الأتمتة الذكية في السعودية... كيف تُمكن المواهب وتُعيد تعريف الخدمات الحكومية؟

نحو تسريع التحول الرقمي دون استبعاد الإنسان

يؤكد باحثون أن الأتمتة الذكية في السعودية أصبحت أداة استراتيجية لتمكين الكفاءات الوطنية لا لإحلالها (غيتي)
يؤكد باحثون أن الأتمتة الذكية في السعودية أصبحت أداة استراتيجية لتمكين الكفاءات الوطنية لا لإحلالها (غيتي)
TT

الأتمتة الذكية في السعودية... كيف تُمكن المواهب وتُعيد تعريف الخدمات الحكومية؟

يؤكد باحثون أن الأتمتة الذكية في السعودية أصبحت أداة استراتيجية لتمكين الكفاءات الوطنية لا لإحلالها (غيتي)
يؤكد باحثون أن الأتمتة الذكية في السعودية أصبحت أداة استراتيجية لتمكين الكفاءات الوطنية لا لإحلالها (غيتي)

في الوقت الذي يستمر الخطاب العالمي حول الذكاء الاصطناعي والأتمتة في التركيز على المخاوف من الإحلال الوظيفي، تكتب المملكة العربية السعودية قصة مختلفة ترى في التقنية وسيلةً لتمكين الإنسان، لا استبعاده. فمن خلال مزيج فريد يجمع بين الرؤية الوطنية، والجاهزية المؤسسية، وتطوير رأس المال البشري، تستفيد المملكة من الأتمتة الذكية لتوليد وظائف ذات قيمة، وتحسين الخدمات العامة، وتسريع الابتكار على نطاق واسع.

في قلب هذا التحول، تتقاطع الأتمتة القائمة على «وكلاء الذكاء الاصطناعي»، (Agentic Automation)، وهي نموذج جديد تتعاون فيه وكلاء الذكاء الاصطناعي والروبوتات والبشر معاً، مع استراتيجية المملكة التي تهدف إلى توطين الأدوار الرقمية المتقدمة.

توضح سارة آل الشيخ، نائب الرئيس الإقليمي والمدير العام لشركة «UiPath» في السعودية والكويت والبحرين، خلال حديث خاص إلى «الشرق الأوسط» أن الأتمتة أصبحت مُمكّناً استراتيجياً، تُخفف من أعباء المهام المتكررة، وتفتح المجال أمام المهنيين لتولّي أدوار أكثر تأثيراً وقيمة.

سارة آل الشيخ نائب الرئيس الإقليمي والمدير العام لشركة «UiPath» في السعودية والكويت والبحرين

قوى عاملة متماشية مع «رؤية 2030»

لا تُعد «رؤية السعودية 2030» مجرد خطة لتنويع الاقتصاد؛ بل هي إعلان واضح لتبني الريادة الرقمية. في صميم هذه الرؤية تقف مهمة تحويل المؤسسات الحكومية إلى كيانات ذكية ومرنة ومتمحورة حول المواطن.

وترى آل الشيخ أن هذا التحول تجاوز بالفعل نطاق الأتمتة التقليدية للعمليات (RPA)، ليصل إلى نموذج أكثر تقدماً يسمى «الأتمتة القائمة على وكلاء الذكاء الاصطناعي». وتقول إن هذا النموذج يجمع بين قوة الأتمتة وسرعتها، وبين ذكاء ومرونة الذكاء الاصطناعي. كما يمكّن الأنظمة من العمل على مدار الساعة، والتنبؤ باحتياجات المواطنين، وتقديم الخدمات بشكل استباقي. وتضيف آل الشيخ: «هنا تصبح (رؤية 2030) ملموسة، المستقبل لا تكتفي فيه الأتمتة بدعم التحول، بل تُسرّعه بشكل مسؤول وعلى نطاق واسع». وما يميز ذلك الأسلوب من الأتمتة هو قدرتها على التكيّف مع البيئات الديناميكية والبيانات غير المنظمة، مما يسمح لها بالتعامل مع عمليات كانت تعد معقدة أو غير قابلة للأتمتة في الماضي.

نضج مؤسسي ووضوح استراتيجي

تُعد المؤسسات الحكومية السعودية من بين الأولى إقليمياً في تبني تقنيات الأتمتة. وقد تعاملت الجهات الرسمية مع الأتمتة على أنها استثمار استراتيجي وليس مجرد تحسين تقني.

تشير سارة آل الشيخ إلى أن نضج المؤسسات الحكومية في المملكة في تبني تقنيات الأتمتة لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة لتكامل ثلاثة عناصر أساسية. أول هذه العناصر هو إدراج الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ضمن جوهر خطط التحول الرقمي، بحيث لم تُعامل على أنها أداة مساندة بل على أنها مكوّن محوري في تحقيق الأهداف المؤسسية. أما العنصر الثاني، فهو تبني الأتمتة بوصفها أولوية واضحة على مستوى القيادات وصنّاع القرار، مما وفَّر لها الزخم والدعم اللازمين لتوسيع نطاقها وتنفيذها بفاعلية. ويكمل هذا التوجهَ عنصرٌ ثالث لا يقل أهمية، وهو التركيز المستمر على تدريب وتطوير مهارات موظفي القطاع الحكومي، لضمان أن تبقى الكفاءات الوطنية جزءاً فاعلاً في منظومة الابتكار والتحول، وقادرة على قيادة الأتمتة بدلاً من مجرد التكيّف معها.

يرى خبراء أن الأتمتة الذكية تُسهم في تقليل المهام الإدارية المتكررة وخلق فرص وظيفية ذات قيمة مضافة

التدريب وتطوير المهارات

تشير سارة آل الشيخ إلى ارتفاع درجة جاهزية المملكة للذكاء الاصطناعي من 60.35٪ في عام 2023 إلى 74.69٪ في عام 2025 نتيجة قدرات مؤسسية قوية. وقد ساهمت كيانات مثل «سدايا» في هذا التقدم، من خلال إطلاق أطر وطنية لتبني الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول وشامل. وفي هذا السياق، لعبت «هيئة الحكومة الرقمية» دوراً حاسماً من خلال إطلاق مؤشر التحول الرقمي لعام 2024، الذي يُقيّم أكثر من 230 جهة حكومية وفق 96 معياراً. هذه الخطوة ساهمت في تعزيز الشفافية والمساءلة وتسريع وتيرة التحول.

المرحلة التالية من التطور

تُقدم سارة آل الشيخ مفهوماً بدأ يكتسب زخماً في الدول الخليجية، وهو «حكومة الوكلاء»، (Agentic Government)، من حيث تنسيق عمل وكلاء الذكاء الاصطناعي والروبوتات والبشر في مهام ذكية تعمل دون توقف، تستشرف احتياجات المواطنين.

وتذكر آل الشيخ أن «حكومة الوكلاء» تُقدم خدمات استباقية وذكية ومتمركزة حول المواطن تتفوق على نماذج الحكومة الرقمية التقليدية.

تعتمد هذه الرؤية على أنظمة تتمتع بحوكمة مدمجة، وأمن سيبراني قوي، وأطر فعّالة لإدارة التغيير. يستطيع «وكلاء الذكاء الاصطناعي» التنبؤ باحتياجات المواطن، واتخاذ قرارات سياقية، وتنفيذ سير عمل متكامل كل ذلك بالتكامل مع العنصر البشري.

وتُضيف آل الشيخ: «نحن لا نتحدث هنا عن تطور تقني فقط، بل عن تحول مجتمعي في كيفية تقديم الخدمات وإدارة الأعمال وطبيعة العمل نفسها».

تسهم مدرسة «الأتمتة السعودية» في سد فجوة المهارات الرقمية عبر تدريب عملي يؤهل الشباب لأدوار إشرافية في أنظمة ذكية (شاترستوك)

الإنسان في المركز

القيمة الحقيقية للأتمتة لا تكمن فقط في الإنتاجية، بل في تمكين الإنسان. وتلعب الأتمتة دوراً مزدوجاً من حيث تقليل المهام المتكررة، وفي الوقت نفسه خلق طلب متزايد على الكفاءات الوطنية المؤهَّلة.

في هذا السياق، تعاونت شركة «UiPath» مع «الأكاديمية السعودية الرقمية» لإطلاق مدرسة «الأتمتة السعودية»، وهي أول مؤسسة من نوعها تهدف إلى سد فجوة المهارات الرقمية من خلال برامج تدريب عملية وموجهة. وتردف آل الشيخ خلال حديثها مع «الشرق الأوسط» بأن «المدرسة لا تقدم تدريباً نظرياً عاماً، بل تركز على حالات استخدام واقعية وتفكير شامل في تصميم سير العمل وفهم عميق للمنصات التقنية».

يتعلم الطلاب كيفية التعاون مع الروبوتات و«وكلاء الذكاء الاصطناعي» وفِرق العمل البشرية، مما يؤهلهم لتولّي أدوار إشرافية وليست تنفيذية فقط.

ومنذ انطلاقتها في أوائل عام 2024، سجّلت «مدرسة الأتمتة» إقبالاً لافتاً من الشباب السعودي. وتشير آل الشيخ إلى أن الكثير من الخريجين تم ترشيحهم لوظائف فعلية في القطاعين العام والخاص، سواء في مجال الإشراف على الأنظمة المؤتمتة أو تطويرها.

نماذج واقعية ناجحة

تُثبت بعض التجارب الحكومية في السعودية أن هذا التوجه ليس نظرياً، بل يُحقق نتائج ملموسة. من أبرز الأمثلة وزارة السياحة، التي واجهت تحدياً يتمثل في دعم هدف وطني بجذب 150 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2030. وتوضح آل الشيخ أن «الوزارة لم تُضف الأتمتة بشكل سطحي، بل قامت بتنسيق الأنظمة لتحقيق نتائج قابلة للقياس». ومن خلال الأتمتة القائمة على «وكلاء الذكاء الاصطناعي»، تم تسريع عمليات إصدار التراخيص وتسجيل الشركاء وتقديم الخدمات للمواطنين بشكل أكثر مرونة.

كما تبنّت وزارة الثقافة حلول الأتمتة لتعزيز الكفاءة الإدارية والتشغيلية، مما أسهم في تحسين الأداء الداخلي وتوفير الموارد. هذه النماذج تُظهر أن النجاح لا يعتمد على التكنولوجيا فقط، بل على التنسيق بين القيادة المؤسسية، والموهبة المحلية والرؤية الوطنية.

فمع استمرار تقدم المملكة نحو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030»، تُقدم نموذجاً فريداً يقول للعالم إن التقنية تنجح حين تُمكّن الإنسان. من الأطر الوطنية، إلى مؤشرات الأداء، إلى برامج التدريب الموجهة... تؤسس السعودية لمستقبل تُصبح فيه الأتمتة موثوقة ومحلية ومرتكزة أكثر على الإنسان.


مقالات ذات صلة

أسماء المستخدمين في «واتساب» تفتح جدلاً بين الخصوصية ومخاطر الاحتيال

تكنولوجيا تعتمد الحماية على عدم وجود دليل عام للأسماء ومعرفة الاسم بدقة وإمكانية استخدام مفتاح إضافي لبدء التواصل

أسماء المستخدمين في «واتساب» تفتح جدلاً بين الخصوصية ومخاطر الاحتيال

تمنح أسماء المستخدمين في «واتساب» خصوصية أكبر، لكنها تثير مخاوف من انتحال الهوية والاحتيال؛ خصوصاً عبر الأسماء المشابهة والمضللة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تطور «أبل» إطاراً يقيّم احتمال تعرض المستخدم للتوجيه الاحتيالي قبل تنفيذ عمليات حساسة (رويترز)

نظام جديد من «أبل» يرصد مؤشرات الاحتيال قبل المعاملات الحساسة

تطور «أبل» نظاماً يقيّم مؤشرات الخداع قبل الإجراءات الحساسة ويمنح التطبيقات إشارات تساعدها على تحذير المستخدم أو تأخير العملية.

نسيم رمضان (لندن)
رياضة عالمية لحظة طرد الأميركي بالوغون (رويترز)

مونديال 2026: اللقطات البطيئة... هل تُشوّه قرارات حكام الفيديو؟

أثار طرد المهاجم الأميركي فولارين بالوغون خلال مواجهة منتخب بلاده أمام البوسنة والهرسك في كأس العالم 2026 موجة واسعة من الجدل.

The Athletic (سانت كلارا (الولايات المتحدة))
تكنولوجيا الباحثون: التفاعل المتكرر مع روبوتات المحادثة قد يغيّر طريقة تواصل الأفراد وتوقعاتهم من العلاقات البشرية (غيتي)

تقرير: نمو علاقة البشر مع الذكاء الاصطناعي تزيد العزلة وتقلل التفاعل البشري

يحذر باحثون من أن التفاعل المستمر مع الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل العلاقات البشرية ويزيد العزلة والاعتماد العاطفي مع الوقت.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا لن يؤثر القرار في الألعاب الصادرة على أقراص قبل 2028 وستظل قابلة للبيع والتشغيل (أدوبي)

«سوني» تنهي أقراص الألعاب الجديدة في 2028... و«بلايستيشن» رقمياً بالكامل

توقف «سوني» إنتاج أقراص ألعاب «بلايستيشن» الجديدة في 2028 منهيةً التوزيع المادي وموسّعةً الاعتماد على التنزيلات الرقمية.

نسيم رمضان (لندن)

أسماء المستخدمين في «واتساب» تفتح جدلاً بين الخصوصية ومخاطر الاحتيال

تعتمد الحماية على عدم وجود دليل عام للأسماء ومعرفة الاسم بدقة وإمكانية استخدام مفتاح إضافي لبدء التواصل
تعتمد الحماية على عدم وجود دليل عام للأسماء ومعرفة الاسم بدقة وإمكانية استخدام مفتاح إضافي لبدء التواصل
TT

أسماء المستخدمين في «واتساب» تفتح جدلاً بين الخصوصية ومخاطر الاحتيال

تعتمد الحماية على عدم وجود دليل عام للأسماء ومعرفة الاسم بدقة وإمكانية استخدام مفتاح إضافي لبدء التواصل
تعتمد الحماية على عدم وجود دليل عام للأسماء ومعرفة الاسم بدقة وإمكانية استخدام مفتاح إضافي لبدء التواصل

بدأ «واتساب» إتاحة حجز أسماء المستخدمين تمهيداً لإطلاق ميزة تسمح بالتواصل من دون إظهار رقم الهاتف عند بدء محادثة جديدة. وتقدم الشركة التغيير بوصفه خطوة لتعزيز الخصوصية، لكنه أثار مخاوف من أن تصبح أسماء المستخدمين وسيلة جديدة لانتحال هوية الأفراد والشركات والجهات الرسمية.

وتتيح الميزة للمستخدم اختيار اسم فريد يمكن مشاركته بدلاً من رقم الهاتف. وعندما تبدأ المحادثة مع شخص أو شركة للمرة الأولى، فلن يظهر الرقم للطرف الآخر إذا كان اسم المستخدم مفعّلاً. ومع ذلك، سيظل رقم الهاتف مطلوباً لتسجيل الحساب؛ ما يعني أن «واتساب» لا يتخلى عن نظام الأرقام بالكامل، بل يضيف طبقة هوية جديدة فوقه.

تعزز الميزة الخصوصية، لكنها قد تسهل انتحال هوية البنوك والشركات والشخصيات العامة عبر أسماء متشابهة (واتساب)

خصوصية أكبر للرقم

تعالج الميزة مشكلة يواجهها المستخدمون عند التواصل مع أشخاص لا يعرفونهم جيداً، أو مع الشركات ومقدمي الخدمات؛ ففي النظام الحالي، يتطلب بدء المحادثة مشاركة رقم الهاتف، وهو معرّف شخصي قد يُستخدم في المكالمات والرسائل المزعجة أو ربط الحساب بخدمات وبيانات أخرى.

وتقول «واتساب» إن أسماء المستخدمين لن تكون قابلة للبحث داخل دليل عام، ولن تظهر اقتراحات للحسابات. وسيحتاج المرسل إلى معرفة الاسم الدقيق قبل بدء التواصل. كما أضافت الشركة خيار «مفتاح اسم المستخدم»، وهو رمز اختياري يجب أن يعرفه الطرف الآخر إلى جانب الاسم حتى يتمكن من إرسال الرسالة الأولى.

وتمنح الشركة أيضاً منشئي المحتوى والشركات والمؤسسات خيار المطالبة باسم يستخدمونه بالفعل على «فيسبوك» أو «إنستغرام»، بهدف الحفاظ على هوية موحدة عبر منصات «ميتا».

مخاوف من الأسماء المشابهة

رغم هذه الضوابط، تتركز المخاوف على قدرة المحتالين على اختيار أسماء قريبة من أسماء بنوك أو شركات أو شخصيات عامة، مع تغيير بسيط في الحروف أو إضافة رمز يصعب ملاحظته.

وقد يبدو اسم مقنع وصورة ملف احترافية أكثر موثوقية من رقم هاتف غير مألوف. ويمكن للمحتال نشر الاسم المزيف، عبر إعلان أو رسالة نصية أو منصة اجتماعية، ثم مطالبة الضحية باستكمال التواصل عبر «واتساب» تحت غطاء الدعم الفني أو الاستثمار أو خدمة العملاء.

وقال باحثون وخبراء أمنيون إن إخفاء الرقم يحسن الخصوصية، لكنه قد يزيل أيضاً إشارة كان بعض المستخدمين يعتمدون عليها للتحقق من هوية المرسل، مثل رمز الدولة أو مقارنة الرقم بالرقم المنشور على الموقع الرسمي للجهة. كما قد تزيد أسماء المستخدمين من محاولات انتحال الأصدقاء والمديرين التنفيذيين والشركات والشخصيات العامة، باستخدام أسماء وصور قريبة من الأصل.

تتيح أسماء المستخدمين في «واتساب» التواصل من دون كشف رقم الهاتف عند بدء محادثات جديدة (رويترز)

الاسم لا يلغي الاحتيال القائم

لا تبدأ مشكلة الاحتيال مع أسماء المستخدمين. فـ«واتساب» يواجه بالفعل عمليات تنتحل صفة أفراد العائلة والبنوك وجهات التوظيف والاستثمار، وغالباً ما تعتمد على الهندسة الاجتماعية لا على اختراق الحساب نفسه. لكن نظام الأسماء قد يغير طريقة بناء الثقة داخل التطبيق. ففي السابق كان الرقم يمثل نقطة البداية، حتى لو لم يكن دليلاً كافياً على الهوية. أما مستقبلاً فقد يصبح الاسم الظاهر وصورة الحساب العنصرين الأكثر حضوراً أمام المستخدم، وهو ما يزيد أهمية العلامات الموثقة وآليات الإبلاغ والقيود المفروضة على الحسابات الجديدة.

وتشير «واتساب» أنها وضعت عدة طبقات لمكافحة الإساءة، منها الحد من عدد الأشخاص الجدد الذين يستطيع الحساب التواصل معهم، ومنع المحاولات المتكررة لتخمين أسماء المستخدمين. كما تؤكد أن المرسل يجب أن يعرف الاسم بدقة، وأن الميزة لا توفر أداة عامة للبحث عن الحسابات.

الهند توقف الطرح مؤقتاً

تحولت المخاوف إلى تحرك تنظيمي في الهند، أكبر أسواق «واتساب» بأكثر من 500 مليون مستخدم. فقد طلبت الحكومة من الشركة تجميد طرح أسماء المستخدمين في البلاد إلى حين انتهاء المشاورات وتقديم مبررات وضمانات إضافية. وصرحت السلطات بأن إخفاء الأرقام قد يزيد مخاطر التصيد وانتحال الهوية والاحتيال، ويجعل تحديد هوية بعض المستخدمين أكثر صعوبة. وأوضحت «واتساب» أن الميزة لم تُطلق بالكامل بعد، وأنها ستصل تدريجياً خلال العام. ولا يعني القرار الهندي إيقاف الميزة عالمياً. فقد أعلنت «واتساب» أنها ستطرح أسماء المستخدمين تدريجياً في الدول المختلفة خلال الأشهر المقبلة، مع إخطار المستخدمين عند توافرها في كل سوق.

جاح الميزة سيعتمد على قدرة «واتساب» على منع الأسماء المضللة، وتوثيق الحسابات، والحد من الرسائل غير المرغوب فيها (أ.ف.ب)

مفاضلة بين الهوية والحماية

تمنح أسماء المستخدمين الأفراد وسيلة للتواصل من دون كشف أرقامهم، وتوفر للشركات اسماً أسهل في التذكر من سلسلة أرقام. لكنها تنقل جانباً من التحقق من هوية الحساب من الرقم إلى الاسم الظاهر ووسائل التوثيق والتحقق الأخرى. لذلك لن يعتمد نجاح الميزة على إخفاء أرقام الهواتف وحده، بل على قدرة «واتساب» على منع الأسماء المضلّلة، وتوضيح الحسابات الموثقة، وتقييد الرسائل غير المرغوب فيها، ومساعدة المستخدمين على التحقق من الجهات قبل مشاركة الأموال أو البيانات الحساسة.


نظام جديد من «أبل» يرصد مؤشرات الاحتيال قبل المعاملات الحساسة

تطور «أبل» إطاراً يقيّم احتمال تعرض المستخدم للتوجيه الاحتيالي قبل تنفيذ عمليات حساسة (رويترز)
تطور «أبل» إطاراً يقيّم احتمال تعرض المستخدم للتوجيه الاحتيالي قبل تنفيذ عمليات حساسة (رويترز)
TT

نظام جديد من «أبل» يرصد مؤشرات الاحتيال قبل المعاملات الحساسة

تطور «أبل» إطاراً يقيّم احتمال تعرض المستخدم للتوجيه الاحتيالي قبل تنفيذ عمليات حساسة (رويترز)
تطور «أبل» إطاراً يقيّم احتمال تعرض المستخدم للتوجيه الاحتيالي قبل تنفيذ عمليات حساسة (رويترز)

تعمل «أبل» على إضافة طبقة جديدة من الحماية إلى نظام «iOS 27»، لا تكتفي بالتحقق من هوية المستخدم، بل تحاول تقدير ما إذا كان ينفذ إجراءً حساساً بإرادته أم تحت ضغط أو توجيه من محتال.

وقدمت الشركة خلال مؤتمر المطورين العالمي «WWDC 2026» إطاراً جديداً باسم «Trust Insights» يتيح للتطبيقات طلب تقييم سلوكي قبل تنفيذ بعض العمليات، مثل تحويل الأموال، أو تعديل بيانات الحساب، أو منح صلاحية الوصول عن بُعد. وتركز التقنية على عمليات الاحتيال القائمة على الهندسة الاجتماعية، حيث يُقنع المهاجم الضحية بتنفيذ الإجراء بنفسها، بدلاً من اختراق الجهاز مباشرة.

التحقق بالوجه أو البصمة

تنجح وسائل الحماية التقليدية في التأكد من أن صاحب الحساب هو من ينفذ العملية، لكنها لا تستطيع دائماً معرفة ما إذا كان يتصرف بحرية. ففي بعض عمليات الاحتيال، يبقى المهاجم على اتصال بالضحية عبر مكالمة أو دردشة، ويوجهها خطوة بخطوة لإرسال الأموال أو مشاركة معلومات حساسة.

وتشمل الأنماط التي تستهدفها التقنية احتيال الدعم الفني، وانتحال صفة البنوك أو الجهات الحكومية، وعمليات الطوارئ العائلية التي تعتمد على طلبات مالية عاجلة، وقد تستخدم صوراً أو أصواتاً مولدة بالذكاء الاصطناعي لزيادة الإقناع.

وتوضح «أبل» أن المصادقة متعددة العوامل أو التحقق البيومتري لا يمنعان هذا النوع من الاحتيال، لأن المستخدم الحقيقي هو من يوافق على العملية. لذلك يعتمد النظام الجديد على السياق السلوكي، وليس فقط على إثبات الهوية.

مكن للتطبيقات استخدام التقييم لعرض تحذير أو طلب تحقق إضافي أو تأخير العملية أو إحالتها إلى مراجعة بشرية (رويترز)

ليس حكماً نهائياً

يمكن للمطورين دمج «Trust Insights» داخل تطبيقاتهم، ثم طلب تقييم عند وصول المستخدم إلى خطوة مرتفعة المخاطر. ويعيد النظام ثلاث نتائج محتملة، الأولى هي «غير معروف»، وتعني عدم وجود أدلة كافية على وجود توجيه احتيالي، لكنها لا تعني بالضرورة أن العملية آمنة. أما النتيجة المتوسطة فتشير إلى وجود بعض مؤشرات الخطر، بينما تعني النتيجة المرتفعة وجود أدلة أقوى على أن المستخدم قد يكون واقعاً تحت ضغط أو توجيه. بعد ذلك يقرر التطبيق كيفية التعامل مع النتيجة. وقد يعرض رسالة تحذير، أو يطلب تحققاً إضافياً، أو يضيف فترة انتظار، أو يحيل العملية إلى مراجعة بشرية. ولا توصي «أبل» بحظر معاملة اعتماداً على هذه الإشارة وحدها، بل بدمجها مع أدوات إدارة المخاطر الأخرى داخل التطبيق.

خمس فئات من الإجراءات

يقسم الإطار العمليات التي يمكن تقييمها إلى خمس فئات رئيسية تشمل المدفوعات وتحويل الأموال أو الأصول، وتعديل الحساب أو معلومات الأمان، واستخدام موارد مكلفة أو محدودة، وإرسال الرسائل والنماذج وتوقيع المستندات، إضافة إلى فئة عامة للإجراءات الأخرى. وتشير الشركة إلى أن النظام قد يكون مفيداً بصورة خاصة عند تنفيذ تحويل مالي كبير، أو حذف حساب، أو تصدير بيانات شخصية، أو إضافة جهاز جديد، أو منح وصول عن بُعد، أو مشاركة كلمات مرور ووثائق حساسة. ويحتاج التقييم إلى اتصال بالإنترنت، وقد يستغرق بضع ثوانٍ، لأن المعالجة تجمع بين قدرات الجهاز والبنية السحابية التابعة لـ«أبل».

يستهدف النظام عمليات الاحتيال التي ينفذ فيها الضحية الإجراء بنفسه تحت ضغط أو خداع من المحتال

الحافظ على الخصوصية

تقول «أبل» إن «Trust Insights» يحلل أنماط التفاعل والتوقيت والسياق وبعض بيانات المستشعرات الأساسية، لكنه لا يقرأ محتوى الصور أو الرسائل أو البريد الإلكتروني. وتجري معالجة البيانات المستمدة من الجهاز محلياً، ثم تُحذف المدخلات فور انتهاء التقييم. ولا يغادر الجهاز سوى ناتج واحد يعبّر عن مستوى الخطر. وقد يجمع النظام هذا الناتج مع بعض إشارات حساب «أبل» أو معدلات تكرار العمليات للحصول على سياق إضافي. كما يحتفظ المستخدم بإمكانية تعطيل الميزة من الإعدادات. وقد تُطبق فترة انتظار بعد إيقافها، للحد من احتمال أن يطلب المحتال من الضحية تعطيل الحماية مباشرة قبل تنفيذ العملية.

مثال على التدخل

عرضت «أبل» مثالاً لمستخدم يستعد لإرسال مبلغ كبير إلى شخص يدعي أنه طبيب يعالج أحد أفراد أسرته. إذا رصد النظام مستوى متوسطاً من خطر التوجيه، يستطيع تطبيق البنك عرض تحذير وإضافة تأخير قبل تنفيذ التحويل. ويمكن أن تمنح هذه المهلة المستخدم فرصة للتحقق من القصة بعيداً عن الضغط الذي يصنعه المحتال. كما يستطيع التطبيق تحويل العملية إلى مراجعة بشرية أو رفع مستوى التحقق، حسب طبيعة الخدمة وحجم المخاطر.

الحماية وتبني التطبيقات

لا تعني التقنية أن كل جهاز «آيفون» سيمنع عمليات الاحتيال تلقائياً بمجرد تثبيت «iOS 27». فالإطار موجه إلى المطورين، ويتطلب إضافته إلى التطبيقات والحصول على الصلاحيات اللازمة داخل «Xcode». كما ستختلف الاستجابة من تطبيق إلى آخر، وفقاً لسياسات البنك أو شركة الدفع أو مقدم الخدمة. ولا تزال التقنية ضمن مرحلة التطوير التجريبية، ما يعني أن تفاصيلها قد تتغير قبل الإصدار النهائي. لكن الفكرة الأساسية تمثل تحولاً في أسلوب الحماية، من سؤال: «هل هذا هو صاحب الحساب؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: «هل يتخذ هذا القرار بحرية، أم ينفذه بتوجيه من شخص آخر؟».


«غوغل» تعطل شبكة مرتبطة بإسرائيل تستخدم لنشر برمجيات خبيثة

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

«غوغل» تعطل شبكة مرتبطة بإسرائيل تستخدم لنشر برمجيات خبيثة

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

قالت ‌شركة «غوغل»، التابعة لمجموعة «ألفابت»، الخميس، إنها أضعفت شبكة كبيرة من الأجهزة المتصلة بالإنترنت كانت ​تستخدم لإخفاء الأنشطة الإلكترونية الخبيثة وتوجيهها.

وأوضحت شركة التكنولوجيا العملاقة أنها اتخذت إجراءات ضد الشبكة الوسيطة المنزلية التابعة لشركة «نت نات»، المعروفة أيضاً باسم «بوبا»، وذلك بالتعاون مع مكتب التحقيقات الاتحادي وشركة «لومن تكنولوجيز»، وجهات أخرى.

وأوضحت «غوغل» أنها عطلت الحسابات والخدمات المستخدمة في عمليات ‌القيادة والتحكم ‌الخاصة بالبرامج الخبيثة ​المرتبطة ‌بشبكة «نت نات»، وقدمت ​أيضاً المعلومات التقنية المتعلقة بالبنية التحتية للمجموعة لأجهزة إنفاذ القانون وشركاء القطاع لدعم جهود إنفاذ القانون الأشمل.

وتتيح الشبكات الوسيطة المنزلية للمستخدمين توجيه حركة الإنترنت عبر عناوين بروتوكول إنترنت (آي بي) تعود لمستهلكين عاديين، مما قد يُخفي مصدر النشاط الإلكتروني ويُساعد على تجاوز وسائل الحماية ‌الأمنية. ويمكن ‌استخدام هذه الشبكات لأغراض مشروعة، غير ​أنها كثيراً ما ‌تُستغل في الجرائم الإلكترونية؛ لأنها تحجب المصدر ‌الحقيقي لحركة البيانات.

وقالت «غوغل» في مدونتها: «نعتقد أن إجراءاتنا المنسقة تسببت في إضعاف كبير ملحوظ للشبكة الوسيطة الخاصة بـ(نت نات) وعملياتها التجارية؛ إذ ‌أسهمت في تقليص مجموعة الأجهزة المتاحة للشركة المشغلة للشبكة الوسيطة بملايين الوحدات».

وتأسست شركة «نت نات» عام 2017 بوصفها شركة تابعة لشركة «ألاروم تكنولوجيز»، وهي شركة إسرائيلية متخصصة في الأمن الإلكتروني.

وأبلغت الشركة وكالة «رويترز» بأن «ألاروم» و«نت نات» أبلغتا، يوم الخميس، بمصادرة مكتب التحقيقات الاتحادي (إف بي آي) بعض نطاقاتهما. وأضافت الشركة: «تأخذ شركة (ألاروم) هذا الأمر على محمل الجد وستتعاون بشكل كامل مع جهات إنفاذ القانون لضمان التحقيق الشامل في ​أي إساءة استخدام ​لبنيتها التحتية ومحاسبة المسؤولين عن ذلك».