من السعودية إلى أستراليا وبريطانيا… ابتكارات طلابية ترسم مستقبل الزراعة

زراعة تتعلم وتتكيّف وتشفي الأرض بدل إنهاكها

رغم اختلاف البيئات بين السعودية وبريطانيا وأستراليا تجمع المشاريع رؤية بناء زراعة مرنة وقادرة على مواجهة التغير المناخي (أدوبي)
رغم اختلاف البيئات بين السعودية وبريطانيا وأستراليا تجمع المشاريع رؤية بناء زراعة مرنة وقادرة على مواجهة التغير المناخي (أدوبي)
TT

من السعودية إلى أستراليا وبريطانيا… ابتكارات طلابية ترسم مستقبل الزراعة

رغم اختلاف البيئات بين السعودية وبريطانيا وأستراليا تجمع المشاريع رؤية بناء زراعة مرنة وقادرة على مواجهة التغير المناخي (أدوبي)
رغم اختلاف البيئات بين السعودية وبريطانيا وأستراليا تجمع المشاريع رؤية بناء زراعة مرنة وقادرة على مواجهة التغير المناخي (أدوبي)

في معرض «ابتكارات للبشرية 2025» (Prototypes for Humanity)، ازدحمت القاعة بمئات الابتكارات التجريبية. من الأطراف الاصطناعية والمواد المستدامة، إلى التقنيات الطبية، والأفكار من مختلف التخصصات، برز قطاع الزراعة ليس بمعناه التقليدي، بل بصورته الجديدة التي يصوغها جيل من الطلاب يجمع بين الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي والوعي المناخي.

ثلاثة مشاريع من السعودية وأستراليا والمملكة المتحدة، كشفت كيف يمكن للعلماء الشباب إعادة اختراع طريقة إنتاج الغذاء في عالم يزداد سخونة وجفافاً. وفي صميم هذه القصة، يتّضح توجه أن الجيل القادم يبني زراعة تتعلم وتتكيّف وتشفي الأرض بدل إنهاكها.

بوب فيرنوج من جامعة «كاوست» يعرض نموذجاً يجمع لأول مرة بين قياسات التربة في الزمن الحقيقي وتوقعات الطقس طويلة الأجل (الشرق الأوسط)

ريّ ذكي لمستقبل أكثر عطشاً

في السعودية، ليست الحشرات أو التربة الضعيفة هي أكبر عوائق الزراعة بل الماء. ومع بلوغ الزراعة ما يقارب 80 في المائة من استهلاك المياه في المملكة، يصبح أي تحسين بسيط بمثابة ثورة.

من هنا بدأ مشروع الري الذكي الذي طوّره باحثون في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، وفي مقدمتهم طالب الدكتوراه بوب فيرنوج الذي عرض نموذجاً يجمع لأول مرة بين قياسات التربة في الزمن الحقيقي وتوقعات الطقس طويلة الأجل. ويشرح الباحث المشروع خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»، قائلاً: «نحن ندمج بيانات الطقس مع قياسات التربة في الزمن الحقيقي، حتى يتمكن المزارع من استخدام كمية أقل من المياه وزيادة الإنتاج».

يتكون النظام من جهاز استشعار للرطوبة مدفون في الأرض، ومحطة طقس صغيرة تقيس الرطوبة والرياح ودرجة الحرارة والضغط والهطول، ثم ترسل البيانات عبر شبكة «LoRaWAN» منخفضة الاستهلاك إلى لوحة تحكم على هاتف المزارع. ورغم وجود أدوات مشابهة عالمياً، يشدد الباحث على أن هذا النظام هو الأول من نوعه المصمّم للسياقات الصحراوية، «هذه أول مرة يتم فيها توحيد بيانات التربة والتوقعات الجوية في نظام واحد متكامل... خصوصاً للبيئات الصحراوية».

هدف الفريق يتجاوز السعودية، ويتمنى فيرنوج أن «يصبح استخدام هذه الأنظمة معياراً عالمياً... لأن الماء مورد نادر في كل مكان». وبهذه الرؤية، يتحول مشروع «كاوست» من التكنولوجيا إلى رسالة وهي أن إنتاج الغذاء في الصحراء ليس مستحيلاً، بل يمكن أن يقود حلولاً عالمية.

أليكس كلارك من جامعة «إمبيريال كولدج لندن» مطور كبسولة تُدفن تحت الأرض لإعادة الحياة للتربة الميتة (الشرق الأوسط)

كبسولة تعيد الحياة للتربة الميتة

إذا كان مشروع «كاوست» يعالج عطش التربة، فإن مشروع «إيروبود» ( Aeropod) من جامعة «إمبيريال كولدج لندن» يعالج مرضها. التربة المتدهورة تهدد الأمن الغذائي العالمي، إذ تفقد خصوبتها بسبب الضغط المتكرر والآلات الثقيلة والفيضانات. ابتكر الطالب أليكس كلارك كبسولة تُدفن تحت الأرض، وتظل خامدة إلى أن تتعرض لضغط أو تشبّع بالمياه، فتتمدد داخل التربة وتفتح قنوات تسمح بعودة الأكسجين ونمو الجذور.

ويشرح كلارك جوهر المشكلة، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً إن «ضغط التربة مشكلة جوهرية في الزراعة... (إيروبود) يكسر التربة ويجعلها أكثر ليونة ويحسّن تصريف المياه وتبادل الغازات».

الكبسولة مصنوعة بالكامل من مواد قابلة للتحلل وتتكون من طبقتين؛ الأولى حساسة للضغط، والثانية تذوب عند ملامسة الماء لتحميها أثناء النقل.

يقول كلارك: «صممنا غلافاً حساساً للضغط داخل غلاف يذوب بالماء... حتى لا تتضرر أثناء التخزين، لكنها تتفاعل فور زرعها تحت الأرض». وبعكس الحلول التقليدية التي تستخدم آلات ثقيلة أو أسمدة صناعية، تعيد (إيروبود) التوازن البيولوجي الطبيعي للتربة.

تجري تجارب المشروع على محاصيل القمح والشعير والكروم، مع خطط مستقبلية لاستخدام الكبسولة كمنصة لإطلاق المغذيات. ويرى كلارك أن التصنيع يمثل العقبة الأضخم: «التحدي الرئيسي الآن هو الانتقال من المختبر إلى الحقول... توسيع القدرة التصنيعية»، لكن الفريق يثق بأن هذا الابتكار سيمنح المزارعين حلّاً مزدوجاً عبر تحسين التربة وتغذيتها في كبسولة واحدة.

توماس شيفي مبتكر نظام «Soil+CO2» وهو جهاز يحلل التربة في الزمن الحقيقي بناءً على غازات الزفير التي تطلقها الميكروبات (الشرق الأوسط)

قراءة في حياة التربة لحظة بلحظة

أما المشروع الثالث، القادم من أستراليا، فيضيف عنصراً ثالثاً إلى مستقبل الزراعة من حيث المعرفة الدقيقة. طور الطالب توماس شيفي نظام «Soil+CO2» وهو جهاز يحلل التربة في الزمن الحقيقي بناءً على غازات الزفير التي تطلقها الميكروبات التي تعد مؤشرات حيوية على صحة التربة وقدرتها الإنتاجية.

يشرح شاف أهمية التقنية ببساطة: «(Soil+CO2) يقيس ثاني أكسيد الكربون والميثان والنيتروجين وحرارة التربة ورطوبتها... ويرسل البيانات للمزارع ليعرف كل ما يحدث تحت قدميه».

يعتبر عنصر الوقت هو الاختلاف الجوهري بين «Soil+CO2» والفحوص المخبرية التقليدية، حيث إن التحاليل المخبرية تحتاج إلى أسبوعين فيما يوفر «Soil+CO2» النتائج لحظياً.

يقول شيفي: «لم يكن هناك أي جهاز يجمع كل هذه القياسات في منصة واحدة... لقد أخذنا تقنية أكاديمية وأوصلناها إلى يد المزارع مباشرة».

بإمكان المزارع، عبر الجهاز، تحديد المناطق الأكثر خصوبة وتلك التي تحتاج إلى تدخل، ما يخفض استخدام الأسمدة ويحسن الإنتاج. كما يرى شيفي أن الذكاء الاصطناعي سيكون جزءاً مهماً من المستقبل:

«الذكاء الاصطناعي سيجعل البيانات أسهل فهماً... وسيوفر للمزارع توصيات واضحة تعتمد على بيانات دقيقة». بهذا التطور، يصبح «Soil+CO2» ليس مجرد أداة قياس، بل هو نظام لتوجيه القرارات الزراعية على مدار موسم كامل.

على الرغم من اختلاف البيئات ما بين صحراء السعودية وحقول أوروبا وأراضي أستراليا، فإن المشاريع الثلاثة تشترك في رؤية واحدة وهي أن تصميم زراعة مرنة وقادرة على مواجهة التغير المناخي.

جيل جديد يرى الزراعة ليس قطاعاً تقليدياً، بل جبهة الابتكار الأهم لإنقاذ الكوكب.


مقالات ذات صلة

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

تكنولوجيا «أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» تنقل القيادة إلى جون تيرنوس مع احتفاظ تيم كوك بدور رئيس المجلس وسط ضغوط الذكاء الاصطناعي، واختبار المرحلة المقبلة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)

خبير دولي لـ«الشرق الأوسط»: الحروب تنتقل تدريجياً من ساحات القتال إلى مراكز البيانات

أكد خبير في الذكاء الاصطناعي أن البشرية تقف اليوم أمام تحول تاريخي يتجاوز تطوير أسلحة تقليدية؛ إذ نشهد انتقالاً عميقاً للحروب من عصر القوة الميكانيكية العنيفة…

غازي الحارثي (الرياض)
الرياضة روبوت ومهندسوه خلال نصف ماراثون بكين (أ.ف.ب)

شاهد... روبوتات تتفوّق على البشر في نصف ماراثون ببكين

تمكَّن روبوت بشري من الفوز بسباق نصف ماراثون للروبوتات في بكين، اليوم (الأحد)، قاطعاً المسافة بسرعة أكبر من الرقم القياسي العالمي البشري.

«الشرق الأوسط» (بكين)
تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

دراسة جديدة تطور إطاراً يتيح للروبوتات نقل المهارات بأمان بين منصات مختلفة بما قد يقلل تكلفة الأتمتة والتحديث الصناعي.

نسيم رمضان (لندن)

بسبب شحنات إسرائيلية... شكوى في فرنسا تتهم «فيديكس» بـ«التواطؤ في الإبادة»

شاحنة تابعة لشركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس» (رويترز)
شاحنة تابعة لشركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس» (رويترز)
TT

بسبب شحنات إسرائيلية... شكوى في فرنسا تتهم «فيديكس» بـ«التواطؤ في الإبادة»

شاحنة تابعة لشركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس» (رويترز)
شاحنة تابعة لشركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس» (رويترز)

قُدّمت شكوى قانونية في فرنسا ضد شركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس»، بتهمة «التواطؤ في جريمة الإبادة الجماعية»، على خلفية ادعاءات بأنها نقلت مكوّنات طائرات إسرائيلية يُزعم أنها شاركت في قصف غزة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأفاد «الاتحاد الفرنسي اليهودي من أجل السلام»، بأنه تقدّم بشكوى ضد فرع «فيديكس» الفرنسي بتهمة «نقل وتسليم مكوّنات أساسية لطائرات قتالية من الولايات المتحدة إلى إسرائيل عبر فرنسا».

وأضاف في الوثيقة المقدّمة إلى مدّعي مكافحة الإرهاب التي اطلعت عليها «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن هذه القطع استُخدمت «لصيانة وإصلاح مقاتلات (إف-35) التي يستخدمها سلاح الجو الإسرائيلي» في قطاع غزة.

وقالت «فيديكس» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا نقوم بأي عمليات توصيل دولية للأسلحة أو الذخيرة».

وذكر الاتحاد أن القضية تستند إلى تقرير صدر مؤخراً عن مجموعة «أورجانس بالستين» (حالة الطوارئ في فلسطين)، الذي وثّق 117 شحنة قال إنها مرّت من باريس عبر فرع «فيديكس» الفرنسي بين أبريل (نيسان) وأكتوبر (تشرين الأول) خلال العام الماضي.

وتوجّهت 22 من هذه الشحنات فورا إلى إسرائيل، بما في ذلك على متن ثلاث طائرات «فيديكس» مسجّلة في فرنسا، بحسب الشكوى التي يقول رافعوها إنه «كان يتعيّن على (فيديكس) معرفة محتواها».

وعبر الحدود في بلجيكا، أكّد مدّعون فيدراليون أنهم فتحوا تحقيقاً بشأن إحدى الشحنات التي مرّت عبر مطار لييغ في 20 يونيو (حزيران) 2025.

وقالت إسرائيل إنها ستضع حداً لجميع واردات الأسلحة من فرنسا بعد خلافات دبلوماسية بشأن اعتراف باريس في سبتمبر (أيلول) بدولة فلسطين.

ودعا توماس نايلا الذي نسّق الشكوى ضد «فيديكس» إلى «حظر شامل» على تسليم مكوّنات عسكرية من الجانب الفرنسي.

ورغم وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر، تبادل الجيش الإسرائيلي و«حماس» الاتهامات بخرق هدنة غزة التي جاءت بعد حرب استمرت عامين أشعلها هجوم نفذته الحركة الفلسطينية ضد الدولة العبرية في السابع من أكتوبر 2023.

واتّهمت جماعات حقوقية ومنظمات غير حكومية، بينها «العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش»، إسرائيل بارتكاب إبادة ضد الفلسطينيين في غزة، وهو مصطلح ترفضه الحكومة الإسرائيلية بشكل قاطع.


ابتكار صيني قد يُمهّد لتحليق المسيّرات دون انقطاع

حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
TT

ابتكار صيني قد يُمهّد لتحليق المسيّرات دون انقطاع

حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024

في ظل التسارع المتواصل في مجالات الطيران والتقنيات اللاسلكية، يسعى العلماء حول العالم إلى تجاوز أحد أبرز التحديات التي تواجه الطائرات المسيّرة، وهو محدودية زمن التحليق الناتجة عن قيود البطاريات. وفي هذا السياق، برزت خطوة بحثية واعدة من الصين قد تُحدث تحولاً نوعياً في طريقة تشغيل هذه الطائرات، عبر تمكينها من البقاء في الجو لفترات أطول، وربما إلى أجل غير مسمى، دون الحاجة إلى الهبوط لإعادة الشحن.

فقد طوّر علماء صينيون منصةً متخصصة لنقل الطاقة لاسلكياً إلى الطائرات المسيّرة أثناء تحليقها، باستخدام الموجات الدقيقة، في تصميم تجريبي قد يفتح آفاقاً جديدة أمام تشغيل هذا النوع من الطائرات بكفاءة أعلى واستمرارية أطول، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

ويتوقع باحثون من جامعة شيان الصينية أن يجري تطوير هذه المنصة مستقبلاً لتتحول إلى مركبة أرضية قادرة على إطلاق الطائرات المسيّرة وتزويدها بالطاقة أثناء الطيران، بما يسهم في زيادة مداها التشغيلي بشكل ملحوظ.

وأظهرت الاختبارات التي أجراها العلماء أن النظام المثبّت على مركبة أرضية تمكّن من إبقاء طائرات مسيّرة ذات أجنحة ثابتة في الجو لأكثر من ثلاث ساعات، وعلى ارتفاع يصل إلى 15 متراً، وهو ما يُعد مؤشراً أولياً على فعالية الفكرة رغم حداثتها.

ويعتمد نظام نقل الطاقة على باعث للموجات الدقيقة يقوم ببث الطاقة نحو مصفوفة من الهوائيات المثبّتة أسفل الطائرة المسيّرة، وذلك أثناء حركة كل من الطائرة ونظام الشحن على حد سواء، ما يعكس تعقيداً تقنياً يتطلب تنسيقاً دقيقاً بين الطرفين.

ومع ذلك، أشار الباحثون في دراسة نُشرت في مجلة «علوم وتكنولوجيا الطيران» إلى أن الحفاظ على محاذاة دقيقة بين باعث الموجات الدقيقة والطائرة المسيّرة يمثل تحدياً كبيراً، إذ يتطلب الأمر تناغماً عالي الدقة بين أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS) وأنظمة التحكم في الطيران الموجودة على متن الطائرة.

ولفت العلماء إلى أن هذه التقنية لا تزال في مراحلها المبكرة، حيث لم تستقبل الطائرة المسيّرة سوى نسبة تتراوح بين 3 و5 في المائة من إجمالي الطاقة المُرسلة، في حين يُهدر الجزء الأكبر من طاقة الموجات الدقيقة. كما أن الطاقة المستقبَلة تتعرض لتذبذبات نتيجة تأثير الرياح وأخطاء تحديد الموقع.

وفي سياق أوسع، شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في مفهوم تحويل الطاقة الكهرومغناطيسية، سواء المحيطة أو الموجّهة، إلى طاقة كهربائية قابلة للاستخدام المباشر، حيث انتقل هذا المفهوم من كونه نموذجاً بحثياً أولياً إلى تقنية تقترب من مرحلة التوحيد القياسي.

وفي العام الماضي، سجّلت وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة في أميركا إنجازاً لافتاً في هذا المجال، إذ نجحت في نقل طاقة بقدرة 800 واط باستخدام شعاع ليزر لمسافة بلغت 8.6 كيلومتر، ولمدة تزيد على 30 ثانية.


«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)
«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)
TT

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)
«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

تدخل «أبل» واحدة من أكثر مراحل الانتقال القيادي أهمية في تاريخها الحديث، لكن دلالة هذه الخطوة تتجاوز مجرد تبديل في المناصب. فقد أعلنت الشركة أن تيم كوك سيتولى منصب الرئيس التنفيذي لمجلس الإدارة ابتداءً من الأول من سبتمبر (أيلول) 2026، فيما سيتولى جون تيرنوس، الذي يشغل حالياً منصب النائب الأول لرئيس هندسة الأجهزة، منصب الرئيس التنفيذي للشركة. وسيبقى كوك في منصبه حتى نهاية الصيف للإشراف على عملية التسليم، فيما قالت «أبل» إن القرار يأتي ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد أقرها مجلس الإدارة بالإجماع.

بالنسبة إلى «أبل»، يطوي هذا الإعلان صفحة، ويفتح أخرى في توقيت حساس. فقد قاد كوك الشركة منذ عام 2011، وأشرف خلال هذه الفترة على نمو قيمتها السوقية من نحو 350 مليار دولار إلى 4 تريليونات دولار، فيما ارتفعت الإيرادات السنوية من 108 مليارات دولار في السنة المالية 2011 إلى أكثر من 416 مليار دولار في السنة المالية 2025، وفق أرقام الشركة. وخلال ولايته، وسّعت «أبل» أعمالها في الخدمات، وعززت حضورها في قطاع التجزئة عالمياً، وتقدمت أكثر في الأجهزة القابلة للارتداء، كما أنجزت انتقالها إلى الشرائح المصممة داخلياً.

التحدي الأساسي أمام الرئيس التنفيذي الجديد يتمثل في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة عملية داخل منتجات الشركة (أبل)

تحدي المرحلة المقبلة

لكن المرحلة المقبلة التي تنتظر تيرنوس تختلف عن تلك التي ورثها كوك. فقد أشارت «رويترز» إلى أن «أبل» تُجري هذا التغيير في وقت أعاد فيه الذكاء الاصطناعي رسم المشهد التنافسي، وأثار تساؤلات جديدة لدى المستثمرين بشأن ما إذا كانت الشركة قد تحركت بالسرعة الكافية.

صحيح أن «أبل» كانت من أوائل من رسّخوا التفاعل الاستهلاكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي عبر «سيري»، لكنها لم تقدم حتى الآن نجاحاً حاسماً في عصر الذكاء الاصطناعي، سواء على مستوى الأجهزة، أو البرمجيات، بحجم ما تسعى إليه شركات منافسة، وأخرى ناشئة. كما لفتت «رويترز» إلى اتفاق الشركة في يناير (كانون الثاني) مع «غوغل» لاستخدام «جيمناي» لتحسين «سيري»، في إشارة إلى أن «أبل» لا تزال تحسم كيف ستوازن بين قدراتها الداخلية وشراكاتها الخارجية في رسم مستقبلها في هذا المجال.

وهنا تتضح أسباب اختيار «أبل» قائداً قادماً من هندسة الأجهزة، بدلاً من اللجوء إلى شخصية خارجية أو تنفيذية ذات خلفية مالية. فقد انضم تيرنوس إلى فريق تصميم المنتجات في «أبل» عام 2001، وأصبح نائباً لرئيس هندسة الأجهزة في 2013، ثم انضم إلى الفريق التنفيذي في 2021. وخلال هذه المسيرة تولى مسؤوليات مباشرة مرتبطة بتطوير «آيفون»، و«آيباد»، و«ماك»، و«أبل ووتش»، و«إيربودز»، فيما يوصف دوره بأنه كان محورياً في استعادة زخم «ماك»، ورفع حضوره العلني داخل الشركة في السنوات الأخيرة. ويبلغ تيرنوس من العمر 50 عاماً، وهو العمر نفسه تقريباً الذي كان عليه كوك عندما خلف ستيف جوبز عام 2011.

إعادة توزيع المناصب الهندسية داخل «أبل» تعكس استعدادها لمرحلة تتطلب أكثر من قوة الأجهزة وحدها (إ.ب.أ)

الهندسة في الواجهة

يشير هذا الاختيار أيضاً إلى أن «أبل» لا تزال ترى في تنفيذ المنتج بوابتها الأوضح لعبور تحديات المرحلة المقبلة. فالمسألة لا تتعلق فقط بالذكاء الاصطناعي بوصفه توجهاً عاماً، بل بكيفية تحويله إلى قيمة عملية داخل أجهزة الشركة الأساسية من دون الإخلال بالنهج الذي بنت عليه «أبل» هويتها، والقائم على التكامل، والخصوصية، والتحكم الدقيق في التصميم. ويرى مراقبون أن إدماج الذكاء الاصطناعي داخل «آيفون» قد يكون أصعب اختبار يواجهه تيرنوس. وفي الوقت نفسه، سيجد نفسه أمام منافسين يتحركون بقوة في فئات متجاورة، من النظارات الذكية لدى «ميتا»، إلى طموحات «إنفيديا» في الحوسبة الشخصية.

وجاء توقيت إعلان ثانٍ من «أبل» في اليوم نفسه ليؤكد أن الأمر لا يتعلق بخلافة رمزية فقط.

فقد أعلنت الشركة أيضاً تعيين جوني سروجي في منصب كبير مسؤولي الأجهزة، في خطوة تعكس تشديد الهيكل الإداري حول منظمة الهندسة مع انتقال تيرنوس إلى قمة الهرم التنفيذي. ويعطي القراران معاً انطباعاً بأن «أبل» تحاول الحفاظ على الاستمرارية الداخلية، وفي الوقت نفسه تهيئة نفسها لمرحلة تنافسية أشد صعوبة، قد لا تكفي فيها وحدها قوة الأجهزة للحفاظ على التفوق.

لهذا تبدو هذه الخطوة أكبر من مجرد إعادة ترتيب إداري تقليدية. فبعد أن قاد كوك الشركة في مرحلة اتسمت بالاتساع، والانضباط التشغيلي، والنمو المالي، يرث تيرنوس «أبل» وهي لا تزال واحدة من أقوى شركات التكنولوجيا في العالم، لكنها مطالبة الآن بإثبات قدرتها على صياغة دورة الحوسبة المقبلة، لا الاكتفاء بالدفاع عن موقعها داخلها. وما إذا كان الفصل الجديد سيُقرأ لاحقاً بوصفه امتداداً منظماً لمسار الشركة، أم بداية إعادة تموضع أكثر صعوبة، فسيتوقف إلى حد بعيد على قدرة الرئيس التنفيذي الجديد على تحويل قوة الهندسة إلى استراتيجية أكثر وضوحاً في الذكاء الاصطناعي.