الذكاء الاصطناعي يتجاوز حدود الموضة التقنية... كيف يعيد تشكيل المجتمعات؟

قراءة في نتائج تقرير «سيسكو - OECD»

التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يجب أن يترافق مع ابتكار مسؤول وتعليم شامل لضمان استفادة عادلة للجميع (غيتي)
التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يجب أن يترافق مع ابتكار مسؤول وتعليم شامل لضمان استفادة عادلة للجميع (غيتي)
TT

الذكاء الاصطناعي يتجاوز حدود الموضة التقنية... كيف يعيد تشكيل المجتمعات؟

التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يجب أن يترافق مع ابتكار مسؤول وتعليم شامل لضمان استفادة عادلة للجميع (غيتي)
التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يجب أن يترافق مع ابتكار مسؤول وتعليم شامل لضمان استفادة عادلة للجميع (غيتي)

طوال العامين الماضيين، انشغلت النقاشات العالمية حول الذكاء الاصطناعي التوليدي بمجموعة أسئلة بارزة: من يستخدم التقنية؟ وكيف تتوسع؟ وأي قطاعات تعيد تشكيل أعمالها حولها؟

إلا أن تعاوناً بحثياً بين «سيسكو» ومركز «وايز» (WISE) التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في جلسة خاصة حضرتها «الشرق الأوسط»، كشف عن أن عدد المستخدمين ليس سوى بداية القصة. فخلف موجة الحماس، يحدث تحول أعمق يتعلق بكيفية تأثير الحياة الرقمية على الاقتصادات والمهارات وحتى رفاهية الأفراد.

قاد الجلسة كل من جاي ديدريتش، نائب الرئيس الأول ومسؤول الابتكار العالمي في «سيسكو»، ورومينا بوريني مديرة مركز «وايز» (WISE) التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، حيث قدّما واحدة من أوسع قواعد البيانات العالمية حول تقاطع الذكاء الاصطناعي والسلوك الرقمي والرفاه الإنساني.

ويبحث التقرير، ليس فقط في مدى انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، بل في هوية المستفيدين ومن يتم استثناؤهم، وما يترتب على ذلك من آثار اجتماعية.

جاي ديدريتش نائب الرئيس الأول ومسؤول الابتكار العالمي في «سيسكو» (سيسكو)

الشباب يقودون موجة التبنّي

إحدى أبرز نتائج التقرير هي الفجوة العمرية، حيث إن الشباب هم المحرك الأكبر لاعتماد الذكاء الاصطناعي عالمياً. وتشير البيانات إلى أن أكثر من 75 في المائة من المستخدمين تحت سن 35 يرون الذكاء الاصطناعي التوليدي أداة مفيدة للعمل والدراسة وحل المشكلات اليومية.

وترى بوريني أن «الأجيال الشابة تتبنى هذه الأدوات بشكل أسرع، وغالباً ما ينظرون إليها على أنها امتداد طبيعي لحياتهم الرقمية»، لكن هذه السهولة لا تخلو من ثمن؛ فالفئة العمرية ذات أعلى تبنٍّ للذكاء الاصطناعي هي نفسها الأكثر تعرضاً لفرط الاستخدام الرقمي.

ويُظهر التقرير أن 38 في المائة من المشاركين عالمياً يقضون أكثر من خمس ساعات يومياً في استخدام ترفيهي لا علاقة له بالدراسة أو العمل، وهو عامل يرتبط مباشرة بانخفاض الرضا عن الحياة.

وتضيف بوريني أن «الوجود الرقمي أصبح جزءاً من معادلة الرفاه... المسألة لا تتعلق فقط بالوصول، بل بالتوازن». الرسالة واضحة، وتتمثل في أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي لا يكفي. ومع اندماج التقنية في الحياة اليومية، يصبح من الضروري إعادة التفكير في مفهوم «الصحة الرقمية».

رومينا بوريني مديرة مركز «وايز» (WISE) التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)

جغرافيا غير متكافئة

إذا كان العمر يقسم استخدام التقنية، فإن الجغرافيا تقسم الفرص، فقد أظهرت نتائج البحث فروقات حادة، حيث تصدرت الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا الاستخدام النشط، بينما جاءت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا في مستويات أقل. للوهلة الأولى يبدو ذلك مفاجئاً؛ إذ تنتمي هذه الدول الأوروبية لاقتصادات متقدمة، لكن البيانات تكشف عن منطق مختلف.

يقول ديدريتش إن «بعض الأسواق الناشئة تتجاوز المراحل التقليدية... فهي تتبنى الذكاء الاصطناعي ليس كترقية، بل كضرورة»، فحيثما تتطور البنية التحتية الرقمية بسرعة، خصوصاً عبر الهواتف المحمولة، يصبح الذكاء الاصطناعي امتداداً طبيعياً للأدوات الرقمية؛ ليس رفاهية، بل حلاً لسد فجوات في التعليم والخدمات والرعاية. هذا يعيد تشكيل السرد الشائع؛ إذ إن التبنّي العالي لا يعني التطور دائماً، بل تعكس الحاجة والفرصة أحياناً الاضطرار.

المهارات لا الاتصال

طوال سنوات، اعتبر صنّاع القرار أن الفجوة الرقمية هي مشكلة «وصول»، لكن دراسة «سيسكو - OECD» تقدم خلاصة واضحة، وهي أن الفجوة التالية ستكون فجوة المهارات؛ فحتى مع توفر الإنترنت، تختلف قدرة الناس على استخدام الذكاء الاصطناعي بفاعلية وأمان بشكل كبير.

وتلخص بوريني ذلك بقولها إن «الناس يحتاجون إلى أكثر من الوصول... يحتاجون إلى مهارات لفهم الذكاء الاصطناعي ومساءلته واستخدامه بطرق هادفة». غياب هذه المهارات يجعل المستخدمين أكثر عرضة للتضليل واتخاذ قرارات خاطئة، والتفاعل في بيئات رقمية غير آمنة، بالإضافة إلى فقدان فرص اقتصادية في الوظائف والأسواق الجديدة.

ويؤكد ديدريتش أن المهارات أصبحت شرطاً اقتصادياً أساسياً، ويضيف: «نحن لا ندرب الناس على استخدام الذكاء الاصطناعي فقط... بل على المنافسة في اقتصاد مدعوم بالذكاء الاصطناعي».

بات الرفاه الرقمي عنصراً أساسياً في تقييم أثر الذكاء الاصطناعي على حياة الأفراد وسعادتهم (غيتي)

المهارات كجزء من البنية التحتية

وأوضحت «سيسكو» أن البنية التحتية وحدها لا تكفي؛ فالاستثمار في الإنسان أصبح ضرورة لا تقل أهمية عن الاستثمار في التقنية.

ويشدد ديدريتش على أهمية البرامج التعليمية الواسعة التي تقدمها الشركة، خاصة للفئات المحرومة، مؤكداً «الحاجة لمجتمعات قادرة على الاعتماد على نفسها... ويتطلب ذلك شمولية في الابتكار والتعليم معاً».

ولأن أكاديمية «سيسكو» للشبكات واحدة من أكبر برامج التدريب في العالم، فإنها تتحول اليوم لتشمل مهارات الذكاء الاصطناعي والتحضير للأمن السيبراني، والمشاركة الرقمية المتوازنة. وخلال النقاش، قال ديدريتش: «علينا تصميم أدوات ذكاء اصطناعي تكون بديهية وسهلة الاستخدام لجميع الفئات العمرية».

الرفاه الرقمي

واحدة من أهم إضافات هذا التقرير هي إدخال مفهوم الرفاه ضمن تقييم أثر الذكاء الاصطناعي، وهو جانب غالباً ما تهمله التقارير التقنية.

وتوضح بوريني أن «الحياة الرقمية أصبحت عاملاً مؤثراً في السعادة... سلوك الإنسان على الإنترنت يؤثر على رفاهه مثل ظروفه خارج الإنترنت». وتشير البيانات إلى مجموعة مخاطر متصاعدة، منها الإرهاق الرقمي والإفراط في الاستخدام وصعوبة الانفصال وتعرّض المستخدمين لمحتوى ضار، وانخفاض الرضا لدى من يقضون وقتاً طويلاً على منصات الترفيه. ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي مضر بحد ذاته، بل إن غياب الوعي والضوابط قد يخلق آثاراً سلبية واضحة.

يقود الشباب تبنّي الذكاء الاصطناعي عالمياً لكنهم الأكثر عرضة لمخاطر الإفراط الرقمي وتراجع الرفاه (غيتي)

من يستفيد ومن يتحمل المخاطر؟

تسعى الدراسة إلى فهم التوزيع الحقيقي للفوائد والمخاطر، وليس فقط رصد معدلات الاستخدام. وتشير النتائج إلى أن الشباب هم الأكثر استفادة من إنتاجية الذكاء الاصطناعي، لكنهم الأكثر عرضة لمخاطر الرفاه.

الاقتصادات الناشئة تتبنى الذكاء الاصطناعي بسرعة، لكنها تواجه فجوات أعمق في الأمن الرقمي والمهارات. الدول المتقدمة ذات البنية الرقمية القوية لا تزال تعاني من تبنٍّ منخفض بسبب التردد الثقافي والتنظيمي.

هذه اللوحة المعقدة تنسف الفكرة السائدة بأن «زيادة المستخدمين تعني التقدم». الواقع أكثر تعدداً وتفصيلاً.

الذكاء الاصطناعي عادة ... لا موجة عابرة

في ختام الجلسة، شدد المتحدثان على أن الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من كونه تقنية تثير الفضول إلى جزء من الروتين اليومي لملايين البشر، لكنه قد يتحول إلى سبب لانقسام جديد إذا ركّز العالم على التبنّي وتجاهل التأثير.

ونوهت بوريني إلى «الحاجة إلى مزيد من الثقافة الرقمية، ومزيد من الابتكار المسؤول، وفهم أعمق لتأثير الحياة الرقمية على رفاه الناس».

وأضاف ديدريتش: «السؤال الحقيقي ليس من الذي يتبنى الذكاء الاصطناعي؟... بل من يستفيد منه وكيف نجعل الفائدة شاملة للجميع؟».

وتذكّر نتائج تقرير «سيسكو – OECD» أن مستقبل الذكاء الاصطناعي ليس نقاشاً تقنياً فقط، بل هو نقاش اجتماعي واقتصادي وإنساني؛ فالانتشار الواسع مجرد بداية، أما ما سيأتي لاحقاً فهو ما سيحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قوة للاندماج... أم مصدراً جديداً للانقسام.


مقالات ذات صلة

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

الاقتصاد «رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

انطلقت السعودية في مسار التحوُّل الرقمي والاقتصاد المعرفي، مستندةً إلى بنية تحتية رقمية مُتقدِّمة وبناء معرفي تراكم عبر سنوات طويلة، ما عزز قدرتها على المنافسة.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد زوار في جناح «هواوي» خلال مؤتمر التكنولوجيا بالصين - 26 يوليو 2025 (رويترز)

أميركا لتوسيع الحرب التكنولوجية على الصين

أمرت وزارة الخارجية الأميركية بحملة عالمية لتسليط الضوء على محاولات لشركات صينية؛ مثل «ديب سيك» للذكاء الاصطناعي، لسرقة حقوق الملكية الفكرية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

خاص «غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

تقول «غوغل كلاود» إن هدوء الهجمات لا يلغي الخطر، وإن المرونة السيبرانية تبدأ من الثغرات والاستعداد المبكر قبل التصعيد.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

خاص من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.