك، يرى غُل أنّه كان من الممكن التعايش مع السلطة، بالانتقال إلى نوع معيّن من الديمقراطيّة، خصوصاً بعدما وقعت أحداث درعا.

بدأ الأتراك يتحدّثون مع الأسد حول التطوّرات، ولطالما قالوا له إنّه يجب أن يأخذ المبادرة في قسم من الإصلاحات التي تُطمئن الشعب، وإنّ المبادرة يجب أن تتمّ بشكل فوري لإصلاح الوضع؛ لأن الخيار الآخر هو تدخّل الآخرين، وإن حدث فسيكون أي شيء يقدّمه متأخّراً وقليلاً جدّاً ولن يكون مفيداً. قد يضطرّ إلى تقديم تضحيات أكبر فيما بعد.

يتذكّر غُل: «كنا نتحدّث وكان يرسل إلينا بعضاً من مستشاريه، وبينهم ممن هم معه حاليّاً، وكنت أدلي أمامهم ببعض الأفكار. إلا أنّ المسار ذهب بشكلٍ مختلف تماماً، وبدأ القمع باستخدام السلاح والبراميل المتفجّرة، ما أثار الشعب كلّه». قدّم غُل مقترحات غير مباشرة للأسد، ضمن سياق الحديث عن موضوع الانتخاب الحرّ، وعن الحياة الحزبيّة والانتخابات، من ضمنها إطلاق سراح كثيرين من الموقوفين بقرار رئاسي.

في أغسطس (آب) قرّر الرئيس التركي أن يبعث مندوباً شخصيّاً، ورسالة لعلّها الأخيرة، إلى الرئيس بشّار الأسد، في محاولة لرأب الصدع؛ لأن الأمور بدأت تتطوّر وتتحوّل إلى صراع مسلّح، فكتب رسالة مؤثّرة ذكر فيها مرئيّاته، وطلب من مستشاره أرشد هورموزلو أن يصوغ الرسالة بالمفهوم نفسه باللغة العربيّة، بالنظر إلى أنّ غُل كان يتصوّر أنّ الرئيس بشّار الأسد شخصيّاً سوف يقرأها، إذا سُلّمت له باليد من المبعوث الشخصي، وسيقرأ حتماً الصيغة العربيّة.

يذكر هورموزلو أن مسارات نقل الرسالة التي تلاها تهشّم العلاقات التركيّة – السورية. يقول: «كان توجّه الرئيس أن أنقل أنا هذه الرسالة إلى الرئيس بشّار الأسد، وأن أتحدّث معه شخصيّاً بهذه الأفكار، وبلُغته. ولكن في اللحظات الأخيرة، طلب الدكتور أحمد داود أوغلو وزير الخارجيّة آنذاك، بما أنّه يدير هذا الملفّ، أن يقوم هو بحمل الرسالة، وطلب من الرئيس بشكل شخصي أن يكون هو الشخص الذي يحمل هذه الرسالة».

ذهب وزير الخارجيّة أحمد داود أوغلو إلى دمشق، وكان اللقاء الذي استمرّ 6 ساعات ونصف ساعة. وكما أذيع في وسائل الإعلام، انفجر داود أوغلو غضباً بوجه الأسد، وعامله بطريقة فوقيّة أثارت غضب الأخير، فأنهى الاجتماع. يقول المستشار: «أتصوّر أنّ ما سمعه الرئيس بشار الأسد وما حدث في ذلك اللقاء كانت القشّة التي قصمت ظهر البعير للأسف».

من وجهة نظر تركيّة، ظهر أنّه كان هناك صراع في سوريا بين جهات معيّنة ترى الانفتاح، وجهات أخرى تدعو إلى التشدّد، لدرجة أنّ الرئيس السوري قرّر أن يلقي خطاباً في البرلمان، وانتظر الأتراك هذا الخطاب باهتمام كبير. يتذكّر هورموزلو أنّه في تلك اللحظات «هيّأنا جهاز التلفزيون في المكتب الملاصق لمكتب الرئيس؛ لأن كبار المسؤولين كانوا سيطّلعون على محتوى الخطاب عندما يُترجم ويُنشر، ولكن كنت معهم وأترجم لهم الخطاب بصورة فوريّة».شعر الموجودون بخيبة أمل؛ لأنّهم كانوا يتوقعون أن الرئيس سيفصح عن مفاجأة كبيرة تريح جميع الأطراف، ولكن قيل له إنّه كان هناك خطاب جيّد، بالمفهوم الذي كان الأتراك ينتظرونه، وقد تمّ تغييره في اللحظات الأخيرة. يقول غُل: «هذا ما سمعناه، وأتصوّر أنّ الموضوع قد يكون صحيحاً؛ لأن الرسائل الإيجابيّة التي كانت تصل من دمشق عن الخطاب تحوّلت إلى نوع من التشدّد، وهذا يعني أنّ الخطاب أصابته أصابع التغيير من الجهة المتشدّدة، أي الصقور الموجودين في محيط الرئاسة».


مقالات ذات صلة

أمين حلف «الأطلسي» من تركيا: إيران تبث الرعب والفوضى

شؤون إقليمية الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته خلال كلمة في شركة «أسيلسان» للدفاع ضمن زيارته الرسمية لتركيا (أ.ف.ب)

أمين حلف «الأطلسي» من تركيا: إيران تبث الرعب والفوضى

أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، الأربعاء، في أنقرة، أن الحلف «سيقوم دائماً بما يلزم للدفاع عن تركيا».

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
المشرق العربي رئيس الوزراء الأردني جعفر يستقبل الوفد الوزاري السوري صباح الأحد (بترا)

انطلاق الاجتماع الوزاري لمجلس التنسيق الأعلى السوري الأردني

يشهد الاجتماع توقيع 9 وثائق، تشمل اتفاقيات ومذكرات تفاهم تغطي قطاعات حيوية، من بينها الإعلام، والعدل، والتعليم العالي، والصحة، والسياحة، والبريد، والتنمية.

«الشرق الأوسط» (دمشق - عمّان)
رياضة عالمية الحكمة إسراء أريكبوغا لم تتعرض لإصابة خطيرة وتمكنت من استكمال مهامها (نادي بورصا سبور)

لاعب تركي يثير الجدل بتجاهل حكمة مساعدة أسقطها أرضاً

أثارت واقعة غريبة في الملاعب التركية موجة جدل واسعة، بعدما أقدم أحد لاعبي نادي بورصا سبور على تدخل عنيف انتهى بإسقاط الحكمة المساعدة.

فاتن أبي فرج (بيروت)
شؤون إقليمية طيار يؤدي عرضاً جوياً بطائرة إف-16 خلال معرض في تركيا (أ.ف.ب)

تركيا تعلن إرسال 6 طائرات «إف 16» إلى شمال قبرص

أعلنت وزارة الدفاع التركية إرسال ست طائرات مقاتِلة من طراز «إف 16» إلى شمال قبرص في إجراء أمني.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
TT

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل الإنساني الأقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فيها أول كائنين من نوعنا أن البقاء يمكن تحققه بغير الصراع حتى الموت، عبر التفاوض على الموارد، والمساحات، والسلام.

تشتق كلمة مفاوضات باللغة الإنجليزية (Negotiation) من الجذر اللاتيني «Negare Otium»، التي تعني حرفياً «نفي الراحة» أو «حرمان النفس من الفراغ». وهذا التعريف اللغوي يختصر حكاية تاريخنا البشري: المفاوضات هي ضريبة العيش المشترك: عملية ذهنية شاقة تتطلب التخلي عن «الراحة» (التي قد تعني التمسك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة.

لكن لماذا نتفاوض أصلاً؟ يجادل عالم الاجتماع جوناثان غودمان Jonathan Goodman في كتابه «منافسون خفيون Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World» بأننا لسنا «ملائكة» متعاونين بالفطرة، ولا «أشراراً» أنانيين بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هذه «الفرصة» لاقتناص مكسبٍ دون تكلفة هي المحرك الخفي لكل صراعاتنا وتوافقاتنا. ومن هنا، فإن تاريخ المفاوضات هو في الحقيقة تاريخ محاولتنا المستمرة للسيطرة على هذه النزعة الانتهازية، والمقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة.

في العصور السحيقة، لم يكن ثمة «مفاوض» محترف، بل بشر يطمحون للنجاة. حين بادل الإنسان الأول قطعة لحمٍ بحفنة من الحبوب، لم يكن يقوم بعملية اقتصادية فحسب، بل يُجري أول تجربة في «نظرية الألعاب» لحساب احتمالات الربح والخسارة. يرى روبرت أكسلرود Robert Axelrod في كتابه «تطور التعاون» (The Evolution of Cooperation)، أن تلك المبادلات الأولى كانت ضروريةً لإنشاء ما نسميه «المعاملة بالمثل». لقد تحتمّ على البشر إدراك أن التعاون هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في الأمد الطويل، ليس بوصفنا «خيّرين بالفطرة»، بل لأن «الدماغ الاجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف الآخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟

ومع تطور المجتمعات، تحولت هذه المقايضات من التلقائية إلى هياكل مؤسسية (قوانين، عقود، أعراف). في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي لمنع الأفراد من استغلال بعضهم البعض، ونقل المجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد.

تطور الأمر وصولاً إلى «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضع القواعد الأساسية للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت المفاوضات هي اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعلياً تاريخ للاتفاقات التي تم التوصل إليها، والحروب التي اندلعت حين فشلت هذه المفاوضات.

بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائماً. فحين تنهار الثقة أو تتفاقم الطموحات بالربح، تنكشف هشاشة تلك القواعد، ويعلو صوت القوة فوق الحق. وعلى المسرح الجيوسياسي، تتخذ تمظهرات أكثر تعقيداً. خذ على سبيل المثال التوترات الأحدث بين الولايات المتحدة وإيران عندما لا تقتصر المفاوضات على الطاولة المستديرة في إسلام آباد؛ بل تتجاوزها لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية، والرسائل المبطنة، والدبلوماسية الخلفية. وفي هذه البيئات، لا نلجأ فقط إلى العقلانية الاقتصادية، بل ندخل في متاهات علم النفس السياسي، حيث تُستخدم استراتيجيات قد تبدو غير منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، استعادت الصحف مصطلحاً تاريخياً مثيراً للجدل: «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) في المفاوضات التي صاغها الحائز على جائزة نوبل توماس شيلينغ Thomas Schelling في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict). وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة - على فكرة أن يقوم المفاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقلاني» تجاه الخصم، لإقناعه بأن لديه استعداداً للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة.

الهدف من هذا الجنون الموجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عالمنا المعاصر، ومع التداخل الكبير في شبكات المصالح العالمية، أصبحت هذه الاستراتيجية سلاحاً ذا حدين. فالمفاوضات اليوم تتطلب «بناء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل المجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد الأطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الذي لا تحمد عقباه. هل لا يزال هذا النهج صالحاً اليوم؟ ربما في التكتيكات قصيرة الأمد، لكنه بالتأكيد لا يبني استقراراً طويل الأمد.

وإذا كان أكسلرود يرى في المفاوضات أداة لتثبيت التعاون، فإن شيلينغ يرينا جانبها المظلم، حيث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة الآخر) لقلب الطاولة. هذا الانتقال من التعاون إلى الترهيب يعكس التحدي الدائم في عالمنا: كيف نحمي أنفسنا من «المنافس الخفي» الذي قد يستغل غياب القواعد لفرض إرادته؟

بسبب هذا التذبذب التاريخي بين التعاون والصدام، سعت مدارس الفكر الحديث لتقديم نهج بديل. الكتاب الأكثر تأثيراً في هذا المجال، «الوصول إلى نعم» (Getting to Yes) للباحثين في مشروع هارفارد للمفاوضات روجر فيشر وويليام أوري (Roger Fisher & William Ury)، أحدث قطيعة معرفية مع فكرة المفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزميله إلى «المفاوضات القائمة على المبادئ»، أي عزل المشاعر عن المشكلة، والبحث عن توسيع قالب الكعكة بدلاً من تناهش قطع منها. إن هذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «المنافس الخفي» داخلنا، وتحويله من كائن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهار شريكه.

اليوم، نقف أمام منعطف تاريخي يضع هذه المبادئ على المحك: الذكاء الاصطناعي. فهذا التطور الأحدث لا يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فضاء «الفرصة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «المنافسين الخفيين» الذين يتربصون بفرص استغلال الآخر، فإن الخوارزميات اليوم توفر لهؤلاء المنافسين «غطاءً تقنياً» مثالياً.

ولذلك فإن التساؤل الآن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعلنا أكثر عقلانية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التلاعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلى تفويض المسؤولية الأخلاقية للآلة؛ فإذا «قرر» الذكاء الاصطناعي شروط العقد، من المسؤول حينها عن استغلال «الفرصة» لظلم الطرف الآخر؟ ولعل تحدي العقد القادم للمفاوضين سيتعلق بتصميم هياكل أخلاقية وقانونية تمنع الآلة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الخفي، وكيف نحافظ على «التعاطف الاستراتيجي» الذي هو جوهر المفاوضة البشرية، والذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته.

من هذا المنطلق، لم يعد التفاوض التعاوني ترفاً أخلاقياً، بقدر ما هو استجابة تطورية لحقيقتنا ككائنات تعيش في بيئة مليئة بمنافسين يترقبون الفرصة. وعندما ننظر إلى الأزمات الكبرى اليوم من التغير المناخي إلى الانقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربحُ وتخسر) تعمق الأزمات وتطيل عمرها.

إن المفاوضات مسار حتمي سيفرض حضوره في تاريخ البشر، كفعلٍ تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بالآخر وبالذات في آنٍ واحد، ويفتح أفقاً للعبور من ماضٍ مديد حكمته غريزة اقتناص «الفرصة» بأي تكلفة، ذلك الماضي الذي تشكّل على إيقاع الغلبة، وتكرّست فيه القوة بوصفها امتلاكاً وإخضاعاً. وفي هذا العبور، تتجلّى القوة في صورةٍ أخرى: القدرة على التقاط ذلك الخيط الرفيع الذي تتقاطع عنده المصالح، وعلى الإصغاء إلى ما يكمن خلف الضجيج من إمكانات التلاقي العميق كأفقٍ أعلى للوجود الإنساني.

ومن هذا الفضاء، ينبثق الغد كثمرة وعيٍ يتجاوز وهم الانفصال ومنطق الفرصة، لتتبدّى حكمة التفاوض صيغةً لإعادة ترتيب العالم على أساس إدراك تشابكه البنيوي.


وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام
TT

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، تشكَّل مسار جديد للثقافة في المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ودخل ضمن صميم مشروع وطني يرسخ بناء الاقتصاد والمجتمع والهوية معاً؛ إذ حدَّدت «رؤية 2030» هذا المسار بوضوح، حين ربطت الثقافة بجودة الحياة، وبالاقتصاد، وبصناعة الصورة الدولية للمملكة. ومن هنا بدأ الانتقال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع.

ضمن هذا الإطار؛ عَملَت وزارة الثقافة بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فنجحت في تحول هذا الملف من الطرح العام إلى التنفيذ المنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من المكتبات والأدب إلى الموسيقى إلى الأفلام إلى التراث. هذا التقسيم لم يكن تنظيمياً فقط؛ بل مهنياً. كل هيئة تحمل مساراً واضحاً، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفق مؤشرات أداء. بهذه الخطوة، انتقلت الثقافة من خطاب جامع عام إلى قطاعات إنتاجية محددة.

تغيَّر السؤال فعلياً، ولم يعد: ماذا سنعرض؟ بل: ماذا سنبني؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حدثٍ ينتهي وأثرٍ يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات الابتعاث الثقافي، وحاضنات الأعمال الإبداعية. دخلت الجامعات، وارتبطت بالسوق، وبدأت المهن الثقافية تتشكل كخيارات عمل مستقرة لا كهوايات مؤقتة.

لم تأتِ الإنجازات منفصلة؛ ولكن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطلاق الاستراتيجيات القطاعية؛ تمكين المستثمرين؛ توسيع الشراكات الدولية؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح المشروع تماسكه.

في ملف الصناعات الثقافية؛ حدث التحول الأوضح: النشر، السينما، الأزياء، التصميم، والموسيقى تحولت إلى أنشطة اقتصادية لها سلاسل قيمة واضحة. صدرت تراخيص، ودخلت شركات، وبدأت السوق تتشكل. في قطاع الأفلام مثلاً، تضاعف الإنتاج المحلي خلال سنوات قليلة، وظهرت دور عرض، وارتفع حجم الإيرادات. هذه مؤشرات سوق، لا مظاهر احتفالية.

أما التراث؛ فخرج من دائرة الحفظ إلى دائرة التشغيل. مبادرات، مثل: ترميم البلدات التراثية أعادت توظيف المكان. في جدة التاريخية والعلا وقرى عسير، ومؤخراً وليس أخيراً إطلاق المشروع الواعد بمشيئة الله (قرية سدوس التاريخية) بهدف عودة النشاط الاقتصادي إلى الأحياء القديمة؛ حيث فُتحت وستُفتح مشاريع ضيافة، ونشطت حرف مهمة، وارتفعت حركة الزوار. التراث هنا أصبح أصلاً منتجاً. هذا التحول يحقق معادلة واضحة: حماية الهوية مع توليد دخل.

ومؤخراً كان لي شرف حضور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي الأخير، بوصفه محطة عمل. كانت النقاشات فيه مباشرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، والاستدامة، وقياس الأثر. طُرحت تجارب واقعية من جمعيات ومؤسسات استطاعت الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى بناء مواردها. وبرز توجه واضح نحو الحوكمة، ورفع كفاية الإدارة، وربط التمويل بالنتائج. ما ميَّز الملتقى هو وضوح اللغة. لم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بأدوات عملية. هذا المستوى من الطرح يعكس نضجاً في القطاع، ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب كفاية تشغيل.

وفي هذا السياق، وضعت كلمة الوزير الإطار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة الأساسية كانت حاسمة. لا مكان لكيان ثقافي بلا نموذج عمل ولا مؤشرات أداء. الدعم مشروط بالنتائج: النماء والأثر، ولن يكون مفتوحاً. هذا التوجه الرشيد يدفع الجمعيات إلى إعادة بناء نفسها. ويسهم في ظهور هياكل إدارية، وخطط تشغيل، وشراكات تمويل. من التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع!

إعادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر المرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح بالاسم ولا التاريخ؛ بل بالأثر: كم مشروعاً استمر أكثر من 3 سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّرت؟ كم برنامجاً درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه المعايير أصبحت المرجع. هذا التحول -بلا شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة.

الحضور الثقافي الخارجي لم يعد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. المنتج السعودي بدأ يصل بوصفه محتوى منافساً، لا تمثيلاً رمزياً.

وقد تغيَّرت العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضاً بعدما حدَّدت الدولة بوصلة الاتجاه، ووضعت الأنظمة، ووفرت الممكنات؛ تمهيداً لدخول المجتمع شريكاً في الإنتاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي من الأثر الاجتماعي. هذا التوزيع للأدوار سيخلق توازناً تشغيلياً؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة.

هذه اللغة الجديدة ستفرض الانضباط، وتحول دون استمرار المشروع الذي لا يقيس أثره. بهذا المعنى، تصبح الثقافة أداة بناء ونماء لا عنصر تزيين. تخلق مزيداً من الوظائف، وتطور مزيداً من المهارات، وتجذب كثيراً من الاستثمارات. وفي الوقت نفسه، تعيد صياغة العلاقة مع الهوية مورداً حياً يدخل في الاقتصاد والحياة اليومية.

وفي يقيني أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو تعميق هذا المسار، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتوسيع التصدير الثقافي، ورفع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور المدن الصغيرة في المشهد الثقافي.

بهذا الاتساق؛ يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً مكتمل الأركان: فكرة تتحول إلى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثراً، أثر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة.

*المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة


باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ
TT

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية، ويُعد هذا الكتاب الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتناول دراسة علمية منهجية لتقنية بصمة الدماغ.

يقول مؤلف الكتاب العميد الدكتور عادل عبد الرحمن العيد لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت أنظمة السمات الحيوية تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية في أنظمة التحقق من الهوية والأمن الرقمي في العالم، واعتمدت على خصائص فريدة أودعها الله في الإنسان مثل بصمات الأصابع، وبصمة قزحية العين، وملامح الوجه، وبصمة الصوت، وبصمة الحمض النووي. وقد أسهمت هذه الأنظمة في تعزيز الأمن في المطارات والمنافذ الحدودية والأنظمة المصرفية، وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والمستشفيات والمنشآت الحساسة. غير أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور أساليب التزييف العميق وتقليد السمات البيولوجية، كشف عن تحديات جديدة تتعلق بموثوقية بعض هذه الأنظمة. وقد دفع ذلك العلماء إلى البحث عن جيل أكثر تقدماً من تقنيات التحقق يعتمد على خصائص أكثر عمقاً وأصالة، وهو ما أدى إلى ظهور مجالات السمات العصبية، التي تعتمد على النشاط العصبي للدماغ بوصفه أحد أعظم مظاهر التفرد الإنساني».

ويذكر المؤلف العيد أن «الكتاب يركز على تقنية بصمة الدماغ التي تعتمد على تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي وتحليل موجات الاستجابة المعرفية المرتبطة بالذاكرة، وعلى رأسها موجة التعرف P300 التي تظهر تلقائياً عندما يتعرف الدماغ على معلومات مخزنة مسبقاً في الذاكرة. وتكشف هذه الاستجابة العصبية عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن الدماغ يحمل توقيعاً معرفياً فريداً يعكس ما يعرفه الإنسان وما يختزنه في ذاكرته».

والكتاب يقدم، كما يضيف المؤلف، عرضاً علمياً لتطور أنظمة السمات الحيوية عبر التاريخ، بدءاً من الاستخدامات المبكرة للبصمات في الحضارات القديمة، مروراً بتطور علم بصمات الأصابع في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة التي تعتمد على قواعد البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ويبرز الكتاب الدور السعودي المتقدم في تبني وتطوير تقنيات السمات الحيوية، حيث كانت السعودية من الدول الرائدة في المنطقة في بناء منظومات تحقق بيومترية متقدمة ضمن البنية الأمنية والتحول الرقمي. فقد شهدت المملكة خلال العقود الماضية تطوراً كبيراً في تطبيق أنظمة الهوية والبصمة من خلال مركز المعلومات الوطني وقطاعات وزارة الداخلية، إضافة إلى إدماج التقنيات البيومترية في أنظمة الأحوال المدنية والجوازات والمنافذ الحدودية والخدمات الحكومية الرقمية الأخرى، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وأشار العيد إلى أن الكتاب يناقش الأسس العصبية والإدراكية لتقنية بصمة الدماغ، ويشرح البنية الوظيفية للدماغ وآليات الذاكرة والانتباه المرتبطة بتوليد الإشارات العصبية، إضافة إلى تحليل التطبيقات المحتملة لهذه التقنية في مجالات التحقيق الجنائي والأمن والتحقق من المعلومات. ويتناول كذلك الأبعاد القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام التقنيات العصبية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ويخلص إلى أن تقنية بصمة الدماغ تمثل مرحلة متقدمة في تطور أنظمة التحقق من الهوية، إذ تنتقل عملية التحقق من السمات الجسدية الظاهرة إلى الخصائص المعرفية العصبية المرتبطة بذاكرة الإنسان. كما يشير إلى أن التكامل المستقبلي بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي قد يسهم في تطوير أنظمة تحقق أكثر دقة وموثوقية، مما يجعل السمات العصبية أحد أهم الاتجاهات العلمية في مستقبل الأمن والتحقق من الهوية.

وبذلك يسعى الكتاب إلى تقديم مرجع علمي عربي يجمع بين العلم الحديث والتأمل في الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان، ويواكب التطورات العالمية في مجال السمات العصبية وتقنيات التحقق المتقدمة، مع إبراز الدور المتنامي للمملكة العربية السعودية في تطوير وتبني هذه التقنيات.

هذا الكتاب هو السادس للدكتور العيد، إذ سبق أن أنجز كتباً عن الحاسب في علم البصمات، والأنظمة الآلية في القياسات الحيوية للتحقق من الشخصية، وأنظمة القياسات الحيوية والطموحات من التطبيقات العملية، وتطور التعرف والتحقق من الشخصية بالبطاقة الشخصية، والتحقق من الشخصية في العصر الرقمي.