البابا فرنسيس... قبَّل أقدام أمراء الحرب واحتضن الرجل المشوَّه

أقواله وأفعاله جعلت منه شخصية روحية محبوبة وخارجة عن المألوف

البابا فرنسيس... قبَّل أقدام أمراء الحرب واحتضن الرجل المشوَّه
TT

البابا فرنسيس... قبَّل أقدام أمراء الحرب واحتضن الرجل المشوَّه

البابا فرنسيس... قبَّل أقدام أمراء الحرب واحتضن الرجل المشوَّه

يوم دخل البابا فرنسيس عالم «إنستغرام» سنة 2016، جمعَ مليون متابع في أقلّ من 12 ساعة، محطّماً بذلك أرقاماً قياسية سجّلها فنانون ومشاهير على صفحات التواصل الاجتماعي.

هو بابا الفاتيكان الأوّل الذي تصدّر غلاف مجلة «رولينغ ستون»، ورُسم على هيئة شخصية كرتونيّة في مجموعة من القصص المصوّرة، كما تحوّل إلى «سوبرمان» أو «سوبربابا» على أحد جدران مدينة روما.

جداريَّة في روما تصوِّر البابا فرنسيس كـ«سوبرمان» (أ.ف.ب)

لم يحصل ذلك لمجرّد أنه رأس الكنيسة الكاثوليكية؛ بل لأنّه -فور حصوله على هذا اللقب- دخل القلوب من دون استئذان. أما مفتاحُه إلى تلك القلوب فكان الكثير من البساطة والتواضع، إلى جانب أقوالٍ وأفعالٍ متقدّمة في الإنسانية، ليستحقّ لقب «شخصية العام» من مجلّة «تايم» التي سمّته «بابا الناس» في 2013.

البابا فرنسيس على غلاف مجلة «تايم» وبطلاً لقصصٍ مصوَّرة

على امتداد 12 سنة من ولايته البابويّة، تعدّدت القرارات والمواقف التي جعلت من فرنسيس شخصية روحيّة خارجة عن المألوف. من محاربة الفساد داخل مؤسسات الفاتيكان، مروراً بتبنّيه قضية اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين، وليس انتهاءً بترحاله الذي شمل 66 بلداً وقرّبه أكثر من الناس.

البابا الكيميائيّ

الكيمياء التي تَخصص فيها طالباً، نقلها خورخي ماريو بيرغوليو معه إلى الكنيسة، بعد انخراطه في الحياة الكهنوتيّة. فقد وضع البشر في طليعة اهتماماته، اقترب منهم وأصغى إليهم، وهُم بادلوه تلك المحبة.

البابا فرنسيس خلال سنواته الكهنوتيّة الأولى في الأرجنتين (موقع أخبار الفاتيكان)

عرف الفقر، فبدأ مسيرته عامل تنظيف وحارساً ليلياً، قبل أن ينتقل للعمل في أحد مختبرات العاصمة الأرجنتينية؛ حيث ولد في 17 ديسمبر (كانون الأول) 1936. أما الدعوة الدينية التي أتت في مطلع عشريناته، فأوحت له بها جلسة اعترافٍ مع أحد الكهنة عام 1955.

لاحقاً، وعندما ترقّى لمنصب رئيس أساقفة بوينس آيرس عام 1998، لم يتبدّل الكثير في أسلوب عيش بيرغوليو. ظلّ يطهو طعامه بنفسه، ويستخدم الحافلة في تنقّلاته اليوميّة، ويخصص وقتاً للعب كرة القدم مع أطفال الأحياء المحرومة.

يقول البابا فرنسيس إنه تعلَّم التواضع وهو يلعب كرة القدم في شوارع الأرجنتين (أ.ب)

الإقامة في غرفة فندق

وكأنه تقليدٌ يعكس إصراره على العيش ببساطة، رفض البابا فرنسيس أن يستقلّ السيارة البابويّة يوم انتخابه في 13 مارس (آذار) 2013. انتقل إلى الفندق مع زملائه الكرادلة داخل الحافلة المخصصة لهم، بعد أن تلقّى التهاني منهم وقوفاً وليس جالساً على العرش البابويّ. بخطواته اللافتة تلك، أوحى بأنه آتٍ لإرساء منهجٍ سلوكي جديد في الفاتيكان، قائمٍ على استئصال مظاهر البذخ والرفاهية، واستبدال الزهد بها، والاقتراب من البشر والإصغاء إليهم وخدمتهم.

البابا فرنسيس مستقلاً الحافلة إلى جانب زملائه الكرادلة (رويترز)

هو الذي تعمّد اختيار اسم قدّيس الفقراء فرنسيس الأسيزي، ليرافقه في بابويّته، وباشر فوراً في استلهام أفعاله. في اليوم الذي تلا تسلّمه منصبه، زار البابا كردينالاً مريضاً في المستشفى؛ حيث تبادلَ الحديث مع الموظفين والمرضى. وفور عودته من تلك الزيارة، أبلغ الدوائر المختصة بأنه لن يقيم في القصر البابوي كما أسلافه؛ بل سيمكث في أحد أجنحة الفندق التابع للفاتيكان.

تطهير «بنك الفاتيكان»

من بين القرارات الأولى التي اتّخذها البابا فرنسيس عقب تسلّمه منصبه: إلغاء المكافآت المالية التي كانت تُقدّم لموظّفي الفاتيكان كلّما انتُخب بابا جديد، والتي تقدَّر بملايين اليوروات. حوّل ذلك المبلغ للأعمال الخيريّة، كما أوقف المكافآت السنوية الخاصة بالكرادلة المشرفين على «مصرف الفاتيكان».

خلال سنته الحَبريّة الأولى، قاد البابا فرنسيس حملة تطهيرٍ داخل المؤسسة الماليّة الفاتيكانيّة، والتي كانت تدور حولها شبهات فساد وتبييض أموال.

حوَّل البابا فرنسيس المكافآت المالية الممنوحة لموظَّفي الفاتيكان إلى الأعمال الخيرية (موقع أخبار الفاتيكان)

بابا التواضع

تسلّمَ فرنسيس كنيسة مثقلة بقضايا مالية وأخلاقية، تسببت في شرخٍ بين المؤمنين المسيحيين وكنيستهم. ولكن البابا، وبسلوكه المنفتح على الناس وبقربِه منهم، أعاد الملايين إلى ساحة القدّيس بطرس بعد سنواتٍ من الجفاء. ووفق أرقام الفاتيكان، فإنّ سنته الأولى شهدت مشاركة 6 ملايين شخص في الاحتفالات الدينية التي ترأسَها. بينما كان قد اقتصر الحضور خلال السنة التي سبقتها على مليوني شخص.

هدم البابا فرنسيس الجدران ولم يرتدِ قفّازات. برع في ترميم صورة كنيسة متواضعة تحتضن أبناءها، ولا سيما الأكثر بؤساً. أثمر ذلك شعبية كبيرة تجاه رجل لا يوفّر فرصة لاحتضان طفلٍ، أو مريض، أو حتى شخصٍ مصاب بتشوّهاتٍ وتقرّحاتٍ من شبه المستحيل أن يلمسها أحد.

البابا فرنسيس يقبِّل رجلاً مصاباً بمرض جلدي نادر خلال لقائه المؤمنين في ساحة القديس بطرس (موقع أخبار الفاتيكان)

في تقليدٍ خاص بعيد القيامة لدى المسيحيين، غسل البابا فرنسيس عام 2013 أقدامَ 12 سجيناً وقبّلها. أما المفارقة في تصرّفه ذاك، فكانت أنّ جزءاً من هؤلاء السجناء الأحداث كانوا من المسلمين، ولم تقتصر الرتبة الكنَسيّة على أبناء الطائفة المسيحية.

البابا فرنسيس غاسلاً أقدام المساجين في «رتبة خميس الأسرار» عام 2013 (موقع أخبار الفاتيكان)

وفي مشهدٍ أثار صدمة كبيرة حول العالم سنة 2019، ركع فرنسيس وقبّل أقدام قادة جنوب السودان المتناحرين، في حركة عبّرت عن توسّله لهم كي لا يعودوا إلى الحرب الأهليّة. وسط ذهول رئيس جنوب السودان سلفا كير وأمراء حربٍ آخرين، جثا البابا بصعوبة، وكان حينها في الـ82 من عمره، ولثم أحذيتهم.

قضايا البابا فرنسيس

مقابل عدم إنجاز الكثير في ملفّ تورّط عدد من الكهنة في قضايا تحرّش واستغلال جنسي للقاصرين، وعدم الإيفاء بالوعود التي أطلقت حول تطوير دور المرأة ومراتبها داخل الكنيسة، حقق البابا فرنسيس إنجازاتٍ في مجالاتٍ أخرى.

- المهاجرون غير الشرعيين

في طليعة القضايا التي تبنّاها البابا فرنسيس، معاناة المهاجرين واللاجئين غير الشرعيين. تزامنَت ولايته البابويّة مع تفاقم تلك المشكلة، فوضع نُصب عينَيه الإضاءة عليها والمساعدة قدر المستطاع في التخفيف من وطأتها.

حثّ العالم على التعامل مع اللاجئين والمهاجرين بصفتِهم بشراً لديهم حقوق، وللغاية هذه زار بابا الفاتيكان عدداً من مراكز اللجوء حول العالم. وفي عام 2016 حلّ ضيفاً استثنائياً على جزيرة لسبوس اليونانيّة؛ حيث قصد مخيّم موريا الذي يضمّ آلاف المهاجرين.

لقاء البابا فرنسيس مع المهاجرين غير الشرعيين في جزيرة لسبوس عام 2016 (أ.ف.ب)

وفي 2019، أعلن الفاتيكان أن البابا تبرّع بمبلغ 500 ألف دولار مخصصٍ لتأمين السكن والطعام للمهاجرين غير الشرعيين من المكسيك إلى الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، وجّه رأس الكنيسة الكاثوليكية انتقاداتٍ إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قائلاً إنه «شخص يفكّر حصراً ببناء الجدران بدل الجسور».

- البابا الرحّالة

في عهد البابا فرنسيس، ما عادت أوروبا مركز الكاثوليكية. فمن خلال رحلاته الرعويّة التي امتدّت شرقاً وغرباً وشملت القارات كافة، كان الحَبر الأعظم يؤكّد أن المسيحيّة ليست طائفة غربيّة حصراً. حطّ في دولٍ مثل: اليابان، وكازاخستان، وبنغلاديش، ومصر، والعراق؛ حيث يمثل المسيحيّون فيها أقلية. كما عيّن كرادلة من بلادٍ لم تكن ممثّلة عادة في الفاتيكان، مضاعفاً بذلك حظوظ غير الأوروبيين بأن يخلفوه إلى البابويّة، هو الأرجنتيني الجنسية، وأول بابا من أميركا اللاتينية منذ أكثر من ألف عام.

البابا فرنسيس معتمراً القبَّعة المكسيكية التقليدية أو «السومبريرو» خلال توجُّهه إلى مكسيكو عام 2016 (أ.ب)

- المثليّة والمناخ والحروب

اتّخذ البابا فرنسيس مواقف متقدّمة في موضوع المثليّة الجنسية، فبدا أكثر تسامحاً وتعاطفاً من أسلافه مع هذه الفئة المجتمعية. وإذ حثّ الكهنة حول العالم على تقبّل المثليين، قال: «من أنا حتى أطلق الأحكام عليهم؟».

أما في شأن المناخ، فقد خصص البابا فرنسيس عام 2015 وثيقة بابويّة للبيئة، محذّراً من أخطار استغلال الطبيعة والتغيّر المناخي. وبذلك، يعدُّ البابا الأول الذي أولى الموضوع البيئي اهتمامه.

أَولى البابا فرنسيس اهتماماً كبيراً بالشأن البيئي (أ.ف.ب)

سياسياً، لعب البابا فرنسيس دوراً محورياً في ترميم العلاقات الدبلوماسية بين كوبا والولايات المتحدة الأميركية. أما مع الصين، فقد عمل على تقريب وجهات النظر، بعد سنواتٍ من التباعد بين بكين والفاتيكان.

وإذا كان قد انتُقد على موقفه الفاتر من الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وتردّده في انتقاد الغزو وفلاديمير بوتين، فقد بدا أكثر تشدّداً في الحرب الإسرائيلية على غزة. وصف البابا فرنسيس الضربات الإسرائيلية الجويّة على القطاع الفلسطيني بالوحشيّة، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 حثّ المجتمع الدولي على التحقيق فيما إذا كان ما يحصل في غزة هو إبادة للفلسطينيين.

البابا فرنسيس قُرب مجسَّم الطفل يسوع ملفوفاً بالكوفيَّة الفلسطينية في الفاتيكان (رويترز)

«بابا الناس» في الحياة والممات

كان خورخي بيرغوليو في الـ21 من عمره عندما أصيب بالتهابٍ رئوي حادّ هدّد حياته، ما اضطرّ الأطباء آنذاك إلى استئصال جزءٍ من رئته. ولكن الصدر بقي نقطة ضعفه طيلة حياته، وقد شكّل السبب المباشر لوفاته.

تحضّر البابا فرنسيس لرحيله، ففي نوفمبر 2024 أمر بتعديل طقوس الجنازة البابويّة حتى تصبح جنازته أشبه بتلك التي تقام لأُسقف، وليس لحَبرٍ أعظم. كما أوصى بأن يُستبدَل تابوت خشبي اعتياديّ بالنعوش الثلاثة التي يُدفن فيها الباباوات عادة، والمصنوع كلٌّ منها من الرصاص وخشب السرو والسنديان.

الإطلالة الأخيرة للبابا فرنسيس في قدَّاس الفصح قبل ساعات من وفاته (رويترز)

هو البابا الأول منذ عام 1903 الذي أوصى بأن يُدفن خارج الحرم الفاتيكاني. ارتأى أن يكون مثواه الأخير في كاتدرائية سانتا ماريا ماجيوري في روما. لعلّه أراد أن يستريح في مكانٍ قريب من زحمة البشر ودفئهم، محتفظاً بلقبه «بابا الناس».


مقالات ذات صلة

البابا ليو الرابع عشر يحتفل بالعام الأول لرئاسته الكنيسة بزيارة لجنوب إيطاليا

أوروبا البابا ليو الرابع عشر يحيي المشاركين في احتفال بمرور عام على تولّيه رئاسة الكنيسة الكاثوليكية في نابولي (رويترز)

البابا ليو الرابع عشر يحتفل بالعام الأول لرئاسته الكنيسة بزيارة لجنوب إيطاليا

قال البابا ليو الرابع عشر إنه يشعر بأنه «أول المبارَكين» لدى احتفاله، بمرور عام على تولّيه رئاسة الكنيسة الكاثوليكية، وذلك خلال زيارة لجنوب إيطاليا.

«الشرق الأوسط» (بومبيي)
العالم العربي احتفالات عيد الميلاد في بيت لحم بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

احتفالات عيد الميلاد تعود إلى بيت لحم بعد عامين من الحرب على غزة

تجوب فرق الكشافة شوارع بيت لحم الأربعاء، مع بدء الاحتفالات بعيد الميلاد في المدينة الواقعة في الضفة الغربية المحتلّة بعد عامين خيّمت عليهما حرب غزة.

«الشرق الأوسط» (بيت لحم)
شؤون إقليمية البابا ليو يتفقد الطراز المعماري لجامع السلطان أحمد في إسطنبول خلال زيارته له يوم 29 نوفمبر (أ.ب)

بابا الفاتيكان يتجول داخل جامع السلطان أحمد في ثالث أيام زيارته إلى تركيا

زار البابا ليو الـ14 جامع السلطان أحمد في إسطنبول المعروف بـ«الجامع الأزرق» في أول زيارة لدار عبادة ومعلم إسلامي بارز منذ انتخابه على رأس الكنيسة الكاثوليكية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي مرحباً ببابا الفاتيكان في القصر الرئاسي في أنقرة أمس (أ.ف.ب)

البابا يُدشّن أولى زياراته الخارجية من تركيا

دشّن بابا الفاتيكان، ليو الرابع عشر، أولى زياراته الخارجية من تركيا، حيث وصل إلى العاصمة أنقرة، أمس (الخميس)، في زيارة تستمر 4 أيام، ينتقل بعدها إلى لبنان.

سعيد عبد الرازق ( أنقرة)
المشرق العربي السيارة التي استخدمها بابا الفاتيكان الراحل فرنسيس خلال زيارته لبيت لحم منذ أكثر من 10 أعوام (أ.ب)

سيارة استخدمها البابا الراحل فرنسيس تتحول إلى عيادة متنقلة لأطفال غزة

تحولت سيارة استخدمها البابا الراحل فرنسيس قبل أن تتحول إلى عيادة متنقلة لتقديم الرعاية للأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)

خمس محطّات بارزة في قمّة شي وترمب

 ترمب يصافح شي في قاعة الشعب الكبرى ببكين (أ.ف.ب)
ترمب يصافح شي في قاعة الشعب الكبرى ببكين (أ.ف.ب)
TT

خمس محطّات بارزة في قمّة شي وترمب

 ترمب يصافح شي في قاعة الشعب الكبرى ببكين (أ.ف.ب)
ترمب يصافح شي في قاعة الشعب الكبرى ببكين (أ.ف.ب)

عقد الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الأميركي دونالد ترمب محادثات رفيعة المستوى في بكين، الخميس، تناولت حربَي إيران وأوكرانيا والتعاون الاقتصادي الثنائي.

لكن، بعيداً من الملفات المعقّدة المطروحة على جدول أعمال الزيارة، سجّلت خمس محطّات بارزة في اليوم الأول للقمّة الصينية الأميركية:

صداقة من طرف واحد؟

أغدق ترمب عبارات الثناء على شي مع بدء المحادثات في قاعة الشعب الكبرى، قائلاً: «إنه لشرف لي أن أكون صديقك»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وخاطبه مباشرة: «أنت وأنا نعرف بعضنا منذ زمن طويل... كانت بيننا علاقة رائعة، وتجاوزنا الخلافات عندما برزت وعملنا على حلّها»، وتابع: «كنت أتّصل بك وكنتَ تتصّل بي».

أمّا شي الذي وصف سابقاً علاقته مع ترمب بأنها «صداقة شخصية»، فتجنّب، الخميس، استخدام الوصف الآنف، واستعاض عنه بالقول إن على الجانبين «أن يكونا شريكَين لا خصمَين».

ويكثر شي من استخدام مصطلح «صداقة»، إذ يشيد بعلاقات «صداقة» مع دول عدّة، من بينها كوريا الشمالية وباكستان وفرنسا، ويطلق وصف «الصديق المقرّب» على نظيره الروسي فلاديمير بوتين.

مصافحة لا عناق

في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في منتصف أبريل (نيسان)، توقّع ترمب أن يستقبله شي «بعناق كبير ودافئ».

شكّل هذا التعليق مثالاً على أسلوب ترمب الاستعراضي والمندفع على الساحة الدولية، في تناقض واضح مع حضور شي الهادئ والمتحفّظ.

وصباح الخميس، حصل الرئيس الأميركي على مصافحة رسمية بدلاً من العناق الذي توقعه، استمرت لأكثر من 10 ثوانٍ، وربّت ترمب على ذراع شي مرّتين خلالها.

«فخّ ثوسيديديس»

في خطاباته ولقاءاته مع القادة الأجانب، كثيراً ما يستشهد شي جينبينغ بحِكم أو أبيات شعرية صينية تاريخية.

لكنه اختار هذه المرة تشبيه العلاقات الصينية الأميركية بما يُعرف بـ«فخّ ثوسيديديس»، وهو مصطلح سياسي صاغه باحث أميركي استناداً إلى رواية المؤرخ الإغريقي ثوسيديديس عن حرب البيلوبونيز. ويشير هذا المفهوم إلى ميل نحو الحرب عندما تهدّد قوّة صاعدة بإزاحة قوة مهيمنة.

وسأل شي: «هل تستطيع الصين والولايات المتحدة تجاوز ما يُعرف بـ(فخ ثيوسيديدس) وصياغة نموذج جديد للعلاقات بين القوتَين الكبريَين؟»، مضيفاً أن «التعاون يفيد الجانبين، بينما المواجهة تضرّ بهما». وقال إن الإجابة على هذا السؤال يجب أن يصيغها الرئيسان «بشكل مشترك».

وكان شي قال خلال لقائه سلف ترمب جو بايدن في عام 2024، إن «فخّ ثوسيديديس ليس قدراً تاريخياً محتوماً».

مشادات مع الصحافيين

تصاعدت التوترات على هامش القمّة بين وسائل إعلام أميركية مرافِقة، والطاقم الأمني والمسؤولين الصينيين.

وتدافع الصحافيون لالتقاط صور داخل قاعة الشعب الكبرى بينما كان ترمب وشي يهمّان بالجلوس، إلى درجة أن أحد الأشخاص أطلق عبارة نابية بشكل مسموع. أيضاً، أمكن سماع عناصر أمن صينيين وهم يطلبون من الصحافيين التراجع.

في وقت لاحق، وأثناء زيارة الرئيسين معبد السماء التاريخي، تأخّر دخول الصحافة الأميركية قرابة نصف ساعة بعدما رفض الأمن الصيني بداية السماح لأحد عناصر الخدمة السرية الأميركية الدخول بسلاحه.

كذلك، منع مسؤولون صينيون لاحقاً الموظفين والصحافيين الأميركيين من مغادرة المكان والانضمام إلى الموكب، قبل السماح لهم بالمغادرة. وفي لقطات مصوّرة، يُسمع أحد الأميركيين يقول للمسؤولين الصينيين «كنتم مضيفين سيئين للغاية».

فيض من الصور الساخرة

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي الصينية بمنشورات ساخرة احتفاء بالزيارة.

وتمحور جزء كبير منها حول «الخميس المجنون»، وهي حملة رائجة في الصين أطلقتها سلسلة مطاعم الوجبات السريعة الأميركية «كي إف سي» (KFC) وتقدّم حسوماً كل يوم خميس، فيما استخدم بعضهم الذكاء الاصطناعي لتوليد صور ساخرة لترمب وهو يستمتع بالدجاج المقلي.

وتصدّرت الوسوم المرتبطة بالزيارة منصات التواصل، إذ حصد أحدها 98 مليون مشاهدة على منصة «ويبو» (الموازية لمنصة «إكس») في الصين حتى بعد الظهر. وأعرب البعض عن أمله في أن «يقضي ترمب وقتاً ممتعاً» خلال زيارته.

وأبدى معلّقون حماسة تجاه وجود الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جنسن هوانغ، ومالك «تسلا» إيلون ماسك، ضمن الوفد التجاري الأميركي المرافق، إذ تجاوز وسم مرتبط بهما 52 مليون مشاهدة على «ويبو».

كما لفتت مقاطع مصوّرة لماسك وهو يصوّر بهاتفه أثناء وقوفه على درج قاعة الشعب الكبرى انتباه المستخدمين. وقال أحدهم: «لا يشبه هذا المشهد أي شيء قد تراه في أميركا». وعلّق آخر ساخراً: «يبدو كمن لم يرَ العالم من قبل».


نفاذ الديزل وزيت الوقود في كوبا وسط الحصار الأميركي

انقطاعات التيار الكهربائي زادت بشكل كبير مؤخرا في أنحاء هافانا حيث تظل أحياء كثيرة بدون كهرباء لمدة 20 إلى 22 ساعة في اليوم (أ.ف.ب)
انقطاعات التيار الكهربائي زادت بشكل كبير مؤخرا في أنحاء هافانا حيث تظل أحياء كثيرة بدون كهرباء لمدة 20 إلى 22 ساعة في اليوم (أ.ف.ب)
TT

نفاذ الديزل وزيت الوقود في كوبا وسط الحصار الأميركي

انقطاعات التيار الكهربائي زادت بشكل كبير مؤخرا في أنحاء هافانا حيث تظل أحياء كثيرة بدون كهرباء لمدة 20 إلى 22 ساعة في اليوم (أ.ف.ب)
انقطاعات التيار الكهربائي زادت بشكل كبير مؤخرا في أنحاء هافانا حيث تظل أحياء كثيرة بدون كهرباء لمدة 20 إلى 22 ساعة في اليوم (أ.ف.ب)

قال وزير الطاقة والمناجم في كوبا أمس الأربعاء إن مخزونات الديزل وزيت الوقود في البلاد نفدت تماما، في وقت تواجه فيه العاصمة هافانا أسوأ موجة انقطاعات متكررة للكهرباء منذ عقود، وذلك في ظل الحصار الأميركي الذي خنق إمدادات الوقود إلى الجزيرة.

وقال شاهد من رويترز إن احتجاجات متفرقة خرجت في عدة أحياء بالعاصمة حيث قام مئات السكان بقرع أواني الطهي احتجاجا على الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي على الرغم من وجود الشرطة بكثافة.

وقال وزير الطاقة فيسنتي دي لا أو عبر وسائل الإعلام الحكومية «ليس لدينا وقود (نفط) على الإطلاق، ولا ديزل على الإطلاق»، مضيفا أن الشبكة الوطنية في حالة «حرجة». وتابع قائلا «ليس لدينا احتياطيات».

وذكر الوزير أن انقطاعات التيار الكهربائي زادت بشكل كبير هذا الأسبوع والأسبوع الماضي في أنحاء هافانا، حيث تظل أحياء كثيرة بدون كهرباء لمدة 20 إلى 22 ساعة في اليوم، ما زاد من التوتر في مدينة منهكة بالفعل بسبب نقص الغذاء والوقود والأدوية. وأضاف أن الشبكة الوطنية تعمل بالكامل على النفط الخام المحلي والغاز الطبيعي والطاقة المتجددة.

وقال دي لا أو إن كوبا قامت بتركيب ألواح طاقة شمسية بقدرة 1300 ميغاوات على مدار العامين الماضيين، لكن جزءا كبيرا من هذه الطاقة يضيع بسبب عدم استقرار الشبكة وسط نقص الوقود، ما يقلل من الكفاءة والإنتاج.

وقال أكبر مسؤول في قطاع الطاقة في البلاد إن كوبا تواصل المفاوضات لاستيراد الوقود على الرغم من الحصار، لكنه أشار إلى أن ارتفاع أسعار النفط والنقل العالمية في ظل الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران يزيد هذه الجهود تعقيدا. وقال الوزير «كوبا منفتحة على أي شخص يرغب في بيع الوقود لنا».

ولم ترسل المكسيك ولا فنزويلا، اللتان كانتا سابقا أكبر موردي النفط إلى كوبا، أي شحنات وقود إلى الجزيرة منذ أن أصدر دونالد ترمب أمرا تنفيذيا في يناير (كانون الثاني) 2026 يهدد بفرض رسوم جمركية على أي دولة ترسل الوقود إلى الدولة ذات الحكم الشيوعي.

ولم تسلم سوى ناقلة نفط واحدة كبيرة ترفع العلم الروسي النفط الخام إلى كوبا منذ ديسمبر (كانون الأول) ما منح الجزيرة بعض الدعم في أبريل (نيسان).

وتحدث انقطاعات الكهرباء في هافانا وخارجها في الوقت الذي يدخل فيه الحصار الأميركي على واردات الوقود إلى كوبا شهره الرابع ما يشل الخدمات العامة في أنحاء الجزيرة الكاريبية التي يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة تقريبا.

ووصفت الأمم المتحدة الأسبوع الماضي الحصار الذي فرضه ترمب بأنه غير قانوني، قائلة إنه أعاق «حق الشعب الكوبي في التنمية، وقوض حقوقه في الغذاء والتعليم والصحة والمياه والصرف الصحي».


المفوض الأممي لحقوق الإنسان يدعو إسرائيل لإلغاء محكمة خاصة بهجوم 7 أكتوبر

مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك (إ.ب.أ)
مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك (إ.ب.أ)
TT

المفوض الأممي لحقوق الإنسان يدعو إسرائيل لإلغاء محكمة خاصة بهجوم 7 أكتوبر

مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك (إ.ب.أ)
مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك (إ.ب.أ)

دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، اليوم الأربعاء، إسرائيل إلى إلغاء المحكمة العسكرية الخاصة المنشأة حديثاً لمحاكمة الفلسطينيين المتهمين بالمشاركة في هجمات «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

أقر الكنيست الإسرائيلي مساء الاثنين قانوناً ينشئ المحكمة التي تحظى بسلطة إصدار أحكام الإعدام.

من المقرر أن تنظر المحكمة الخاصة في قضايا المعتقلين بشبهة المشاركة في الهجوم الذي قادته «حماس». كما ستحاكم أيضاً المشتبه بهم في احتجاز أو إساءة معاملة الرهائن في غزة.

وبحسب وسائل إعلام إسرائيلية، من المتوقع أن يمثل نحو 400 مشتبه به أمام المحكمة.

وقال المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك في بيان: «يجب أن تكون هناك محاسبة كاملة على هذه الهجمات المروعة، لكن لا يمكن تحقيق ذلك من خلال محاكمات لا تستوفي المعايير الدولية».

وأضاف المسؤول الأممي: «يجب إلغاء هذا القانون».

وتابع تورك: «سيؤدي هذا القانون حتماً إلى ترسيخ العدالة الأحادية والتمييز ضد الفلسطينيين، وهو أمر لا يمكن أن يكون في مصلحة أي شخص ويتعارض مع القانون الدولي لحقوق الإنسان».

أسفر هجوم «حماس» عن مقتل 1221 شخصاً من الجانب الإسرائيلي، غالبيتهم من المدنيين، وفق إحصاء لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» استناداً إلى بيانات رسمية، ما يجعله اليوم الأكثر دموية في تاريخ إسرائيل.

كما احتجز 251 شخصاً رهائن نقلوا إلى غزة، منهم 44 كانوا قد لقوا حتفهم أثناء احتجازهم.

وأدت الحملة العسكرية الإسرائيلية الانتقامية إلى تدمير قطاع غزة وقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني، وفق وزارة الصحة في القطاع التي تعتبر الأمم المتحدة أرقامها موثوقة.