كيف تستفيد الصحف من زيادة متابعة الأخبار على «إنستغرام»؟

كيف تستفيد الصحف من زيادة متابعة الأخبار على «إنستغرام»؟
TT

كيف تستفيد الصحف من زيادة متابعة الأخبار على «إنستغرام»؟

كيف تستفيد الصحف من زيادة متابعة الأخبار على «إنستغرام»؟

في تحركات رُصدت أخيراً، تتجه المؤسسات الصحافية والإعلامية إلى تعزيز مكانتها على «إنستغرام» الذي ظل لسنوات منصة شخصية، متابعوها غير معنيين بالأخبار. غير أن ناشرين بارزين على شاكلة «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) لاقت حساباتهم نمواً ملحوظاً على مدار العامين الماضيين، ما يثير تساؤلات حول إمكانية تعزيز الخدمات الإخبارية على المنصة، إلى حد وصفه أحد المراقبين الخبراء بـ«واجهة جديدة للأخبار، من شأنها تقديم بدائل للمؤسسات الصحافية والإعلامية، بسبب تراجع التفاعل مع الأخبار على (فيسبوك) و(تويتر)».

لقد رصد تقرير أجرته مؤسسة «بريس غازيت» البريطانية خلال الفترة من 2021 إلى 2023 عن 50 ناشراً، نمو متابعي الخدمات الإخبارية على منصة «إنستغرام» إلى نحو الضعفين. وحدد التقرير «بي بي سي» بأنها الأكثر متابعة بنحو 26 مليون متابع، بينما حظي موقع «هيلث لاين» الأميركي بلقب الأكثر نمواً، بعدما نجح في استقطاب أكثر من مليون متابع في غضون سنتين.

وتضمن التقرير ناشرين بارزين، مثل: «الواشنطن بوست»، و«يو إس توداي»، و«بلومبرغ»، و«بيزنس إنسايدر»، و«سكاي نيوز»، وغيرهم، وجميعهم سجلت حساباتهم على «إنستغرام» نمواً خلال عامي البحث؛ لكن بنسب متفاوتة لها دلالات يراها خبراء واعدة.

وشمل التقرير كذلك منصة الفيديوهات القصيرة «تيك توك» التي أشار إلى تحقيق الناشرين نمواً أيضاً على صفحتها، غير أنه وصف ذلك الأمر بـ«غير المفاجئ»، باعتبارها منصة لا تزال حديثة، وتتجه نحو استقطاب المؤسسات والأفراد.

هذا، ووضعت توصيات التقرير «إنستغرام» بالنسبة لصُناع الأخبار «هدفاً»، ودعت لـ«إجراء المزيد لتعزيز وجود صُناع الأخبار على المنصة».

هاني سيمو، خبير المشروعات الرقمية في دولة الإمارات العربية المتحدة، يرى أن نمو صفحات الأخبار على «إنستغرام» وغيرها من المنصات، يعود لأسباب، أبرزها «ميل الأجيال الجديدة (Z وألفا) إلى البعد عن الاستخدام المباشر للمواقع الإخبارية، ومحركات البحث التقليدية، وهو ما انعكس على زيادة دور المنصات الاجتماعية، مثل (إنستغرام)، و(تيك توك)، و(يوتيوب)، و(فيسبوك) في حصولهم على مستجدات الأخبار».

وأضاف سيمو لـ«الشرق الأوسط» أن «نمو المتابعين لصفحات الخدمات الإخبارية يعد مكسباً»؛ غير أنه يشير إلى أن «استهلاك المحتوى الإخباري على المنصات الاجتماعية في معظم الأحيان، يكون مبنياً على ترشيحات خوارزميات المنصات للمستخدم، ونادراً ما نلاحظ قيام المستخدم بزيارة مباشرة لحساب المنصة الإخبارية للاطلاع على ما هو جديد لديها».

تفوق على «تيك توك»

وحقاً، أشار تقرير «بريس غازيت» إلى أن «العلامات التجارية الإخبارية الخمسين قيد البحث التي تحظى بأكبر عدد من المتابعين على (إنستغرام)، قٌدر عدد متابعيها إجمالاً ودون تكرار بـ196.7 مليون متابع، مقارنة بـ52.2 مليون حظيت بهم أكبر 50 علامة إخبارية على (تيك توك) في وقت سابق من هذا العام». ولفت إلى أن «المنصتين مفضلتان من قبل الجماهير الأصغر سناً، إذ ما يقرب من 70 في المائة من قاعدة مستخدمي (إنستغرام) تقل أعمارهم عن 34 سنة». وهنا أرجع مراقبون اهتمام جمهور «إنستغرام» بالأخبار إلى تراجع «فيسبوك» عن دعم الأخبار، مع العلم بأن المنصتين تملكهما شركة واحدة هي «ميتا». وكذلك إلى ارتباك «تويتر» منذ نقل ملكية المنصة إلى إيلون ماسك. وبالتالي، كل هذا صب في صالح الخدمة الإخبارية على منصة الصور الأبرز، أي «إنستغرام».

من جانبه، يرى سيمو أن «وجود ناشري الأخبار على جميع المنصات الاجتماعية أمر حيوي راهناً». ويشرح بأن «منصات التواصل تضمن للمؤسسات الإخبارية أن تبقى قريبة من جمهورها، كما تنوع خياراتها الربحية». ثم يضيف: «يجب أن يرافق وجود المؤسسات الإخبارية على الشبكات الاجتماعية استراتيجية خاصة لكل منصة، تُصاغ تفاصيلها بشكل يقدم محتوى ينسجم مع خصوصية كل منصة؛ سواء بالشكل أو المضمون، بحيث تلبي توقعات الجمهور عند استخدامه للمنصة».

هذا، وعلى الرغم من أن «إنستغرام» بدأ في عام 2010 بوصفه تطبيقاً لمشاركة الصور، فإنه تبنى أخيراً الفيديو للمنافسة مع «تيك توك» و«يوتيوب». وخلال عام 2020 قدمت الشركة «إنستغرام ريلز»، وهي خدمة لها تقنيات التصوير (الفيديو الرأسي) نفسها التي اتبعها «تيك توك» والذي تبناه الناشرون لاحقاً مثل «ريتش» و«آي تي في نيوز».

هذا، ويضع سيمو تعزيز الأخبار على «إنستغرام» في المرحلة المقبلة «رهن التطوير في الشكل والمضمون». ويتابع: «يتجه الناشرون إلى تقديم محتوى قائم على معايير المنصة؛ بل ومخصص وفق المواصفات الفنية الخاصة بها، من حيث المدة والأبعاد، ويجري اختيار المحتوى بدقة بما ينسجم مع اهتمامات الجمهور ونمط استهلاكهم للمحتوى على كل منصة». لكن سيمو يرى أن «التحدي الحقيقي لناشري الأخبار على (إنستغرام) يتلخص في القدرة على تقديم المعلومة الكاملة من خلال المساحة المحددة التي تتيحها الصورة أو مدة الفيديو»، ويردف بأن «هذه المساحة المحدودة لعدد الكلمات ومدة الفيديو هي إحدى تفضيلات المستخدم على (إنستغرام)... فالمستخدم بالأساس يدخل عالم (إنستغرام) لأنه في توقيت استخدامه للتطبيق لا يريد قراءة نصوص، ومشاهدة فيديوهات مطولة، ما يشير إلى أهمية معايير التكثيف والدقة».

استراتيجية تعدد الحسابات

عودة إلى تقرير «بريس غازيت»، فإنه أشار إلى أن الناشرين الأكثر حضوراً على «إنستغرام» اتبعوا استراتيجية تعزيز خدماتهم الإخبارية بتدشين أكثر من حساب، لكل منهم لغته وربما محتواه. وهذا ما عدَّه خبراء مؤشراً لاستراتيجية مستقبلية تتجه نحو تعزيز الحضور على منصة «إنستغرام» أملاً في تفادي تبعات أزمة التفاعل على «فيسبوك».

من جهة أخرى، يرى أحمد عبد الله، المتخصص في التسويق الإلكتروني عبر صفحات التواصل الاجتماعي في وكالة «وندرمان تومبسون» الأميركية (ومقرها نيويورك) خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «نمو صفحات الخدمات الإخبارية يعود إلى انتباه الناشرين بالأساس إلى أهمية تقديم قوالب غير نمطية من الخبر، على شاكلة (الفيديو غراف) و(الريلز)». ويتابع القول بأن ثمة سبباً آخر يتعلق بـ«فيسبوك»، ذلك أنه «خلال الفترة الماضية تلاعب (فيسبوك) بمستويات الوصول (الريتش) إلى صفحات الأخبار، وعمل على خفضها على نحو ملحوظ؛ إلا في حالة دعمها بإعلانات مدفوعة، كل هذا صب في اتجاه عزوف الناشرين والبحث عن البديل الذي تحقق في (إنستغرام)».

وفي معرض شرح مشهد الإعلام الرقمي وعلاقة الناشرين بمنصات التواصل، قال عبد الله: «هناك 3 أطراف، هم: الناشرون، والمنصات، والجمهور، تربطهم علاقة تكاملية لا يتحكم فيها طرف واحد فقط... بينما منصات التواصل بشكل عام تقوم على التجربة، والتي ربما تختلف حسب المرحلة والتطورات اللحظية. ومن ثم، على الناشرين أن يطوّروا أدوات التكيف لدى الصحافيين ليكون الهدف تقديم المعلومة، على النحو الذي يضمن وصولها للجمهور الذي بات يبحث عن الأسهل والأكثر متعة»، غير أن عبد الله، في مقارنته، عدَّ الجمهور هو «الكفة الأرجح واللاعب الأبرز».

أرباح محدودة

ومن جهة ثانية، رغم الصعود الذي حققته الخدمات الإخبارية على «إنستغرام»، فإن «الأرباح لا تزال محدودة»، هكذا يرى عبد الله. ويوضح: «يُمكن للصحف أن تحقق أرباحاً من (إنستغرام) وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي؛ لكنها لا تضمن الركيزة الأساسية في الدخل، لا سيما مع تطوير معايير الربحية بوتيرة سريعة».

وما تجدر الإشارة إليه، أنه قبل 5 سنوات، كانت الصحف بالكاد تستخدم «إنستغرام»، غير أن السنوات الأخيرة شهدت «انتقالاً فعالاً»، وفقاً لتقرير «رويترز» للأخبار الرقمية لعام 2023، الذي يشير إلى أن «إنستغرام» بات الآن ثاني أسرع منصة للأخبار نمواً، والشبكة الاجتماعية الأكثر استخداماً بين 18 و24 سنة بشكل عام في 12 سوقاً إخبارية رئيسة.

وبالإضافة إلى ذلك، كشفت دراسة استقصائية، أجراها معهد «رويترز» لدراسة الصحافة في وقت سابق من هذا العام، وشملت أكثر من 300 من قادة المؤسسات الإخبارية حول العالم، أن «المؤسسات تخطط لتكثيف جهودها على (إنستغرام) أكثر من أي منصة أخرى، باستثناء (تيك توك) التي لا تزال المنصة الواعدة».


مقالات ذات صلة

15 دقيقة لتعديل تعليقاتك على «إنستغرام»… ولكن بشروط

تكنولوجيا أتاحت «إنستاغرام» للمستخدمين تعديل تعليقاتهم بعد النشر خلال مهلة زمنية محددة تبلغ 15 دقيقة (رويترز)

15 دقيقة لتعديل تعليقاتك على «إنستغرام»… ولكن بشروط

«إنستغرام» تتيح تعديل التعليقات خلال 15 دقيقة في خطوة تبسّط التفاعل اليومي وتحافظ على الشفافية عبر وسم التعديل

نسيم رمضان (لندن)
صحتك كثرة تصفح المقاطع القصيرة تُدخل العقل في حالة إرهاق مؤقت بسبب كثرة المعلومات التي يجب استيعابها (أرشيفية-رويترز)

10 طرق علمية لاستعادة تركيزك في زمن التشتت و«تعفن الدماغ»

بفضل انتشار مقاطع الفيديو القصيرة ووسائل التواصل الاجتماعي، مِن شبه المؤكد أن ظاهرة «تعفّن الدماغ» في ازدياد، فكيف نتفادى الظاهرة؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)

«إنستغرام» يختبر نسخة مدفوعة بمزايا إضافية

بدأ تطبيق «إنستغرام» اختبار نسخة جديدة للاشتراك المدفوع في العديد من الدول، مع مزايا إضافية تركز بشكل رئيسي على خاصية «ستوريز».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُسبب التعاسة بين الشباب حول العالم (رويترز)

تعرف على وسائل التواصل الاجتماعي الأسوأ لصحتك النفسية

كشف تقرير عالمي حديث عن أن تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل «إنستغرام» و«تيك توك» ترتبط بتأثيرات سلبية أكبر على الصحة النفسية مقارنة بـ«فيسبوك» و«واتساب».

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)

«إنستغرام» لتنبيه الآباء عند بحث المراهقين عن محتوى متعلق بالانتحار

أفاد تطبيق «إنستغرام» بأنه سيبدأ بتنبيه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».