تحيّزات خفية في أنظمة الذكاء الاصطناعي لفرز طلبات التوظيف

تدعو الدراسة إلى تدقيق العدالة على مستوى كل وظيفة لا الاكتفاء بمتوسطات عامة قد تخفي التحيز (غيتي)
تدعو الدراسة إلى تدقيق العدالة على مستوى كل وظيفة لا الاكتفاء بمتوسطات عامة قد تخفي التحيز (غيتي)
TT

تحيّزات خفية في أنظمة الذكاء الاصطناعي لفرز طلبات التوظيف

تدعو الدراسة إلى تدقيق العدالة على مستوى كل وظيفة لا الاكتفاء بمتوسطات عامة قد تخفي التحيز (غيتي)
تدعو الدراسة إلى تدقيق العدالة على مستوى كل وظيفة لا الاكتفاء بمتوسطات عامة قد تخفي التحيز (غيتي)

كشفت دراسة جديدة أن أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في فرز طلبات التوظيف قد تبدو عادلة عند تحليل نتائجها بصورة إجمالية، في حين تظهر أنماطاً من التحيز عند فحص كل وظيفة على حدة.

وحلل باحثون بيانات أكثر من 4.1 مليون طلب توظيف قدمها نحو 3.37 مليون شخص إلى 1746 وظيفة لدى 156 جهة عمل. واستخدمت جميع الطلبات أدوات تقييم طورتها شركة واحدة، ما أتاح للباحثين دراسة أثر اعتماد مؤسسات متعددة على أنظمة متشابهة في اتخاذ قرارات الفرز الأولي.

بعد التقدم للوظيفة، كان المرشحون يُحالون إلى اختبارات قائمة على الألعاب، صُممت لقياس صفات مثل التركيز وتحمّل المخاطر والسلوك الاجتماعي. وبناءً على طريقة أداء المتقدم، تصنف الخوارزمية الطلب ضمن فئتين، «موصى به» أو «غير موصى به».

وتستخدم الشركات هذه النتيجة لتحديد مَن ينتقل إلى مقابلة أو مرحلة لاحقة، ما يعني أن بعض الطلبات قد تُستبعد قبل أن يراجعها شخص.

وتوضح الدراسة أن أنظمة الفرز الخوارزمي أصبحت عنق زجاجة رئيسياً في التوظيف، خصوصاً مع ارتفاع أعداد الطلبات التي تتلقاها الشركات الكبرى. فإحدى الشركات، على سبيل المثال، تلقت أكثر من 3 ملايين طلب خلال عام واحد لشغل نحو 20 ألف وظيفة.

صورة مختلفة عند تفكيك البيانات

واستخدم الباحثون معيار «الأربعة أخماس» المعتمد في الولايات المتحدة لرصد الأثر المحتمل للتمييز. ويشير هذا المعيار إلى وجود علامة تحذير عندما تقل نسبة اختيار مجموعة معينة عن 80 في المائة من نسبة المجموعة الأعلى اختياراً. وعند تحليل جميع الطلبات لم تظهر النتائج مستوى واضحاً من التحيز يستدعي القلق وفق هذا المعيار.

لكن الصورة تغيّرت عند فحص كل وظيفة بصورة منفصلة. فقد وجد الباحثون أن 14.74 في المائة من طلبات المتقدمين الآسيويين، و25.87 في المائة من طلبات المتقدمين من ذوي البشرة الداكنة، قُدمت إلى وظائف أظهرت فيها الخوارزمية أثراً سلبياً على مجموعتهم. كما أظهرت الدراسة أن 10.62 في المائة من الوظائف التي شملها التحليل سجلت أثراً سلبياً ضد المتقدمين من ذوي البشرة الداكنة. وقدّر الباحثون أنه لو كانت معدلات التوصية متساوية بين المجموعات لكان نحو 40 ألف طلب إضافي لمتقدمين من ذوي البشرة الداكنة وآسيويين قد حصل على توصية بالانتقال إلى المرحلة التالية.

اعتماد شركات متعددة على الأداة نفسها قد يؤدي إلى تكرار أنماط الرفض عبر سوق العمل (غيتي)

لا حاجة لبيانات عرقية مباشرة

وتثير النتائج أسئلة حول الاعتقاد بأن الخوارزميات تصبح محايدة بمجرد حذف الاسم أو العرق أو غيرهما من البيانات الحساسة. فالاختبارات المستخدمة لا تعتمد صراحة على المعلومات الديموغرافية، كما أن الشركة المطورة تقول إنها صممت النماذج لتقليل الأثر غير المتوازن أثناء التدريب.

ومع ذلك، توصل الباحثون إلى أن التفاوت يمكن أن يظهر من خلال متغيرات أخرى ترتبط بصورة غير مباشرة بخلفية المتقدم. ويعرف ذلك أحياناً بالتمييز عبر المؤشرات البديلة؛ حيث تتعلم الخوارزمية أنماطاً تبدو محايدة، لكنها ترتبط عملياً بخصائص اجتماعية أو ديموغرافية.

«الثقافة الخوارزمية الواحدة»

ولا تقتصر المشكلة على أداء خوارزمية داخل شركة واحدة. فاعتماد جهات عديدة على المورد نفسه قد يجعل قرارات الرفض متشابهة عبر سوق العمل. ويطلق الباحثون على هذه الحالة اسم «الثقافة الخوارزمية الواحدة»، أي اعتماد عدد كبير من أصحاب القرار على النماذج نفسها أو على أنظمة متقاربة.

ووجدت الدراسة أن 4 في المائة من الأشخاص الذين تقدموا إلى 10 وظائف خضعت لهذه الاختبارات حصلوا على نتيجة «غير موصى به» في الوظائف العشر كلها. وكانت هذه النسبة أعلى مما كان متوقعاً لو اتخذت كل شركة قرارها بصورة مستقلة. ويعني ذلك أن المرشح الذي لا يناسب النمط الذي يفضله أحد النماذج قد يواجه الرفض مراراً لدى مؤسسات مختلفة، حتى عندما تتنوع الوظائف والشركات.

حللت الدراسة أكثر من 4.1 مليون طلب توظيف قُدمت إلى 1746 وظيفة لدى 156 جهة عمل (غيتي)

التقديم الواسع قد لا يحل المشكلة

استخدم الباحثون قابلية الخوارزميات لتكرار النتائج لمحاكاة ما قد يحدث لو تقدم المرشحون إلى عدد أكبر من الوظائف. وأظهرت المحاكاة أن كل متقدم تقريباً يمكن أن يحصل على توصية في وظيفة واحدة على الأقل إذا تقدم إلى جميع الوظائف المتاحة. لكن هذا السيناريو غير واقعي، لأن المتقدم لا يستطيع إرسال طلبات إلى مئات الوظائف. وحسب الدراسة، يحتاج الشخص إلى التقدم إلى نحو 25 وظيفة لتقليل احتمال الرفض الشامل إلى أقل من 0.1 في المائة، مقارنة بعشر وظائف فقط إذا كانت القرارات مستقلة تماماً.

التدقيق على مستوى كل وظيفة

وتوضح النتائج أن قياس العدالة على مستوى ملايين الطلبات مجتمعة قد يخفي تفاوتات مهمة في وظائف بعينها. لذلك يدعو الباحثون إلى تحليل النتائج بصورة مفصلة حسب الوظيفة والمجموعة، بدلاً من الاعتماد على متوسط عام يعطي انطباعاً بالحياد. كما يطالبون بمزيد من الشفافية وإتاحة البيانات للباحثين المستقلين، لأن معظم أنظمة التوظيف تعمل داخل بيئات مغلقة يصعب فحصها.

ولا تثبت الدراسة أن جميع أدوات التوظيف المعتمدة على الذكاء الاصطناعي متحيزة، لكنها تشير إلى أن استخدام الخوارزمية على نطاق واسع لا يضمن العدالة تلقائياً، وأن نظاماً واحداً قد يؤثر في فرص آلاف المتقدمين عبر شركات متعددة من دون أن يظهر ذلك بوضوح في التقارير الإجمالية.


مقالات ذات صلة

6 صفات قد تكشف الوجوه المولَّدة بالذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا أمثلة على صور وجوه حقيقية واصطناعية مولَّدة باستخدام الشبكات التوليدية الخصومية ونماذج الانتشار (الجامعة)

6 صفات قد تكشف الوجوه المولَّدة بالذكاء الاصطناعي

تُظهر دراسة أن تدريباً بصرياً قصيراً يحسِّن قدرة البشر على كشف الوجوه الاصطناعية، عبر ملاحظة التماثل والجاذبية وتناسق الملامح.

نسيم رمضان (لندن )
تكنولوجيا يمكن لمراكز البيانات خفض تكاليف الكهرباء عبر نقل جزء من أحمالها الحاسوبية إلى الساعات الأقل طلباً على الشبكة (غيتي)

دراسة: تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات للطاقة قد يخفض التكاليف

تُظهر دراسة أن تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات قد يخفض تكاليف الكهرباء؛ لكن أثره البيئي يختلف حسب مصادر الطاقة المحلية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يمكن تفعيل العديد من الخصائص من خلال الشاشة التي تعمل باللمس

«ساوندكور ليبرتي 5 برو»... تجربة صوتية ذكية

تؤمّن ترجمة فورية بين أكثر من 100 لغة أثناء المحادثات المباشرة وجهاً لوجه

خلدون غسان سعيد (جدة)
تحليل إخباري رسم توضيحي مُولَّد بالذكاء الاصطناعي

تحليل إخباري سباق التسلّح الجديد... أين آليات التحقق والضوابط الإنقاذية؟

يجد العالم نفسه أمام سباق تسلّح جديد يختلف في أدواته عن سباقات القرن العشرين، لكنه لا يقل خطورة عنها...

أنطوان الحاج
تكنولوجيا يجمع النظام بين هيكل خارجي قابل للارتداء وذراع روبوتية تعاونية لتخفيف الأعباء الجسدية على عمال المصانع (الجامعة)

نظام روبوتي قابل للارتداء يقلل الجهد العضلي لعمّال المصانع بـ65 %

يجمع النظام هيكلاً خارجياً بذراع روبوتية لتحديد وزن القطع وضبط الدعم وتقليل الجهد العضلي في المصانع بنسبة 65 في المائة.

نسيم رمضان (لندن)

الصين... بين السيارات ذاتية القيادة و«ماركسية الذكاء الاصطناعي»

نظم الذكاء الاصطناعي تزرع في كثير من قطاعات الاقتصاد الصيني
نظم الذكاء الاصطناعي تزرع في كثير من قطاعات الاقتصاد الصيني
TT

الصين... بين السيارات ذاتية القيادة و«ماركسية الذكاء الاصطناعي»

نظم الذكاء الاصطناعي تزرع في كثير من قطاعات الاقتصاد الصيني
نظم الذكاء الاصطناعي تزرع في كثير من قطاعات الاقتصاد الصيني

إذا كان هناك شيء واحد يخشاه الحزب «الشيوعي» الصيني، فهو طبقة عاملة «بروليتاريا» متململة ومستاءة.

الذكاء الاصطناعي وتململ العاملين

في مدينة ووهان، التي تُعد أكبر مختبر مفتوح في العالم للسيارات ذاتية القيادة، بدأ سائقو سيارات الأجرة، قبل عامين، التذمر من الأسطول المتنامي لسيارات الأجرة الآلية (الروبوتية). فتوالت العرائض، وانتشرت المنشورات والوسوم (الهاشتاغات) على وسائل التواصل الاجتماعي، وتعالت أصوات الاحتجاجات المحلية.

وقد لفت ذلك انتباه قيادة الحزب، التي سارعت إلى فرض رقابة على الاحتجاجات عبر الإنترنت. لكن ذلك أطلق في الوقت نفسه عملية مراجعة أوسع لقضية تؤرق كثيرين في الغرب أيضاً: كيف يمكن تجنب الإحلال الواسع للذكاء الاصطناعي محل البشر في سوق العمل، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات سياسية؟

نظام حوسبة من شركة «هواوي» صمم لتدريب وتشغيل نماذج ذكاء اصطناعي واسعة النطاق في معرض بمدينة شنغهاي

الصين: أكبر خبرة في أتمتة الوظائف

وتتمتع الصين بخبرة تفوق معظم الدول في مجال أتمتة الوظائف؛ إذ يعمل أكثر من مليوني روبوت في مصانعها، وتجوب شاحنات التوصيل ذاتية القيادة شوارع العديد من مدنها، وتخدم الروبوتات الضيوف في الفنادق والمطاعم، وتقوم روبوتات مواقف السيارات باستبدال بطاريات السيارات الكهربائية المستنفدة، كما تُستخدم الطائرات المسيرة لتوصيل وجبات الطعام.

العنصر البشري في صلب اقتصاد الذكاء الاصطناعي

حتى الآن، اقتصرت التداعيات في الغالب على العمال اليدويين، لكن الذكاء الاصطناعي يُهدد في المقام الأول خريجي الجامعات. وبالنسبة لنظام يخشى عدم الاستقرار السياسي تُعد هذه الفئة تحديداً مجموعة لطالما سببت المتاعب تاريخياً.

ولهذا السبب، أصبح هدف الصين المتمثل في أن تصبح القوة العظمى العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي مقترناً رسمياً بهدف آخر: إبقاء البشر في صلب اقتصاد الذكاء الاصطناعي. وقد بدأت الحكومة، خلال العام الماضي اتخاذ خطوات أكثر حزماً لتحقيق ذلك.

الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدرات البشر

عندما يريد الحزب «الشيوعي» الصيني إظهار جديته بشأن أمر ما فإنه يدرجه ضمن خطته الخمسية. وفي الصفحة الـ72 من خطتها الخمسية الحالية تتعهد الصين بـ«معالجة شاملة» لتأثير الذكاء الاصطناعي على التوظيف.

وتحدثتُ إلى كايل تشان، الباحث في معهد «بروكينغز» والمتخصص في دراسة سياسة الصين المتعلقة بالذكاء الاصطناعي؛ فأخبرني أن الصين تريد للذكاء الاصطناعي أن يُعزز قدرات البشر -أي جعلهم أكثر إنتاجية في كل من الصناعات القديمة والجديدة- لا أن يحل محلهم. كما تؤكد الصين أنها تسعى، خلال عملية الانتقال لاقتصاد الذكاء الاصطناعي هذا، إلى تخفيف حدة التأثيرات لتجنب أي تداعيات اجتماعية سلبية.

وكتبت زميلتي كاتي إدموندسون أخيراً عن ملامح هذا المشهد؛ إذ تعد وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي بتقديم «دعم وظيفي موجه للصناعات الرئيسية». وفي الوقت نفسه، يدعو أحد أعضاء المجلس الوطني لنواب الشعب إلى إنشاء «برنامج تأمين ضد البطالة مرتبط بالذكاء الاصطناعي»، ليكون بمثابة شبكة أمان للعمال الذين قد يفقدون وظائفهم.

كما دفع مسؤولو الحزب باتجاه تعزيز التدريب المهني لمساعدة العمال على التكيف مع سوق عمل تتمحور حول الذكاء الاصطناعي.

«الماركسية القائمة على الذكاء الاصطناعي»

هناك باحثون صينيون يعكفون على تطوير مجال يطلقون عليه اسم «الماركسية القائمة على الذكاء الاصطناعي»، محاولين تطبيق المنظور الماركسي على تساؤلات مثل: «من أو ما الذي يخلق القيمة بعد ثورة الذكاء الاصطناعي؟ هل هي الآلة؟ أم الإنسان الذي اخترعها؟ أم الإنسان الذي يشغّلها؟».

ضغط حكومي على الشركات للاحتفاظ بالعاملين

ولعل الأمر الأكثر لفتاً للانتباه هو الضغط الحكومي المكثف على الشركات لتجنب تسريح الموظفين؛ إذ قد يجد أولئك الذين لا يمتثلون لهذه التوجهات أنفسهم في مواجهة إجراءات قضائية. وقد صدرت بالفعل عدة أحكام قضائية بارزة لصالح عمال جرى تسريحهم؛ ففي شهر أبريل (نيسان) الماضي، قضت محكمة بأن إحدى شركات التكنولوجيا قد سرّحت عاملاً بشكل غير قانوني بعد أن استبدلت به برمجيات الذكاء الاصطناعي، وقد حمل هذا الحكم تحذيراً ضمنياً لأصحاب العمل الآخرين.

حماية الحقوق والمصالح المشروعة للعمال

وجاء في حكم محكمة هانغتشو الشعبية المتوسطة: «ينبغي توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحرير القوى العاملة، وتعزيز فرص العمل، وتحسين سبل عيش الناس». وأضافت المحكمة: «يجيز قانون العمل لأصحاب العمل إدخال التغييرات التكنولوجية، وتحديث عملياتهم، شريطة أن يراعوا في الوقت نفسه حماية الحقوق والمصالح المشروعة للعمال».

ويبقى أن نرى كيف سيُطبّق ذلك عملياً، وإلى أي مدى ستذهب الحكومة فعلياً في التعامل مع الشركات غير الممتثلة. غير أن هذه الأحكام تؤكد مدى اهتمام الصين بهذه القضية وتفكيرها العميق فيها.

أميركا والصين... رؤيتان مختلفتان للذكاء الاصطناعي

وتترك الولايات المتحدة لشركات التكنولوجيا زمام المبادرة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ حيث ينصب تركيز «وادي السيليكون» في المقام الأول على هدف واحد: ابتكار آلات فائقة الذكاء قادرة على الحلول محل البشر. ويبدو أن إدارة الرئيس ترمب تؤيد هذا النهج إلى حد كبير، أو على الأقل ليست لديها رغبة في عرقلته.

أما النهج الصيني فيختلف عن ذلك؛ إذ تعمل الصين على تصور الشكل الذي تريده لاقتصادها ومجتمعها، وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُسهم في تحقيق ذلك -حسبما يوضح تشان- فهي تسعى لبناء اقتصاد يعتمد على الذات، ولذا فهي تدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في كل القطاعات الصناعية -بدءاً من المجالات الجديدة والمبهرة مثل الروبوتات، وصولاً إلى الصناعات التقليدية الأقل بريقاً مثل صناعات الصلب والأسمنت- بهدف تعزيز الإنتاجية بشكل هائل، ضماناً لعدم تعرضها مجدداً لأي نقاط ضعف استراتيجية.

كما تسعى الصين لتحقيق الاستقرار؛ ولذلك فهي تفكر -بالتزامن مع هذه الخطوات- في سبل الحفاظ على فرص العمل للبشر.

المصلحة العامة أم مصلحة الشركات؟

وتتميز الرؤية الصينية للذكاء الاصطناعي بأنها مدفوعة من قِبَل الدولة، وتهدف إلى تحقيق غايات حكومية، في حين أن الرؤية الأميركية تقودها الشركات؛ إذ تسعى شركات مثل «أوبن إيه آي» لتطوير ذكاء فائق؛ لأنه يخدم مصالحها الخاصة، وليس استجابةً لاستراتيجية أميركية شاملة في الوقت الراهن.

ويشير تشان إلى أن الدرس المستفاد من التجربة الصينية لا يكمن في ضرورة أن تحذو الدول الأخرى حذو الصين في نهجها المحدد تجاه الذكاء الاصطناعي والوظائف؛ فالسيطرة على قطاع التكنولوجيا على الطريقة الصينية، على سبيل المثال، ليست أمراً قابلاً للتطبيق في معظم الدول الغربية.

صنّاع السياسات يمتلكون القدرة على توجيه مسار التكنولوجيا

غير أن النموذج الصيني يبرهن على أن صناع السياسات يمتلكون القدرة على توجيه مسار هذه التكنولوجيا؛ إذ يستطيعون التأثير في وجهتها بدلاً من الاكتفاء بتركها تتطور وفق مساراتها الخاصة. ولا تزال الخيارات البشرية تؤدي دوراً حاسماً؛ وهذا ما يفسر، إلى حد كبير، تبلور رؤيتين متباينتين للغاية لمستقبل الذكاء الاصطناعي على أرض الواقع.

* خدمة «نيويورك تايمز».


6 صفات قد تكشف الوجوه المولَّدة بالذكاء الاصطناعي

أمثلة على صور وجوه حقيقية واصطناعية مولَّدة باستخدام الشبكات التوليدية الخصومية ونماذج الانتشار (الجامعة)
أمثلة على صور وجوه حقيقية واصطناعية مولَّدة باستخدام الشبكات التوليدية الخصومية ونماذج الانتشار (الجامعة)
TT

6 صفات قد تكشف الوجوه المولَّدة بالذكاء الاصطناعي

أمثلة على صور وجوه حقيقية واصطناعية مولَّدة باستخدام الشبكات التوليدية الخصومية ونماذج الانتشار (الجامعة)
أمثلة على صور وجوه حقيقية واصطناعية مولَّدة باستخدام الشبكات التوليدية الخصومية ونماذج الانتشار (الجامعة)

أظهرت دراسة جديدة أن تدريباً بصرياً قصيراً يمكن أن يحسِّن قدرة الأشخاص على التمييز بين صور الوجوه الحقيقية وتلك التي أنشأها الذكاء الاصطناعي، حتى عندما تبدو الصور الاصطناعية شديدة الواقعية. وركز الباحثون على تعليم المشاركين ملاحظة الصفات العامة للوجه، بدلاً من البحث عن الأخطاء التقنية الواضحة، مثل الأصابع الزائدة أو الأقراط غير المتناسقة. وتحسَّنت دقة جميع المشاركين بعد التدريب، بينما اقترب أصحاب الأداء الأعلى من التمييز الصحيح الكامل.

وجوه يصعب تمييزها

أصبحت أدوات توليد الصور قادرة على إنشاء وجوه تبدو طبيعية، رغم أنها لا تعود إلى أشخاص حقيقيين. ويمكن استخدام هذه الصور لإنشاء حسابات مزيفة، أو دعم عمليات الاحتيال وانتحال الهوية، أو نشر معلومات مضللة عبر الإنترنت. وكانت النصائح السابقة لكشف الصور الاصطناعية تركز غالباً على العيوب التي ترتكبها النماذج، مثل عدم اتساق ملامح الوجه أو الخلفية أو الإكسسوارات. ولكن قيمة هذه العلامات تتراجع مع تحسن تقنيات التوليد، كما يستطيع المحتالون استبعاد الصور التي تحتوي على أخطاء واضحة قبل استخدامها.

وترى الباحثة الرئيسية إيمي داويل، الأستاذة المشاركة في الجامعة الأسترالية الوطنية، أن الاعتماد على هذه التفاصيل وحدها لم يحقق نجاحاً كبيراً؛ لأن النماذج باتت تنتج صوراً أكثر إقناعاً، ولأن الجهات التي تستخدمها بصورة احتيالية قد تختار بعناية الصور الخالية من العيوب الظاهرة.

صورة مصنَّعة بتقنية الذكاء الاصطناعي (بيكساباي)

​6 صفات بصرية

صمم الفريق تدريباً يوجه الانتباه إلى 6 خصائص إدراكية عامة، هي: التميز، وسهولة التذكر، وتناسق النسب، والتماثل، والجاذبية، والقدرة على التعبير. وتختلف هذه الطريقة عن محاولة اكتشاف عيب منفرد داخل الصورة؛ لأنها تركز على الانطباع الكلي الذي يصنعه الوجه.

وحسب داويل، تميل الوجوه الاصطناعية إلى أن تكون أكثر تماثلاً وتناسباً وجاذبية من الوجوه البشرية. ولكن الأشخاص غير المدربين قد يفسرون هذه الصفات على أنها أدلة على واقعية الصورة، بينما يمكن بعد التدريب استخدامها مؤشرات تدعو إلى مزيد من الحذر. ويرتبط ذلك بطريقة تدريب أنظمة توليد الصور على مجموعات كبيرة من الوجوه. فالنموذج يتعلم الخصائص المتكررة والشائعة، وقد ينتج وجوهاً تجمع نسباً وملامح أقرب إلى المتوسط، وأكثر انتظاماً من التنوع الموجود طبيعياً لدى البشر.

تحسن واضح بعد التدريب

اختبر الباحثون قدرة المشاركين على تصنيف صور الوجوه قبل تلقي التدريب وبعده. وأظهرت النتائج ارتفاع دقة جميع المشاركين، بينما حقق بعضهم أداءً اقترب من المستوى الكامل. وتشير النتيجة إلى أن ضعف قدرة البشر على اكتشاف الصور الاصطناعية ليس ثابتاً بالضرورة، وأن توجيه الانتباه إلى مؤشرات مناسبة قد يساعدهم على اتخاذ قرارات أكثر دقة.

وقالت الباحثة تانيا جورج، التي تولَّت تدريب المشاركين في التجربة الرئيسية، إن حتى الجلسات القصيرة نسبياً حسَّنت القدرة على اكتشاف الوجوه التي أنشأها الذكاء الاصطناعي. وترى أن ذلك يفتح المجال أمام تطوير أدوات تعليمية عملية يمكن تقديمها للمستخدمين دون الحاجة إلى خبرة تقنية متخصصة. ولا يقتصر الهدف على تحويل الأفراد إلى خبراء في تحليل الصور؛ بل منحهم مجموعة واضحة من الأسئلة التي يمكن طرحها عند رؤية وجه مجهول في حساب أو رسالة أو إعلان.

يعتمد التدريب على ملاحظة صفات عامة مثل التماثل والجاذبية وتناسق الملامح بدلاً من البحث عن أخطاء تقنية واضحة (شاترستوك)

تكرار التجربة في كندا

أعاد فريق من جامعة فيكتوريا الكندية تنفيذ الدراسة على مجموعة جديدة من المشاركين، وحقق تحسناً مشابهاً بعد التدريب. ويكتسب تكرار النتيجة أهمية؛ لأن نجاح تجربة واحدة قد يرتبط بخصائص العينة أو بطريقة تنفيذ الاختبار. أما الحصول على نمط قريب في بلد مختلف فيدعم إمكانية تطبيق التدريب خارج البيئة التي طُوِّر فيها. كما نُفذ التدريب عبر الإنترنت، ما يعني أنه لا يحتاج بالضرورة إلى مختبرات أو تجهيزات معقدة.

ويرى الباحثون أن هذه الصيغة تسمح بتوسيعه بتكلفة محدودة ليصل إلى مجموعات كبيرة، مثل الموظفين و الطلاب والعاملين في المؤسسات المعرضة لمحاولات الاحتيال الرقمي.

الإنسان إلى جانب الخوارزميات

توجد أدوات آلية لتحليل الصور واكتشاف المحتوى الاصطناعي، ولكن الدراسة ترى أنها لا تغني عن الدور البشري. فالخوارزميات قد تواجه صعوبة عند اختبارها على صور أنشأتها نماذج لم ترها سابقاً، أو عندما تُضغَط الصور وتُعدَّل قبل نشرها. كما أن طريقة اتخاذها القرار قد لا تكون واضحة للمستخدم، ما يصعب تفسير سبب تصنيف صورة معينة بوصفها مزيفة. وترى داويل أن إبقاء البشر ضمن عملية الكشف ضروري لتطوير وسائل يمكن تفسيرها وفهمها، بدلاً من الاعتماد الكامل على أنظمة تصدر حكماً من دون توضيح أسبابه. وقد يكون النهج الأكثر فاعلية هو الجمع بين الأدوات التقنية والتدريب البشري. تستطيع البرمجيات فحص كميات كبيرة من الصور، بينما يستخدم الشخص مؤشرات مفهومة لتقييم السياق واتخاذ القرار النهائي.

نجحت تجربة مستقلة بكندا في تكرار النتائج ما يدعم إمكانية تطبيق التدريب على نطاق أوسع (رويترز)

نتائج واعدة وحدود قائمة

لا تعني الدراسة أن أي شخص يمكنه بعد تدريب قصير اكتشاف جميع الصور المصنوعة بالذكاء الاصطناعي. فقد اختُبرت الطريقة على وجوه أنتجتها نماذج «ستايل جان» (StyleGAN)، ولا يزال من الضروري معرفة ما إذا كانت المهارات نفسها تنتقل إلى الصور التي تولدها تقنيات أخرى، ومنها نماذج الانتشار الأحدث. كما يعمل الفريق على تقصير التدريب وتحسينه، وقياس المدة التي تستمر خلالها الفائدة بعد انتهاء الجلسة.

ومع التطور السريع لأدوات توليد الصور، قد تتغير العلامات التي تساعد على اكتشافها. لذلك يحتاج التدريب إلى التحديث المستمر، ولكن النتائج توضح أن البشر ليسوا عاجزين بالكامل أمام الصور الاصطناعية، وأن التعليم المبني على علم إدراك الوجوه قد يصبح جزءاً من الدفاع ضد الاحتيال والتضليل الرقمي.


دراسة: تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات للطاقة قد يخفض التكاليف

يمكن لمراكز البيانات خفض تكاليف الكهرباء عبر نقل جزء من أحمالها الحاسوبية إلى الساعات الأقل طلباً على الشبكة (غيتي)
يمكن لمراكز البيانات خفض تكاليف الكهرباء عبر نقل جزء من أحمالها الحاسوبية إلى الساعات الأقل طلباً على الشبكة (غيتي)
TT

دراسة: تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات للطاقة قد يخفض التكاليف

يمكن لمراكز البيانات خفض تكاليف الكهرباء عبر نقل جزء من أحمالها الحاسوبية إلى الساعات الأقل طلباً على الشبكة (غيتي)
يمكن لمراكز البيانات خفض تكاليف الكهرباء عبر نقل جزء من أحمالها الحاسوبية إلى الساعات الأقل طلباً على الشبكة (غيتي)

​قد لا يكون ارتفاع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء عبئاً حتمياً على الشبكات، إذا تمكنت هذه المنشآت من نقل جزء من عملياتها الحاسوبية إلى الساعات التي ينخفض فيها الطلب.

هذا ما تشير إليه دراسة جديدة لباحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ذاكرة أن مرونة توقيت الاستهلاك قد تخفض تكاليف أنظمة الكهرباء، ولكنها قد تؤدي في بعض المناطق إلى زيادة الانبعاثات، تبعاً لمزيج الطاقة المتاح وطريقة تشغيل الشبكة.

وفي حين تواجه شبكات الكهرباء ضغوطاً متزايدة، مع التوسع في إنشاء مراكز البيانات اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، يتركز القلق عادة على كمية الكهرباء التي تستهلكها هذه المنشآت. ولكن الباحثين يرون أن توقيت الاستهلاك لا يقل أهمية عن حجمه.

تقوم الفكرة على نقل جزء من العمليات الحاسوبية من فترات الذروة، مثل ساعات الصباح والمساء، إلى أوقات يتراجع فيها الطلب أو يرتفع فيها إنتاج الطاقة المتجددة.

وحسب الدراسة، قد يؤدي هذا النهج إلى خفض تكاليف الكهرباء بنسبة تصل إلى 5 في المائة في ولاية تكساس، و4 في المائة في منطقة وسط الأطلسي، و2 في المائة في ولايات غرب الولايات المتحدة.

لكن تحقيق هذه المكاسب يتطلب قدرة مراكز البيانات على نقل أكثر من 20 في المائة من استهلاكها إلى ساعات أخرى، وقد ترتفع النسبة المطلوبة في بعض الحالات إلى نحو 50 في المائة.

عمليات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أكثر قابلية للتأجيل من خدمات الاستدلال التي تستجيب لطلبات المستخدمين فوراً (شاترستوك)

توزيع التكاليف على استهلاك أكبر

استخدم الباحثون نموذجاً لمحاكاة شبكة الكهرباء الأميركية على مدار عام كامل، ودرسوا سيناريوهات مختلفة لنمو مراكز البيانات في 3 مناطق، تستضيف مجتمعة معظم الطاقة الاستيعابية المتوقعة لهذه المنشآت في الولايات المتحدة بحلول عام 2030.

وتوصلت المحاكاة إلى نتيجة قد تبدو غير متوقعة، وهي أن إضافة مراكز بيانات جديدة قد تخفض متوسط تكاليف الكهرباء في بعض السيناريوهات. ويرجع ذلك إلى أن جزءاً كبيراً من تكاليف الشبكة ثابت، مثل خطوط النقل والبنية التحتية. وعندما يرتفع حجم الكهرباء المبيعة من دون زيادة مماثلة في ذروة الطلب، يمكن توزيع هذه التكاليف الثابتة على كمية أكبر من الاستهلاك. ولكن هذا الأثر يعتمد على ألا يؤدي تشغيل مراكز البيانات إلى رفع الطلب في الساعات الأعلى تكلفة، وإلا فقد تحتاج الشبكة إلى استثمارات إضافية في التوليد والنقل.

التدريب أكثر مرونة من الاستدلال

لا تتمتع جميع أعمال الذكاء الاصطناعي بالقدر نفسه من المرونة. فمراكز البيانات المستخدمة في تدريب النماذج تستهلك الطاقة غالباً بصورة منتظمة، ما قد يسمح بتأجيل بعض المهام أو نقلها زمنياً.

أما عمليات الاستدلال التي تستجيب مباشرة لطلبات المستخدمين، مثل البحث أو تشغيل الخدمات الرقمية، فتتبع أنماط الاستخدام الفعلية، ولذلك يصعب تأخيرها من دون التأثير في سرعة الخدمة. كما تعتمد مرونة مركز البيانات على نسبة الأحمال التي يمكن نقلها، وعدد الساعات التي يمكن تقديم العمليات أو تأخيرها خلالها.

قد تصل وفورات التكلفة إلى 5 % في بعض المناطق إذا امتلكت المراكز مرونة كافية في توقيت الاستهلاك (رويترز)

انخفاض التكلفة لا يعني انخفاض الانبعاثات

تُظهر الدراسة أن مرونة الاستهلاك لا تؤدي دائماً إلى نتيجة بيئية واحدة. فقد تساعد في بعض المناطق على الاستفادة من الطاقة المتجددة، بينما قد تطيل في مناطق أخرى تشغيل محطات الوقود الأحفوري.

وقدَّرت المحاكاة أن نمو مراكز البيانات المتوقع بحلول عام 2030، مقارنة بسيناريو لا يشهد نمواً، قد يرفع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 58 في المائة في تكساس، و20 في المائة في منطقة وسط الأطلسي، و24 في المائة في الغرب الأميركي.

لكن أثر المرونة يختلف باختلاف مصادر الكهرباء، ففي تكساس؛ حيث تؤدي طاقة الرياح دوراً كبيراً في الشبكة، قد يساعد نقل الاستهلاك إلى الساعات المناسبة على زيادة استخدام الكهرباء المنتَجة من الرياح، بما يخفض الانبعاثات المرتبطة بنمو مراكز البيانات. وفي المقابل، أظهرت المحاكاة أن مرونة الأحمال في منطقة وسط الأطلسي قد ترفع الانبعاثات الإجمالية بنحو 3 في المائة؛ لأن بعض العمليات قد تنتقل إلى ساعات يتراجع فيها إنتاج الشمس والرياح، ما يسمح لمحطات الفحم بالبقاء قيد التشغيل مدة أطول.

ربط أسرع مقابل مرونة أكبر

تشرح الدراسة أن الشركات قد لا تقدم هذه المرونة طوعاً؛ خصوصاً إذا خشيت فقدان ميزة تنافسية أمام شركات أخرى لا تخفض استهلاكها عند ارتفاع الطلب. ومن الخيارات المقترحة منح مراكز البيانات اتصالاً أسرع بالشبكة مقابل موافقتها على تقليل أو تأجيل بعض الأحمال خلال الفترات الحرجة. وقد يكون هذا الحافز مهماً للشركات التي تواجه فترات انتظار طويلة قبل ربط منشآتها الجديدة بالكهرباء. فالحصول على الطاقة قبل عام، مقابل خفض مؤقت لبعض العمليات في ساعات محددة، قد يكون أكثر جاذبية من انتظار اكتمال توسعات الشبكة.

وتخلص النتائج إلى أن أثر مراكز البيانات لا يتحدد بحجم استهلاكها وحده؛ بل بكيفية توزيع هذا الاستهلاك زمنياً، وبمصادر الكهرباء المتاحة في كل منطقة، وبالسياسات التي تنظم علاقتها بالشبكة.