وكيل الذكاء الاصطناعي الخصوصي: هل نحن جاهزون له؟

يتمتع بقدرات مبهرة ومفيدة جداً... قد تكون خطرة

صورة توضيحية لروبوتات الذكاء الإصطناعي و«تشات جي بي تي»
صورة توضيحية لروبوتات الذكاء الإصطناعي و«تشات جي بي تي»
TT

وكيل الذكاء الاصطناعي الخصوصي: هل نحن جاهزون له؟

صورة توضيحية لروبوتات الذكاء الإصطناعي و«تشات جي بي تي»
صورة توضيحية لروبوتات الذكاء الإصطناعي و«تشات جي بي تي»

عند النظر إلى تاريخ روبوتات المحادثة الحديثة، نلاحظ أنّه ينقسم إلى مرحلتين. بدأت الأولى العام الماضي مع إطلاق «تشات جي بي تي»، ولا تزال مستمرّة حتّى يومنا هذا، وترتكز بشكلٍ أساسي على روبوتات محادثة قادرة على الحديث عن كلّ شيء.

هذه القدرة مبهرة ومفيدة جداً ولكنّها في الواقع ليست إلّا مقدّمة للمرحلة التالية: الذكاء الاصطناعي القادر حقاً على القيام بأشياء مطلوبة منه.

مهمات وكلاء الذكاء الاصطناعي

تزعم شركات التقنية أنّ ما يُسمّى «وكلاء» الذكاء الاصطناعي «AI agents» سيكونون قريباً قادرين على إرسال الرسائل الإلكترونية، وجدولة المواعيد، وتثبيت حجوزات المطاعم وبطاقات الطائرة، والقيام بمهام معقّدة كـ«التفاوض على علاوة مالية مع ربّ العمل» أو «شراء هدايا عيد الميلاد لجميع أفراد العائلة».

بدت هذه المرحلة، التي لا تزال بعيدة، أقرب قليلاً منّا في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي عندما أعلنت «أوبن إي آي.»، الشركة المطوّرة لروبوت «تشات جي بي تي»، أنّ المستخدمين يستطيعون اليوم ابتكار روبوتات المحادثة الخاصّة بهم.

أدوات شخصية مبرمجة

بعد لمحة مبكرة على هذه الروبوتات، التي أسمتها الشركة GPTs، التي ستصبح متوفرة لزبائنها ومشتركي خدمة «تشات جي بي تي بلاس»، وجدنا أنّها تختلف عن «تشات جي بي تي» التقليدي بأمور قليلة ولكن مهمّة.

أولاً - برمجة لمهمات محددة

برمجت الروبوتات الشخصية الجديدة للقيام بمهام محدّدة - مثلاً، تشمل ابتكارات «أوبن إي آي» روبوت «مدرّب الكتابة الإبداعية» «Creative Writing Coach» وروبوت «خالط الموكتيل» «Mocktail Mixologist» الذي يقترح على مستخدمه مشروبات غير كحولية.

ثانياً - سحب ودمج البيانات

تستطيع هذه الروبوتات سحب ما تريد من البيانات الخاصّة كمستندات الموارد البشرية في أيّ شركة، أو قاعدة بيانات للوائح العقارية، وأن تدمج هذه البيانات في استجاباتها. ثالثاً، إذا سمحتم لها، تستطيع هذه الروبوتات الاتصال بأجزاء أخرى من حياتكم الإلكترونية كالرزنامة، ولائحة المهام، وحساب «سلاك»، ومن ثمّ التحرّك باستخدام بياناتكم الثبوتية.

صورة توضيحية لروبوتات الذكاء الإصطناعي و«تشات جي بي تي»

* عناصر خبيثة قد تبتكر عمداً ذكاءً اصطناعياً فاسداً لخدمة أهداف خطرة *

مزايا عظيمة ومخاوف من الكوارث

هل يبدو لكم الأمر مخيفاً؟ لأنّه كذلك فعلاً. فإذا سألتم بعض باحثي سلامة الذكاء الاصطناعي، سيقولون لكم إنّهم يخشون منح روبوتات المحادثة المزيد من الاستقلالية؛ لأنّ خطوة كهذه قد تؤدّي إلى كارثة. وكانت منظّمة «مركز سلامة الذكاء الاصطناعي» البحثية غير الربحية، قد وضعت هذا العام الوكلاء المستقلّين على لائحة «مخاطر الذكاء الاصطناعي» الكارثية؛ عازيةً الأمر إلى «العناصر الخبيثة التي قد تبتكر عمداً ذكاءً اصطناعياً فاسداً لخدمة أهداف خطرة».

ولكنّ المساعدين المدعومين بالذكاء الاصطناعي قادرون فعلاً على أداء مهام مفيدة للنّاس، حتّى أنّ الزبائن التجاريين (الشركات) يتوقون لتدريب روبوتات المحادثة باستخدام بياناتهم الخاصّة. وهناك من يحاجج أيضاً بأنّ الذكاء الاصطناعي لن يصبح مفيداً حقاً قبل أن يستطيع فعلاً فهم مستخدميه – أساليبهم في التواصل، وما يحبّون وما لا يحبّون، وما يبحثون عنه ويشترونه عبر الإنترنت.

إذن، ها نحن اليوم، نسارع إلى عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلّين - ولا عزاء للمعترضين!

عروض لأعمال آمنة

لنكن منصفين، لا بدّ من الاعتراف بأنّ روبوتات «أوبن إي آي» ليست خطرة. فقد شاهدتُ عرضاً لأكثر من نموذج GPT خلال مؤتمر المطوّرين الذي أقامته الشركة أخيراً في سان فرنسيسكو، ظهرت خلاله وهي تؤدّي مهام غير مؤذية كتلوين رسومات الأطفال وشرح قواعد لعب الورق.

لا تستطيع هذه الروبوتات الشخصية القيام بالكثير بعد، حيث إنّ أداءها لا يتعدّى البحث في المستندات والاتصال مع التطبيقات الشائعة. شاهدتُ في واحدٍ من العروض أحد موظّفي «أوبن إي آي» يطلب من روبوت GPT البحث عن اجتماعات متضاربة المواعيد في رزنامته في «غوغل» وإرسال رسالة عبر تطبيق «سلاك» لربّ عمله. وشاهدتُ عرضاً آخر على المسرح، عمد فيه سام ألتمان، الرئيس التنفيذي (السابق) لـ«أوبن إي آي» إلى ابتكار روبوت محادثة أسماه «مرشد الشركة الناشئة»، ومهمّته تقديم النصائح للمؤسسين الطامحين باستخدام ملف خطاب كان قد ألقاه العام الماضي.

قد تبدو هذه المهام كحيَل لجذب الاهتمام، إلّا أنّ فكرة تخصيص روبوتات المحادثة والسماح لها بالتحرّك نيابة عنّا تمثّل خطوة مهمّة في ما يسمّيه ألتمان استراتيجية «أوبن إي آي» «للتوظيف التدريجي المكرّر»، أي إدخال تحسينات طفيفة على الذكاء الاصطناعي بمسار سريع بدل إحداث قفزات كبيرة بفوارق زمنية طويلة.

اختبارات مساعد ذكي شخصي

بعدما منحتني «أوبن إي آي» وصولاً مبكراً لمبتكر روبوت GPT الشخصي، أمضيت أيّاماً عدّة ألهو به.

كان «مساعد في الحضانة» «Day Care Helper» أوّل روبوت محادثة مخصّص ابتكرته لنا شخصياً، وهو عبارة عن أداة للإجابة عن أسئلة بخصوص حضانة ابني. فكأبٍ يعاني قلّة النوم ويجد صعوبة في تصفّح دليل الأهل في كلّ مرّة، دائماً ما أنسى بعض التفاصيل، كما إذا كان يمكننا إرسال وجبة خفيفة مع الفول السوداني (وهو أحد مسببات الحساسية لدى بعض الأطفال) أم لا، وما إذا كانت الحضانة مقفلة أو مفتوحة في بعض الأعياد.

لهذا السببّ؛ حمّلت دليل الأهل على أداة ابتكار الروبوت GPT، وفي غضون ثوانٍ، أصبح لديّ روبوت محادثة يمكنني استخدامه بسهولة للبحث عن إجابات على أسئلتي. كان أداؤه مبهراً لا سيّما بعد تغيير التعليمات لإفهامه أنّه من المفترض أن يعطي إجابات مستخدِماً المعلومات المتوفر في الدليل، لا أن يبتكر إجابات لأسئلة لم يعالجها الدليل.

أسميتُ الروبوت الثاني «نصيحة الجدّ رووز المالية» الذي اعتمد على مستند آخر: كتيّب من 23 صفحة يضمّ نصائح كتبها جدّي، الخبير الاقتصادي الشغوف في دراسة الأسهم وصاحب الخبرة الطويلة في التخطيط المالي. أستخدم هذا الكتيّب عند الحاجة، ولكنّني تساءلتُ ما إذا كان سيلهمني أكثر إذا ما وضعته في روبوت محادثة.

حمّلتُ نصّ الكتيّب، وفي أقلّ من خمس دقائق، أصبح لديّ روبوت محادثة يردّد لي نصيحة جدّي المالية ويجيب على أسئلتي. (ولو أنّه في بعض الأماكن انزلق من كلام جدّي وعاد إلى أسلوب «تشات جي بي تي» في الحديث عن الأمور المالية).

لم يكن أداء أيّ من روبوتات المحادثة خاصتي مثالياً وعجزت جميعها عن أداء الكثير من المهام. ولكن إذا دقّقنا في الفكرة وطريقة عمل هذه الأدوات، سيتبيّن لنا نوع الأعمال التي قد يقوم بها وكيل الذكاء الاصطناعي إذا ما أصبح متقناً.

عواقب الذكاء الاصطناعي

في المقابل، ينطوي تعزيز استقلالية وكلاء الذكاء الاصطناعي، ومنحهم الوصول إلى بياناتنا الشخصية، ووضعهم في قلب كلّ تطبيق نستخدمه، على تبعات وعواقب مقلقة جداً. وإذا صحّت التوقعات، سيتمكّن الذكاء الاصطناعي قريباً جداً من معرفتنا بعمق أكثر، وفي بعض الحالات، سيعرفنا أكثر ممّا نعرف أنفسنا وسيكون قادراً على القيام بأفعال معقّدة مع أو من دون إشرافنا.

وإذا صحّت مزاعم «أوبن إي آي»، قد نكون على مشارف الانتقال إلى عالمٍ يكون فيه الذكاء الاصطناعي شريكاً أقلّ إبداعاً، بل يصبح توسعاً سيليكونياً لنا نحن البشر، يأتي على شكل أدمغة صناعية قادرة على التنقّل حول العالم لجمع المعلومات والتصرّف نيابة عنّا. إذا كنتم غير جاهزين تماماً لهذا العالم بعد، ننصحكم بأن تبدؤوا بتهيئة أنفسكم له.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

علوم البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

المنصات الفائزة ستكون تلك التي تربط المستخدمين بسلاسة بتجارب حقيقية من العالم الواقعي مستخدمةً الذكاء الاصطناعي جسراً إلى محتوى بشري موثوق

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سفينة شحن في ميناء كيلونغ (رويترز)

طلبات التصدير التايوانية تقفز لأسرع وتيرة منذ 16 عاماً بدعم الذكاء الاصطناعي

سجلت طلبات التصدير التايوانية في مارس أسرع وتيرة نمو منذ أكثر من 16 عاماً، لتبلغ مستوى قياسياً جديداً.

«الشرق الأوسط» (تايبيه )
علوم ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟

ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟

الأدوات الذكية نجحت ببراعتها مع فرد ولم تثبت فاعليتها مع مجموعات العمل

إنريكي دانس
صحتك هناك مخاوف متزايدة من استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في تقديم استشارات طبية لمرضى السرطان (أ.ف.ب)

دراسة: روبوتات الدردشة تروّج لبدائل خطيرة للعلاج الكيميائي للسرطان

كشفت دراسة حديثة عن مخاوف متزايدة من استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في تقديم استشارات طبية لمرضى السرطان.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
الاقتصاد شخص يتحدث هاتفياً في أثناء مروره قرب مبنى بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

العقود الآجلة للأسهم الأميركية ترتفع بدعم تفاؤل الذكاء الاصطناعي

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الثلاثاء، مدعومة بتجدد التفاؤل حول قطاع الذكاء الاصطناعي، مما ساعد في تعزيز معنويات الأسواق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

بسبب شحنات إسرائيلية... شكوى في فرنسا تتهم «فيديكس» بـ«التواطؤ في الإبادة»

شاحنة تابعة لشركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس» (رويترز)
شاحنة تابعة لشركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس» (رويترز)
TT

بسبب شحنات إسرائيلية... شكوى في فرنسا تتهم «فيديكس» بـ«التواطؤ في الإبادة»

شاحنة تابعة لشركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس» (رويترز)
شاحنة تابعة لشركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس» (رويترز)

قُدّمت شكوى قانونية في فرنسا ضد شركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس»، بتهمة «التواطؤ في جريمة الإبادة الجماعية»، على خلفية ادعاءات بأنها نقلت مكوّنات طائرات إسرائيلية يُزعم أنها شاركت في قصف غزة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأفاد «الاتحاد الفرنسي اليهودي من أجل السلام»، بأنه تقدّم بشكوى ضد فرع «فيديكس» الفرنسي بتهمة «نقل وتسليم مكوّنات أساسية لطائرات قتالية من الولايات المتحدة إلى إسرائيل عبر فرنسا».

وأضاف في الوثيقة المقدّمة إلى مدّعي مكافحة الإرهاب التي اطلعت عليها «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن هذه القطع استُخدمت «لصيانة وإصلاح مقاتلات (إف-35) التي يستخدمها سلاح الجو الإسرائيلي» في قطاع غزة.

وقالت «فيديكس» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا نقوم بأي عمليات توصيل دولية للأسلحة أو الذخيرة».

وذكر الاتحاد أن القضية تستند إلى تقرير صدر مؤخراً عن مجموعة «أورجانس بالستين» (حالة الطوارئ في فلسطين)، الذي وثّق 117 شحنة قال إنها مرّت من باريس عبر فرع «فيديكس» الفرنسي بين أبريل (نيسان) وأكتوبر (تشرين الأول) خلال العام الماضي.

وتوجّهت 22 من هذه الشحنات فورا إلى إسرائيل، بما في ذلك على متن ثلاث طائرات «فيديكس» مسجّلة في فرنسا، بحسب الشكوى التي يقول رافعوها إنه «كان يتعيّن على (فيديكس) معرفة محتواها».

وعبر الحدود في بلجيكا، أكّد مدّعون فيدراليون أنهم فتحوا تحقيقاً بشأن إحدى الشحنات التي مرّت عبر مطار لييغ في 20 يونيو (حزيران) 2025.

وقالت إسرائيل إنها ستضع حداً لجميع واردات الأسلحة من فرنسا بعد خلافات دبلوماسية بشأن اعتراف باريس في سبتمبر (أيلول) بدولة فلسطين.

ودعا توماس نايلا الذي نسّق الشكوى ضد «فيديكس» إلى «حظر شامل» على تسليم مكوّنات عسكرية من الجانب الفرنسي.

ورغم وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر، تبادل الجيش الإسرائيلي و«حماس» الاتهامات بخرق هدنة غزة التي جاءت بعد حرب استمرت عامين أشعلها هجوم نفذته الحركة الفلسطينية ضد الدولة العبرية في السابع من أكتوبر 2023.

واتّهمت جماعات حقوقية ومنظمات غير حكومية، بينها «العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش»، إسرائيل بارتكاب إبادة ضد الفلسطينيين في غزة، وهو مصطلح ترفضه الحكومة الإسرائيلية بشكل قاطع.


ابتكار صيني قد يُمهّد لتحليق المسيّرات دون انقطاع

حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
TT

ابتكار صيني قد يُمهّد لتحليق المسيّرات دون انقطاع

حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024

في ظل التسارع المتواصل في مجالات الطيران والتقنيات اللاسلكية، يسعى العلماء حول العالم إلى تجاوز أحد أبرز التحديات التي تواجه الطائرات المسيّرة، وهو محدودية زمن التحليق الناتجة عن قيود البطاريات. وفي هذا السياق، برزت خطوة بحثية واعدة من الصين قد تُحدث تحولاً نوعياً في طريقة تشغيل هذه الطائرات، عبر تمكينها من البقاء في الجو لفترات أطول، وربما إلى أجل غير مسمى، دون الحاجة إلى الهبوط لإعادة الشحن.

فقد طوّر علماء صينيون منصةً متخصصة لنقل الطاقة لاسلكياً إلى الطائرات المسيّرة أثناء تحليقها، باستخدام الموجات الدقيقة، في تصميم تجريبي قد يفتح آفاقاً جديدة أمام تشغيل هذا النوع من الطائرات بكفاءة أعلى واستمرارية أطول، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

ويتوقع باحثون من جامعة شيان الصينية أن يجري تطوير هذه المنصة مستقبلاً لتتحول إلى مركبة أرضية قادرة على إطلاق الطائرات المسيّرة وتزويدها بالطاقة أثناء الطيران، بما يسهم في زيادة مداها التشغيلي بشكل ملحوظ.

وأظهرت الاختبارات التي أجراها العلماء أن النظام المثبّت على مركبة أرضية تمكّن من إبقاء طائرات مسيّرة ذات أجنحة ثابتة في الجو لأكثر من ثلاث ساعات، وعلى ارتفاع يصل إلى 15 متراً، وهو ما يُعد مؤشراً أولياً على فعالية الفكرة رغم حداثتها.

ويعتمد نظام نقل الطاقة على باعث للموجات الدقيقة يقوم ببث الطاقة نحو مصفوفة من الهوائيات المثبّتة أسفل الطائرة المسيّرة، وذلك أثناء حركة كل من الطائرة ونظام الشحن على حد سواء، ما يعكس تعقيداً تقنياً يتطلب تنسيقاً دقيقاً بين الطرفين.

ومع ذلك، أشار الباحثون في دراسة نُشرت في مجلة «علوم وتكنولوجيا الطيران» إلى أن الحفاظ على محاذاة دقيقة بين باعث الموجات الدقيقة والطائرة المسيّرة يمثل تحدياً كبيراً، إذ يتطلب الأمر تناغماً عالي الدقة بين أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS) وأنظمة التحكم في الطيران الموجودة على متن الطائرة.

ولفت العلماء إلى أن هذه التقنية لا تزال في مراحلها المبكرة، حيث لم تستقبل الطائرة المسيّرة سوى نسبة تتراوح بين 3 و5 في المائة من إجمالي الطاقة المُرسلة، في حين يُهدر الجزء الأكبر من طاقة الموجات الدقيقة. كما أن الطاقة المستقبَلة تتعرض لتذبذبات نتيجة تأثير الرياح وأخطاء تحديد الموقع.

وفي سياق أوسع، شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في مفهوم تحويل الطاقة الكهرومغناطيسية، سواء المحيطة أو الموجّهة، إلى طاقة كهربائية قابلة للاستخدام المباشر، حيث انتقل هذا المفهوم من كونه نموذجاً بحثياً أولياً إلى تقنية تقترب من مرحلة التوحيد القياسي.

وفي العام الماضي، سجّلت وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة في أميركا إنجازاً لافتاً في هذا المجال، إذ نجحت في نقل طاقة بقدرة 800 واط باستخدام شعاع ليزر لمسافة بلغت 8.6 كيلومتر، ولمدة تزيد على 30 ثانية.


«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)
«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)
TT

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)
«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

تدخل «أبل» واحدة من أكثر مراحل الانتقال القيادي أهمية في تاريخها الحديث، لكن دلالة هذه الخطوة تتجاوز مجرد تبديل في المناصب. فقد أعلنت الشركة أن تيم كوك سيتولى منصب الرئيس التنفيذي لمجلس الإدارة ابتداءً من الأول من سبتمبر (أيلول) 2026، فيما سيتولى جون تيرنوس، الذي يشغل حالياً منصب النائب الأول لرئيس هندسة الأجهزة، منصب الرئيس التنفيذي للشركة. وسيبقى كوك في منصبه حتى نهاية الصيف للإشراف على عملية التسليم، فيما قالت «أبل» إن القرار يأتي ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد أقرها مجلس الإدارة بالإجماع.

بالنسبة إلى «أبل»، يطوي هذا الإعلان صفحة، ويفتح أخرى في توقيت حساس. فقد قاد كوك الشركة منذ عام 2011، وأشرف خلال هذه الفترة على نمو قيمتها السوقية من نحو 350 مليار دولار إلى 4 تريليونات دولار، فيما ارتفعت الإيرادات السنوية من 108 مليارات دولار في السنة المالية 2011 إلى أكثر من 416 مليار دولار في السنة المالية 2025، وفق أرقام الشركة. وخلال ولايته، وسّعت «أبل» أعمالها في الخدمات، وعززت حضورها في قطاع التجزئة عالمياً، وتقدمت أكثر في الأجهزة القابلة للارتداء، كما أنجزت انتقالها إلى الشرائح المصممة داخلياً.

التحدي الأساسي أمام الرئيس التنفيذي الجديد يتمثل في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة عملية داخل منتجات الشركة (أبل)

تحدي المرحلة المقبلة

لكن المرحلة المقبلة التي تنتظر تيرنوس تختلف عن تلك التي ورثها كوك. فقد أشارت «رويترز» إلى أن «أبل» تُجري هذا التغيير في وقت أعاد فيه الذكاء الاصطناعي رسم المشهد التنافسي، وأثار تساؤلات جديدة لدى المستثمرين بشأن ما إذا كانت الشركة قد تحركت بالسرعة الكافية.

صحيح أن «أبل» كانت من أوائل من رسّخوا التفاعل الاستهلاكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي عبر «سيري»، لكنها لم تقدم حتى الآن نجاحاً حاسماً في عصر الذكاء الاصطناعي، سواء على مستوى الأجهزة، أو البرمجيات، بحجم ما تسعى إليه شركات منافسة، وأخرى ناشئة. كما لفتت «رويترز» إلى اتفاق الشركة في يناير (كانون الثاني) مع «غوغل» لاستخدام «جيمناي» لتحسين «سيري»، في إشارة إلى أن «أبل» لا تزال تحسم كيف ستوازن بين قدراتها الداخلية وشراكاتها الخارجية في رسم مستقبلها في هذا المجال.

وهنا تتضح أسباب اختيار «أبل» قائداً قادماً من هندسة الأجهزة، بدلاً من اللجوء إلى شخصية خارجية أو تنفيذية ذات خلفية مالية. فقد انضم تيرنوس إلى فريق تصميم المنتجات في «أبل» عام 2001، وأصبح نائباً لرئيس هندسة الأجهزة في 2013، ثم انضم إلى الفريق التنفيذي في 2021. وخلال هذه المسيرة تولى مسؤوليات مباشرة مرتبطة بتطوير «آيفون»، و«آيباد»، و«ماك»، و«أبل ووتش»، و«إيربودز»، فيما يوصف دوره بأنه كان محورياً في استعادة زخم «ماك»، ورفع حضوره العلني داخل الشركة في السنوات الأخيرة. ويبلغ تيرنوس من العمر 50 عاماً، وهو العمر نفسه تقريباً الذي كان عليه كوك عندما خلف ستيف جوبز عام 2011.

إعادة توزيع المناصب الهندسية داخل «أبل» تعكس استعدادها لمرحلة تتطلب أكثر من قوة الأجهزة وحدها (إ.ب.أ)

الهندسة في الواجهة

يشير هذا الاختيار أيضاً إلى أن «أبل» لا تزال ترى في تنفيذ المنتج بوابتها الأوضح لعبور تحديات المرحلة المقبلة. فالمسألة لا تتعلق فقط بالذكاء الاصطناعي بوصفه توجهاً عاماً، بل بكيفية تحويله إلى قيمة عملية داخل أجهزة الشركة الأساسية من دون الإخلال بالنهج الذي بنت عليه «أبل» هويتها، والقائم على التكامل، والخصوصية، والتحكم الدقيق في التصميم. ويرى مراقبون أن إدماج الذكاء الاصطناعي داخل «آيفون» قد يكون أصعب اختبار يواجهه تيرنوس. وفي الوقت نفسه، سيجد نفسه أمام منافسين يتحركون بقوة في فئات متجاورة، من النظارات الذكية لدى «ميتا»، إلى طموحات «إنفيديا» في الحوسبة الشخصية.

وجاء توقيت إعلان ثانٍ من «أبل» في اليوم نفسه ليؤكد أن الأمر لا يتعلق بخلافة رمزية فقط.

فقد أعلنت الشركة أيضاً تعيين جوني سروجي في منصب كبير مسؤولي الأجهزة، في خطوة تعكس تشديد الهيكل الإداري حول منظمة الهندسة مع انتقال تيرنوس إلى قمة الهرم التنفيذي. ويعطي القراران معاً انطباعاً بأن «أبل» تحاول الحفاظ على الاستمرارية الداخلية، وفي الوقت نفسه تهيئة نفسها لمرحلة تنافسية أشد صعوبة، قد لا تكفي فيها وحدها قوة الأجهزة للحفاظ على التفوق.

لهذا تبدو هذه الخطوة أكبر من مجرد إعادة ترتيب إداري تقليدية. فبعد أن قاد كوك الشركة في مرحلة اتسمت بالاتساع، والانضباط التشغيلي، والنمو المالي، يرث تيرنوس «أبل» وهي لا تزال واحدة من أقوى شركات التكنولوجيا في العالم، لكنها مطالبة الآن بإثبات قدرتها على صياغة دورة الحوسبة المقبلة، لا الاكتفاء بالدفاع عن موقعها داخلها. وما إذا كان الفصل الجديد سيُقرأ لاحقاً بوصفه امتداداً منظماً لمسار الشركة، أم بداية إعادة تموضع أكثر صعوبة، فسيتوقف إلى حد بعيد على قدرة الرئيس التنفيذي الجديد على تحويل قوة الهندسة إلى استراتيجية أكثر وضوحاً في الذكاء الاصطناعي.