الأتمتة الذكية في السعودية... كيف تُمكن المواهب وتُعيد تعريف الخدمات الحكومية؟

نحو تسريع التحول الرقمي دون استبعاد الإنسان

يؤكد باحثون أن الأتمتة الذكية في السعودية أصبحت أداة استراتيجية لتمكين الكفاءات الوطنية لا لإحلالها (غيتي)
يؤكد باحثون أن الأتمتة الذكية في السعودية أصبحت أداة استراتيجية لتمكين الكفاءات الوطنية لا لإحلالها (غيتي)
TT

الأتمتة الذكية في السعودية... كيف تُمكن المواهب وتُعيد تعريف الخدمات الحكومية؟

يؤكد باحثون أن الأتمتة الذكية في السعودية أصبحت أداة استراتيجية لتمكين الكفاءات الوطنية لا لإحلالها (غيتي)
يؤكد باحثون أن الأتمتة الذكية في السعودية أصبحت أداة استراتيجية لتمكين الكفاءات الوطنية لا لإحلالها (غيتي)

في الوقت الذي يستمر الخطاب العالمي حول الذكاء الاصطناعي والأتمتة في التركيز على المخاوف من الإحلال الوظيفي، تكتب المملكة العربية السعودية قصة مختلفة ترى في التقنية وسيلةً لتمكين الإنسان، لا استبعاده. فمن خلال مزيج فريد يجمع بين الرؤية الوطنية، والجاهزية المؤسسية، وتطوير رأس المال البشري، تستفيد المملكة من الأتمتة الذكية لتوليد وظائف ذات قيمة، وتحسين الخدمات العامة، وتسريع الابتكار على نطاق واسع.

في قلب هذا التحول، تتقاطع الأتمتة القائمة على «وكلاء الذكاء الاصطناعي»، (Agentic Automation)، وهي نموذج جديد تتعاون فيه وكلاء الذكاء الاصطناعي والروبوتات والبشر معاً، مع استراتيجية المملكة التي تهدف إلى توطين الأدوار الرقمية المتقدمة.

توضح سارة آل الشيخ، نائب الرئيس الإقليمي والمدير العام لشركة «UiPath» في السعودية والكويت والبحرين، خلال حديث خاص إلى «الشرق الأوسط» أن الأتمتة أصبحت مُمكّناً استراتيجياً، تُخفف من أعباء المهام المتكررة، وتفتح المجال أمام المهنيين لتولّي أدوار أكثر تأثيراً وقيمة.

سارة آل الشيخ نائب الرئيس الإقليمي والمدير العام لشركة «UiPath» في السعودية والكويت والبحرين

قوى عاملة متماشية مع «رؤية 2030»

لا تُعد «رؤية السعودية 2030» مجرد خطة لتنويع الاقتصاد؛ بل هي إعلان واضح لتبني الريادة الرقمية. في صميم هذه الرؤية تقف مهمة تحويل المؤسسات الحكومية إلى كيانات ذكية ومرنة ومتمحورة حول المواطن.

وترى آل الشيخ أن هذا التحول تجاوز بالفعل نطاق الأتمتة التقليدية للعمليات (RPA)، ليصل إلى نموذج أكثر تقدماً يسمى «الأتمتة القائمة على وكلاء الذكاء الاصطناعي». وتقول إن هذا النموذج يجمع بين قوة الأتمتة وسرعتها، وبين ذكاء ومرونة الذكاء الاصطناعي. كما يمكّن الأنظمة من العمل على مدار الساعة، والتنبؤ باحتياجات المواطنين، وتقديم الخدمات بشكل استباقي. وتضيف آل الشيخ: «هنا تصبح (رؤية 2030) ملموسة، المستقبل لا تكتفي فيه الأتمتة بدعم التحول، بل تُسرّعه بشكل مسؤول وعلى نطاق واسع». وما يميز ذلك الأسلوب من الأتمتة هو قدرتها على التكيّف مع البيئات الديناميكية والبيانات غير المنظمة، مما يسمح لها بالتعامل مع عمليات كانت تعد معقدة أو غير قابلة للأتمتة في الماضي.

نضج مؤسسي ووضوح استراتيجي

تُعد المؤسسات الحكومية السعودية من بين الأولى إقليمياً في تبني تقنيات الأتمتة. وقد تعاملت الجهات الرسمية مع الأتمتة على أنها استثمار استراتيجي وليس مجرد تحسين تقني.

تشير سارة آل الشيخ إلى أن نضج المؤسسات الحكومية في المملكة في تبني تقنيات الأتمتة لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة لتكامل ثلاثة عناصر أساسية. أول هذه العناصر هو إدراج الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ضمن جوهر خطط التحول الرقمي، بحيث لم تُعامل على أنها أداة مساندة بل على أنها مكوّن محوري في تحقيق الأهداف المؤسسية. أما العنصر الثاني، فهو تبني الأتمتة بوصفها أولوية واضحة على مستوى القيادات وصنّاع القرار، مما وفَّر لها الزخم والدعم اللازمين لتوسيع نطاقها وتنفيذها بفاعلية. ويكمل هذا التوجهَ عنصرٌ ثالث لا يقل أهمية، وهو التركيز المستمر على تدريب وتطوير مهارات موظفي القطاع الحكومي، لضمان أن تبقى الكفاءات الوطنية جزءاً فاعلاً في منظومة الابتكار والتحول، وقادرة على قيادة الأتمتة بدلاً من مجرد التكيّف معها.

يرى خبراء أن الأتمتة الذكية تُسهم في تقليل المهام الإدارية المتكررة وخلق فرص وظيفية ذات قيمة مضافة

التدريب وتطوير المهارات

تشير سارة آل الشيخ إلى ارتفاع درجة جاهزية المملكة للذكاء الاصطناعي من 60.35٪ في عام 2023 إلى 74.69٪ في عام 2025 نتيجة قدرات مؤسسية قوية. وقد ساهمت كيانات مثل «سدايا» في هذا التقدم، من خلال إطلاق أطر وطنية لتبني الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول وشامل. وفي هذا السياق، لعبت «هيئة الحكومة الرقمية» دوراً حاسماً من خلال إطلاق مؤشر التحول الرقمي لعام 2024، الذي يُقيّم أكثر من 230 جهة حكومية وفق 96 معياراً. هذه الخطوة ساهمت في تعزيز الشفافية والمساءلة وتسريع وتيرة التحول.

المرحلة التالية من التطور

تُقدم سارة آل الشيخ مفهوماً بدأ يكتسب زخماً في الدول الخليجية، وهو «حكومة الوكلاء»، (Agentic Government)، من حيث تنسيق عمل وكلاء الذكاء الاصطناعي والروبوتات والبشر في مهام ذكية تعمل دون توقف، تستشرف احتياجات المواطنين.

وتذكر آل الشيخ أن «حكومة الوكلاء» تُقدم خدمات استباقية وذكية ومتمركزة حول المواطن تتفوق على نماذج الحكومة الرقمية التقليدية.

تعتمد هذه الرؤية على أنظمة تتمتع بحوكمة مدمجة، وأمن سيبراني قوي، وأطر فعّالة لإدارة التغيير. يستطيع «وكلاء الذكاء الاصطناعي» التنبؤ باحتياجات المواطن، واتخاذ قرارات سياقية، وتنفيذ سير عمل متكامل كل ذلك بالتكامل مع العنصر البشري.

وتُضيف آل الشيخ: «نحن لا نتحدث هنا عن تطور تقني فقط، بل عن تحول مجتمعي في كيفية تقديم الخدمات وإدارة الأعمال وطبيعة العمل نفسها».

تسهم مدرسة «الأتمتة السعودية» في سد فجوة المهارات الرقمية عبر تدريب عملي يؤهل الشباب لأدوار إشرافية في أنظمة ذكية (شاترستوك)

الإنسان في المركز

القيمة الحقيقية للأتمتة لا تكمن فقط في الإنتاجية، بل في تمكين الإنسان. وتلعب الأتمتة دوراً مزدوجاً من حيث تقليل المهام المتكررة، وفي الوقت نفسه خلق طلب متزايد على الكفاءات الوطنية المؤهَّلة.

في هذا السياق، تعاونت شركة «UiPath» مع «الأكاديمية السعودية الرقمية» لإطلاق مدرسة «الأتمتة السعودية»، وهي أول مؤسسة من نوعها تهدف إلى سد فجوة المهارات الرقمية من خلال برامج تدريب عملية وموجهة. وتردف آل الشيخ خلال حديثها مع «الشرق الأوسط» بأن «المدرسة لا تقدم تدريباً نظرياً عاماً، بل تركز على حالات استخدام واقعية وتفكير شامل في تصميم سير العمل وفهم عميق للمنصات التقنية».

يتعلم الطلاب كيفية التعاون مع الروبوتات و«وكلاء الذكاء الاصطناعي» وفِرق العمل البشرية، مما يؤهلهم لتولّي أدوار إشرافية وليست تنفيذية فقط.

ومنذ انطلاقتها في أوائل عام 2024، سجّلت «مدرسة الأتمتة» إقبالاً لافتاً من الشباب السعودي. وتشير آل الشيخ إلى أن الكثير من الخريجين تم ترشيحهم لوظائف فعلية في القطاعين العام والخاص، سواء في مجال الإشراف على الأنظمة المؤتمتة أو تطويرها.

نماذج واقعية ناجحة

تُثبت بعض التجارب الحكومية في السعودية أن هذا التوجه ليس نظرياً، بل يُحقق نتائج ملموسة. من أبرز الأمثلة وزارة السياحة، التي واجهت تحدياً يتمثل في دعم هدف وطني بجذب 150 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2030. وتوضح آل الشيخ أن «الوزارة لم تُضف الأتمتة بشكل سطحي، بل قامت بتنسيق الأنظمة لتحقيق نتائج قابلة للقياس». ومن خلال الأتمتة القائمة على «وكلاء الذكاء الاصطناعي»، تم تسريع عمليات إصدار التراخيص وتسجيل الشركاء وتقديم الخدمات للمواطنين بشكل أكثر مرونة.

كما تبنّت وزارة الثقافة حلول الأتمتة لتعزيز الكفاءة الإدارية والتشغيلية، مما أسهم في تحسين الأداء الداخلي وتوفير الموارد. هذه النماذج تُظهر أن النجاح لا يعتمد على التكنولوجيا فقط، بل على التنسيق بين القيادة المؤسسية، والموهبة المحلية والرؤية الوطنية.

فمع استمرار تقدم المملكة نحو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030»، تُقدم نموذجاً فريداً يقول للعالم إن التقنية تنجح حين تُمكّن الإنسان. من الأطر الوطنية، إلى مؤشرات الأداء، إلى برامج التدريب الموجهة... تؤسس السعودية لمستقبل تُصبح فيه الأتمتة موثوقة ومحلية ومرتكزة أكثر على الإنسان.


مقالات ذات صلة

«غوغل» تطلق «Gemini 4 Argon» عالمياً للمهام المعقدة

تكنولوجيا يركز النموذج على المهام المعقدة متعددة الخطوات في البرمجة والمالية والقانون والأمن السيبراني والعلوم (أدوبي)

«غوغل» تطلق «Gemini 4 Argon» عالمياً للمهام المعقدة

تطلق «غوغل» نموذج «Gemini 4 Argon» عالمياً للمهام المعقدة في البرمجة والأعمال والعلوم مع قدرات متقدمة في الاستدلال والروبوتات

نسيم رمضان (لندن)
خاص تستخدم «SandboxAQ» الذكاء الاصطناعي مع «أرامكو» لفحص أكثر من مليون محفّز كيميائي واختيار نحو 10 مرشحين للاختبارات المخبرية (أدوبي)

خاص «SandboxAQ» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية أمام فرصة لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى صناعات قابلة للتصدير

تسعى السعودية لتحويل استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى صناعات ومِلكية فكرية قابلة للتصدير عبر تطبيقات متقدمة في الطاقة والرقائق والأدوية والملاحة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تجمع شاشة «أبل هوم فيو» المدعومة بمساعد «سيري» للذكاء الاصطناعي بين الترفيه والاتصال وإدارة المنزل الذكي.

«أبل» توسّع منظومتها المنزلية بأجهزة جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي

كشفت «أبل» عن حزمة جديدة من المنتجات والخدمات المنزلية، تضم شاشة ذكية ومكبرات صوت وجهاز تلفزيون مطوّراً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا مشروع مفتوح المصدر يقدم بدائل مجانية لبرامج التصميم والإنتاجية (ArtCraft)

بديل مجاني ومفتوح المصدر لبرامج «أدوبي» و«أوفيس»

يعمل مشروع على بناء منظومة مختلفة تضم تطبيقات مجانية ومفتوحة المصدر تستهدف تقديم بدائل لأشهر البرامج المستخدمة في تحرير الصور.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تقدّم «غوغل كلاود» وكيل «جيميناي» بوصفه أداة تنفذ مهام كاملة بدلاً من الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة (شاترستوك)

«غوغل كلاود» تحوّل «جيميناي» من مساعد ذكي إلى «زميل عمل» رقمي

تقدّم «غوغل كلاود» وكيل «جيميناي» الجديد لتنفيذ مهام العمل عبر التطبيقات، مع ذاكرة مستمرة وصلاحيات مؤسسية وأدوات تحليل متقدمة.

نسيم رمضان (لندن)

8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

TT

8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

أعلنت ثماني ولايات أميركية، منها أيوا وكانساس، أمس (الأربعاء)، أنها رفعت دعاوى قضائية على شركة «أوبن إيه آي» أمام محاكم في أنحاء البلاد بسبب الأضرار التي قالت إن تطبيق «تشات جي بي تي» تسبب بها للأطفال.

وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، فقد ذكرت الولايات أن روبوت الدردشة الآلي دفع أطفالاً إلى إيذاء أنفسهم أو آخرين.

وتسعى الدعاوى القضائية المرفوعة أمام محاكم الولايات إلى الحصول على أمر يجبر «أوبن إيه آي» على إجراء تغييرات في طريقة عمل «تشات جي بي تي» مع الأطفال.

وتسعى الولايات أيضاً إلى الحصول على أمر يجبر الشركة على التنازل عن الأرباح التي حققتها من المستخدمين الأطفال.

وكان وزير العدل بولاية فلوريدا أول من رفع دعوى قضائية على الشركة باتهامات مماثلة في يونيو (حزيران).

وتواجه الشركة أيضاً عشرات الدعاوى القضائية التي تتهم «تشات جي بي تي» بالمساعدة في وقائع إطلاق نار عشوائي أو أعمال عنف أخرى.


السعودية ترسل أول عينات بيولوجية من نوعها بالمنطقة إلى الفضاء

برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
TT

السعودية ترسل أول عينات بيولوجية من نوعها بالمنطقة إلى الفضاء

برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)

أرسلت السعودية أول عينات بيولوجية من نوعها بمنطقة الشرق الأوسط إلى محطة الفضاء الدولية، في إطار مهمة الجاذبية الحيوية 1 ضمن «SpaceX CRS - 35»، بدعم من الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء «ناسا».

وجاء الإطلاق من وكالة الفضاء السعودية وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست» ضمن برنامج بحثي طويل المدى يستهدف دعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد، عبر سلسلة من 3 مهمات متتابعة.

ويُعزِّز هذا الإنجاز العلمي حضور السعودية في أبحاث الجاذبية الصغرى، ويوسع توظيف علوم وتقنيات الفضاء في خدمة الأبحاث الصحية والحيوية.

وتمثل المهمة أولى مراحل البرنامج بإرسال عينات بشرية مرجعية من متبرعين أصحاء إلى الفضاء؛ لتأسيس قاعدة علمية للمقارنة في المراحل اللاحقة، والاستفادة من الخصائص الفريدة لبيئة الجاذبية الصغرى في دراسة التغيرات الخلوية المرتبطة بالتقدم في العمر والأمراض العصبية التنكسية.

وتشمل تجربتين بيولوجيتين طوّرتها «كاوست» تحملان الاسمين SSA - 1 وSSA - 2. وينفذ البرنامج ضمن شراكة علمية دولية تجمع المؤسسة الوطنية الأميركية للخلايا الجذعية (NSCF) وبدعم من «ناسا»، وشركة «أكسيوم سبيس»، إلى جانب مشاركة علمية وطنية من الوكالة و«كاوست»، بما يعزز تكامل القدرات المحلية مع المنظومة البحثية العالمية.

من جانبها، قالت رائدة الفضاء السعودية ريانة برناوي، المشرفة العامة على أبحاث الجاذبية الصغرى في الوكالة، إن إطلاق هذه العينات «يمثل خطوة علمية مهمة في مسار توظيف بيئة الفضاء لخدمة صحة الإنسان، ويعكس تطور القدرات الوطنية وجاهزيتها للمشاركة في أبحاث متقدمة وعبر برنامج الجاذبية الحيوية».

وأضافت برناوي: «نسعى لتحويل المعرفة المكتسبة في المدار إلى فرص بحثية تسهم في تعميق فهم الأمراض ودعم تطوير حلول علاجية مستقبلية».

وبدوره، أكد أستاذ العلوم الحيوية في «كاوست» البروفسور عماد غلوزي، العالم الرئيس للمشروع، أن المهمة تتيح للباحثين اختبار نماذج الأمراض في بيئة لا يمكن محاكاتها على الأرض، وتعزز إسهام الجامعة في اكتشافات تخدم المرضى في المملكة والعالم.

إلى ذلك، أبدت الدكتورة بينار ميسي، المستشارة العلمية للمؤسسة والرئيسة العالمية للتصنيع الحيوي والتقنية الحيوية في «أكسيوم سبيس»، حماسها لهذه المهمة التي شملت عينات من السعودية.

وأوضحت ميسي أن فريق المؤسسة «سيختبر ولأول مرة في بيئة الجاذبية الصغرى، مفهوم (قرية الخلايا)، ويتيح مفهوم دمج عدة خطوط خلوية فردية ضمن عضية واحدة، إجراء دراسات على مستوى المجموعات السكانية، مع إمكانية تنفيذ ما يمكن وصفه بـ(التجارب السريرية في طبق مخبري)».

ويمتد البرنامج عبر ثلاث مهمات بحثية مترابطة تبدأ بدراسة العينات المرجعية السليمة، ثم دراسة نماذج مشتقة من مرضى ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد، وصولاً إلى دراسة الاستجابة العلاجية واستكشاف أهداف دوائية محتملة في بيئة الجاذبية الصغرى.

ويأتي برنامج «الجاذبية الحيوية» ضمن جهود الوكالة لبناء القدرات الوطنية في أبحاث الجاذبية الصغرى وعلوم الحياة، وتوسيع الشراكات العلمية الدولية، وتوظيف علوم وتقنيات الفضاء لخدمة صحة الإنسان، بما يسهم في تعزيز الاقتصاد المعرفي والابتكار وجودة الحياة، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030».


«الذكاء الاصطناعي الخفي»... موظفون يستعينون بالتقنية سراً بعيداً عن أعين مديريهم

يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
TT

«الذكاء الاصطناعي الخفي»... موظفون يستعينون بالتقنية سراً بعيداً عن أعين مديريهم

يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)

على غرار كاميل، المهندسة المعمارية التي يوفّر عليها الذكاء الاصطناعي «وقتاً هائلاً»، يلجأ عدد كبير من الموظفين الفرنسيين إلى هذه الأداة من دون موافقة أصحاب عملهم، في إطار ابتكارهم حلولهم الخاصة رداً على الأساليب القديمة والبطيئة التي لا تزال شركاتهم تعتمدها، وتقصيرها في تبنّي التقنيات الحديثة.

وتدير صوفي (اسم مستعار) وهي مديرة عقارات تبلغ 38 عاماً، 500 عقار وتضطر للتعامل مع الحالات الطارئة، فضلاً عن «مئات رسائل البريد الإلكتروني المتراكمة». وتصف كمية العمل بـ«الهائلة»، مشيرة إلى أن ضغوط المسؤولين عنها تزيد الوضع سوءاً.

وتعد صوفي أن الأدوات المستخدمة داخل شركتها باتت «متقادمة»، وأن مديريها يفشلون في مواكبة التطور. وتتابع: «لا توفر الشركات الأدوات اللازمة لتسهيل العمل، مما يسبب إحباطاً كبيراً للموظفين».

ودفع ذلك بالموظفة الثلاثينية إلى الاشتراك على نفقتها الخاصة بخدمات نموذج الذكاء الاصطناعي «كلود» من «أنثروبيك»، واستخدامه لصوغ الردود على المالكين والمستأجرين.

وتقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يتعين علي التحقق من النقاط القانونية للتأكد من عدم وجود أخطاء، إلا أنه يوفر علي مع ذلك وقتاً هائلاً. إنه أشبه بتكليف شخص آخر إنجاز عمل يتطلب وقتاً طويلاً».

ويعرف هذا النوع من الاستخدام بـ«الذكاء الاصطناعي الخفي» (Shadow AI)، أي عندما يلجأ الموظفون إلى هذه الأداة من دون إشراف من الشركة.

ويؤكد جيروم بيلوا، الخبير في أمن المعلوماتية في شركة الاستشارات «وايفستون»، أن هذه الظاهرة باتت «منتشرة إلى حد كبير» في جميع القطاعات العامة والخاصة على حد سواء.

ويوضح بيلوا أن «الأدوات التي تقترح المؤسسات البدء باستخدامها تخضع لقيود تنظيمية وميزانيات محددة، ولا تكون دائماً بكفاءة تلك المتاحة في الخارج مقابل بعض عشرات اليوروهات».

ويتابع: «بحلول الوقت الذي تجد في هذه الشركات النماذج التي تتماشى مع سياساتها الداخلية»، تكون تلك الأدوات أصبحت «قديمة» بالفعل مقارنة بتلك المتوافرة في الخارج للجميع، لا سيما بالنظر إلى «السرعة الجنونية» التي يتطور بها الذكاء الاصطناعي.

ووفقا لمؤشر «وورك تريند إندكس» (Work Trend Index) الصادر عن «مايكروسوفت لينكد إن»، فإن 75 في المائة من الموظفين حول العالم كانوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل عام 2024، و78 في المائة منهم يستخدمون أدواتهم الخاصة.

وتقول كاميل إنه على الرغم من أنها تقوم بمراجعة النتائج والتحقق منها وتعديلها، فإن الذكاء الاصطناعي يكون قد أتم بالفعل بين 80 إلى 90 في المائة من العمل. وتتابع: «لم يكن رؤسائي يريدون الالتفات إلى هذه المسألة. لذا فعلت ما بوسعي» باستخدام الأدوات العامة المتاحة للجميع.

«في الخفاء»

وتوضح سيسيل دوجو، مديرة مرصد التحولات الإدارية والموارد البشرية في المعهد الوطني للفنون والمهن، أن «غياب الأدوات أو التوجيهات من جانب الشركات يشجع على هذه الممارسات».

وتشير إلى أن بعض الشركات تحظر على موظفيها استخدام الذكاء الاصطناعي، إلا أنهم يلجأون مع ذلك إليه لتسريع العمل وكسب مزيد من الوقت.

وبينما تكون شركات أخرى منهمكة في «صوغ» إطار معين لاستخدام هذه التقنية يشمل المعايير الأخلاقية والأدوات اللازمة ومجالات الاستخدام المحددة، يكون الموظفون قد بدأوا بالفعل باستخدام نماذجهم الخاصة «في الخفاء»، مما يكشف الفجوة بين تحديد القواعد والتجربة على الأرض.

وتتابع دوجو أنه بمجرد أن يلحظ الموظفون فوائد هذه الأدوات، يصبحون «نوعاً ما مدمنين عليها»، وتصبح الأدوات التي توفرها الشركات لاحقاً غير قادرة على منافسة تلك التي يستخدمونها بالفعل.

على أن الظاهرة المشار إليها تثير مخاوف تتعلق بالخصوصية، وسط إمكان تسرب بيانات سرية خاصة بالشركات، حسب جيروم بيلوا.

وتؤكد شهرزاد عبوب، المحامية المتخصصة في قانون البيانات، أنه فيما يتعلق بإرسال بيانات إلى الذكاء الاصطناعي يجب «أن نتعامل معها كما لو كنا على أرض الواقع».

وتضيف: «لا يمكننا مشاركة البيانات التي تتضمن أسرار الشركة أو طريقة عملها أو معلومات شخصية».

إلا أن كاميل تقلل من هذه المخاوف، إذ تعد أن الأدوات المستخدمة يومياً لا تضمن أصلاً الحفاظ على سرية المعلومات، بدءاً من «رسائل البريد الإلكتروني وصولاً إلى منصة تيمز».

وتضيف أن أصحاب العمل يقللون من أهمية إدخال الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي، ومن «العبء الزائد في العمل» الذي يعانيه الموظفون.

ولمنع استمرار الموظفين في استخدامه سراً، ترى سيسيل دوجو أن على المسؤولين في الشركات «وضع خريطة طريق»، يحددون بموجبها الحاجات والأدوات اللازمة والإطار الذي يمكن استخدامها به في كنف الشركة.

ويقول أحد مسؤولي الاتصالات البالغ 41 عاماً، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته: «لا أحد في المكتب يقر بذلك علناً، إلا أن الجميع يفعل! من منا لا يستخدم (تشات جي بي تي؟) مجرد التفكير في حظره أمر عبثي».