هل تنجح الاستراتيجية الجديدة في حل مشكلات البيئة العراقية المزمنة؟

تجمع بين مكافحة التلوُّث وإدارة الموارد

منظر جوي من «جسر الحرية» للمشاة على نهر دجلة وسط بغداد (رئاسة الوزراء العراقية)
منظر جوي من «جسر الحرية» للمشاة على نهر دجلة وسط بغداد (رئاسة الوزراء العراقية)
TT

هل تنجح الاستراتيجية الجديدة في حل مشكلات البيئة العراقية المزمنة؟

منظر جوي من «جسر الحرية» للمشاة على نهر دجلة وسط بغداد (رئاسة الوزراء العراقية)
منظر جوي من «جسر الحرية» للمشاة على نهر دجلة وسط بغداد (رئاسة الوزراء العراقية)

جَرَت صياغة آخر استراتيجية وخطة عمل بيئية وطنية في العراق في عام 2013، وكانت تهدف حينها إلى تأطير العمل البيئي في البلاد. وخلال السنوات الأربع التالية، تعذّر تنفيذ هذه الخطة بسبب الحرب التي أشعلتها التنظيمات المتطرّفة وعمليات مواجهتها. ومع استقرار الأوضاع نسبياً، وفي ظل الالتزامات المناخية والبيئية التي تعهد بها العراق، جرى أخيراً إطلاق خطة عمل وطنية جديدة بدعم من «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بالتعاون مع «برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب)».

«الشرق الأوسط» اطلعت على خطة العمل، والاستراتيجية الوطنية العراقية للحدّ من التلوُّث البيئي حتى عام 2030، وتعرِض في ما يلي أهم ملامح هذه الوثيقة وأبرز التحديات التي تواجه البلاد حتى نهاية هذا العقد.

مشكلات بيئية فاقمتها الحروب والنزاعات

الاستراتيجية البيئية لبلد ما هي مجموعة مبادرات مصممة بهدف التخفيف من الآثار السلبية على البيئة، كتقليل استهلاك الطاقة والوقود، وزيادة الاعتماد على الموارد المستدامة والطاقة المتجددة. ومع الأخذ في الحسبان المعاناة التي سببتها جائحة «كورونا» للقطاع البيئي العراقي، وتعهد العراق بالالتزام بـ«اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية» بشأن التغيُّر المناخي، ومساهماته المناخية المحددة وطنياً، أصبح تحديث الاستراتيجية السابقة ضرورة ملحة.

جندي من قوات التحالف لمكافحة «داعش» خلال دورية قرب قاعدة «عين الأسد» الجوية في العراق (أرشيفية - سانتاكوم)

وكان التلوُّث البيئي في العراق تفاقم على نحو متزايد خلال السنوات القليلة الماضية، نتيجة لعوامل مختلفة؛ في مقدمها الاضطرابات والحرب والنزاعات السياسية، مما أدى إلى أضرار في البنية التحتية، وتسارع النشاط الصناعي غير المخطط، في استخراج وتكرير النفط والغاز وتوليد الطاقة الكهربائية.

ويرتبط التلوُّث البيئي في العراق أيضاً بمحدودية الخدمات البلدية؛ كنظام الصرف الصحي الهش، وضعف إدارة النفايات الخطرة وغير الخطرة، إلى جانب الممارسات الزراعية غير المدروسة. كما أعاق النمو السكاني السريع، والأزمة الاقتصادية، وجائحة «كوفيد19»، وتحديات تغيُّر المناخ، الجهود المبذولة لتحسين البيئة وحمايتها. وتسبب ذلك كله في استغلال الموارد الطبيعية استغلالاً سيئاً؛ مما أدى إلى استنفاد الموارد وتراجع حالة البيئة مع تلوُّث عناصرها المختلفة من هواء وماء وتربة.

الاستراتيجية الوطنية الجديدة للحدّ من التلوُّث البيئي حتى عام 2030، التي تبنّتها الحكومة وأصبحت برنامجاً لوزارة البيئة، تقوم على خطة عمل تنسجم مع رؤية العراق الشاملة لتحقيق التنمية المستدامة مع نهاية هذا العقد.

نباتات مقاومة للجفاف

وقد لحظت هذه الاستراتيجية تقييم التلوُّث للتعرُّف على التحدي الكبير المتمثل في دقة البيانات واتساقها، مما أدى إلى وجود فجوات كبيرة في تحديد الحالة النوعية للتلوُّث في العراق. وشملت أولويات منع التلوُّث المحددة في هذا التقييم أنشطة النفط والغاز، ومحطات توليد الكهرباء ومولدات الديزل، وانبعاثات عوادم المركبات، ومياه الصرف الصحي، وتأثيرات تغيُّر المناخ، وإدارة النفايات الصلبة والخطرة ونفايات ما بعد الحرب، ومصادر التلوُّث الصناعي والزراعي والبحري، والبنية المؤسساتية والقانونية.

وتتدنى جودة الهواء في العراق بسبب انبعاثات الغازات الملوّثة والعواصف الترابية، نتيجة التصحُّر واحتراق غازات الوقود في قطاعات النقل وتوليد الطاقة والأنشطة النفطية والصناعية. والمعروف أن العراق من أكثر الدول عرضة للتغيُّر المناخي في المنطقة العربية، حيث ارتفعت درجات الحرارة فيه بما بين 0.9 و3.5 درجة مئوية خلال الفترة بين 2007 و2010، وشهِدت كميات الأمطار فيه انخفاضاً بمعدلات غير مسبوقة زادت على 30 في المائة مقارنة بمتوسط معدلات هطول الأمطار في الأعوام بين 1938 و1978.

كما واجه العراق عدداً من الظواهر الجوية المتطرّفة؛ مثل الجفاف والتصحُّر وازدياد وتيرة الغبار الشديد والعواصف الرملية، مما أدى إلى تركيزات من الغبار المتساقط تجاوزت الحدود الوطنية لعامي 2018 و2019. وأدى الغبار إلى زيادة ملحوظة في انتشار أمراض الجهاز التنفسي.

بحيرة الحبانية العراقية (أ.ف.ب)

وتُعدّ محطات الطاقة الكهربائية من أهم مصادر تلوُّث الهواء في البلاد، حيث توجد 82 محطة عاملة في عموم العراق؛ معظمها غازي وحراري وبعضها كهرمائي. وتتصف هذه المحطات عموماً بضعف كفاءة الاحتراق، والمشكلات التشغيلية المرتبطة بالوحدات المتقادمة، وعدم وجود وسائل للتحكم في الانبعاثات وأجهزة لمراقبة التركيزات. ونتيجة نقص إمدادات الطاقة الكهربائية، فهناك اعتماد كبير على مولدات الديزل الخاصة في المدن لتوفير نحو 30 في المائة من إجمالي إمدادات الطاقة، وهي تُعدّ من المصادر الرئيسية لتلوُّث الهواء.

وتعاني المسطحات المائية الرئيسية؛ بما فيها الأنهار والأراضي الرطبة، من زيادة الملوحة بسبب نقص المياه نتيجة لتأثيرات تغيُّر المناخ، وإنشاء السدود في دول المنبع، والسياسات المائية لهذه الدول. وقد أدى كل ذلك إلى انخفاض المياه السطحية بنسبة 18 في المائة خلال الفترة بين 2017 و2018. ومن المتوقع أن تصل النسبة إلى 37 في المائة بين 2020 و2030، و51 في المائة خلال الفترة من 2040 إلى 2050.

بسبب توالي سنوات الجفاف تضطر نساء البوادي لقطع مسافات طويلة للحصول على مياه الآبار التي أصبحت شبه جافة (إ.ب.أ)

وتتلوّث المسطحات المائية السطحية والمياه البحرية، بسبب التصريف المستمر لمياه الصرف الصحي البلدية والزراعية غير المعالجة، ومياه الصرف الصناعي، والانسكابات النفطية والنفايات من السفن، مما يشكل تهديدات إضافية خطرة على الصحة العامة والنظام البيئي المائي.

ويساهم النمو السكاني السريع في العراق في زيادة تلوُّث المياه، مع زيادة الضغط على خدمات المياه والصرف الصحي، وما يصاحب ذلك من فشل في تأمين معالجة فعالة لمياه الصرف قبل تصريفها إلى مصادر المياه، أو استخدامها في أنشطة أخرى مثل الري. كما يفتقر معظم الأنشطة الصناعية إلى وحدات معالجة فعالة لمعالجة النفايات السائلة الملوّثة. ويؤدي تقادم خطوط الإنتاج وغياب التقنيات الحديثة في الصناعات القائمة، إلى توليد كميات أكبر من مياه الصرف الملوّثة.

ويمثّل التلوُّث البحري مصدر قلق كبير على طول ساحل العراق وممر شط العرب المائي. ويحدث عموماً بسبب مياه الصرف الصحي وما تحمله من ملوّثات عضوية ومواد مغذية، ومياه الصرف الصناعي، ومنصرفات محطات توليد الطاقة، والصرف الزراعي المحتوي على المبيدات الحشرية و«المعادن النزرة» والمخلّفات البترولية.

محطة كهرباء عراقية (مواقع التواصل الاجتماعي)

وتعاني التربة في العراق من التملُّح وفقدان الخصوبة وتدهور الغطاء النباتي، خصوصاً في غابات شمال العراق، إلى جانب مشكلة التصحُّر المتفاقمة. ويرتبط تدهور التربة أيضاً بتغيُّر المناخ، والتخلص العشوائي من النفايات، والإدارة غير السليمة للنفايات على أنواعها.

ونظراً إلى تاريخ الحرب والصراع في البلاد، فإن 5.8 مليار متر مربع من الأراضي العراقية، ملوّثة بمخلّفات الحرب والذخائر العنقودية وحقول الألغام والعبوات الناسفة والذخائر غير المنفجرة. وتزيد مخلّفات الحرب من مخاطر تلوُّث التربة بالمعادن الثقيلة، مثل النحاس والرصاص والزنك والحديد. وتعاني المناطق التي شهِدت عمليات عسكرية مختلفة خلال فترة النزاع؛ بما فيها تلك التي خرجت عن سيطرة الدولة وقوانينها البيئية، من مخاطر التلوُّث بالنفايات الخطرة الناتجة عن استخدام الأسلحة والمواد الكيميائية.

الأهداف الاستراتيجية لخطة العمل البيئي

انسجاماً مع «رؤية العراق 2030»؛ التي تتبنى شعار «إنسان مُمكَّن ينعم بالعدالة والحكم الرشيد في بلد آمن ومجتمع موحَّد واقتصاد متنوِّع وبيئة مستدامة»، استهدفت الاستراتيجية الوطنية العراقية، وخطة العمل للحدّ من التلوُّث البيئي حتى عام 2030، حماية وتحسين جودة الهواء والمياه والتربة، وتطوير وتحسين إدارة النفايات الصلبة، والحدّ من التلوُّث في قطاعي الصناعة والطاقة، وتعزيز الإطار المؤسساتي والقانوني.

موارد المياه المحدودة والجفاف من أبرز العوامل المهددة للأمن الغذائي (أ.ف.ب)

ويشمل برنامج مكافحة التلوُّث، مجموعة من الإجراءات والتدخلات الشاملة لتحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية، مع إسناد كل إجراء إلى السلطات المختصة وفق مؤشرات أداء رئيسية. وفي حين يوفّر «برنامج مكافحة التلوُّث» إجراءات واسعة النطاق للحّد من التلوُّث والسيطرة عليه، فإن تنفيذه يجب أن يعتمد أفضل التقنيات المتاحة التي لا تنطوي على تكاليف مفرطة.

ويتضمن الهدف الأول المتعلق بتحسين جودة الهواء، عدداً من الإجراءات؛ من بينها مراجعة وتحديث قوانين ومعايير جودة الهواء، والاستثمار في مراقبة تلوُّث الهواء من المصدر، وتعزيز النقل العام والطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة.

وفي الهدف الثاني الخاص بحماية وتحسين جودة المياه، تدعو خطة العمل إلى تنفيذ مخرجات استراتيجية الموارد المائية وإدارة الأراضي، وإجراء تقييم وطني للمياه الجوفية، من أجل الاستثمار المستدام، وتعزيز برنامج الرصد البيئي لجودة الموارد المائية، واستكمال ربط قنوات الصرف الصحي الفرعية بنظام الصرف الصحي الرئيسي.

ويلحظ الهدف الثالث، المخصص لحماية وتحسين جودة التربة، إنفاذ التشريعات والاتفاقيات الخاصة بالرقابة على استخدام المبيدات والنفايات الخطرة المرتبطة بها والتخلص منها، وإنشاء برنامج لمراقبة جودة التربة، وتنفيذ مشاريع تثبيت الكثبان الرملية، وتطهير المواقع الملوّثة بالذخائر العنقودية والألغام، وبناء قدرات اللجان الوطنية لإنفاذ السياسات والاتفاقيات الكيميائية.

البصرة تضم أهم حقول العراق النفطية (أ.ف.ب)

أما الهدف الثالث، المتعلق بتحسين إدارة النفايات الصلبة، فيتضمن مراجعة وتحديث قوانين ومعايير إدارة النفايات الصلبة، وتعزيز تغييرات سلوك إدارتها النفايات، والتحكم في الحرق العشوائي في الهواء الطلق، وإنشاء كيان تنظيمي مركزي لإدارتها بالتوازي مع بناء القدرات الفنية اللازمة.

ويدعو الهدف الخامس، المرتبط بمكافحة التلوُّث في قطاعي الصناعة والطاقة، إلى وضع إرشادات للأداء البيئي الصناعي، وإطلاق برامج لمكافحة التلوُّث في الصناعات الرئيسية من خلال تطبيق التقنيات المتقدمة، ودعم وتطوير إنشاء المدن الصناعية الحديثة في جميع المحافظات، والرصد البيئي لأنشطة تصنيع النفط والغاز، وتعزيز استخدام الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة استخدام الوقود بأنواعه وتبني التقنيات النظيفة.

ويقترح الهدف السادس الخاص بتعزيز الإطار المؤسساتي والقانوني، إعداد الاستراتيجية الوطنية للتوعية والمشاركة والتثقيف البيئي، وفرض ضرائب ورسوم بيئية، وبناء قدرات العاملين في مجال البيئة، وترخيص المشاريع بموجب دراسات تقييم للأثر البيئي.

أصبحت لدى العراق اليوم استراتيجية وطنية حديثة للبيئة وخطة عمل لتنفيذها. لكن تحقيق الأهداف المرجوُّة يستلزم سرعة العمل، والتعاون بين المؤسسات التشريعية والقطاعين العام والخاص.


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق يتّخذ مهرجان الباروك السينمائي الطبيعة حضناً والأفلام البيئية هويةً (الشرق الأوسط)

«مهرجان الباروك السينمائي»... الأفلام البيئية في الصدارة تظلِّلها أكبر غابة أَرز

انطلقت الدورة الأولى من «مهرجان الباروك السينمائي» بمبادرة شبابية، بهدف تشجيع صنّاع الأفلام على خوض السينما البيئية.

كريستين حبيب (بيروت)
أوروبا حرائق غابات (أرشيفية - أ.ف.ب)

حرائق الغابات تنتشر في دول أوروبا وكندا

أفادت السلطات المحلية بأن حريقاً اندلع في مقاطعة هويلفا بالأندلس، جنوب غربي إسبانيا، واصل انتشاره، السبت، بعدما طال نحو 4000 هكتار

«الشرق الأوسط» «الشرق الأوسط» (برشلونة)
بيئة مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

يعلم أي شخص حاول إبقاء سدادة من الفلين مغمورة تحت ‌الماء أن ذلك يتطلب جهداً، لكن حيتان العنبر تستطيع أن تظل تحت سطح المحيط على الرغم من امتلاكها رؤوساً ضخمة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا رجال الإطفاء في أثناء حرائق الغابات في منطقة جيروند جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)

حريق غابات في فرنسا يكشف عن العشرات من قذائف الحرب العالمية

اكتشف خبراء إزالة الذخائر الفرنسيون العشرات من قذائف الحرب العالمية الثانية في منطقة اجتاحها حريق غابات ضخم على الساحل الأطلسي للبلاد.

«الشرق الأوسط» (باريس )

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
TT

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)

يعلم أي شخص حاول إبقاء سدادة من الفلين مغمورة تحت الماء أن ذلك يتطلب جهداً، لكن حيتان العنبر تستطيع أن تظل تحت سطح المحيط على الرغم من امتلاكها رؤوساً ضخمة مملوءة بالزيت والشمع والهواء، مما يبدو أنها ستدفعها للطفو صعوداً، وهو إنجاز يعتقد العلماء الآن أنه أصبح ممكناً بفضل نفخ الفقاعات.

وحيتان العنبر هي الحيتان الوحيدة المعروفة التي تستريح في الوضع العمودي في الماء ورؤوسها متجهة نحو الأعلى. ويعتقد العلماء أن هذا الوضع يسهم في حمايتها من حركة الأمواج السطحية دون الحاجة إلى الطاقة اللازمة للغوص إلى أعماق أكبر، لكن الطريقة الدقيقة التي تبقى بها مغمورة ظلت غير واضحة. واكتشف الباحثون الآن أن الحيتان تطلق الفقاعات لتنظيم طفوها في أثناء استراحتها في وضع عمودي تحت سطح المحيط مباشرة.

وقال باتريك ميلر، الباحث في الثدييات البحرية بجامعة سانت آندروز في اسكوتلندا، إن الباحثين يشيرون إلى هذا السلوك بـ«الاسترخاء» بدلاً من «النوم»؛ لأن النوم يؤكد عادة بقياس نشاط الدماغ، وهو أمر لم يتسنَّ التحقق منه بعد في حالة حيتان العنبر. وميلر هو المعد الرئيسي للدراسة المنشورة في دورية (جورنال أوف إكسبيريمينتال بايولوجي) العلمية. ويعتقد العلماء أن هذه الحيوانات نائمة، لكنهم يفضلون استخدام المصطلح الأكثر حذراً لأن الأمر لم يثبت بنحوٍ قاطع.

ولتحري كيفية بقاء الحيتان مغمورة بالمياه في أثناء الاسترخاء، ثبّت الباحثون أجهزة تتبع صغيرة مزودة بكؤوس شفط على حيتان العنبر قبالة سواحل النرويج. وسجلت هذه الأجهزة بيانات الصوت والحركة ثلاثية الأبعاد، مما سمح للعلماء برصد انبعاث الفقاعات ومحاكاة تأثيراتها على وضع هذه الثدييات البحرية في الماء.

ووجد الباحثون أن الفقاعات تقلل من الطفو الإيجابي للحوت؛ أي ميله للاتجاه نحو الأعلى في الماء.

وتميل حيتان العنبر بطبيعتها إلى الطفو بسبب الكميات الكبيرة من زيت العنبر، وهو مادة شمعية موجودة في رؤوسها. ومع انجراف الحيتان ببطء إلى الأعلى في وضع الاسترخاء، تتوسع الغازات الموجودة في رئتيها بسبب انخفاض ضغط الماء قرب السطح. ويساعد إطلاق الفقاعات على مواجهة هذا التأثير، مما يسمح للحيتان بالبقاء شبه معدومة الوزن تحت سطح المياه.

وقال ميلر إن إطلاق الفقاعات يبدو متعمداً. وأضاف أن بعد أكثر من عقدين من تتبع حيتان العنبر باستخدام أجهزة تسجيل الصوت المثبتة عليها «لا نسمع إطلاق الفقاعات إلا في سياق سلوكي محدد للاسترخاء؛ لذا فإن الإطلاق العرضي للغازات هو أمر لا يبدو أن حيتان العنبر تفعله».

ويشتبه العلماء أيضاً في أن هذا السلوك قد يساعد الحيتان على نقل الغازات الزائدة مثل ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين من الأنسجة إلى الرئتين، مما قد يؤدي دوراً في تبادل الغازات في عملية الأيض.

وحيتان العنبر هي أكبر الحيتان ذات الأسنان في العالم ويمكنها الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائس مثل الحبار العملاق، وتعتمد في التنقل داخل المياه المعتمة على تقنية تحديد الموقع بالصدى؛ إذ تطلق أصوات نقر عالية ثم تستمع إلى الأصداء العائدة لرسم خريطة لمحيطها.

وقال ميلر: «تقضي حيتان العنبر نحو 80 في المائة من وقتها في الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائسها. وبسبب الضغط الشديد في أثناء تلك الغطسات، يميل جسمها إلى مراكمة غازات غير مرغوب فيها مثل النيتروجين وثاني أكسيد الكربون التي قد يستغرق انتقالها من الدم إلى الرئتين وقتاً طويلاً. ونظراً لأنها تستريح على مسافات ضحلة جداً، فإن هذه هي الظروف المثالية لتفريغ تلك الغازات غير المرغوب فيها الناتجة عن بحثها عن الطعام في الأعماق».

وأضاف ميلر أن هذه الفكرة يمكن اختبارها في أبحاث مستقبلية.

وتترك الدراسة الجديدة بعض الأسئلة دون إجابة. فعلى سبيل المثال، لا يزال يتعين إثبات ما إذا كانت الحيتان تطلق الفقاعات عمداً، وماهية الإشارات التي تنبهها إلى الحاجة إلى إجراء تعديل.

ويأمل الباحثون أيضاً في تحديد ما إذا كانت حيتان العنبر تنام بنصف دماغ واحد في كل مرة، كما تفعل الدلافين، أم أن نصفي الدماغ ينامان معاً. ويمكن للدراسات المستقبلية استخدام أجهزة استشعار موجات الدماغ أو مراقبة عيون الحيتان في أثناء الاسترخاء للمساعدة في الإجابة عن هذا السؤال.

وفي الوقت الحالي، تشير النتائج إلى أن حيتان العنبر، مثل البشر، قد تكون على استعداد لفعل أي شيء للحصول على قسطٍ جيد من الراحة.


انخفاض قياسي في معدل إزالة غابات الأمازون البرازيلية

عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)
عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)
TT

انخفاض قياسي في معدل إزالة غابات الأمازون البرازيلية

عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)
عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)

انخفض معدل إزالة الغابات في منطقة الأمازون البرازيلية العام الماضي، إلى أدنى مستوى له منذ عقد، وفقاً لبيانات رسمية صدرت الجمعة، وهو أحدث تراجع تشهده المنطقة في ظل حكم الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.

وسجل المعهد الوطني لأبحاث الفضاء إزالة 2874 كيلومتراً مربعاً من الغطاء النباتي لأكبر غابة استوائية في العالم في الفترة من أغسطس (آب) 2025 إلى يوليو (تموز) 2026، ما يمثل انخفاضاً بنسبة تقارب 37 في المائة مقارنة بالعام السابق.

وكان المعهد قد بدأ تتبع عمليات إزالة الغابات عبر الأقمار الاصطناعية منذ عام 2016.

وتعهد لولا الذي سيسعى لإعادة انتخابه في أكتوبر (تشرين الأول)، بإنهاء إزالة الغابات بطرق غير قانونية بحلول عام 2030.

وقال أثناء عرض البيانات الجديدة في ساو باولو: «تشير الأرقام إلى أننا إذا حافظنا على الوتيرة الحالية وبالجدية التي أظهرناها ومع توفير الموارد اللازمة، يمكننا تحقيق ذلك».

يُذكر أن معدلات إزالة الغابات في الأمازون ارتفعت بشدة في عهد سلفه اليميني جايير بولسونارو، ووصلت إلى ذروتها عام 2022 مع إزالة 12500 كيلومتر مربع.

وأضاف لولا الجمعة: «في هذا البلد، نحن نتعامل مع قضية المناخ بجدية بالغة، لأننا لا ننكر الحقائق. نحن نرى بأعيننا ما يحدث»، في إشارة إلى الظواهر المناخية المتطرفة.

وسيواجه لولا في الانتخابات الرئاسية المقبلة منافسه فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق، ويتقدم السياسي اليساري المخضرم بفارق طفيف في أحدث استطلاعات الرأي.

غير أن نشطاء في مجال البيئة يأخذون على لولا دعمه التنقيب عن النفط على نطاق واسع قبالة ساحل الأمازون، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»

علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»
TT

علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»

علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»

في عام 2020، ومباشرة بعد أن اشترى وينسلو ولورا روبنسون مزرعة في ولاية مين، فوجئا بمعلومة تفيد بأن مياه الصرف الصحي كانت تُستخدم سماداً في تلك الأرض قبل عقود، وأن هذه المياه خلّفت وراءها مواد كيميائية تُعرف بـ«المواد الكيميائية الأبدية» (forever chemicals) التي ظلت عالقة في التربة.

أراضٍ زراعية أميركية ملوثة كيميائياً

كان مزارعو ولاية مين في طليعة من كشفوا عن هذه المشكلة التي تعاني منها الأراضي الزراعية في جميع أنحاء البلاد؛ إذ استُخدمت مياه الصرف الصحي - الناتجة عن محطات معالجة المياه العادمة - على نطاق واسع في المزارع منذ سبعينيات القرن الماضي، وذلك بهدف تحويلها بعيداً عن مكبات النفايات وتوفير سماد رخيص للمزارعين.

وتُباع هذه المواد أيضاً - تحت اسم «المواد الصلبة الحيوية» أو «biosolids» - في بعض متاجر مستلزمات الحدائق كسماد منزلي، وربما تكون أنت نفسك تستخدمها في حديقة منزلك دون أن تدري. غير أن مياه المجاري هذه قد تحتوي على مستويات عالية من مركبات «بيرفلورو ألكيل» و«بولي فلورو ألكيل» (PFAS)، وهي المواد التي تُلقب بـ«الكيميائيات الأبدية» لأنها لا تتحلل كما تنتقل من التربة إلى الغذاء. ورغم أن الآثار المترتبة على وجود هذه المركبات في الغذاء لم تُفهم بالكامل بعد، فإنها ارتبطت بأمراض الكبد والسرطان وأمراض أخرى.

البحث عن طريقة أقل تكلفة

وفي سياق إزالة هذه المواد الضارة الأبدية، تقترح دراسة جديدة أجرتها جامعة ييل ونُشرت في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (PNAS) طريقة منخفضة التكلفة يمكن للمزارعين من خلالها معالجة هذه المشكلة والمساهمة في الوقت نفسه في مكافحة التغير المناخي.

وتُعد الطرق الحالية لمعالجة التربة الملوثة بمركبات PFAS باهظة التكلفة للغاية - إذ قد تصل أحياناً إلى مليون دولار للفدان الواحد - وعادة ما تُستخدم فقط في مواقع محددة مثل المطارات أو القواعد العسكرية، كما أنها تتطلب إزالة التربة ونقلها؛ ومن ثم، فإن تنظيف ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية الأميركية بهذه الطريقة ليس أمراً عملياً أو ممكناً.

قرر نوح بلانافسكي، أستاذ الكيمياء الجيولوجية في جامعة ييل والمتخصص في دراسة صحة التربة، العمل على هذه المشكلة بعد أن اطلع على تفاصيلها من المزارعين. ويقول بلانافسكي: «كان المزارعون يشعرون بقلق عميق إزاء هذا الأمر، وشعروا بأنهم لا يحصلون على معلومات دقيقة، وأنهم يواجهون مشكلة هائلة بينما يتم تجاهلهم أو التلاعب بعقولهم وتضليلهم».

زراعة محاصيل تمتص السموم

اختبرت الدراسة نهجاً بسيطاً لمعالجة التربة الملوثة، يتمثل في قيام المزارعين بزراعة محاصيل معروفة بقدرتها على امتصاص مركبات PFAS بسرعة، مثل القنب وعباد الشمس. ويضيف المزارعون أيضاً صخوراً قلوية مسحوقة إلى التربة لرفع مستوى الأس الهيدروجيني (pH)، ما يساعد النباتات على امتصاص كميات أكبر من المواد الكيميائية. وعند حصاد المحاصيل، فإنها تُعرَّض لدرجات حرارة عالية جداً في غياب الأكسجين، مما يؤدي إلى تفكيك مركبات «بيرفلورو ألكيل» PFAS.

يقول بلانافسكي: «على الرغم من أنها تُعرف بـ(المواد الكيميائية الأبدية) - نظراً لكونها مركبات شديدة الثبات والمتانة - فإنه يمكن تدميرها عند درجات حرارة مرتفعة، وهي حقيقة موثقة جيداً». وتنتج عن هذه العملية مادة «الفحم الحيوي» (biochar)، التي يمكن إعادتها إلى التربة للمساعدة في احتجاز المزيد من المركبات الأبدية.

خفض مستويات التلوث إلى الحدود الآمنة في غضون عقد من الزمن

ويُقدّر العلماء أن هذه الطريقة قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى خفض مستويات التلوث إلى الحدود الآمنة في غضون عقد من الزمن.

وثمة تحدٍ آخر يتمثل في أن مياه الصرف الصحي لا تزال تُستخدم في بعض المزارع في معظم الولايات. ولا عجب في شيوع استخدامها تاريخياً؛ إذ تقول لورا روبنسون، وهي مزارعة عضوية في ولاية مين شاركت في دراسة جامعة ييل: «بالكاد يغطي المزارعون نفقاتهم؛ فالزراعة لا تدر أرباحاً كبيرة. لذا، إذا عُرض عليك سماد مجاني لمساحات شاسعة من حقول القش، فمن الطبيعي أن تقبل به، خاصة وأن الجهات المعنية كانت تؤكد سلامته».

هل تكلفة عمليات المعالجة والتنقية معقولة؟

تتميز الطريقة التي يتبعها العلماء بأن تكلفتها أقل بكثير (بفارق هائل في التكلفة) مقارنة بالأساليب الأخرى المستخدمة لإزالة المواد الكيميائية الأبدية، كما أنها تنطوي على ميزة إضافية: إذ تساهم إضافة الصخور المسحوقة إلى التربة في احتجاز ثاني أكسيد الكربون.

وتجدر الإشارة إلى أن «بلانافسكي» يجري أبحاثاً أيضاً حول هذا النوع من إزالة الكربون - المعروف باسم «التجوية الصخرية المعززة» - كما شارك في تأسيس شركة ناشئة تدعى «ليثوس» Lithos تعمل بشكل منفصل على استخدام غبار الصخور في مزارع أخرى.

ومن الناحية النظرية، يمكن أن تساهم عائدات بيع أرصدة إزالة الكربون في تمويل عمليات معالجة التربة من المواد الأبدية. ويقول بلانافسكي: «نحن بحاجة إلى إزالة مليارات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون لتحقيق أهدافنا المناخية. وهناك أيضاً إجماع علمي على أن وجود مواد PFAS في المنظومة الغذائية يثير مخاوف صحية حقيقية على نطاق عام واسع... وأعتقد أن معظم الناس يتفقون على أن التمويل المخصص لهذين الأمرين غير كافٍ».

* مجلة «فاست كومباني».