بين الدفاع الاستراتيجي والهجوم التكتيكي... كيف يستعد العسكر لحروب الغد؟

تغيّر توازن القوى وتقدّم الذكاء الاصطناعي يضعان القادة أمام تحديات

جنود أوكرانيون يجهّزون مسيّرات بالقرب من خطوط الجبهة في شرق أوكرانيا يوم 30 أكتوبر (رويترز)
جنود أوكرانيون يجهّزون مسيّرات بالقرب من خطوط الجبهة في شرق أوكرانيا يوم 30 أكتوبر (رويترز)
TT

بين الدفاع الاستراتيجي والهجوم التكتيكي... كيف يستعد العسكر لحروب الغد؟

جنود أوكرانيون يجهّزون مسيّرات بالقرب من خطوط الجبهة في شرق أوكرانيا يوم 30 أكتوبر (رويترز)
جنود أوكرانيون يجهّزون مسيّرات بالقرب من خطوط الجبهة في شرق أوكرانيا يوم 30 أكتوبر (رويترز)

مهما تبدّلت خصائص الحرب، لا يهدأ بال العسكر. فهم عادة يُسارعون إلى أخذ الدروس والعبر من الحرب السابقة؛ تحليلها، وهضمها، وإدراجها في آليّة العمل الخاصة بهم، إن كان في مجال التدريب أو التصنيع. والعكس قد يعني أن الدروس والعبر ذهبت هباءً.

يُتّهم العسكر دائماً بأنهم يخوضون حرب المستقبل بعقليّة الحرب الماضية. فعندما قال الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول، بعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى، إن حرب المستقبل ستكون حرباً حركيّة ومناورة (Mobile & Maneuver)، بنى وزير الحربيّة الفرنسي أندريه ماجينو خطّه الدفاعي (خط ماجينو)، والذي سقط بسبب الحركيّة والمناورة للقوات الألمانيّة، وذلك من ضمن العقيدة القتاليّة «الحرب الخاطفة» (Blitzkrieg). سقط الخط بعد أربعة أيام من الحرب فقط، وهو الذي كلّف ما يُقارب 9 مليارات دولار أميركي بقيمة عملة اليوم.

جندي أوكراني يجهّز مسيّرات اعتراض من طراز «ستينغ» بالقرب من خطوط الجبهة في شرق أوكرانيا يوم 30 أكتوبر (رويترز)

في عصر الحرب الحديثة، يقلق العسكر من المهمة الموكلة إليهم من القادة السياسيّين، وخاصة أن السياسة تنظر إلى صورة الماكرو (Macro)، وهم؛ أي العسكر، مُلزمون بتحويلها إلى مسرح الحرب عبر آليّات تنفيذ معقّدة جدّاً، وصولاً إلى صورة الميكرو (Micro)، أو التكتيك. على عاتقهم تُلقى مسؤولية استمرار وديمومة، وهيمنة الإمبراطوريات القائمة من جهة. ومن جهة أخرى، تقع على عاتق منافسيهم من العسكر مهمّة تسهيل وتأمين صعود إمبراطوريتهم.

سقوط الإمبراطوريات

وفي حال الحرب بين القوّة الصاعدة والقوّة المهيمنة، يتبوّأ العسكر مركز الصدارة. حتى الآن، تقوم وتسقط الإمبراطوريات بالحرب. هذا في الظاهر. لكن حسب بعض المؤرّخين، هناك ما يُقارب 210 أسباب للسقوط، تبدأ من التعب، والامتداد الأقصى، وتراكم الديون، وصعود الآخرين، كما الوضع الأخلاقي في الداخل.

جنود أوكرانيون يتفقدون موقع هجوم روسي في دونيتسك يوم 1 نوفمبر (رويترز)

وبين مقولة الرئيس الصيني شي جينبينغ، من جهة، أن الغرب في أفول والشرق في صعود، ومقولة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول بقاء أميركا على قمّة الهرم العالمي، يحار العسكر كيف يُحضّرون أنفسهم لتنفيذ المهمات.

ويقول المفكّر الأميركي يوهان نوربيرغ، حسب ما كتب توسيديدس، مؤرّخ حرب البيليبونيز بين إسبرطة وأثينا، إن هناك عقليتين تحكمان القوى الكبرى. تقوم الأولى على الانفتاح على العالم والبحث عن الاختلاط والإتيان دائماً بالجديد والمُختلف - أثينا. أما العقلية الثانية، فهي تقوم على الانغلاق على الذات، وحماية ما تملك دون المخاطرة في الخارج - إسبرطة.

ويرتكز حالياً النموذج الصيني على مزيج من العقليّتين. أما أميركا، فهي قد بدأت تتحوّل من أثينا إلى إسبرطة. وبين الحركتين، تتكوّن ديناميكيّات جيوسياسيّة، تبدأ من المصدر؛ أي الصين وأميركا، لتمتدّ تموّجاتها (Ripples) إلى كل أرجاء العالم. وفي هذه الحالة، ما على الضعيف إلا أن يقوم بما يستطيع القيام به لحماية نفسه، وخاصة أن القوي يفعل ما يريد، عندما يشاء، وكيفما شاء - توسيديدس.

حيرة العسكر

ماذا يفعل القائد إذا حلّت المُسيّرة مكان الطوّافة في الحرب الأوكرانيّة، وخاصة أن الطوّافة مُكلفة، مزعجة بأصواتها، وكي تتدخّل لا بد من تحضير أرضيّة ساحة المعركة لها، خاصة تدمير الدفاعات الجويّة العسكريّة للعدو؟ هي تضرب خلفية العدو. كذلك تفعل المسيّرة. تزرع الطوّافة الألغام، كذلك المُسيّرة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، حسب بعض التقارير العسكريّة، لزرع بين 50 و100 لغم أرضيّ، يستلزم 10-15 مسيّرة ثقيلة، يُشغّلها نحو 25 جندياً مُتخصّصاً، مع تكلفة تقارب 1 إلى 1.5 مليون دولار أميركي. لكن لزرع نفس العدد من الألغام بواسطة الطوّافات، ستكون التكلفة أكبر بـ30 مرّة.

جندي أوكراني يستعرض مسيّرة اعتراض من طراز «ستينغ» بالقرب من خطوط الجبهة في شرق أوكرانيا يوم 30 أكتوبر (رويترز)

ماذا يفعل القائد العسكريّ إذا كان سلاح اليوم، إن كان في التخطيط أو الاختبار والتعديل، لم يعد حكراً على القطاع العام، لا بل أصبح في حضن القطاع الخاص بأغلبه؟ ماذا يفعل قائد اليوم، بعديد دُرّب على الحرب الماضية؟ وكيف يُحضّر مقاتل اليوم والغد؟ وكيف ستكون المرحلة الانتقاليّة؟ كيف يتعامل العسكر مع الذكاء الاصطناعي الذي حوّل الحرب إلى عمل ميكانيكي - آليّ؟ كيف يتحدّى العسكر قرار الذكاء الاصطناعي عند اقتراح الأهداف، وهو؛ أي الذكاء الاصطناعي، يملك بيانات وداتا، أكبر بكثير مما يملكه القائد؟ ألا يُقال إننا نحكم على الأشياء بمقدار ما نعرف عنها؟ وهل عدم رؤية دم العدو عن قرب ومن «المسافة صفر»، يعني أن أخلاقيّات الحرب سوف تتغيّر (dehumanization of war)؟

ماذا يفعل الجندي المُدرّب على القتال التقليديّ في حرب تدور في المدن، أو الأنفاق تحت الأرض؟ ماذا يفعل العسكر عندما تُقرّر السياسة في «الناتو» بناء جدار مُضاد للمسيّرات (Drone Wall)، وخاصة أن هذا المشروع، كي ينجح، يجب أن يكون مركزيّ القيادة، ومترابطاً من ضمن شبكة واحدة؟ وإذا سلّمنا جدلاً أن هذه الشروط تحقّقت، فما هي وسائل بناء الجدار، من مسيّرات مُضادة للمسيّرات، وأخرى للتشويش، ورادارات، ودفاعات جويّة، مترابطة، ومُتكاملة مع بعضها كمنظومة واحدة؟ وهل يؤمّن هذا المشروع أمن دول شرق «الناتو» 100 في المائة؟

كيف تستعد الدول الواقعة على حدود القوى العظمى، عندما يهدف الأقوى إلى الضمّ أو الإخضاع؟ خير مثال على ذلك هو التجربة الفنلنديّة مع الاتحاد السوفياتي - روسيا. فماذا عن هذه التجربة؟ وكيف يمكن للضعيف الاستفادة منها؟

التجربة الفنلندية

ترتكز روح التجربة الفنلنديّة على اعتماد الدفاع الاستراتيجي والهجوم التكتيكي، كما على الدفاع الشامل والكامل. بكلام آخر، تُسخّر فنلندا كل عناصر القوّة التي تملكها، وفي كل الأبعاد، للدفاع عن أمنها القومي. وإذا كان الدفاع الاستراتيجي هو الخيار الأهم، وذلك إلى جانب الهجوم التكتيكي، فهذا يعني أن فنلندا تُخطّط لحرب مستقبليّة ستدور حكماً على أرضها.

قوات فنلندية وسويدية تشارك في مناورات لحلف «الناتو» قرب هيتا بفنلندا في 5 مارس 2024 (رويترز)

يأخذنا هذا الخيار إلى استراتيجيّة أخرى تعتمدها فنلندا ترتكز على الردع عبر المنع؛ أي منع العدو من تحقيق أهدافه عبر رفع التكلفة عليه إلى الحد الأقصى. وبذلك، تسعى فنلندا إلى كسب الوقت عبر التخلّي عن المساحة مُرغمة بهدف الاقتصاد بالقوى، لكن مع استنزاف قوى العدو المُهاجم إلى الحدّ الأقصى.

تستلزم هذه المقاربة العملانيّة تنظيم الدفاع بالعمق. في هكذا نوع من القتال، تكون القيادة والسيطرة لا مركزيّة وبامتياز. تنتشر القوى على المساحة دون الحشد في مكان واحد، بهدف تجنّب المعركة الحاسمة التي يسعى إليها العدو. تُجهّز القوى كي تتلاءم مع طبيعة الأرض (التمويه)، ونوعيّة الطقس والمناخ، كما التزوّد بالأسلحة المناسبة التي تتلاءم مع نوعيّة تجهيزات القوى المُهاجمة. يُطلق على هكذا نوع من القتال «حرب العصابات»، (Guerilla Warfare). وكي تُخدم هذه الاستراتيجيّة بشكل صحيح، وجب تأمين العمق اللوجستي بكلّ الأبعاد. فماذا عن بعضها:

تُخزّن فنلندا احتياطاً مُهمّاً من النفط والحبوب يكفي لفترة ستة أشهر، وفي أمكنة آمنة.

تُلزم فنلندا شركات الأدوية المحليّة بأن يتوفّر لديها احتياط من الأدوية المستوردة، يكفي لفترة تتراوح بين 3 و10 أشهر. كما يجب توفّر الملاجئ في الأبنية لحماية المدنيّين، ويمكن استعمال مواقف السيارات عند الحاجة وغيرها من المنشآت.

إلى جانب الجيش في الخدمة الفعلية، يُمكن استدعاء الاحتياط المُدرّب لهكذا نوع من الحروب. وفي حال سيناريو الحرب، تستطيع فنلندا حشد نحو 280 ألف جندي، عبر استدعاء الاحتياط المُدرّب تدريباً عالياً. هذا بالإضافة إلى وجود نحو 900 ألف من الاحتياط يمكن استدعاؤهم في الحالات القصوى.

ابتكار الاستراتيجيّات

أخذت فنلندا الدروس المُستقاة من التهديد الروسي المُستدام على أمنها، خاصّة من حرب الشتاء عام 1939، أيام الزعيم السوفياتي جوزف ستالين. في هذه الحرب خسر الاتحاد السوفياتي ما يُقارب 391 ألف جندي مقابل 65 ألف جندي فنلندي. وبعد 16 أسبوعاً من المعارك الدامية بقيادة القائد الفنلندي كارل غوستاف مانهايم، والذي كان حازماً في خوض الحرب، كما كان حازماً في قبول السلام المرير، قبل بالتخلّي عن جزء من الأرض الفنلنديّة لصالح السوفيات، يقدّر بـ11 في المائة من مساحة فنلندا. وجاء هذا التنازل مع الالتزام بعدم الانضمام إلى أي حلف عسكريّ يعادي الاتحاد السوفياتي.

القاذفة الشبح «بي 2 سبيريت» التابعة لسلاح الجو الأميركي بعد عودتها من الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية (رويترز)

وفي أوكرانيا اليوم، تحتل روسيا ما يُقارب 20 في المائة من مساحة هذه البلاد، مع أن مساحة أوكرانيا تساوي 1.78 مرّة مساحة فنلندا. يحاول بعض الخبراء اليوم، الاستفادة من هذه التجربة لتطبيقها على حالة أوكرانيا.

في الختام، وفي عصر حيرة العسكر في كيفيّة الاستعداد للحرب المقبلة، يقول المنطق دائماً، وفي حالة الارتباك، أن يعود القائد إلى الأساسيّات والاستعداد للحرب بما يملك، مع محاولة ابتكار استراتيجيّات وتكتيكات، تُعوّض النقص الماديّ بالوسائل، كما فعلت فنلندا. فكيف ستكون صورة الحروب المستقبليّة؟


مقالات ذات صلة

ماكرون وكالاس ينددان باستخدام روسيا صاروخ «أوريشنيك» في أوكرانيا

أوروبا الهجوم الروسي الذي استهدف كييف بصواريخ من طراز «أوريشنيك» الباليستي الفرط صوتي (رويترز)

ماكرون وكالاس ينددان باستخدام روسيا صاروخ «أوريشنيك» في أوكرانيا

ندد الرئيس الفرنسي ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس بالهجوم الروسي الذي استهدف العاصمة ‌الأوكرانية كييف ‌خلال الليل.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا امرأة تسير في شارع مُغطى بالحطام عقب غارة صاروخية وطائرة مسيرة روسية شُنّت ليلاً وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز)

روسيا تهاجم أوكرانيا بـ600 مسيّرة وصواريخ فرط صوتية وباليستية

قال ​مسؤولان محليان في أوكرانيا إنَّ هجوماً روسياً، وقع ‌خلال ‌الليل، ​أسفر ‌عن ⁠مقتل ​4 أشخاص في ⁠العاصمة الأوكرانية كييف والمناطق المحيطة ⁠بها.

«الشرق الأوسط» (كييف)
مبنى يشتعل بعد هجوم روسي على كييف اليوم الأحد (ا.ب)

أوكرانيا تتعرض لهجوم روسي ضخم

تتعرض كييف لقصف كثيف، الأحد، بعد أيام قليلة من هجوم أوكراني دامٍ على كلّية في منطقة تحتلها روسيا توعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برد عسكري عليه.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أندري يرماك يسير خلف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أرشيفية - رويترز)

كييف والسفارة الأميركية تحذّران من احتمال شن روسيا ضربة ضخمة وشيكة

حذَّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، السبت، من احتمال أن تشنَّ روسيا ضربةً ضخمةً وشيكةً قد تستخدم فيها صاروخها من طراز «أوريشنيك».

«الشرق الأوسط» (كييف)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا من عبءٍ على الغرب، إلى مختبرٍ لحروب المستقبل.

إيلي يوسف (واشنطن)

باكستان: «تقدم كبير» في المفاوضات الأميركية - الإيرانية

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (د.ب.أ)
TT

باكستان: «تقدم كبير» في المفاوضات الأميركية - الإيرانية

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الباكستاني إسحق دار، اليوم (الأحد)، إن «تقدماً كبيراً» أُحرز في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مما يبعث على التفاؤل بإمكانية التوصُّل إلى نتيجة إيجابية ودائمة.

وفي وقت سابق من اليوم نفسه، هنأ رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الرئيس الأميركي دونالد ترمب على ما وصفها بأنها «جهود استثنائية» لتحقيق السلام، مؤكداً التزام باكستان بمواصلة المحادثات، وأملها في استضافة الجولة المقبلة قريباً.

ونشر شريف الذي تؤدي بلاده دوراً رئيسياً في الوساطة بين واشنطن وطهران، تدوينة على «إكس» جاء فيها: «ستواصل باكستان جهودها لتحقيق السلام بكل صدق، ونأمل بأن نستضيف الجولة المقبلة من المحادثات قريباً جداً».

وتهدف مساعي الوساطة الباكستانية إلى تضييق ⁠الخلافات بين إيران والولايات المتحدة بعد أسابيع من الحرب التي أدت إلى إغلاق مضيق «هرمز» ‌الحيوي أمام معظم الملاحة البحرية، وهو ما تسبَّب في اضطراب أسواق ‌الطاقة العالمية، رغم اتفاق الطرفين لاحقاً على وقف لإطلاق النار.


روبيو: لن نسمح لإيران بالسيطرة على سوق الطاقة العالمية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
TT

روبيو: لن نسمح لإيران بالسيطرة على سوق الطاقة العالمية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)

دعا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، اليوم (السبت)، رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، لزيارة البيت الأبيض «في المستقبل القريب»، وفق ما أعلن سفير الولايات المتحدة في نيودلهي سيرجيو غور، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

وقال غور في منشور على منصة «إكس» بعدما التقى روبيو مع مودي في نيودلهي خلال زيارته الأولى للهند: «وجّه وزير الخارجية ماركو روبيو دعوة نيابةً عن الرئيس دونالد ترمب لرئيس الوزراء مودي لزيارة البيت الأبيض في المستقبل القريب!».

وفيما يتعلق بإيران، قال روبيو لرئيس الوزراء الهندي: «أميركا لن تسمح لإيران بالسيطرة على سوق الطاقة العالمية».

ووصل وزير الخارجية الأميركي إلى الهند، حيث سيسعى إلى تعزيز العلاقات مع هذا الشريك القديم للولايات المتحدة بعد أسبوع من زيارة الرئيس دونالد ترمب إلى الصين.

وبدأ روبيو، وهو كاثوليكي متدين، زيارته الأولى للهند التي تمتد أربعة أيام، في مدينة كلكتا (شرق)، حيث وضع إكليلاً من الزهور حول عنقه، إلى مقر جمعية «مرسلات المحبة» التابعة للأم تيريزا، وصلى عند قبر الراهبة.

وقبل مغادرته، الثلاثاء، سيشارك الوزير الأميركي في اجتماع لوزراء خارجية تحالف «كواد» الأمني الرباعي الذي يضم إلى الولايات المتحدة كلاً من الهند وأستراليا واليابان ويهدف من بين أمور أخرى إلى مواجهة النفوذ الصيني في المحيط الهندي.

وترى بكين أن هذه المجموعة تحاول تطويقها، وانتقدت في الماضي مشاركة الهند فيها.

لكنَّ ترمب غيّر النهج القائم، بعدما أشاد أخيراً بالحفاوة التي حظي بها خلال زيارته الرسمية للصين الأسبوع الماضي، فيما سبق أن فرض رسوماً جمركية عقابية على الهند.

ووصف روبيو الهند في بداية جولته التي شملت السويد حيث التقى نظراءه في حلف شمال الأطلسي، بأنها «حليف عظيم وشريك عظيم»، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ستسعى إلى إيجاد سبل لزيادة صادراتها النفطية إليها.

ويعتمد الاقتصاد الهندي على واردات الطاقة، وتأثر منذ أواخر فبراير (شباط) على غرار دول عديدة بالهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران التي ردّت بإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي عملياً، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط.

وتربط الهند علاقات تاريخية بإيران، لكنها تعمل أيضاً على تطوير علاقاتها مع إسرائيل التي زارها مودي قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب.


روبيو يحذر من أن أميركا ستواصل تقليص انتشارها في أوروبا

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين خلال مشاركته في اجتماع وزراء خارجية حلف «الناتو» (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين خلال مشاركته في اجتماع وزراء خارجية حلف «الناتو» (أ.ب)
TT

روبيو يحذر من أن أميركا ستواصل تقليص انتشارها في أوروبا

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين خلال مشاركته في اجتماع وزراء خارجية حلف «الناتو» (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين خلال مشاركته في اجتماع وزراء خارجية حلف «الناتو» (أ.ب)

دعا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الجمعة، حلفاء بلاده الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (ناتو) إلى التعامل مع خفض عديد القوات الأميركية في قارتهم، في حين يستعد الحلف لعقد قمة في أنقرة في يوليو (تموز) المقبل، بحضور الرئيس دونالد ترمب.

وقال روبيو للصحافيين، عقب اجتماع لوزراء خارجية دول حلف شمال الأطلسي في هلسينغبورغ، جنوب السويد، إنه سيكون هناك بالفعل «عدد أقل من القوات الأميركية في نهاية المطاف». وأضاف: «الأمر ليس مفاجئاً مع أنني أتفهم تماماً أنه قد يثير بعض القلق» لدى الحلفاء الأوروبيين.

كما أفاد أنه سيتم الإعلان «اليوم أو في الأيام المقبلة» عن تعديل يتعلق بما يسميه البعض في الحلف «قوات الاحتياط»، وهي مجموعة يمكن حشدها في غضون 180 يوماً عند الضرورة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفاجأ ترمب مرّة جديدة حلفاءه الأوروبيين بإعلانه، الخميس، أنه سيرسل 5000 جندي إضافي إلى بولندا، في تراجع واضح عن قرار واشنطن السابق بإلغاء عملية الانتشار المخطط لها.

وجاء تراجع ترمب بعدما أعلنت واشنطن في وقت سابق من هذا الشهر بشكل مفاجئ أنها ستسحب 5000 جندي من ألمانيا في خضم خلاف بين الرئيس الأميركي والمستشار فريدريش ميرتس.

وأكد روبيو أن قرارات بلاده بشأن انتشار قواتها «ليست عقابية»، بل تعود إلى حاجة واشنطن المستمرة إلى «إعادة النظر» في عمليات الانتشار لتلبية احتياجاتها العالمية.

وقال وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كان ماركو روبيو ودوداً وهادئاً جداً. أعتقد أن بعض الرسائل التي ينقلها تصدم الحلفاء الأوروبيين أحياناً، لكنّها موجّهة بالأحرى إلى سياسته الداخلية».

وضع «مُربك»

واعتبرت وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمر ستينرغارد التي استضافت بلادها الاجتماع الأول لـ«الناتو» منذ انضمامها إلى الحلف في عام 2024، أن الوضع الحالي «مربِك». وأضافت: «ليس من السهل دائماً التعامل معه».

وتدرك دول «الناتو» الأوروبية أن انسحاب الولايات المتحدة من أوروبا حتمي، إلا أنها تأمل أن يحدث من دون مفاجآت.

وكان ترمب هاجم أوروبا بسبب موقف دولها من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، لافتاً إلى أنه قد يفكر في الانسحاب من «الناتو».

وأعرب روبيو مجدداً عن «خيبة أمل» ترمب حيال حلفائه نتيجة موقفهم من الحرب الإيرانية، داعياً إلى «معالجة» هذا الأمر. وقال إن هذا الوضع «لن يُحلّ أو يُعالج اليوم».

«خطة بديلة»

وأشار روبيو إلى ضرورة وجود «خطة بديلة» في حال أصرّت إيران على رفضها فتح مضيق هرمز أو على فرض رسوم عبور على السفن.

وقال: «لا أعلم إن كانت ستكون بالضرورة مهمة يتولاها حلف الناتو، لكن يجب أن تساهم فيها دول من الحلف بالتأكيد».

وفي محاولة لتهدئة انتقادات ترمب، أرسل بعض الحلفاء الأوروبيين سفناً إلى المنطقة بهدف معلن، هو المساعدة في تأمين مضيق هرمز عند انتهاء الحرب.

وقال الأمين العام للحلف مارك روته: «سمع الأوروبيون الرسالة»، لكن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول قال إنه لا يتوقع أن يرسل «الناتو» مهمة خاصة إلى المنطقة.

ويريد ترمب أن يتحمّل الأوروبيون مسؤولية أمنهم بشكل متزايد.

وسعياً لطمأنة البيت الأبيض بشأن التزامها بتعزيز دفاعهم عن القارة، يستعد الأوروبيون للإعلان عن إبرام سلسلة عقود بهدف التسلح، عدد منها مع الولايات المتحدة، بحسب ما أفاد دبلوماسيون في بروكسل.

لكن لن يُكشف عن أي من هذه العقود قبل قمة «الناتو» التي ستعقد في أنقرة في يوليو (تموز). ويأمل الأوروبيون أن تُرضي هذه العقود ترمب.