هل العرب مستعدون لمواجهة آثار التحوّل المناخي؟

جفاف نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وانعدام هطول الأمطار في سد العروسية بولاية منوبة التونسية في 21 مارس الجاري (إ.ب.أ)
جفاف نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وانعدام هطول الأمطار في سد العروسية بولاية منوبة التونسية في 21 مارس الجاري (إ.ب.أ)
TT

هل العرب مستعدون لمواجهة آثار التحوّل المناخي؟

جفاف نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وانعدام هطول الأمطار في سد العروسية بولاية منوبة التونسية في 21 مارس الجاري (إ.ب.أ)
جفاف نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وانعدام هطول الأمطار في سد العروسية بولاية منوبة التونسية في 21 مارس الجاري (إ.ب.أ)

تواجِه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديات بيئية متزايدة، بما في ذلك ندرة المياه، وارتفاع درجات الحرارة، والتصحر. وتُعدّ التغيُّرات المناخية من العوامل الرئيسية التي تُفاقم هذه التحديات، إذ تؤثر على أنماط هطول الأمطار، ودرجات الحرارة، ومستويات سطح البحر.

ومع استمرار ارتفاع درجة حرارة الكوكب، تتعرض العديد من مكوّنات النظام البيئي لتغيرات كبيرة. وتُعدّ «نقاط التحوّل المناخي» من أخطر هذه التغيُّرات، إذ تُشير إلى عتبات حرجة في النظام البيئي يمكن أن تؤدي عند تجاوزها إلى عواقب وخيمة يصعب عكسها.

نقاط التحوّل المناخي تهدّد الكوكب

تُعرِّف الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ نقاط التحوّل بأنها «العتبات الحرجة، التي يمكن أن تؤدي عند تجاوزها إلى تغيير كبير في حالة النظام، وغالباً ما يكون هذا التغيير غير قابل للعكس». وبعبارة أخرى، فإنّ نقاط التحوّل المناخي هي عناصر في النظام البيئي لكوكب الأرض، يمكن أن تؤدي فيها تغيُّرات صغيرة إلى سلسلة من ردود الفعل المتتالية التي تحوّل النظام من حالة مستقرة إلى حالة مختلفة تماماً.

فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤدي ارتفاع درجات الحرارة العالمية إلى تحوّل الغابات المطيرة إلى سهول جافة. ويستمر هذا التغيير مدفوعاً بحلقات من ردود الفعل الذاتية، حتى لو توقّف السبب الذي أدّى إلى تغيير النظام. وقد يظلّ النظام في حالة «تحوّل» حتى لو انخفضت درجة الحرارة إلى ما دون العتبة الحرجة مرةً أخرى. وقد يستغرق هذا التحوّل من حالة إلى أخرى عقوداً أو حتى قروناً للوصول إلى حالة جديدة مستقرة. ولكن إذا تمّ تجاوز نقاط التحوّل الآن، أو في غضون العقد المقبل، فقد لا تظهر آثارها الكاملة لمئات أو آلاف السنين.

وتُعدّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر المناطق عرضةً لتأثيرات التغيُّرات المناخية، وهي تُعد من بين البلدان الأكثر عرضةً لانعدام الأمن الغذائي في العالم نتيجة عوامل مختلفة، منها مناخ المنطقة الجاف وشبه الجاف، وندرة المياه، وتدهور الأراضي والتصحر، والنمو السكاني السريع، وضعف الممارسات الزراعية، وتركُّز الزراعة في المناطق الساحلية المهددة بارتفاع منسوب مياه البحر. ويمكن أن تؤدي التغيُّرات المناخية إلى تفاقم هذه المشاكل.

كما يمكن للتغيُّرات المناخية أن تؤثر على الصحة في البلدان العربية بطرق عدّة، كأن تؤدي موجات الحرّ إلى الإصابة بضربات الشمس، والجفاف، وأمراض القلب والأوعية الدموية. كما يمكن أن تؤدي الفيضانات إلى انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، مثل الكوليرا والتيفوئيد. ويمكن أن تؤثّر التغيُّرات المناخية أيضاً على الصحة النفسية.

ومن المتوقع أن يكون للتغيُّرات المناخية تأثير كبير على اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر إلى إلحاق أضرار بالبنية التحتية الساحلية، وتعطيل السياحة، وتشريد السكان. كما يمكن أن تؤدي موجات الحرّ والجفاف إلى انخفاض الإنتاجية الزراعية، وزيادة تكاليف الطاقة، والإضرار بالصحة. وقد تترك آثارها أيضاً على الاستقرار السياسي، حيث يؤدي الجفاف والفيضانات مثلاً إلى تفاقم الصراعات القائمة على الموارد.

المخاطر على الدول العربية

مع الأخذ في الاعتبار تداخل عناصر النظام البيئي لكوكب الأرض وتكاملها، فإن حصول عتبات حرجة في هذا النظام سيطول بتأثيره جميع مناطق الكوكب بعواقب متباينة ومختلفة. فعلى سبيل المثال، ستؤدي نقاط التحوّل المناخي المرتبطة بذوبان الصفائح الجليدية في غرينلاند والقطب الجنوبي إلى ارتفاع كبير في مستوى سطح البحر، ما يُهدّد المناطق الساحلية في الدول العربية. وتُشير التقديرات إلى أنّ ذوبان الصفيحة الجليدية في غرينلاند وحده سيؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار 27 سنتيمتراً على الأقل.

وفيما يخصّ تغيُّر الدورة المحيطية في شمال الأطلسي، التي تُعد نظاماً مهماً لنقل الحرارة في المحيطات يجلب المياه الدافئة من المناطق الاستوائية إلى شمال الأطلسي ويُعيد المياه الباردة إلى الجنوب، فإن الدراسات تُشير إلى أنّ هذه الدورة في أضعف حالاتها الآن، وأنّ التغيُّرات المناخية هي السبب المُرجّح لذلك. وإذا استمرّ ضعف الدورة المحيطية، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة العواصف، واشتداد موجات الحرّ والشتاء في أوروبا، وقد يكون لهذا تأثير كبير على الدول العربية أيضاً. ومن ناحية أخرى، يمكن أن يؤدي ذوبان التربة الصقيعية في القطب الشمالي إلى إطلاق كميات كبيرة من الغازات، مما يُسرّع وتيرة الاحتباس الحراري العالمي. وهذا بدوره سيؤدي إلى تفاقم مشاكل ندرة المياه، وارتفاع درجات الحرارة، والتصحر في المنطقة العربية.

وتُعدّ الشعاب المرجانية من النظم البيئية المهمة التي تدعم مجموعة واسعة من الحياة البحرية، بما في ذلك مصائد الأسماك التي يعتمد عليها الكثيرون في بلدان المنطقة. وقد يؤدي موت الشعاب المرجانية إلى تعطيل النظم البيئية البحرية، وتقليل توافر الغذاء، والإضرار بالسياحة.

وبينما تؤثّر الرياح الموسمية في غرب أفريقيا على هطول الأمطار في منطقة الساحل، وهي منطقة شبه قاحلة تمتدّ عبر أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فإن التغيُّرات في الرياح الموسمية ستؤدي إلى تغيّرات في أنماط هطول الأمطار، ما يؤثّر على الغطاء النباتي في العديد من الدول العربية، وصولاً إلى الأمن الغذائي.

يستدعي ازدياد تأثيرات التغيُّر المناخي على المنطقة العربية تبنّي مبادرات تساعد في التكيُّف مع التحوّلات الحاصلة. فتحسين إدارة المياه يساعد في زيادة كفاءة استخدام الموارد، وتقليل الهدر، والتكيُّف مع ندرة المياه. وتسهم زراعة المحاصيل المقاوِمة للجفاف في التكيُّف مع انخفاض هطول الأمطار وزيادة الجفاف. وتخفّف تدابير حماية المناطق الساحلية، مثل بناء السدود وحواجز الأمواج، مخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر. كما تحسِّن أنظمة الإنذار المبكر الاستعداد للكوارث الطبيعية، مثل الفيضانات وموجات الحرّ.

يقف العالم حالياً على مفترق طرق مناخي حرج، تزداد فيه مخاطر حصول تغييرات بيئية كبرى يمكنها تشكيل مصير الكوكب لمئات السنين. وهذه المخاطر، المتمثّلة بنقاط التحوّل المناخي، هي أشبه بتحريك القطعة الأولى في سلسلة حجارة الدومينو، بمجرّد أن تبدأ سيكون من الصعب التراجع عنها وإيقافها والتعافي من عواقبها.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
يوميات الشرق مستعمرات النحل داخل منحل واحة الرياض (تركي العقيلي) p-circle 02:10

العسل يحلي «واحة الرياض»... تجارب حية تكشف أسرار الشهد الأصفر

نظمت «واحة الرياض» في شارع التحلية فعالية «تعرف على النحل»، وذلك ضمن برامجها الأسبوعية الثابتة التي تهدف إلى تعزيز الوعي البيئي، والتعرف على أهمية النحل.

فاطمة القحطاني (الرياض)
بيئة غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي ‌لمسات مميزة على المناظر الطبيعية المألوفة يحتمل أن تختفي بحلول نهاية القرن.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
يوميات الشرق طيور مهاجرة في مساراتها بسيناء (الشرق الأوسط)

مصر لحماية مسارات الطيور المهاجرة بالمحميات الطبيعية

أعلنت مصر جهوداً متعددة لإنقاذ وحماية مسارات لطيور المهاجرة بمحمياتها الطبيعية، ضمن مشاركتها في الاحتفال بـ«اليوم العالمي للطيور المهاجرة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق مدينة مكسيكو تُعدّ موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع (أ.ب)

واحدة من أكبر مدن العالم تغرق... وملايين السكان مهددون

تواجه مدينة مكسيكو، إحدى أكبر الحواضر في العالم، خطراً بيئياً متصاعداً قد يعيد رسم ملامحها الديموغرافية والعمرانية، ويهدد بنزوح ملايين السكان إذا استمر الوضع.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».