بعد زلزال ميشيغان... هل تكرر فرنشيسكا هونغ مفاجأة عبدول السيد في ويسكونسن؟

أموال الجمهوريين تدخل السباق... واختبار جديد لصعود اليسار داخل الولايات المتأرجحة

فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)
فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)
TT

بعد زلزال ميشيغان... هل تكرر فرنشيسكا هونغ مفاجأة عبدول السيد في ويسكونسن؟

فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)
فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)

بعد أيام قليلة من مفاجأة عبد الرحمن السيد (عبدول السيد) المؤسسةَ الديمقراطيةَ بفوزه بفارق ضئيل في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ بولاية ميشيغان، ينتقل اختبار صعود اليسار الأميركي إلى ولاية ويسكونسن، حيث تدخل فرنشيسكا هونغ، عضو مجلس الولاية والمنتمية إلى «منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا (DSA)»، الساعات الأخيرة قبل الانتخابات التمهيدية لمنصب الحاكم، التي ستُجرى مساء الثلاثاء، وهي تتصدر السباق الديمقراطي.

لكن معركة ويسكونسن تحمل مفارقة لافتة جعلتها معركة المال، فبينما بنت هونغ صعودها على التبرعات الصغيرة والتنظيم الميداني، فإن الجمهوريين دخلوا بملايين الدولارات، في خطوة يقول منافسوها إنها لا تستهدف هزيمتها، بل مساعدتها على انتزاع الترشيح بوصفها الخصم الذي يعتقدون أنه سيكون الأسهل أمام الجمهوري توم تيفاني في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

يستمع الحضور إلى فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)

هذا الاتجاه أعطى معانيَ جديدة للمعركة الانتخابية، فلم تعد انتخابات الثلاثاء مجرد مواجهة بين يسار ديمقراطي صاعد ومؤسسة حزبية قلقة، وإنما أصبحت اختباراً لما إذا كان النموذجُ الذي أوصل السيد إلى الفوز في ميشيغان قابلاً للتكرار في إحدى أشد الولايات الأميركية تنافساً.

الجمهوريون يمولون الهجوم

وأظهرت تقارير صحافية أن مجموعة مرتبطة بـ«رابطة الحكام الجمهوريين» قد أنفقت نحو 2.2 مليون دولار على إعلانات تصف هونغ بأنها ليبرالية أكثر مما تحتمل ويسكونسن، وتُبرز مواقفها التقدمية. لكن الإعلانات عُرضت بكثافة أمام ناخبين ديمقراطيين؛ مما أثار اتهامات بأن الهجوم صُمم بطريقة ترفع شهرتها وتساعدها داخل انتخابات تمهيدية يبحث ناخبوها تحديداً عن مرشح تقدمي.

وتزداد المفارقة لأن هونغ نفسها أنفقت القليل على الإعلام المدفوع، واعتمدت بصورة أكبر على الإعلانات الرقمية والمتطوعين والاتصال المباشر بالناخبين. وهكذا حصلت عملياً على دعاية تلفزيونية بملايين الدولارات دفعت ثمنها جماعة تريد هزيمتها في الانتخابات العامة، وهو نموذج معاكس جزئياً لما حدث مع عبدول السيد. ففي ميشيغان، واجه السيد عشرات ملايين الدولارات من الإنفاق الخارجي، بينها أموال من جماعات مؤيدة لإسرائيل، واستطاع تقديم نفسه بوصفه مرشحاً شعبياً يقاوم نفوذ كبار المانحين. وفي ويسكونسن، أصبح المال الخارجي أشد تعقيداً؛ الجمهوريون يهاجمون هونغ، لكن خصومها الديمقراطيين يقولون إنهم يريدونها أن تفوز.

توم تيفاني المرشح الجمهوري لمنصب الحاكم (على اليسار) يصافح برايان ستيل عضو مجلس النواب خلال فعالية انتخابية أقيمت يوم الأربعاء 29 يوليو 2026 في مدينة كينوشا بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ب)

المال لا يحسم السباق

ولا تعاني هونغ، رغم خطابها المناهض لنفوذ الشركات، من غياب التمويل. فقد جمعت نحو 709 آلاف دولار خلال النصف الأول من العام، وبنهاية يونيو (حزيران) الماضي حصلت على تمويل بنحو 411 ألف دولار، مستندة إلى قاعدة واسعة من المتبرعين الأفراد. لكن ديفيد كراولي، رئيس مقاطعة ميلووكي ومرشح الجناح الأكبر تقليدية في الحزب الديمقراطي، تمكن بعد عودته إلى السباق من تعبئة شبكة المانحين الديمقراطيين سريعاً، وجمع نحو 776 ألف دولار خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، مقابل نحو 339 ألفاً لهونغ في الفترة نفسها.

ويقول المحللون المتابعون للسباق إن التفوق المالي لم يعالج المشكلة الأساسية للمؤسسة الديمقراطية المتمثلة في اضطراب مرشحيها، فقد انسحبت سارة رودريغيز، نائبة الحاكم، بعد مشكلات في حسابات حملتها وتمويلها، وانسحب مانديلا بارنز بعدما أظهرت الاستطلاعات تقدماً كبيراً لهونغ، بينما عاد كراولي إلى السباق بعدما كان قد علق حملته. ومنح ذلك هونغ ميزة يصعب شراؤها بالمال؛ هي صورة المرشحة التي حافظت على حملة مستقرة ورسالة واضحة بينما كان منافسوها يتبدلون في مواقفهم.

الاقتصاد أولاً

وتحاول هونغ إبقاء المعركة بعيدة عن تسمية «الاشتراكية» والتركيز على جيوب الناخبين. فهي ابنة مهاجرين وأم عزباء بدأت عملها في المطاعم وغسل الأطباق، قبل أن تصبح طاهيةً ومالكةَ مطعم، ثم عضواً في المجلس التشريعي.

وتطرح هونغ في برنامجها الانتخابي قضايا: توسيع الرعاية الصحية، والإجازة العائلية المدفوعة، وزيادة تمويل المدارس، ورعاية الأطفال، إلى جانب زيادة الضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة. وتراهن على أن الناخب قد يرفض وصف «الاشتراكي» لكنه يؤيد السياسات نفسها عندما تقدَّم بوصفها حلولاً لتكاليف الصحة والسكن والتعليم. ولذا يعتقد أنصارها أن درس ميشيغان قابل للتكرار.

وتواجه هونغ انتقادات بسبب تصريحات سابقة منها يحاول الجمهوريون استغلالها ضدها. فقد أعاد خصومها نشر تصريحات قديمة أيدت فيها خفضَ تمويل الشرطة، وأفكاراً مرتبطة بإلغاء السجون، وانتقدت عيد الشكر بوصفه رمزاً للاستعمار. وتراجعت هونغ عن بعض هذه المواقف أو أعادت تفسيرها، لكنها لم تتبرأ تماماً من خلفيتها الفكرية؛ مما يمنح الجمهوريين ذخيرة جاهزة إذا أصبحت هي المرشحة الديمقراطية.

النائبة إلهان عمر (على اليسار) والمؤثر والمعلق السياسي اليساري حسن بيكر مع فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 بمدينة ميلووكي في ولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)

واللافت أن بيرني ساندرز، الذي يُعدّ المرجعية السياسية الأبرز لليسار الأميركي، لم يمنح هونغ تأييده. وقال إنه لا يعرف تفاصيل السباق بما يكفي ولا يتوقع التدخل فيه، رغم معرفته السابقة بها وتقاطع برنامجها مع كثير من أفكاره. ولا يعني ذلك عزلة هونغ عن اليسار؛ فقد حظيت بتأييد شخصيات تقدمية، بينها إلهان عمر، فضلاً عن ناشطين ونقابيين. لكن تحفظ ساندرز يكشف عن أن السؤال لم يعد يتعلق بقدرة اليسار على الفوز داخل الحزب، بل بقدرته على الفوز بولاية متأرجحة.

ميشيغان وويسكونسن

المشكلة الكبرى التي تواجه هونغ في الانتخابات خلال نوفمبر المقبل هي توم تيفاني؛ المرشح الجمهوري المدعوم من الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الذي يدخل السباق بتفوق مالي هائل، بعدما جمع نحو 8.7 مليون دولار، أي أضعاف ما جمعه أي من أبرز منافسيه الديمقراطيين، ويستعد لربط هونغ بالجناح الأكبر يسارية بالحزب في قضايا الضرائب والجريمة والشرطة.

وتختلف ولاية ويسكونسن أيضاً عن ولاية ميشيغان، فقد استفاد عبدول السيد من تعبئة الناخبين العرب والمسلمين ومن الغضب بشأن غزة والإنفاق الضخم ضده. أما هونغ فتعتمد على الشباب والنقابات واليسار الحضري والتنظيم الشعبي، من دون كتلة ديموغرافية مماثلة؛ لذلك فقد تستطيع هونغ الثلاثاء تكرار النصف الأول من تجربة السيد. لكن المحك الحقيقي سيأتي في نوفمبر المقبل. فهل يستطيع نموذج التبرعات الصغيرة والحماس التقدمي هزيمة ماكينة جمهورية تملك: المال، وترمب، ورسالة جاهزة بشأن التطرف اليساري؟

إذا فازت هونغ، فلن يكون انتصارها مجرد مفاجأة أخرى بعد ميشيغان، بل سيصبح دليلاً على أن اليسار الأميركي بدأ ينتقل من التمرد داخل الحزب إلى القدرة على الحكم في الولايات المتأرجحة. أما إذا فازت الثلاثاء وخسرت في نوفمبر، فستجد المؤسسة الديمقراطية التقليدية في النتيجة حجتها الأقوى بأن الحماس يستطيع الفوز بالترشيح، لكنه لا يضمن الفوز بالسلطة.


مقالات ذات صلة

ترمب يقترح «نيو أميركا» اسماً بديلاً لنيو مكسيكو

الولايات المتحدة​ ترمب يستعد لمخاطبة أنصاره في ألبوكيركي بنيو مكسيكو يوم 31 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

ترمب يقترح «نيو أميركا» اسماً بديلاً لنيو مكسيكو

اقترح الرئيس الأميركي دونالد ترمب تغيير اسم ولاية نيو مكسيكو لتصير «نيو أميركا» في سياق حملة تبدو انتخابية ضد خصومه الديمقراطيين.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة من داخل الكونغرس الأميركي (رويترز - أرشيفية)

«النواب الأميركي» يصادق على مشروع قانون تمويل قصير المدى لتجنب إغلاق حكومي

أقرّ مجلس النواب يوم الثلاثاء إجراءً قصير الأجل لتمويل الحكومة الفيدرالية حتى أوائل ديسمبر (كانون الأول)، في خطوة تهدف إلى تجنب إغلاق حكومي فوضوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس متحدثاً في ستيرلينغ هايتس بميشيغان يوم 31 أغسطس (أ.ب)

فانس يتقرب من الناخبين اليهود مع احتدام الحملات الانتخابية

أكد نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، التزامه مع اليهود الأميركيين وإسرائيل، ووصف المرشح الديمقراطي على مقعد بمجلس الشيوخ لميشيغان عبد الرحمن السيد بأنه «شرير».

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ف.ب)

«أبقِ اسم زوجتي بعيداً عن فمك»... كيف اشتعل الخلاف بين فانس وعبد الرحمن السيد؟ (فيديو)

تحوَّل السباق الانتخابي على مقعد مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان إلى مواجهة كلامية حادة، بعدما دخل نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، في سجال علني مع عبد الرحمن السيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ناشطون يشاركون في مسيرة «الدفاع عن حق التصويت» عند نصب لينكولن التذكاري في واشنطن العاصمة (إ.ب.أ)

أموال ضخمة مجهولة المصدر تتدفق على مرشحي الانتخابات النصفية الأميركية

تتدفق مئات الملايين من الدولارات مجهولة المصدر على الاستعدادات للانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، وسط مساعي الجمهوريين والديمقراطيين لتهدئة مخاوف اليهود.

علي بردى (واشنطن)

ترمب يثير أزمة دبلوماسية جديدة مع آيسلندا

وزيرة الخارجية الآيسلندية أورغيردور كاترين غونارسدوتير تتحدث خلال مؤتمر صحافي في ريكيافيك يوم 30 أغسطس 2026 (أ.ب)
وزيرة الخارجية الآيسلندية أورغيردور كاترين غونارسدوتير تتحدث خلال مؤتمر صحافي في ريكيافيك يوم 30 أغسطس 2026 (أ.ب)
TT

ترمب يثير أزمة دبلوماسية جديدة مع آيسلندا

وزيرة الخارجية الآيسلندية أورغيردور كاترين غونارسدوتير تتحدث خلال مؤتمر صحافي في ريكيافيك يوم 30 أغسطس 2026 (أ.ب)
وزيرة الخارجية الآيسلندية أورغيردور كاترين غونارسدوتير تتحدث خلال مؤتمر صحافي في ريكيافيك يوم 30 أغسطس 2026 (أ.ب)

استدعت آيسلندا السفير الأميركي في ريكيافيك بيلي لونغ، بعد أن نشر الرئيس دونالد ترمب خريطة بدت فيها الجزيرة، إلى جانب كندا وغرينلاند والمكسيك وأميركا الوسطى ومنطقة الكاريبي، مغطاة بألوان العلم الأميركي، وتحمل كامل المساحة اسم «الولايات المتحدة الأميركية»، في أحدث أزمة دبلوماسية يثيرها الرئيس مع دولة حليفة بسبب الحدود والسيادة.

وقالت وزيرة الخارجية الآيسلندية، أورغيردور كاترين غونارسدوتير، إنها استدعت السفير الذي تولى مهامه رسمياً، الشهر الماضي، بينما أكّدت وزارة الخارجية أن الجانب الآيسلندي أبلغه بصورة واضحة أن المنشور غير لائق على الإطلاق، ولم يرفق ترمب الصورة التي نشرها على منصته «تروث سوشال»، مساء الاثنين، بأي تفسير، كما لم تقدم وزارة الخارجية الأميركية أو البيت الأبيض توضيحاً فورياً بشأن المقصود منها، لكن الخريطة يصعب فصلها عن نمط أصبح سمة واضحة في الولاية الثانية لترمب، وهي إعادة طرح قضايا كانت تبدو خارج حدود السياسة الأميركية التقليدية، من السيطرة على غرينلاند وقناة بنما، إلى حديثه المتكرر عن كندا بوصفها الولاية الأميركية الـ51، وصولاً إلى تغيير أسماء جغرافية والدخول في مواجهات تجارية مع أقرب حلفاء واشنطن.

الخريطة الأميركية «تتغيّر»

خريطة نشرها الرئيس ترمب على منصة «تروث سوشال» أثارت غضب الحلفاء

استهدف الرئيس ترمب آيسلندا هذه المرة، فلم يسبق أن احتلت الجزيرة موقعاً مماثلاً لغرينلاند في أجندة ترمب الخارجية، وإن كان اسمها قد دخل الجدل سابقاً. وكان السفير لونغ قد أثار انتقادات قبل توليه منصبه عندما مازح أعضاء في الكونغرس بشأن تحول آيسلندا إلى الولاية الـ52، قبل أن يعتذر ويؤكد أن حديثه كان مزاحاً. كما خلط ترمب أكثر من مرة بين اسمي آيسلندا وغرينلاند خلال حديثه عن طموحاته في القطب الشمالي؛ ولهذا لا توجد حتى الآن أدلة على أن الإدارة تخطط فعلياً للاستحواذ على آيسلندا، لكن المشكلة بالنسبة إلى حكومة ريكيافيك هي أن المزاح الجغرافي يأتي من رئيس دولة حليفة، وفي لحظة أصبحت فيها مطالب ترمب بشأن أراضي دول أخرى جزءاً حقيقياً من السياسة الخارجية الأميركية.

سياسة ترمب في غرينلاند

حينما أثار الرئيس ترمب إعجابه بجزيرة غرينلاند ورغبته في ضمها للولايات المتحدة، أخذ الحلفاء الأوروبيون الأمر في البداية بنوع من التعجب والسخرية والاستنكار، لكن إصرار ترمب بأن الولايات المتحدة تحتاج إلى غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي وتلويحه باستخدام القوة للحصول عليها، جعل الحلفاء يأخذون كلام ومنشورات ترمب على محمل الجد.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس وزراء غرينلاند آنذاك موتي بي إيغيدي لدى افتتاح مكتب المفوضية الجديد في نوك بغرينلاند في مارس 2024 (أ.ف.ب)

لكن ضغوط ترمب على الدنمارك وحلف «الناتو»، أدت إلى نتيجة عكسية؛ فقد تحركت أوروبا والدنمارك لتعزيز ارتباطهما بغرينلاند. وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الأسبوع الماضي، ضخ استثمارات بقيمة 200 مليون يورو، لمشروعات تشمل المعادن والطاقة والاتصالات، بينما خصصت الدنمارك مليارات الدولارات لتعزيز الدفاع في القطب الشمالي.

من بنما إلى كندا

المنطق نفسه اتبعه الرئيس ترمب في تصريحاته عن قناة بنما؛ فقد تعامل معها ليس بوصفها مجرد ممر دولي، وإنما بوصفها أصلاً استراتيجياً ينبغي ألا تسمح واشنطن بوقوعه تحت نفوذ منافسين، خصوصاً الصين.

وبذلك أعاد إلى السياسة الأميركية مفهوماً قديماً يقوم على أن السيطرة على الممرات البحرية والموانئ والمواقع الجغرافية الحيوية جزء من الأمن القومي. أما كندا، فقد جمع معها بين الضغط السياسي والاقتصادي؛ فبعد حديثه المتكرر عن جعلها الولاية الـ51، دخل البلدان في مواجهة تجارية اتسعت اليوم مع بدء تطبيق رسوم كندية انتقامية على بضائع أميركية بقيمة 20 مليار دولار، بعد انهيار المفاوضات التجارية. وهدد ترمب أيضاً برفع الرسوم على السيارات الكندية إلى 50 في المائة.

ماذا يريد ترمب؟

يقول المحللون إن خطاً واحداً يربط هذه النزاعات حيث تتحول الأرض والممرات والتجارة والموارد، في رؤية ترمب، إلى أوراق تفاوض في معركة إعادة توزيع القوة، ويوضحون أنه ليس ضرورياً أن يكون هدف ترمب النهائي ضم كل الأراضي التي يتحدث عنها؛ فالقاعدة التفاوضية التي ميزت ترمب منذ دخوله السياسة تقوم على البدء بمطلب يبدو غير قابل للتحقيق، ورفع تكلفة رفضه، ثم استخدام ما يخلقه من صدمة للحصول على تنازل أصغر وأكثر واقعية.

ويرى خبراء أميركيون أن الخرائط الاستفزازية التي ينشرها ترمب لا يمكن فصلها عن تحول أوسع في رؤيته لمكانة الولايات المتحدة في العالم.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرتدي قبعة حركة «ماغا» في مطار موريستاون بنيو جيرسي (أ.ب)

ويقدم المحللون تفسيراً لخريطة ترمب الأخيرة يتجاوز فكرة الضم الحرفي، فالرئيس يستخدم الجغرافيا والخرائط لإظهار المجال الذي يريد أن تكون فيه الولايات المتحدة القوة المهيمنة، بينما يترك الغموض حول نواياه وسيلة للضغط على الحلفاء والخصوم وانتزاع تنازلات منهم. ففي غرينلاند، قد يكون الهدف العملي توسيع الوجود العسكري الأميركي والوصول إلى المعادن الاستراتيجية ومنع الصين وروسيا من تعزيز نفوذهما في القطب الشمالي، حتى إذا لم تصبح الجزيرة أميركية. وفي بنما، الهدف الأكثر واقعية هو تقليص النفوذ الصيني حول القناة وضمان حرية الحركة الأميركية. أما في كندا والمكسيك، فإن التهديدات والرسوم تستخدم لانتزاع تنازلات تجارية وأمنية. ووفقاً لذلك، فإن المبالغة ليست دائماً خللاً في استراتيجية ترمب وإنما هي جزء منها.


ترمب يراهن على مؤتمر تكساس لحشد القاعدة الجمهورية

ترمب بولاية نيوجيرسي في 7 سبتمبر 2026 (أ.ب)
ترمب بولاية نيوجيرسي في 7 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

ترمب يراهن على مؤتمر تكساس لحشد القاعدة الجمهورية

ترمب بولاية نيوجيرسي في 7 سبتمبر 2026 (أ.ب)
ترمب بولاية نيوجيرسي في 7 سبتمبر 2026 (أ.ب)

تنطلق أعمال المؤتمر الحزبي الجمهوري في مدينة دالاس بولاية تكساس، وسط زخم انتخابي يشوبه قلق حزبي. فالمؤتمر الجمهوري الأول من نوعه قبيل الانتخابات النصفية، الذي قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقده، يأتي في وقت مربك لحزبه. فمن جهة، لا يزال الرئيس يُحفّز جزءاً كبيراً من قاعدته الشعبية (ماغا)، ومن جهة أخرى تظهر استطلاعات الرأي تدهوراً كبيراً في شعبيته؛ خصوصاً في الولايات المتأرجحة التي يحتاج فيها الجمهوريون للفوز للاحتفاظ بالأغلبية في الكونغرس.

غياب جمهوري

قرَّر بعض المشرعين عدم المشاركة في المؤتمر، منهم السيناتورة عن ولاية ماين، سوزان كولينز، التي تخوض سباقاً صعباً في ولايتها للاحتفاظ بمقعدها في مجلس الشيوخ، والسيناتور مايك راوندز عن ولاية ساوث داكوتا الذي قال إنه يفضِّل قضاء الوقت مع الناخبين في ولايته في هذا الوقت الحساس انتخابياً.

لكن ترمب يرى الأمر من منظور معاكس تماماً، فبالنسبة إليه تُعدُّ المشارَكة في حدث من هذا النوع عاملاً محفّزاً لقاعدته الانتخابية، يدفعها إلى التوجه لصناديق الاقتراع والتصويت لصالح الجمهوريين. وعبَّر الرئيس عن موقفه بكل صراحة عندما قال: «إن كان اسمي على بطاقة الاقتراع، سيفوز الجمهوريون». ودعا الناخبين إلى التصويت بكثافة: «تظاهروا بأني على بطاقة الاقتراع».

السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز بولاية ماين في 14 أغسطس (أ.ف.ب)

ولهذا السبب، قرَّر الرئيس الأميركي عقد هذا المؤتمر الاستثنائي الأول من نوعه للحزب الجمهوري قبيل الانتخابات النصفية. فترمب يؤمن بقوة التغطيات الإعلامية، ويعتقد بأن حدثاً من هذا النوع سيعطي حزبه الزخم الذي يحتاج إليه لمنافسة الديمقراطيين، والتركيز على إنجازات الجمهوريين. وقد تحدَّث عن ذلك مراراً وتكراراً، فصرّح: «سيكون مؤتمراً مهماً للغاية. أنا قررت عقده. ستكون دالاس في صدارة المشهد يومي التاسع والعاشر من سبتمبر (أيلول)، حيث سنحتفل ببلادنا وإنجازاتنا ومستقبلنا المُشرق». ثم تحدّث عن برنامج المؤتمر، وقال: «سنحتفل بالعودة الأميركية الكبرى، وبالنجاحات الاستثنائية للشعب الأميركي وأجندة أميركا أولاً».

تحديات حزبية

تُعوّل القيادات الجمهورية على نجاح «مؤتمر ترمب» في تحفيز الناخبين، وتأمل أن يلتزم الرئيس بوعده ويركز على إنجازات الحزب بدل تحويلها إلى إنجازات شخصية.

ومن الأمور التي يأمل الجمهوريون أن يتحدث ترمب عنها «المشروع الكبير والجميل» الذي أقره الكونغرس، ويشمل حزمة واسعة من التخفيضات الضريبية والإنفاق على الدفاع وأمن الحدود، فضلاً عن ملف الهجرة والاقتطاعات الضريبية وغيرها من ملفات تمكن المجلس التشريعي المنقسم من إقرارها.

لكن الناخب الأميركي، بحسب الاستطلاعات، يعاني من صعوبة في التركيز على هذه الإنجازات، إذ ينصب اهتمامه على ارتفاع أسعار البنزين والغذاء وعلى التداعيات الاقتصادية المرتبطة باستمرار حرب إيران. ويسعى ترمب إلى تغيير هذه النظرة السلبية التي من شأنها أن تفشل حزبه في الانتخابات النصفية، وتولد مواجهة حتمية بينه وبين الديمقراطيين. وقال في منشور على «تروث سوشيال» مساء الاثنين: «ستنخفض أسعار النفط بشكل حاد، كما تنخفض أسعار كل شيء آخر، بل وأكثر، عندما ننتصر في الحرب مع إيران. 3 دولارات للغالون، وفي نهاية المطاف أقل من دولارين للغالون. كل ذلك سيحدث سريعاً، ولن تمتلك إيران سلاحاً نووياً أبداً».

مرشح الديمقراطيين لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان عبد الرحمن السيد في 7 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

وينتقد بعض أنصار الرئيس هذه التصريحات، كونها تتكرَّر منذ أشهر من دون ترجمة فعلية على الأرض. لهذا السبب، يسعى بعضهم إلى دفع القيادات للتركيز على ملف آخر: تنامي نفوذ اليسار الديمقراطي. فمع فوز وجوه يسارية كثيرة في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية، سعى ترمب والجمهوريون إلى تصوير الحزب المنافس على أنه يحمل أجندة متشددة «شيوعية» على حد تعبيرهم.

ويقول نائب ولاية تكساس، الجمهوري روجر ويليامز، إن المؤتمر الحزبي «سيقارن بين الاشتراكية والماركسية والشيوعية من جهة، وبين ما تمثله قيم تكساس والقيم الأميركية من جهة أخرى: الرأسمالية والأسواق الحرة».

وبوجه هذه التحديات، سيتمحور الرهان الأساسي للمؤتمر على قدرة ترمب على تحويل زخمه الشخصي إلى زخم انتخابي يدفع قاعدته إلى صناديق الاقتراع، حتى وإن لم يكن اسمه على البطاقة الانتخابية، وتحدي الزخم الديمقراطي الكبير الذي شهدته البلاد في الانتخابات التمهيدية.


ترمب يقترح «نيو أميركا» اسماً بديلاً لنيو مكسيكو

ترمب يستعد لمخاطبة أنصاره في ألبوكيركي بنيو مكسيكو يوم 31 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)
ترمب يستعد لمخاطبة أنصاره في ألبوكيركي بنيو مكسيكو يوم 31 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يقترح «نيو أميركا» اسماً بديلاً لنيو مكسيكو

ترمب يستعد لمخاطبة أنصاره في ألبوكيركي بنيو مكسيكو يوم 31 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)
ترمب يستعد لمخاطبة أنصاره في ألبوكيركي بنيو مكسيكو يوم 31 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

اقترح الرئيس الأميركي دونالد ترمب تغيير اسم ولاية نيو مكسيكو لتصبح «نيو أميركا»، في سياق حملة بدأها أولاً باعتماد اسم «خليج أميركا» لخليج المكسيك، وأخيراً بإطلاق اسم «بحيرة أميركا» على بحيرة أونتاريو.

وجاء هذا الاقتراح ضمن سلسلة منشورات لترمب على منصته «تروث سوشيال» للتواصل الاجتماعي، أرفق بعضها بصور ومقاطع فيديو أنتجت بواسطة الذكاء الاصطناعي يظهر فيها وهو يغير لوحة إعلانية على جانب الطريق، ويقول: «اقترح كثير من الناس تغيير اسم ولاية نيو مكسيكو، إحدى أكبر الولايات التي تغش في التصويت على الإطلاق، إلى نيو أميركا»، لتصير «أشهر وأجمل بالنسبة لشعب تلك الولاية التي يحتمل أن تكون مذهلة».

وأظهر منشور آخر خريطة لنيو مكسيكو مع كلمة «المكسيك» مشطوبة مستبدلاً إياها بكلمة «أميركا». ثم أضاف سبع مشاركات أخرى من الخرائط التي وصفت بالمثل نيو مكسيكو بأنها «نيو أميركا». ولم يتضح على الفور السبب وراء تعليقات ترمب حول إعادة تسمية نيو مكسيكو.

«نيو أميركا»

وعلى الرغم من أن ترمب يستطيع استخدام سلطته التنفيذية لإعادة تسمية المسطحات المائية وغيرها من المعالم الجغرافية، فإنه يفتقر إلى السلطة لإعادة تسمية نيو مكسيكو أو ولايات أخرى. ويرجح أن يتطلب ذلك اتخاذ إجراءات من الولاية نفسها والكونغرس. ولكن يمكن للرئيس الأميركي أن يأمر الوكالات الفيدرالية بالإشارة إلى نيو مكسيكو تحت اسم جديد.

ورفض المرشح الجمهوري للكونغرس في المنطقة الثانية لنيو مكسيكو، غريغ كانينغهام، التعليق على منشورات ترمب. وأصدرت حملته الاثنين بياناً يهاجم فيه الديمقراطيين «لمحاولة صرف انتباه الناخبين عن سجلهم الفظيع من خلال التركيز على ما ينشره الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي».

وجاء ذلك بعدما ندّد المشرعون الديمقراطيون في نيو مكسيكو، الذين يشغلون منصب الحاكم وكل مقاعد الولاية الخمسة في الكونغرس، على الفور بتصريحات ترمب.

وكتبت النائبة ميلاني ستانسبيري أن «اسم نيو مكسيكو ليس مطروحاً للنقاش»، متسائلة: «لماذا يمضي الرئيس وقته في صنع الصور الساخرة ومضايقة شعب ولايتنا، في حين أن التضخم وصل إلى السقف، وأسعار الغاز مرتفعة للغاية، والناس لا يستطيعون تحمل تكاليف الغذاء والرعاية الصحية والسكن، وقد جر بلادنا إلى حرب غير قانونية في الشرق الأوسط أودت بحياة أفراد الخدمة الأميركية، وأصابت مئات الجنود، وقتلت الآلاف من المدنيين؟».

استهزاء بالمنافسين

وكذلك جاءت منشورات ترمب حول إعادة تسمية نيو مكسيكو وسط موجة من أكثر من 60 منشوراً آخر تضمنت استهزاءً بالمنافسين السياسيين، وصوراً سوريالية لترمب يبدو وكأنه في بيئة بائسة.

ونشر ترمب عبارة «أعطهم الكوابيس»، مع صورة له محاطاً بالروبوتات بينما كانت النيران مشتعلة في الخلفية. كما نشر صورة لنفسه على أنه المصارع الشهير هالك هوغان، وصورة رأسه بدلاً من إيران، وصوراً له مع الرئيس الأميركي الأول جورج واشنطن، بما في ذلك استضافة واشنطن في المكتب البيضوي، ورسم كاريكاتوري يسخر من رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بوصفه «الحاكم»، في إشارة إلى تأكيد ترمب على أن كندا يجب أن تكون ولاية أميركية.

ولم يرد البيت الأبيض على أسئلة حول الأسباب التي دفعت ترمب إلى موجة من المنشورات، التي جرى تضخيم بعضها من خلال حسابات الإدارة والحلفاء السياسيين.

وكثف ترمب منشوراته الاثنين مع أكثر من 20 منشوراً آخر يسخر من منافسيه ويشارك «الميمات» ويحتفل برئاسته.

وكتب في رسالة وزّعها البيت الأبيض: «عيد عمال سعيد للجميع، بما في ذلك المجانين اليساريون المتطرفون والشيوعيون والديمقراطيون الذين سيفعلون كل ما هو ممكن لتدمير بلدنا». وأضاف: «يجب على هؤلاء الأشخاص المختلين، بعد القتال لمدة عشر سنين، أن يعترفوا أخيراً بأن رئيسك المفضل (أنا!) يعرف كيف يفوز!».