«المستوطنون»... مواجهة مباشرة مع الفكر المتطرف للاستيطان اليهودي

بعينَي مخرج أميركي - بريطاني يعود للضفة الغربية بعد 14 عاماً

المخرج البريطاني الأميركي لويس ثيروكس مع المستوطن الأميركي آري أبراموفيتش في فيلم «المستوطنون» (بي بي سي)
المخرج البريطاني الأميركي لويس ثيروكس مع المستوطن الأميركي آري أبراموفيتش في فيلم «المستوطنون» (بي بي سي)
TT

«المستوطنون»... مواجهة مباشرة مع الفكر المتطرف للاستيطان اليهودي

المخرج البريطاني الأميركي لويس ثيروكس مع المستوطن الأميركي آري أبراموفيتش في فيلم «المستوطنون» (بي بي سي)
المخرج البريطاني الأميركي لويس ثيروكس مع المستوطن الأميركي آري أبراموفيتش في فيلم «المستوطنون» (بي بي سي)

يظهر في الفيلم الوثائقي «المستوطنون» رجل يتحدث بلهجة أميركية، ويقول في أول مشهد من الفيلم إن العرب لا صلة لهم بأرض فلسطين، ويضيف وهو يشير إلى خريطة فلسطين: «إذا قلنا إن هنا دولة فلسطينية ستكون دولة متطرفين في قلب إسرائيل».

يوجّه الرجل حديثه إلى مخرج الفيلم البريطاني - الأميركي، لويس ثيرو، الذي أعد الفيلم بعد زيارة إلى الضفة الغربية المحتلة للقاء مستوطنين يهود انتقلوا إلى الأراضي الفلسطينية في انتهاكٍ للقانون الدولي. وفي الفيلم الجديد (نحو 90 دقيقة) يعود ثيرو إلى الضفة الغربية بعد 14 عاماً من زيارته الأخيرة، حيث توحش الاستيطان الإسرائيلي، وبخاصة بعد حرب السابع من أكتوبر (تشرين الأول).

ومع تصاعد التوترات وتشجيع ائتلاف رئيس الوزراء اليميني بنيامين نتنياهو للمستوطنين، يركز الفيلم المُنتَج من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) على أعضاء الحركة الصهيونية المتطرفة ورموزها، وجهودهم لتعزيز حضورهم وتعزيز مكانتهم في الضفة الغربية.

مخرج الفيلم البريطاني - الأميركي لويس ثيرو في إحدى لقطات العمل (بي بي سي)

ويقول المخرج خلال العمل: «جئت إلى هنا (الضفة الغربية) في محاولة لفهم العقلية الإسرائيلية». ويشير ثيرو إلى أنه صوَّر معظم لقطات الفيلم تحت حماية الجيش الإسرائيلي، لكن تظهر لقطات من الفيلم المتداول عبر مواقع التواصل أنه تعرَّض للتوقيف من أحد عناصر الجيش وأيضاً من مستوطنين يطلبون منه إيقاف التصوير.

يسلط الفيلم الضوء على الوضع السياسي المتوتر في منطقة الضفة الغربية. من خلال لقاءات بعدد من المستوطنين وكذلك العرب. إذ التقى ثيروكس عيسى عمرو، وهو فلسطيني اصطحبه في جولة إرشادية في مدينة الخليل بجنوب الضفة الغربية، حيث كل شيء مغلق مع وجود عشرات الحواجز الأمنية، وقلة حرية الفلسطينيين وسط تلك النقاط.

ارتفاع أعداد المستوطنين

ارتفع عدد المستوطنين إلى أكثر من 700 ألف: أي ما يقارب عُشر إجمالي سكان إسرائيل اليهود. كما تصاعد العنف ضد الفلسطينيين وتهجيرهم على أيدي المستوطنين عاماً بعد عام، ليصل إلى مستويات غير مسبوقة، وفق ما أفادت صحيفة «فاينانشيال تايمز».

ويقطن في الضفة الغربية نحو ثلاثة ملايين فلسطيني، وقد عُدَّت هذه المستوطنات المثيرة للجدل غير قانونية من قِبل الأمم المتحدة لعقود عدة، وهو موقف أكَّدته محكمة العدل الدولية في حكم صدر في يوليو (تموز) 2023.

حفَّارات إسرائيلية تهدم مبنيين فلسطينيين بقرية قبية شمال غربي رام الله في الضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (أ.ف.ب)

والمستوطنات هي تجمعات سكانية أقامتها إسرائيل على أراضٍ احتلتها في حرب الأيام الستة عام 1967، وتشمل الضفة الغربية، والقدس الشرقية، ومرتفعات الجولان. المستوطنات متناثرة عبر الأراضي الفلسطينية وتحرسها قوات إسرائيلية، ولا يستطيع معظم الفلسطينيين العاديين الوصول إليها إلا إذا كانوا عاملين لدى شركات إسرائيلية في تلك المستوطنات.

يأتي ذلك في الوقت الذي ينفّذ فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي عمليات هدم في جنوب الضفة الغربية، وتشريد سكان من منازلهم لصالح التوسع الاستيطاني.

فتيات فلسطينيات يبكين بينما تهدم حفَّارات الجيش الإسرائيلي مبنيين فلسطينيين بقرية قبية شمال غربب رام الله في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

ووفق تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان العام الماضي، فإنه في الفترة من 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 إلى 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، جرت الموافقة على نحو 24300 وحدة سكنية داخل المستوطنات الإسرائيلية القائمة في المنطقة «ج» بالضفة الغربية، وفق تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

مستوطنون أمام الكاميرا

وينقل الفيلم حوارات مع دانييلا فايس، المعروفة بـ«عرَّابة» المشروع الاستيطاني، عن موقف متعصبٍ تجاه الفلسطينيين. وعندما يُشير ثيرو إلى أن دعوتها لتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية ستُعدُّ جريمة حرب، تضحك قبل أن تُعلن بفخر عن خططها لإعادة توطين غزة من اليهود.

فايس عضو رئيسي في حركة الاستيطان الإسرائيلية منذ 50 عاماً، وهي قادرة على إخفاء آرائها المتطرفة خلف ابتسامة ودودة. ونفت وجود أي عنف من المستوطنين ضد الفلسطينيين. وعندما عرض عليها مخرج الفيلم فيديو يُظهر فلسطينياً تُطلَق عليه النار، ادعت أن مطلق النار الإسرائيلي كان يتصرف انتقاماً، ثم دفعت ثيرو جسدياً على أمل أن يدفعها للخلف. بدلاً من ذلك، فعل شيئاً لم يفعله من قبل. وصفها بالمريضة نفسياً.

كما التقى مخرج العمل عدداً من المستوطنين، أبرزهم المستوطن من ولاية تكساس الأميركية آري أبراموفيتش، الذي يقول إنه لا يؤمن بوجود فلسطين دولةً، أو «بحقها الحقيقي في هذه الأرض».

ويرفض أبراموفيتش استخدام كلمة «فلسطيني»، ويلقب الفلسطينيين بـ«طائفة الموت» وهو يقف ممسكاً ببندقية ويدافع عن «الحق في التطهير العرقي». وعندها يلتقي المخرج حاخاماً يصف الفلسطينيين بـ«المتوحشين» و«راكبي الجمال».

مخرج في مواجهة السلاح

كان المخرج ثيرو يحاول بلطف إقناع شخصياته بأن نظرتهم للعالم قد لا تكون الوحيدة. وكان يترك فترات صمت طويلة يمكن للمشاهد خلالها أن يُظهر ازدراءه نيابةً عنه، مُدّخِراً مشاعره الحقيقية للتعليق الصوتي الذي يليه.

بعد كل هذه السنوات منذ الزيارة الأولى للضفة الغربية، لا يوجد ما يصدم ثيرو، لكن يبدو عليه الاستغراب والانزعاج عندما يحاول الجنود الإسرائيليون مقاطعته وترهيبه وهو يُوثق القيود المفروضة على الفلسطينيين في البلدات التي تضم جيوباً استيطانية.

خلال زيارة لمنزل فلسطيني، اقترب منه مستوطنون بسيارتهم ووجهوا إليه بنادقهم المزودة بمنظار ليزر من خلال النوافذ. وفي أكثر من مرة، اضطر إلى مطالبة الناس بأدب بخفض أسلحتهم أثناء حديثهم معه. وفي إحدى المواجهات التي شابها التوتر الشديد، اضطر إلى أن يصرخ قائلاً: «لا تلمسوني» في وجه جنديين إسرائيليين يضعان قناعين، وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية.

كما تظهر لقطات من الفيلم رفض جندي إسرائيلي عبور مواطن فلسطيني بصحبة مخرج العمل، فقط بسبب جنسيته الفلسطينية.

كما ينقل الفيلم لمحة عن إحدى الخطب لوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وهو يتحدث في تجمع للمستوطنين عن كيفية تحول رجل أُدين سابقاً بـ«التحريض على العنصرية» إلى مصدر إلهام للسياسة.

إشادات بالفيلم

أشادت وسائل إعلام بريطانية بالعمل؛ إذ وصفته صحيفة «إندبندنت» بأنه «تحفة فنية»، في حين كتب المحرر الفني في صحيفة «الغارديان» سيورت هيريتاج أن «مخرج العمل قام بشيء لم يقم به من قبل أبداً».

بدورها، عدت صحيفة «فاينانشيال تايمز» أن الفيلم الوثائقي «يُجيد لفت الانتباه إلى الخلافات التي تفاقمت خارج دائرة الأخبار التي يهيمن عليها الصراع في غزة، إلا أنه ربما يُركز بشكل مفرط على الأفراد المتطرفين».

وقال أحد المعجبين على «إكس»: «كعادته، يُبدع لويس ثيرو في عمله. كان فيلمه الوثائقي «المستوطنون» رائعاً. سمح للمستوطنين بإظهار هويتهم الحقيقية للناس». وكتب آخر على الإنترنت: «تكمن براعة لويس ثيرو بصفته صحافياً في لطفه وأسلوبه الذي يُشعِر من هم في غاية الاضطراب بالأمان الكافي للتعبير عن آرائهم». وقال آخر: «قدّم لويس ثيرو تحفة فنية في صمت»، وفق ما أوردته صحيفة «إندبندنت» البريطانية.

جنود الاحتلال الإسرائيلي يغلقون طريقاً خلال مداهمة في مخيم العين للاجئين الفلسطينيين غرب نابلس بالضفة الغربية المحتلة الاثنين (أ.ف.ب)

وعدت صحيفة «فاينانشيال تايمز» أن هذا الفيلم الوثائقي واضح وجلي، ويتناول وضعاً قاتماً يُخشى أن يستمر لخمسة عشر عاماً أخرى من توغل الاستيطان الإسرائيلي. إذ يصور مشهد قصير نشطاء إسرائيليين مؤيدين للسلام يحاولون حماية مزارعي الزيتون الفلسطينيين من المستوطنين والجنود، يُعطي على الأقل أملاً ضئيلاً في وجود بديل.

واشتهر مخرج الأفلام الوثائقية بأسلوبه الآسر في المقابلات، كما يتضح في فيلمه الوثائقي عام 2007 عن «العائلة الأكثر كرهاً في أميركا»، ومن أشهر أفلامه الوثائقية وأكثرها مشاهدةً فيلم «لويس والنازيون» (2003)، الذي أمضى فيه المخرج وقتاً مع منظمة عنصرية بيضاء.


مقالات ذات صلة

بن غفير يسعى لتولي وزارة الدفاع في الحكومة الإسرائيلية المقبلة

شؤون إقليمية وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير خلال مؤتمر صحافي له في القدس 22 سبتمبر 2026 (رويترز)

بن غفير يسعى لتولي وزارة الدفاع في الحكومة الإسرائيلية المقبلة

أعلن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الثلاثاء، أنه سيسعى إلى تولي حقيبة الدفاع في الحكومة المقبلة، قبل نحو شهر من الانتخابات التشريعية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

المستوطنون يواصلون هجماتهم بالضفة الغربية... والجيش الإسرائيلي يوسع عملياته العسكرية

وثَّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية 4914 اعتداءً للمستوطنين في الضفة الغربية منذ مطلع العام 2026 وحتى نهاية أغسطس (آب) الماضي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

«الدولة الفلسطينية»... أبعد من أي وقت مضى

بعد عام على الاعترافات، يبدو حلم إقامة دولة فلسطينية بعيد المنال مع تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين، وتقلّص مساحة العيش للفلسطينيين مع توسّع الاستيطان.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شؤون إقليمية وزيرة الخارجية الفلسطينية فارسين أغابكيان شاهين ووزير الخارجية البرتغالي باولو رانجيل يحضران مؤتمراً صحافياً بعد اجتماع في لشبونة بالبرتغال يوم 14 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

البرتغال تتهم إسرائيل بتقويض الدولة الفلسطينية عبر توسيع المستوطنات

قال وزير خارجية البرتغال إن توسُّع المستوطنات الإسرائيلية والضغوط الاقتصادية في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية يقوّضان آفاق إقامة دولة فلسطينية مستدامة.

«الشرق الأوسط» (لشبونة)
المشرق العربي فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

رسائل أردنية مشفّرة في مواجهات استفزازات إسرائيلية مستمرة

عاد مصطلح «الأردن أولاً» إلى لسان الرسميين الأردنيين، وذلك أمام استفزازات إسرائيلية مستمرة، وتهديد مستمر بدفع خيار تهجير سكان من الضفة الغربية نحو الأردن.

محمد خير الرواشدة (عمّان)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
TT

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تكمن جدّته في تناول حياة العاملين في المهنة الصحافية أنفسهم. فأسامة مصوّر صحافي ينتقل من فاجعة إلى أخرى ليوثّقها وينقلها إلى العالم، فيما يجد نفسه، شأن كلّ فلسطيني في غزّة، مطالَباً بالاهتمام بعائلته وتأمين الأمان والطعام والشراب لها. باختصار، هو إنسان عليه أن يعيش ويبني، فيما يمضي العدو في القتل والتدمير.

لدى المخرج كثير مما يقوله في هذا الحديث عن الفيلم وظروف تصويره وإنتاجه. إنها تجربة مهمّة بذاتها، عُرضت في «مهرجان فينيسيا السينمائي»، حيث لم يتمكّن المخرج من الحضور، ومن المقرّر عرض الفيلم في الدورة المقبلة من «مهرجان الجونة السينمائي». كذلك اختير لتمثيل السينما الفلسطينية في سباق «أوسكار» أفضل فيلم دولي لعام 2027.

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

اختيارات ومخاطر

> كيف تكوّنت فكرة تصوير فيلم عن المصوّر أسامة؟

- بدأت الفكرة من حياة المصوّر أسامة العشي اليومية خلال الحرب. كان أسامة يعمل صحافياً في شمال قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه أصبح أباً للمرة الأولى. ما جذبني لم يكن عمله صحافياً فحسب، بل الإنسان الموجود خلف الكاميرا؛ الأب والزوج والمواطن الذي يعيش الحرب نفسها التي يقوم بتغطيتها.

في البداية، كانت الفكرة بسيطة، أن أتابع أسامة داخل بيته وفي عمله، ونرى كيف يعيش الصحافي حياته عندما يترك الكاميرا ويعود إلى عائلته. لكن الأحداث نفسها هي التي كوّنت الحكاية وغيَّرت مسارها باستمرار.

لم يكن لدينا سيناريو يستطيع التنبّؤ بما سيحدث، لأننا أصلاً لم نكن نستطيع توقّع الأحداث المأساوية التي ستقع في اليوم التالي. في النهاية، ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وما كان يحدث على الأرض هي التي رسمت مسار الفيلم. كنّا نتابع أسامة وعائلته، والحرب هي التي كانت تكتب الأحداث أمامنا.

> ماذا كان يعني تصوير فيلم في غزّة خلال هذه المحنة، وما الخطر الذي كان التصوير يمثّله؟

- كان يعني ببساطة أننا نصوّر واقعاً نحن أنفسنا محاصرون داخله. نحن أشخاص موجودون في بقعة صغيرة ومحاصرة، نتعرّض للقصف ونعيش الخوف والنزوح وفقدان الأشخاص من حولنا، مثل بقية الناس. لذلك لا أحبّ أن أقدّم استمرارنا في التصوير على أنه فعل بطولي.

كانت هناك لحظات لم أستطع فيها أصلاً حمل الكاميرا، وفي أوقات أخرى كان أعضاء من الفريق يتوقّفون للاهتمام بعائلاتهم، أو نتوقّف جميعاً لأن الظروف لا تسمح بالعمل. لكن الحرب استمرّت طويلاً، ولم تتوقّف الأحداث، ومع الوقت شعرنا بأن مسؤولية تقع علينا، نحن الموجودين داخل غزّة، بأن نحفظ شيئاً من هذه الذاكرة. ليست هناك بطولة تُذكر، بل كنّا هنا ونعيش ما يحدث.

> لماذا اخترت أسامة دون سواه من المصوّرين الصحافيين؟ ولماذا تناولت مصوّراً واحداً عوضاً عن تقديم فيلم عن مجموعة منهم؟

- كنتُ أبحث عن شخص واحد أستطيع من خلاله الدخول بعمق إلى الحياة اليومية للإنسان خلال الحرب. عندما بدأنا التصوير، كان أسامة زميلاً أعرفه، ولم تكن بيننا في البداية تلك الصداقة العميقة. لكن خلال صناعة الفيلم، ومع قلّة عدد الأشخاص الذين بقوا في شمال قطاع غزّة والظروف التي كنّا نعيشها، أصبحت قريباً من أسامة وعائلته، ونشأت بيننا ألفة كبيرة، وتحوّلت العلاقة مع الوقت إلى صداقة.

كما أنّ أسامة أصبح أباً للمرة الأولى خلال الحرب، وهذا فتح أمامي مساحة إنسانية مهمّة جداً؛ صحافي يحاول القيام بعمله، وفي الوقت نفسه أب جديد يحاول حماية طفله وزوجته، ومواطن يبحث مثل الجميع عن الطعام والأمان وأبسط حاجات الحياة.

لهذا فضّلت البقاء مع شخصية واحدة بدلاً من مجموعة شخصيات. كنت أريد الذهاب إلى العمق، لا إلى العدد.

من كواليس تصوير «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

مرحلة ما بعد التصوير

> كيف كانت العلاقة المهنية مع المنتج رشيد مشهراوي؟ هل اقترح خطّة عمل أو تعديلات؟

- كان رشيد مشهراوي مُشرفاً على المشروع، لكن طبيعة التواصل بيننا خلال الحرب كانت مختلفة جداً بسبب الظروف والخطر الذي كنّا نعيشه. كنت أتواصل معه من وقت إلى آخر للاطمئنان، لكنني كنت أتجنّب الحديث بوضوح عن الفيلم أو تفاصيل ما نعمل عليه. في الحقيقة، لم تكن لديه صورة واضحة عمّا إذا كنّا لا نزال نصوّر أم لا، لأننا لم نكن نعرف إن كان هذا الفيلم سيُنجز في النهاية.

كانت الظروف في غزّة شديدة الخطورة. كنّا نعرف أنّ أي طارئ يمكن أن يحدث في أي لحظة. قد أُقتل أنا، أو يحدث شيء لأسامة، أو يُصاب أحدنا إصابة بالغة، أو نتوقّف عن العمل نهائياً. لذلك لم يكن منطقياً بالنسبة إليّ أن أتعامل مع المشروع كأنه فيلم يسير وفق خطّة وسيكتمل بالتأكيد.

بعد وقف إطلاق النار، استطعنا إيصال المواد إلى مرحلة أصبح فيها إعداد النسخة الأولى من الفيلم ممكناً. وعندما أنجزت المسودة الأولى، أرسلتها إليه، ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تماماً من علاقتنا المهنية.

بدأ دوره يتّسع بكونه منتجاً ومشرفاً فنياً على العمل، خصوصاً في مرحلة ما بعد التصوير، من مشاهدة النسخة والعمل على البناء والترتيب والتفاصيل التي تقود إلى النسخة النهائية. ثم برزت أهمية خبرته في المرحلة التالية أيضاً. فرشيد مخرج ومنتج فلسطيني من غزّة، لديه خبرة طويلة في السينما والمهرجانات الدولية، ولذلك كان لدوره أهمية كبيرة في استكمال الفيلم ومرافقته في رحلته إلى المهرجانات والجمهور خارج غزّة.

> هل تعرّضتم لخطر ما خلال التصوير؟

- نعم، مرّات كثيرة. لم يكن الخطر حادثة منفصلة وقعت خلال صناعة الفيلم، وإنما كان جزءاً من الواقع اليومي الذي كنّا نعمل داخله.

أُصيب أحد أفراد فريق التصوير، حاتم سيلمي، خلال العمل. وفي مراحل مختلفة، اضطر بعض أعضاء الفريق إلى التوقّف للاهتمام بعائلاتهم، وكنّا نتوقّف عن التصوير عندما يشتدّ الخطر أو نُضطرّ إلى النزوح.

وفي إحدى المرّات، كان هناك تهديد خطير بجوار منزلي، وكان عليَّ إخلاء عائلتي بينما كنت بعيداً عنها. في تلك اللحظة، لم أفكّر في الفيلم أو المواد المصوَّرة؛ كان كلّ تفكيري منصبّاً على إخراج عائلتي من منطقة الخطر. ولم أتذكّر المواد الموجودة في المنزل إلا بعدما أصبحت عائلتي في مكان آمن. وبعد قصف المنزل المجاور، عدت عندما أصبح ذلك ممكناً، ووجدت أنّ المواد المصوَّرة لا تزال محفوظة.

وهناك أيضاً الخطر النفسي والإنساني، وليس الجسدي فحسب. بعد استشهاد شقيقي، توقّفت عن التصوير شهرين أو 3 تقريباً. في لحظات مثل هذه، لا تفكّر في كونك مخرجاً، وإنما في أنك إنسان فَقَدَ شخصاً من عائلته.


شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
TT

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)

«Fatherland»

★★★إخراج: بافل بافليكوفسكي

الإنتاج: بولندا، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا (2026)

«الأوسكار»: ثالث فيلم للمخرج تختاره بولندا لتمثيلها في سباق «أفضل فيلم دولي»

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته، وآخر باطني يكشف عن غضب داخلي ناجم عن التوتّر بين الأب وابنته، إلى جانب أسباب أخرى.

يتناول الفيلم الأديب الألماني توماس مان (يؤدّيه هانز زيشلر)، الذي غادر موطنه عام 1933 مع صعود النازية. وتتمحور الأحداث حول عودته إلى ألمانيا عام 1949، عندما استجاب لدعوة لتسلّم «جائزة غوته» من مدينة فرانكفورت. ترافقه في الرحلة ابنته «إريكا» (ساندرا هولر)، التي لم تكن راغبة في الزيارة أصلاً.

تكشف المَشاهد التي تجمع الأب وابنته، سواء أكانا وحدهما أم وسط آخرين، عن توتّر بينهما، خصوصاً بعدما قرّر الأب قبول جائزة ألمانية ثانية. وهكذا يحيط الفيلم بوضعَين: شخصي؛ يتمثّل في العلاقة المتوتّرة بين مان وابنته، وعام؛ يتمثّل في ألمانيا الخارجة من حرب خسرتها.

لكن المخرج لا يدخل في التفاصيل، ولا يبني على ما يؤسّسه من أحداث بما يمكّن الفيلم من سبر أبعادها، مكتفياً بكاميرا تلاحظ ولا تشترك. أكثر من ذلك، كان التصوير بالأبيض والأسود في فيلمَيه السابقَين «آيدا» (2013) و«حرب باردة» (2018) أعلى حيويةً وفعلاً ممّا هو عليه في هذا الفيلم.

«Coward»

★★إخراج: لوكاس دونت

الإنتاج: بلجيكا، فرنسا، هولندا (2026)

«الأوسكار»: الفيلم البلجيكي المختار لسباق «أفضل فيلم دولي»

الحرب التي يختار المخرج دونت وضع حكايته فيها هي «العالمية الأولى». وقد كانت محطّ اهتمام عشرات الأفلام، بينها كلاسيكيات عدّة، كلّ منها كافٍ لدفن هذا الفيلم الجديد في خنادقها. أفلام مثل «الوهم العظيم» لجان رنوار (1937)، و«ممرات المجد» لستانلي كوبريك (1957)، و«طفولة إيفان» لآندريه تاركوفسكي (1962)، تناولت مآسيَ الحرب كما انعكست على شخصياتها في خطوط المواجهة الدامية. وكانت الحالات التي استعرضتها ترمي إلى ما هو أبعد من تمرير تجربة شخصية أو التوقّف عند ما يحدث لصاحبها دون الآخرين.

مشهد من «جبان» (ذا ريونيون)

في «جبان»، لا يهمّ كلّ هذا؛ لأن الحكاية التي يريد المخرج سردها تتناول شاباً يُدعى «بيار» (إيمانويل ماكيا)، يصفه رفاق السلاح بأنه جبان. يريد أن يبرهن على أنه ليس كذلك، لكنه لا يستطيع؛ لأنه بالفعل هكذا. لا نرى أمثلة فعلية على جبنه، ولا ينتهي الفيلم بموقف مغاير لبطله، ولا يدخل في عمق شخصيته، رغم تخصيص مشهد طويل لخوضه تجربة كان من المفترض أن يخرج منها شجاعاً، أو مختلفاً على الأقل.

الرهان هنا على الحبكة، مع الإصرار على توظيف الحرب العالمية الأولى ديكوراً.

يتحاشى الفيلم مشاهد الحرب بالمعنى المُتعارف عليه، رغم توافر مناسبات لها. وما يقدّمه منها يأتي من باب الضرورة أكثر ممّا يعبّر عن موقف أو بُعد من أي نوع. خيار المخرج الوحيد يقع بين كاميرا محمولة لتصوير المشاهد الرومانسية، وأخرى محمولة ومرتجّة لتصوير رفاق السلاح في أرض المعركة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
TT

فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)

BUNKER

★★★⭐︎

• إخراج: فلوريان زَلر

• فرنسا/ إسبانيا (2026)

• عروض: بمهرجانَي فينسيا وتورنتو

يبدأ «ملجأ» ببطله خافييه باردام وهو جالس إلى طاولة طعام يتحدّث. أتذكّر سريعاً أنها بداية فيلمه ما قبل الأخير «المحبوبة» لرودريغو سوروغويان؛ إذ يبدأ الفيلم بالبطل جالساً إلى طاولة (في مطعم آخر طبعاً) وهو يتحدّث أيضاً. لكن عند هذا الحد ينتهي التشابه بين الفيلمين اللذين ينتميان إلى نوع من الدراما التي تسبر أعماق شخصياتها. في «المحبوبة» هو مخرج يحاول دفع ابنته (فكتوريا لوينغو) لتجاوز موقفها تجاهه، وقبول الفرصة التي يتيحها لها لتصبح ممثلة أفضل. وهنا هو مهندس معماري يواجه أزمة مع زوجته (بينيلوبي كروز) تكاد تؤدي بهما إلى قطيعة.

في فيلمه الجديد يلعب باردام دور المهندس المعماري الإسباني «ميغويل» الذي يعيش مع زوجته «صوفيا» وابنتَيهما في لندن. يتلقّى عرضاً مغرياً لتصميم ملجأ عميق تحت الأرض استعداداً لمستقبل يلفّه الغموض. العارض هو واحد من رجال المؤسسات الملياردية الكبيرة (فكّر أمازون أو يوتيوب)، وهو معجب بفن «ميغويل»، ويرفع الأجر المغري إلى الضعف عندما يصل إليه نبأ تردد المهندس في قبوله. سبب التردد هو أن «صوفيا» لديها سؤال مهم حول هذا المشروع وصاحبه: ما الذي يعرفه هذا الملياردير عن المستقبل لا نعرفه بحيث يصر على بناء ذلك الملجأ المحصّن المزوّد بمؤونة كافية لسنة كاملة؟ يتنامى لدى «ميغويل» شعور بأن مشاعر زوجته نحوه بدأت تتبدد. هي رئيسة تحرير كتبت في دار نشر، وتتعامل حالياً مع مؤلف أميركي شاب وجذّاب اسمه «جيريمي» (باتريك شوازنيغر)، وهناك بوادر بداية علاقة خارج المهنة يحسب الزوج لها حساباً كبيراً.

هناك أيضاً جاره «توبي» (ستيفن غراهام) الذي يهدم جزءاً من جدار بيته، ما يجعله قادراً على رؤية ما يدور في منزل «ميغويل» الذي يستاء من ذلك، ويطالب «توبي» بسد الثغرة. سيلي ذلك تحوّل بسبب أحداث لاحقة تُساهم في تغيّر موقف «ميغويل» من كل شيء.

المعالجة الكلّية لمجمل هذه الأحداث ونتائجها جيّدة. ما زال المخرج في هذا الفيلم (الثالث له) متمكناً من إدارة الممثلين كما ظهر في فيلمَيه السابقين «الأب» (مع أنطوني هوبكنز) و«الابن» (مع زن ماغراث).

بعض ذلك يعود إلى خلفية المخرج المسرحية التي يمكن ملاحظتها جيّداً في هذا الفيلم، ليس فقط على صعيد إدارة الممثلين بفاعلية، بل كذلك باختيار سرد حكايته (أو حكاياته بالأحرى) في مشاهد داخلية غالباً، وعلى نحو لا خلل فيه مع غياب شبه دائم للمشاهد الخارجية.

BEING HEUMANN

★★

• إخراج: شيان هيدر

• الولايات المتحدة (2026)

• عروض: فيلم افتتاح «تورنتو»

«أن تكون هيومان» هو ثاني فيلم للمخرجة هيدر عن شخصيات تعاني من إعاقة. في فيلمها السابق «كودا» (CODA)، تناولت هيدر قصة فتاة شابة تنتمي إلى عائلة من الصم، وتُعدّ الوحيدة القادرة على السمع والنطق بينهم، في حين تحلم بمستقبل مهني في الغناء. هنا تعود هيدر إلى موضوع الإعاقة عبر سيرة جودي هيومان، الناشطة التي قادت في سبعينات القرن الماضي حملة للمطالبة بحقوق ذوي الإعاقة الحركية في الولايات المتحدة. الفيلم مقتبس من مذكراتها، وتؤدي شخصيتها روث ماديلي.

لقطة من «أن تكون هيومان» (آبل فيلمز)

عودة المخرجة لتقديم فيلم عن معاقين لا تخلو من الرغبة في استخدام السلّم الذي أوصلها للفوز بثلاث أوسكارات عن «كودا» سنة 2022. يكشف الفيلم الجديد رغبة هيدر في تكرار نجاح «كودا»، لكن من دون امتلاك المقومات ذاتها. فكما يعود إلى موضوع الإعاقة، يعود أيضاً إلى استثمار القضية سعياً وراء التعاطف والإعجاب، من دون معالجة درامية ناضجة أو مقنعة. ليس هناك من مشهد واحد في كلا الفيلمين بريء من الاستغلال الفوري للفكرة، ومن تنفيذ خفيف لموضوع مهم يتم تقديمه عبر أسلوب هو أقرب لمن ينقر على مفاتيح البيانو من دون تأليف معزوفة.