هل يمكن للذكاء الاصطناعي قراءة أفكارك قبل أن تفكِّر فيها؟

ما قبل الوعي: إشارات الدماغ التي تسبق ولادة الفكرة
ما قبل الوعي: إشارات الدماغ التي تسبق ولادة الفكرة
TT

هل يمكن للذكاء الاصطناعي قراءة أفكارك قبل أن تفكِّر فيها؟

ما قبل الوعي: إشارات الدماغ التي تسبق ولادة الفكرة
ما قبل الوعي: إشارات الدماغ التي تسبق ولادة الفكرة

لم يكن العقل البشري يوماً مكشوفاً بالكامل. قرأنا القلب، وفككنا الجينوم، وصوَّرنا أدقَّ تفاصيل الجسد، ولكن «الفكرة» بقيت آخر الأسرار؛ تلك اللحظة الصامتة التي تومض في الدماغ قبل أن تتحوَّل إلى كلمة أو قرار. ظلَّت الفكرة مساحة داخلية لا تُقاس ولا تُرصد، إلى أن بدأ الذكاء الاصطناعي يقترب من هذا الحيِّز الرمادي بحذرٍ علمي.

القرار يولد قبل أن نعيه... من الصورة إلى زمن القرار

يعتقد الإنسان أن التفكير يبدأ لحظة إدراكه للفكرة، ولكن علم الأعصاب الحديث يرسم صورة أكثر تعقيداً. فالقرار -حسب دراسات عصبية متراكمة- يتشكَّل داخل الدماغ قبل أن يصل إلى الوعي. وتسبق لحظة الإدراك سلسلة من الإشارات الكهربائية والكيميائية، تعمل في شبكات عصبية عميقة، تُعرف بمرحلة «ما قبل الوعي»؛ حيث يُحضَّر القرار قبل أن نشعر بأننا اتخذناه.

في بدايات بحوث الذكاء الاصطناعي العصبي، انصبَّ الاهتمام على تحليل صور الدماغ: خرائط النشاط، ومناطق الإضاءة، وشدَّة الإشارة، وكأن الفكرة تُختزل في لقطة ثابتة. ولكن التحوُّل الحقيقي لم يكن بصرياً؛ بل زمنياً. فالنماذج الحديثة لم تعد تسأل: ماذا يحدث في الدماغ؟ بل: متى يبدأ القرار في التشكُّل؟ وهكذا انتقل الذكاء الاصطناعي من توصيف الحالة العصبية إلى تتبُّع إيقاعها الزمني، ورصد اللحظة التي تسبق الوعي بالاختيار.

الخوارزمية تراقب الزمن: الذكاء الاصطناعي يحلل أنماط القرار العصبي

التوقيع العصبي: بصمتك غير المرئية

لكل إنسان «توقيع عصبي» خاص به؛ نمط فريد في التردَّد والانتباه، والتردُّد والحسم. لا يفهم الذكاء الاصطناعي الفكرة ذاتها، ولكنه يتعلَّم هذا التوقيع بدقَّة عالية. ومع تكرار التعلُّم، يصبح قادراً على توقُّع اتجاه القرار -حركة، أو كلمة، أو اختياراً- قبل أن يشعر الشخص نفسه بأنه حسم أمره.

بحث حديث: حين يتنبأ الذكاء بالنيَّة

في أغسطس (آب) 2025، نشر فريق بحثي من «معهد بيكمان لعلوم الدماغ» في جامعة إلينوي، في أوربانا– شامبين، بالولايات المتحدة الأميركية، دراسة بارزة في مجلة «نيتشر لعلوم الأعصاب» (Nature Neuroscience) قادها البروفسور تشانغ لي. استخدم الفريق نموذج ذكاء اصطناعي متقدِّماً يجمع بين التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي والتحليل الزمني العميق.

تمكَّن النظام من التنبؤ بنيَّة الاختيار الحركي لدى المشاركين قبل وعيهم بها بما يصل إلى 7 ثوانٍ. وأكَّد الباحثون بوضوح أن النموذج «لا يقرأ الأفكار»، ولا يصل إلى المعنى أو الدافع؛ بل يتعرَّف على أنماط عصبية تسبق الوعي بالقرار.

هل أصبحت أفكارنا مكشوفة؟

الجواب العلمي الدقيق: لا. فالذكاء الاصطناعي لا يطَّلع على محتوى الفكرة، ولا يقرأ القيم ولا النوايا الأخلاقية. لذا فإن ما يستطيع فعله -وفي ظروف بحثية مضبوطة- هو توقّع اتجاه القرار ضمن سياق محدَّد. أما الفكرة، بمعناها الإنساني، فتبقى أعقد من أن تُختزل في إشارة كهربائية.

إذن، الطب يستفيد... دون اقتحام العقل. ففي المجال الطبي، تحوَّل هذا الاستباق العصبي إلى أداة علاجية ذات أثر مباشر؛ من التنبؤ المبكر بنوبات الصرع، إلى رصد الاكتئاب قبل تفاقمه، وصولاً إلى مساعدة مرضى الشلل على التواصل، عبر واجهات دماغ– حاسوب. هنا، لا يبحث الذكاء الاصطناعي عن «الفكرة»؛ بل عن لحظة الخلل قبل أن تتحوَّل إلى معاناة.

أخلاقيات الاقتراب من الدماغ

كلما اقتربت الآلة من العقل، تعاظمت الأسئلة الأخلاقية: من يملك بيانات الدماغ؟ وأين ينتهي العلاج ويبدأ التلاعب؟

ولهذا، تُصنِّف الهيئات العلمية العالمية بيانات الدماغ ضمن أعلى درجات الخصوصية، ولا تُجيز استخدامها إلا بموافقة صريحة، وفي إطار طبي أو بحثي صارم، مع حظر أي توظيف تجاري أو أمني خارج هذا السياق.

الإنسان... أكثر من إشارات

ورغم كل هذا التقدُّم، تبقى حقيقة لا ينازعها علم: الإنسان أكثر من إشارات. فالفكرة ليست نبضة كهربائية فحسب؛ بل تجربة، وذاكرة، وسياق، وأخلاق.

وهنا نستعيد قول ابن رشد: «العقل لا يعمل في فراغ؛ بل في إنسان». قد تسبق الخوارزميات وعينا بلحظة، ولكنها لا تمنح الفكرة معناها.

شراكة لا صراع

المستقبل لا يبدو صراعاً بين العقل والآلة؛ بل شراكة دقيقة: آلة ترى الإشارات، وإنسان يفسِّرها. آلة تتنبأ، وإنسان يختار. أما السؤال الحقيقي اليوم، فلم يعد: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة أفكارنا؟ بل: هل سنُحسن نحن رسم حدود هذه القدرة قبل أن تتجاوزنا؟


مقالات ذات صلة

تكنولوجيا أمثلة على صور وجوه حقيقية واصطناعية مولَّدة باستخدام الشبكات التوليدية الخصومية ونماذج الانتشار (الجامعة)

6 صفات قد تكشف الوجوه المولَّدة بالذكاء الاصطناعي

تُظهر دراسة أن تدريباً بصرياً قصيراً يحسِّن قدرة البشر على كشف الوجوه الاصطناعية، عبر ملاحظة التماثل والجاذبية وتناسق الملامح.

نسيم رمضان (لندن )
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

«وول ستريت» تتجه لإنهاء يونيو على خسائر وسط ضغط أسهم الذكاء الاصطناعي

تتجه الأسهم الأميركية نحو إغلاق شهر يونيو على تراجع، يوم الثلاثاء، في ظل أداء ضعيف يضع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» على مسار تسجيل أول خسارة شهرية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تحليل إخباري مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل في العمق اللبناني (أرشيفية - أ.ف.ب)

تحليل إخباري حروب العالم... من مدافع نابليون إلى الكلاشنيكوف فـ«المسيّرة»

إذا كان الكلاشنيكوف قد وشم مرحلة معيّنة من صراع القوى العظمى ببصمته، فإن تأثير المُسيّرة على حروب القرن الحادي والعشرين لا يزال في بداياته.

المحلل العسكري (لندن)
تكنولوجيا يمكن لمراكز البيانات خفض تكاليف الكهرباء عبر نقل جزء من أحمالها الحاسوبية إلى الساعات الأقل طلباً على الشبكة (غيتي)

دراسة: تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات للطاقة قد يخفض التكاليف

تُظهر دراسة أن تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات قد يخفض تكاليف الكهرباء؛ لكن أثره البيئي يختلف حسب مصادر الطاقة المحلية.

نسيم رمضان (لندن)

«كلود للبحث العلمي» نموذج مطور لتسريع الأبحاث الطبية واكتشاف الأدوية

«كلود للبحث العلمي» نموذج مطور لتسريع الأبحاث الطبية واكتشاف الأدوية
TT

«كلود للبحث العلمي» نموذج مطور لتسريع الأبحاث الطبية واكتشاف الأدوية

«كلود للبحث العلمي» نموذج مطور لتسريع الأبحاث الطبية واكتشاف الأدوية

يُعرف داريو أمودي، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» -عند مقارنته مع معظم الرؤساء التنفيذيين لشركات الذكاء الاصطناعي- بإطلاقه تنبؤات مذهلة ومثيرة للدهشة. ففي مقاله الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بعنوان «آلات النعمة المُحِبّة» (Machines of Loving Grace)، طرح واحدة من أشهر تنبؤاته: «ستسمح لنا علوم الأحياء والطب المدعومة بالذكاء الاصطناعي بضغط كل مسار التقدم الذي كان سيحققه علماء الأحياء البشر على مدار 50 إلى 100 عام المقبلة، ليتحقق في غضون من 5 إلى 10 سنوات فقط». وقد أطلق على هذا التأثير اسم «القرن الحادي والعشرين المضغوط».

الذكاء الاصطناعي والتقدم العلمي

أمس وفي 30 يونيو (حزيران)، وخلال حدث نظمته «أنثروبيك» في سان فرانسيسكو تحت عنوان «الإيجاز: الذكاء الاصطناعي من أجل العلم» (The Briefing: AI for Science)، لم يعلن أمودي أن تأثير الذكاء الاصطناعي على علم الأحياء والعلوم الأخرى قد أطلق له العنان بالفعل أو أنه على وشك تحقيقه، بل شدد على أنه لا يتوقع حدوث ذلك في العامين المقبلين، مشيراً إلى أنه «قد» يحدث بعد عقد من الآن.

خُصِّصت معظم الفترة المتبقية من الفعالية لحلقات نقاشية، بمشاركة كل من أمودي، ومخترعة عقار «جي إل بي-1» (GLP-1) لوتي كنودسن، والرئيس التنفيذي لشركة «بريستول مايرز سكويب» كريس بورنر، والرئيس التنفيذي لشركة «نوفارتس» فاس ناراسيمهان، ونائبة الرئيس التنفيذي لشركة «جينينتيك» أفيف ريغيف.

نموذج «كلود للبحث العلمي»

في عالم الذكاء الاصطناعي، يبدو عام 2036 وكأنه مستقبل بعيد للغاية. لكن الهدف من حدث «أنثروبيك» كان تأكيد أن الشركة تعمل بالفعل نحو تحقيق حالة «الضغط الزمني» التي كتب عنها أمودي. وعلى وجه الخصوص، كشفت الشركة عن «كلود ساينس» (Claude Science)، وهي نسخة جديدة من نموذج «كلود» مخصصة للبحث العلمي، التي يتم إطلاقها اليوم في مرحلة تجريبية (بيتا). وقد قدم ألكسندر تاراشانسكي، الذي قاد عملية تطوير المنتج، عرضاً توضيحياً موسعاً ومباشراً على المسرح وقد يوظّف في اكتشاف الأدوية.

ورغم أن التفاؤل بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على العلوم كان هو السائد بلا شك فإنه لم يكن تفاؤلاً مطلقاً أو غير مقيد؛ فقد اتسمت النقاشات بعمق وموضوعية لافتة، مع الإقرار بأن الذكاء الاصطناعي -رغم تطوره السريع- تظل له حدود فيما يمكنه تقديمه لدفع عجلة التقدم في مجالات مثل اكتشاف الأدوية.

أبرز نتائج المؤتمر

إليك بعض الجوانب التي وجدتها الأكثر قيمة في هذا الحدث، الذي يُعد واحداً من أفضل فعاليات شركات التكنولوجيا التي حضرتها في السنوات الأخيرة:

1. أداة «Claude Science» تبدو واعدة ومميزة. لا أتوقع أن أستخدم «كلود ساينس» شخصياً لابتكار أي أدوية ثورية؛ فبما أنني لست عالماً، قد لا أستخدمها على الإطلاق. لكنني أُعجبت بالعرض التوضيحي الذي قدمه تاراشانسكي، حيث أظهر أن المنتج يمنح المستخدم شعوراً مألوفاً يشبه روبوتات الدردشة، ولكنه يوفر أيضاً مجموعة أكثر ثراءً من الأدوات للبحث عن المعلومات ومعالجتها وفهمها.

وعلى وجه الخصوص، يمكن لـ«كلود ساينس» إنشاء رسوم بيانية توضيحية (infographics) بشكل فوري، ولا يقتصر دورها على كونها مجرد مادة للعروض، بل تساعد في استكشاف البيانات بطرق يتعذر تحقيقها بمجرد النظر إلى أرقام مجردة على الصفحة. وقد أشار إريك كاودرر-أبرامز، رئيس قسم علوم الحياة في شركة «أنثروبيك»، إلى أن «العلم مجال يعتمد بشكل كبير على الجانب البصري».

علاج السرطان

2. التركيز المفرط على «علاج السرطان» أمر غير صائب. يبدو أن كل نقاش حول الكيفية التي يمكن بها للذكاء الاصطناعي تحسين حياة البشر بشكل جذري يتحول سريعاً إلى احتمالية استخدامه لعلاج السرطان. ويُستخدم هذا الأمر بوصفه اختزالاً لفكرة تحقيق اختراقات طبية كان من المستحيل الوصول إليها لولا هذه التقنية، مما قد ينقذ حياة الملايين، ورغم ذلك سأكون سعيداً بالقدر نفسه لو نجح الذكاء الاصطناعي في علاج أمراض القلب أولاً.

لكنني خرجت من فعالية «أنثروبيك» بعزمٍ على عدم حصر تفكيري في هدف طبي كبير وجريء واحد أو اثنين عند النظر إلى العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والعلم. فإذا كان كل ما نحصل عليه هو مئات أو آلاف من الإنجازات الأصغر حجماً والأسرع تحقيقاً، فلا يوجد أي مبرر للاستنتاج بأن الوعود المرتبطة بالذكاء الاصطناعي كانت مبالغاً فيها.

تقول بورنر: «تنطوي هذه التكنولوجيا على إمكانات وفرص هائلة، لكن علينا أيضاً ألا نرفع سقف التوقعات بشأن ما يمكننا تحقيقه إلى مستويات نعجز فعلياً عن الوفاء بها. فعندما نسمع عبارة (القضاء على السرطان في حياتنا)، ندرك أننا سنحرز تقدماً كبيراً في هذا المجال، لكننا لا نريد استباق الأمور والمبالغة في تقدير قدراتنا».

حدود تمنع تسريع الدراسات العلمية

3. هناك حدود لمدى إمكانية تسريع وتيرة العلم. إلى جانب المساعدة في الاكتشاف العلمي بحد ذاته، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُسهم في جوانب أخرى -أكثر روتينية- تتعلق بطرح الأدوية في الأسواق. تقول نودسن: «في بعض الأحيان، يتعين عليك استقطاب 20 ألف شخص لإجراء دراسة تستغرق خمس سنوات، وتستغرق عملية الاستقطاب وحدها عامين». وهي ترى إمكانات واعدة في الذكاء الاصطناعي لتسريع الإجراءات الإدارية المعقدة والموسعة المرتبطة بمثل هذه الاختبارات.

وفي معرض حديثها عن رؤية أمودي المتمثلة في اختزال عقود من التقدم العلمي في سنوات قليلة، حذرت نودسن من أن عناصر معينة -مثل الدراسات التي تستغرق خمس سنوات- لا يمكن تقليص مدتها بشكل جذري، مهما بلغت درجة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. وتضيف قائلة: «أعتقد أننا سنشهد بالفعل تقليصاً كبيراً في المدة الزمنية، لكننا ما زلنا بحاجة إلى بيانات التجارب السريرية؛ لذا فمن الصعب تصور إمكانية تقليص المدة إلى أقل من خمس سنوات».

وحتى لو حالت العمليات البطيئة بطبيعتها -مثل التجارب السريرية- دون تحقيق هدف أمودي النظري المتمثل في تسريع العمليات بمقدار عشرة أضعاف، فإن تحقيق تقدم أقل دراماتيكية يظل تقدماً مهماً. ويقول ناراسيمهان: «يمكن تقليص المدة -منذ تحديد الدواء المرشح وحتى نهاية الرحلة- من 12 عاماً إلى ما بين 7 و8 سنوات؛ وهو أمر هائل إذا ما نظرنا إلى تأثيره التراكمي على هذا القطاع بأكمله».

ثنائية اللغة العلمية... والتقنية

4. قد يحتاج العلماء إلى أن يكونوا «ثنائيي اللغة». تواجه العديد من القطاعات حالياً مأزقاً غريباً يتمثل في حماس مفرط لدى المديرين التنفيذيين الذين لا يفهمون الذكاء الاصطناعي بما يكفي لاستخدامه بمسؤولية. وقد أكدت نودسن -التي بدت متحمسة لهذه التكنولوجيا دون أي مبالغة غير عقلانية- على ضرورة أن يزخر المجال العلمي بأشخاص تصفهم بأنهم «ثنائيو اللغة».

وتوضح قائلة: «لا أقصد الأشخاص الذين يتحدثون لغتين، بل أقصد أولئك الذين يمتلكون طلاقة تامة في مجال علمي معين، وفي الوقت نفسه يتقنون مجالات التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وحينها، يمكن لشخص واحد في كل فريق أن يحقق نتائج مذهلة».

«الهلوسة الذكية» لن تنحسر

5. لا تتوقع اختفاء ظاهرة «الهلوسة» (المعلومات الخاطئة). في مرحلة ما، أخبر المحاور ماثيو هيربر -من موقع «Stat News»- أمودي بأنه طلب من «كلود» المساعدة في صياغة أسئلة لطرحها في أثناء الجلسة الحوارية. ولم يكن رد فعل برنامج الدردشة الآلي مشجعاً له على طرح أسئلة سهلة أو بسيطة. وفقاً لما ذكره هيربر، فقد طُلب منه طرح السؤال الآتي: «لماذا ينبغي لشركات الأدوية أن تثق بتنبؤات الذكاء الاصطناعي في حين أن نماذجكم تعاني من (الهلوسة)؟».

وردّ أمودي بأن ظاهرة الهلوسة «قد تحسنت وتطورت بمرور الوقت، فلم نعد نسمع عنها كثيراً كما في السابق»، وهو أمر صحيح بالفعل. ومع ذلك، فقد أكد في النهاية أن ميل الذكاء الاصطناعي إلى «تخيل» أشياء غير موجودة هو أمر لا ينفصل عن قدرته على استخلاص رؤى جديدة مما يمتلكه من معلومات. وأشار إلى أن الأمر نفسه ينطبق على البشر، قائلاً: «لكي تكون مبدعاً، غالباً ما تجد نفسك تقف على الحد الفاصل بين اختلاق الأمور وتوليد أفكار قيّمة. ولذا، أعتقد أن (الهلوسة) لن تختفي أبداً».

لقد شهد مجال الذكاء الاصطناعي قدراً كبيراً من التصريحات الرنانة التي تفوق حاجته الفعلية، إلا أن النقاشات الأكثر هدوءاً واتزاناً تظل دائماً موضع ترحيب؛ بل ربما تكون هذه النقاشات هي السبيل الأمثل لهذا القطاع لتجاوز حالة التشكيك العام التي تلازم كل خطوة يخطوها.

* مجلة «فاست كومباني».


ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة

ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة
TT

ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة

ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة

في كل خلية من خلايا الجسم البشري يمتد الحمض النووي بطول يقارب المترين، ومع ذلك يُحشر داخل نواة مجهرية أصغر من رأس دبوس.

أهمية موقع الجينات

ولطالما اعتقد العلماء أن طريقة طي الحمض النووي ليست مجرد وسيلة لتوفير المساحة داخل النواة، بل تؤدي دوراً أساسياً في تنظيم عمل الجينات. واليوم تكشف دراسة جديدة أن موقع الجين داخل النواة قد لا يقل أهمية عن الجين نفسه، وأن أي خلل في هذا التنظيم قد يؤدي إلى الإصابة بأمراض خطيرة.

وتوصل باحثون من كلية بيرلمان للطب في جامعة بنسلفانيا الأميركية إلى فهم جديد للآلية التي تُحدد بها الخلية ما إذا كان الجين سيظل نشطاً أو سيُسكَت. كما أظهرت الدراسة أن هذا النظام يختل في مرض نادر يُعرف باسم «رنح فريدرايخ» (Friedreich's Ataxia)، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة تستهدف تنظيم الحمض النووي (دي إن إيه) بدلاً من تعديل الجينات نفسها.

ليس كل الجينات متساوية داخل النواة

ولا تُرتب الجينات داخل نواة الخلية بشكل عشوائي، بل تشغل مواقع محددة في فضاء ثلاثي الأبعاد. وقد لاحظ العلماء منذ سنوات أن الجينات القريبة من الغلاف الداخلي للنواة تكون عادة أقل نشاطاً، في حين تميل الجينات الموجودة في مركز النواة إلى العمل بشكل أكبر.

لكن السؤال الذي حيّر الباحثين طويلاً كان: هل يتوقف نشاط الجين بسبب موقعه داخل النواة، أم يتغير موقعه نتيجة انخفاض نشاطه؟

وللإجابة عن هذا السؤال، ركز فريق بحث، برئاسة راجان جاين من قسم بيولوجيا الخلية والتطور في كلية بيرلمان للطب بجامعة بنسلفانيا، في دراسة نُشرت بمجلة «Molecular Cell» في 21 مايو (أيار) 2026، على عمليتين أساسيتين؛ الأولى هي «النسخ الجيني» (Transcription)، وهي عملية قراءة الجين لإنتاج الحمض النووي الريبي (RNA)، والثانية تتعلق ببروتين يُعرف باسم «كوهيسين» (Cohesin)، الذي ينظم البنية المكانية للحمض النووي (DNA) عبر طيه وربط أجزاء مختلفة منه معاً.

وباستخدام أدوات تعتمد على تقنية «كريسبر»، اكتشف الباحثون أن خفض نشاط النسخ الجيني يدفع بعض الجينات نحو أطراف النواة؛ حيث تصبح أكثر عرضة للإسكات. وفي المقابل فإن النشاط الزائد لبروتين كوهيسين يؤدي أيضاً إلى دفع الجينات نحو الحافة الخارجية للنواة وإخماد نشاطها.

أما المفاجأة فكانت أن إعادة تنشيط عملية النسخ وتقليل نشاط كوهيسين سمحا للجينات بالعودة نحو مركز النواة واستعادة جزء من نشاطها الطبيعي.

ويصف العلماء هذه العلاقة بأنها تُشبه «مفتاح تعتيم الضوء»، إذ لا تعمل الجينات بنظام التشغيل أو الإيقاف الكامل، بل يجري ضبط نشاطها تدريجياً حسب موقعها، وطريقة تنظيم الحمض النووي حولها.

مرض نادر يكشف الآلية الخفية

واختار الباحثون مرض «رنح فريدرايخ» نموذجاً للدراسة؛ لأنه ينتج عن خلل معروف في جين واحد يسمى «FXN» المسؤول عن إنتاج بروتين «فراتاكسين» (frataxin).

ويؤدي انخفاض هذا البروتين إلى ظهور أعراض عصبية وقلبية خطيرة تشمل فقدان التوازن التدريجي وضعف العضلات ومشكلات في القلب، ويصيب المرض نحو شخص واحد من كل 40 ألف شخص حول العالم.

عندما فحص العلماء خلايا مأخوذة من مرضى «رنح فريدرايخ» وجدوا أن الجين «FXN» يتموضع بشكل غير طبيعي عند أطراف النواة، وهي منطقة ترتبط عادة بإسكات الجينات. وعند تقليل نشاط بروتين كوهيسين داخل هذه الخلايا تحرك الجين بعيداً عن الحافة، وعاد إلى مناطق أكثر نشاطاً داخل النواة. والأهم من ذلك أن مستويات بروتين فراتاكسين ارتفعت بشكل ملحوظ رغم أن الطفرة الوراثية الأصلية بقيت موجودة دون تغيير.

وتشير هذه النتيجة إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في الطفرة الجينية نفسها بل أيضاً في المكان الذي يحتله الجين داخل النواة.

نحو جيل جديد من العلاجات

ورغم أن هذه النتائج لا تُمثل علاجاً جاهزاً للمرض فإنها تقدم مفهوماً جديداً قد يغير طريقة التفكير في الأمراض الوراثية، فبدلاً من التركيز حصراً على إصلاح الجينات المعطوبة قد يصبح بالإمكان مستقبلاً إعادة تنظيم الحمض النووي داخل النواة، بحيث تستعيد الجينات نشاطها الطبيعي.

ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف يسلط الضوء على أهمية «هندسة الجينوم ثلاثية الأبعاد»، وهو مجال ناشئ يدرس كيفية ترتيب الحمض النووي داخل الخلايا، وتأثير ذلك في الصحة والمرض.

ومع تزايد الأدلة على أن موقع الجين قد يكون عاملاً حاسماً في عمله، يعتقد العلماء أن فهم هذه البنية الخفية قد يقود إلى استراتيجيات علاجية جديدة ليس فقط لمرض «رنح فريدرايخ» بل لمجموعة واسعة من الأمراض الوراثية والعصبية التي ما زالت تفتقر إلى علاجات فعالة. وهكذا، فأحياناً لا يكون الحل في تغيير الجين نفسه، بل في منحه المكان المناسب ليعمل من جديد.


كَشْف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل

كَشْف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل
TT

كَشْف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل

كَشْف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل

تنتشر مقاطع الفيديو التي تُقدِّم للطلاب عروضاً مغرية عن الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي: دعوا الذكاء الاصطناعي يقوم بواجباتكم المنزلية... مع أحدث التقنيات... لن يتم كشفكم... إذا كنتم تكرهون الكتابة فيمكنكم تجنبها. وحتى شركات تكنولوجيا التعليم العريقة تُسوِّق لنفسها بطريقة غير مباشرة.

أدوات «مُحسِّنات اللغة» و«الكتابة التلقائية»

أصبحت هذه الأنواع من الدروس التعليمية منتشرة بكثرة على منصتَي «تيك توك» و«يوتيوب». تُظهر هذه الدروس للطلاب كيفية استخدام أدوات تُعرَف باسم «مُحسِنات اللغة البشرية» و«الكتابة التلقائية»، مما يجعل الغش أسهل من أي وقت مضى. تستهدف مقاطع الفيديو - التي تُصنّف أحيانا كإعلانات، وأحيانا أخرى لا - طلاب الجامعات والمدارس الثانوية.

وتعيد «مُحسِّنات اللغة البشرية» صياغة النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي لجعلها تبدو أقل آلية ونمطية وابتذالاً. أما «الكتابة التلقائية» فتُضيف الكلمات والجمل تدريجياً إلى المستندات، ما يجعلها تبدو وكأنها كُتبت بسرعة بشرية، بينما هي في الواقع من إنتاج الذكاء الاصطناعي؛ بل إن الأدوات تختلق الأخطاء المطبعية والحذف والتعديلات.

التحايل على برامج الكشف

وتساعد كلتا الأداتين الطلاب على التحايل على البرامج المصممة لكشف الذكاء الاصطناعي.

وتسعى الجامعات والمدارس جاهدة لمواكبة هذا التطور؛ إذ بات كَشْف الذكاء الاصطناعي مكلفاً للغاية. ولكن التربويين الذين يحاولون تقييد تقنية الذكاء الاصطناعي، خوفاً من عدم اكتساب الطلاب المهارات الأساسية، غالباً ما يتخلفون عن الرَّكْب، فيما يسميه رواد صناعة التكنولوجيا «سباق تسلح في مجال الكشف».

الشركات تسوِّق البرامج

في بعض الحالات، تقوم الشركات نفسها التي تبيع أدوات الكشف بتطوير تطبيقات تُمكِّن الطلاب من الغش، بما في ذلك كتابة البحوث نيابة عنهم أو إعادة صياغة نصوص كتبها آخرون. وتَعِد هذه التطبيقات بمساعدتهم على تجنب اتهامات سوء السلوك من خلال فحص أعمالهم قبل تقديمها، ما يسمح لهم بإعادة كتابة المقاطع التي يُحددها الذكاء الاصطناعي. حتى الطلاب الملتزمون غالباً ما يكونون على استعداد لدفع ما بين 10 و20 دولاراً شهرياً مقابل الأدوات المتميزة؛ لأن كاشفات الذكاء الاصطناعي قد تُشير أحياناً إلى أعمال مشروعة.

ووصفت جيني ماكسويل، رئيسة قسم التعليم في شركة «Superhuman»، الشركة المصنِّعة لبرنامج «Grammarly» سباق الكشف والتحايل بأنه «طريق مسدود في نهاية المطاف». لذلك حثت المعلمين على التسليم بأن معظم الكتابة المستقبلية ستُنتَج بشراكة بين الذكاء الاصطناعي والتمييز البشري.

أخطاء مطبعية تبدو واقعية

حتى قبل ظهور روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، كان الإنترنت قد سهَّل عمليات الغش، ويرجع ذلك جزئياً إلى الآلية البسيطة المتمثلة في النسخ واللصق (السرقة الأدبية).

أما الآن، فقد أصبح المشهد أكثر تعقيداً؛ إذ تشير استطلاعات رأي حديثة إلى أن نحو ثلثي الطلاب الأميركيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بانتظام في إنجاز مهامهم الدراسية. ورغم أن نسبة ضئيلة فقط -نحو 9 في المائة- اعترفت بممارسة الغش الصريح في إحدى الدراسات الموسعة، فإن جانباً كبيراً من استخدام الذكاء الاصطناعي يقع في منطقة رمادية أخلاقية.

وقد كشف استطلاع حديث أجرته مؤسسة «كوليدج بورد» (College Board) وشمل أساتذة جامعيين، أن ثلاثة أرباعهم أفادوا بأن طلابهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في الكتابة، كما أعرب أكثر من 90 في المائة من المشاركين عن قلقهم بشأن السرقة الأدبية وعدم النزاهة الأكاديمية. وقد شهدت مؤسسات تعليمية كثيرة ارتفاعاً حاداً في حالات التأديب المتعلقة بسوء السلوك الأكاديمي، التي يرتبط كثير منها باستخدام الذكاء الاصطناعي.

«تشات جي بي تي» و«جيميناي»

وتُعد أداتا: «تشات جي بي تي» من شركة «أوبن إيه آي»، و«جيمنياي» من شركة «غوغل» الأكثر شيوعاً بين الطلاب.

لكن إضافةً إلى هذه الشركات العملاقة، يزخر السوق بمنافسة شرسة، تشمل مزودي تكنولوجيا التعليم التقليديين والشركات الناشئة الصغيرة؛ حيث تستخدم جميعها وسائل التواصل الاجتماعي لإقناع الشباب بأن حياتهم الدراسية قد تصبح أسهل -بل أسهل بكثير- إذا تبنوا تقنيات الذكاء الاصطناعي.

شركات ناشئة تعلم الطلاب كيفية الغش بشكل صريح

وتقوم بعض الشركات الناشئة بتعليم الطلاب كيفية الغش بشكل صريح. وفي المقابل، غالباً ما تحث الشركات الراسخة الطلاب على استخدام أدواتها بمسؤولية، بوصفها وسائل مساعدة في الدراسة والبحث والشحذ الذهني، وإعداد الخطوط العريضة والمراجعة. ومع ذلك، فإن كثيراً منها يُنتج في الوقت نفسه تقنيات يمكن استخدامها بسهولة لارتكاب السرقة الأدبية والغش؛ إذ تطرح إعلانات ذات طابع ساخر تلمح إلى قدرتها على مساعدة الطلاب في الإفلات من المساءلة أو تمرير أعمالهم دون كشف حقيقتها.

أما الشركات الأصغر حجماً، فتكون أحياناً أكثر مباشرة؛ ففي مقطع فيديو على منصة «تيك توك»، يستعرض كارتر سميث -وهو مؤثر شاب في مجال التكنولوجيا يُعرف باسم «CarterPCs»- بحماس أمام المشاهدين، كيف يمكن لتطبيق يُدعى «Grubby AI» (المتخصص في الكتابة الآلية ومحاكاة الأسلوب البشري) أن يجعل المقال -الذي أُنتج في الواقع بواسطة «تشات جي بي تي» يبدو وكأن شخصاً ما قد كتبه بأسلوب طبيعي وعفوي.

يتمتع سميث بقاعدة جماهيرية ضخمة تضم 6.5 مليون مستخدم على «تيك توك». ورغم أن الفيديو لم يُصنَّف كإعلان، فإن سميث كان قد عرَّف نفسه سابقاً بصفته شريكاً مدفوع الأجر لشركة «Grubby AI».

ولم يستجب كل من التطبيق، وسميث، ووكالة المواهب التي تمثله «Rakugo Media»، لطلبات إجراء مقابلات صحافية.

تطبيقات الكتابة التلقائية

وتُعد تطبيقات الكتابة الآلية (أو المحاكية للكتابة البشرية) استجابةً لواقع قيام كثير من المعلمين والأساتذة الجامعيين حالياً بفحص «سجل إصدارات» المستند، بحثاً عن مؤشرات تدل على استخدام الذكاء الاصطناعي. إذا ظهرت فجأة ألف كلمة في مستند «وورد» (Word) أو «غوغل» عند الساعة 11:59 ليلاً، فقد يعني ذلك أن الطالب قد نسخ نصاً أعدَّه «روبوت محادثة» (chatbot) وألصقه في المستند. وتعمل أداة «GrubbyAI» وكثير من منافساتها على إيجاد طرق للالتفاف على تلك الأنظمة.

يذكر موقع «Dripwriter» الإلكتروني أن التطبيق يوفر «تصحيحات واقعية للأخطاء الإملائية» بالإضافة إلى «الكتابة التلقائية في الخلفية، بحيث يستمر عملك في كتابة مقالتك حتى عند ابتعادك عنها».

أما تطبيق «Duey.ai»، الذي يصف نفسه بأنه «أفضل تطبيق للكتابة التلقائية لـ(Google Docs)»، فيخبر مستخدميه أنهم عندما يكونون متعبين أو مشغولين جداً بحيث لا يستطيعون التركيز، أو حتى عندما يكونون مع أصدقائهم: «ستبدو الوثيقة كما لو أنهم كتبوها بأنفسهم».

إنها سوق مزدحمة، تظهر فيها شركات ناشئة باستمرار. وقد أخبر مقطع فيديو على «تيك توك» الطلاب عن تطبيق آخر (Typeflo)، بإمكانهم الاسترخاء، ومشاهدة عروض «يوتيوب» وتناول شطيرة، بينما يكتب هذا التطبيق مقالاتهم نيابة عنهم.

أدوات «تفعل كل شيء»

يزداد قلق بعض الأساتذة بشأن تطبيق «غرامرلي» (Grammarly)، وهو تطبيق موجود منذ 17 عاماً كأداة تدقيق إملائي قوية. ويُقدم التطبيق الآن أداة «تحديد المؤلف» التي تُساعد الأساتذة على كشف أي تجاوزات ناتجة عن الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال تحليل سجل إصدارات المستند.

في الوقت نفسه، يُتيح التطبيق للطلاب إنشاء نصوص من الصفر، وإضفاء طابع بشري عليها، ومسح واستبدال العبارات التي قد تُفعِّل أنظمة كشف الذكاء الاصطناعي.

كما يُوفر «غرامرلي» أداة لإعادة الصياغة تُعيد كتابة أي نص منشور ينسخه الطالب ويلصقه في علامة تبويب المتصفح، وهو ما يُمكن اعتباره نوعاً من أنواع الانتحال.

وينصح «غرامرلي» الطلاب باستخدام ميزات إنشاء النصوص «بمسؤولية»، من خلال توثيق كل استخدام للذكاء الاصطناعي في البحث. ولكن الشركة تنشر أيضاً إعلانات توحي بأن الطلاب يمكنهم استخدام التطبيق لنَسَب كتابات من إنتاج الذكاء الاصطناعي إلى أنفسهم: «اكتشف نص الذكاء الاصطناعي؛ فنحن في عام 2026 بعد كل شيء»، كما جاء في أحد منشورات «تيك توك»: «حدد صياغة الذكاء الاصطناعي، واختر التعديلات التي تبدو لك صادقة».

ومثل غيرها من المديرين التنفيذيين في مجال الذكاء الاصطناعي، قالت ماكسويل، رئيسة قسم التعليم في شركة «سوبر هيومان»، الشركة المصنِّعة لبرنامج «غرامرلي»، إن الغش كان موجوداً دائماً، ولكنه لا يمثل سوى نسبة ضئيلة -قدَّرت أنها 10 في المائة- من استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي.

الأدوات الذكية تعيق تفكير الطلاب

ومع ذلك، يقول التربويون المحبَطون، إن الذكاء الاصطناعي يعيق تفكير الطلاب. وقد أظهر كثير من الدراسات أن الأشخاص الذين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي قد يعانون من «التفريغ المعرفي»، وهي عملية يفشلون في اكتساب مهارات جديدة عَبرها، أو تتدهور مهاراتهم الحالية.

وأشار جورج كوساك، مدير مبادرات الذكاء الاصطناعي الأكاديمية في كلية كارلتون، إلى أن برنامج «غرامرلي» يُسوَّق للطلاب على أنه أداة مساعدة بسيطة، بينما هو في الواقع «مجموعة أدوات تقوم بكل شيء نيابة عنك». وأضاف: «أجد أن التطبيقات التي تُسوَّق صراحة على أنها أدوات غش أقل إشكالية من تلك التي تُسوَّق على أنها «مساعدة».

* خدمة «نيويورك تايمز».