بعد زلزال ميشيغان... هل تكرر فرنشيسكا هونغ مفاجأة عبدول السيد في ويسكونسن؟

أموال الجمهوريين تدخل السباق... واختبار جديد لصعود اليسار داخل الولايات المتأرجحة

فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)
فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)
TT

بعد زلزال ميشيغان... هل تكرر فرنشيسكا هونغ مفاجأة عبدول السيد في ويسكونسن؟

فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)
فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)

بعد أيام قليلة من مفاجأة عبد الرحمن السيد (عبدول السيد) المؤسسةَ الديمقراطيةَ بفوزه بفارق ضئيل في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ بولاية ميشيغان، ينتقل اختبار صعود اليسار الأميركي إلى ولاية ويسكونسن، حيث تدخل فرنشيسكا هونغ، عضو مجلس الولاية والمنتمية إلى «منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا (DSA)»، الساعات الأخيرة قبل الانتخابات التمهيدية لمنصب الحاكم، التي ستُجرى مساء الثلاثاء، وهي تتصدر السباق الديمقراطي.

لكن معركة ويسكونسن تحمل مفارقة لافتة جعلتها معركة المال، فبينما بنت هونغ صعودها على التبرعات الصغيرة والتنظيم الميداني، فإن الجمهوريين دخلوا بملايين الدولارات، في خطوة يقول منافسوها إنها لا تستهدف هزيمتها، بل مساعدتها على انتزاع الترشيح بوصفها الخصم الذي يعتقدون أنه سيكون الأسهل أمام الجمهوري توم تيفاني في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

يستمع الحضور إلى فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)

هذا الاتجاه أعطى معانيَ جديدة للمعركة الانتخابية، فلم تعد انتخابات الثلاثاء مجرد مواجهة بين يسار ديمقراطي صاعد ومؤسسة حزبية قلقة، وإنما أصبحت اختباراً لما إذا كان النموذجُ الذي أوصل السيد إلى الفوز في ميشيغان قابلاً للتكرار في إحدى أشد الولايات الأميركية تنافساً.

الجمهوريون يمولون الهجوم

وأظهرت تقارير صحافية أن مجموعة مرتبطة بـ«رابطة الحكام الجمهوريين» قد أنفقت نحو 2.2 مليون دولار على إعلانات تصف هونغ بأنها ليبرالية أكثر مما تحتمل ويسكونسن، وتُبرز مواقفها التقدمية. لكن الإعلانات عُرضت بكثافة أمام ناخبين ديمقراطيين؛ مما أثار اتهامات بأن الهجوم صُمم بطريقة ترفع شهرتها وتساعدها داخل انتخابات تمهيدية يبحث ناخبوها تحديداً عن مرشح تقدمي.

وتزداد المفارقة لأن هونغ نفسها أنفقت القليل على الإعلام المدفوع، واعتمدت بصورة أكبر على الإعلانات الرقمية والمتطوعين والاتصال المباشر بالناخبين. وهكذا حصلت عملياً على دعاية تلفزيونية بملايين الدولارات دفعت ثمنها جماعة تريد هزيمتها في الانتخابات العامة، وهو نموذج معاكس جزئياً لما حدث مع عبدول السيد. ففي ميشيغان، واجه السيد عشرات ملايين الدولارات من الإنفاق الخارجي، بينها أموال من جماعات مؤيدة لإسرائيل، واستطاع تقديم نفسه بوصفه مرشحاً شعبياً يقاوم نفوذ كبار المانحين. وفي ويسكونسن، أصبح المال الخارجي أشد تعقيداً؛ الجمهوريون يهاجمون هونغ، لكن خصومها الديمقراطيين يقولون إنهم يريدونها أن تفوز.

توم تيفاني المرشح الجمهوري لمنصب الحاكم (على اليسار) يصافح برايان ستيل عضو مجلس النواب خلال فعالية انتخابية أقيمت يوم الأربعاء 29 يوليو 2026 في مدينة كينوشا بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ب)

المال لا يحسم السباق

ولا تعاني هونغ، رغم خطابها المناهض لنفوذ الشركات، من غياب التمويل. فقد جمعت نحو 709 آلاف دولار خلال النصف الأول من العام، وبنهاية يونيو (حزيران) الماضي حصلت على تمويل بنحو 411 ألف دولار، مستندة إلى قاعدة واسعة من المتبرعين الأفراد. لكن ديفيد كراولي، رئيس مقاطعة ميلووكي ومرشح الجناح الأكبر تقليدية في الحزب الديمقراطي، تمكن بعد عودته إلى السباق من تعبئة شبكة المانحين الديمقراطيين سريعاً، وجمع نحو 776 ألف دولار خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، مقابل نحو 339 ألفاً لهونغ في الفترة نفسها.

ويقول المحللون المتابعون للسباق إن التفوق المالي لم يعالج المشكلة الأساسية للمؤسسة الديمقراطية المتمثلة في اضطراب مرشحيها، فقد انسحبت سارة رودريغيز، نائبة الحاكم، بعد مشكلات في حسابات حملتها وتمويلها، وانسحب مانديلا بارنز بعدما أظهرت الاستطلاعات تقدماً كبيراً لهونغ، بينما عاد كراولي إلى السباق بعدما كان قد علق حملته. ومنح ذلك هونغ ميزة يصعب شراؤها بالمال؛ هي صورة المرشحة التي حافظت على حملة مستقرة ورسالة واضحة بينما كان منافسوها يتبدلون في مواقفهم.

الاقتصاد أولاً

وتحاول هونغ إبقاء المعركة بعيدة عن تسمية «الاشتراكية» والتركيز على جيوب الناخبين. فهي ابنة مهاجرين وأم عزباء بدأت عملها في المطاعم وغسل الأطباق، قبل أن تصبح طاهيةً ومالكةَ مطعم، ثم عضواً في المجلس التشريعي.

وتطرح هونغ في برنامجها الانتخابي قضايا: توسيع الرعاية الصحية، والإجازة العائلية المدفوعة، وزيادة تمويل المدارس، ورعاية الأطفال، إلى جانب زيادة الضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة. وتراهن على أن الناخب قد يرفض وصف «الاشتراكي» لكنه يؤيد السياسات نفسها عندما تقدَّم بوصفها حلولاً لتكاليف الصحة والسكن والتعليم. ولذا يعتقد أنصارها أن درس ميشيغان قابل للتكرار.

وتواجه هونغ انتقادات بسبب تصريحات سابقة منها يحاول الجمهوريون استغلالها ضدها. فقد أعاد خصومها نشر تصريحات قديمة أيدت فيها خفضَ تمويل الشرطة، وأفكاراً مرتبطة بإلغاء السجون، وانتقدت عيد الشكر بوصفه رمزاً للاستعمار. وتراجعت هونغ عن بعض هذه المواقف أو أعادت تفسيرها، لكنها لم تتبرأ تماماً من خلفيتها الفكرية؛ مما يمنح الجمهوريين ذخيرة جاهزة إذا أصبحت هي المرشحة الديمقراطية.

النائبة إلهان عمر (على اليسار) والمؤثر والمعلق السياسي اليساري حسن بيكر مع فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 بمدينة ميلووكي في ولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)

واللافت أن بيرني ساندرز، الذي يُعدّ المرجعية السياسية الأبرز لليسار الأميركي، لم يمنح هونغ تأييده. وقال إنه لا يعرف تفاصيل السباق بما يكفي ولا يتوقع التدخل فيه، رغم معرفته السابقة بها وتقاطع برنامجها مع كثير من أفكاره. ولا يعني ذلك عزلة هونغ عن اليسار؛ فقد حظيت بتأييد شخصيات تقدمية، بينها إلهان عمر، فضلاً عن ناشطين ونقابيين. لكن تحفظ ساندرز يكشف عن أن السؤال لم يعد يتعلق بقدرة اليسار على الفوز داخل الحزب، بل بقدرته على الفوز بولاية متأرجحة.

ميشيغان وويسكونسن

المشكلة الكبرى التي تواجه هونغ في الانتخابات خلال نوفمبر المقبل هي توم تيفاني؛ المرشح الجمهوري المدعوم من الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الذي يدخل السباق بتفوق مالي هائل، بعدما جمع نحو 8.7 مليون دولار، أي أضعاف ما جمعه أي من أبرز منافسيه الديمقراطيين، ويستعد لربط هونغ بالجناح الأكبر يسارية بالحزب في قضايا الضرائب والجريمة والشرطة.

وتختلف ولاية ويسكونسن أيضاً عن ولاية ميشيغان، فقد استفاد عبدول السيد من تعبئة الناخبين العرب والمسلمين ومن الغضب بشأن غزة والإنفاق الضخم ضده. أما هونغ فتعتمد على الشباب والنقابات واليسار الحضري والتنظيم الشعبي، من دون كتلة ديموغرافية مماثلة؛ لذلك فقد تستطيع هونغ الثلاثاء تكرار النصف الأول من تجربة السيد. لكن المحك الحقيقي سيأتي في نوفمبر المقبل. فهل يستطيع نموذج التبرعات الصغيرة والحماس التقدمي هزيمة ماكينة جمهورية تملك: المال، وترمب، ورسالة جاهزة بشأن التطرف اليساري؟

إذا فازت هونغ، فلن يكون انتصارها مجرد مفاجأة أخرى بعد ميشيغان، بل سيصبح دليلاً على أن اليسار الأميركي بدأ ينتقل من التمرد داخل الحزب إلى القدرة على الحكم في الولايات المتأرجحة. أما إذا فازت الثلاثاء وخسرت في نوفمبر، فستجد المؤسسة الديمقراطية التقليدية في النتيجة حجتها الأقوى بأن الحماس يستطيع الفوز بالترشيح، لكنه لا يضمن الفوز بالسلطة.


مقالات ذات صلة

هواجس الخسارة تطارد الجمهوريين من ماين إلى ألاسكا

الولايات المتحدة​ السيناتور الجمهورية سوزان كولينز خلال حملة انتخابية في فرايبورغ - ماين (أ.ف.ب)

هواجس الخسارة تطارد الجمهوريين من ماين إلى ألاسكا

يأمل الديمقراطيون في أن تنعكس استطلاعات الرأي إيجاباً في صناديق الاقتراع خلال الانتخابات النصفية للكونغرس في 3 نوفمبر.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ في تكساس جيمس تالاريكو خلال فعالية في دالاس يوم 9 سبتمبر (أ.ب)

«عاصفة شائعات» تستهدف المرشح الديمقراطي في تكساس

أطلق المحافظون عاصفة من الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ترويجاً لأنباء حول الصحة النفسية للمرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ في تكساس جيمس تالاريكو.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي التحية لدى نزوله من الطائرة «مارين 1» في عودته للبيت الأبيض السبت الماضي (أ.ب)

جولة انتخابية لترمب لمحاولة إنقاذ الغالبية الجمهورية

تبقى مفارقة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي أن اسم الرئيس دونالد ترمب لن يكون على بطاقة الاقتراع، لكنها ستتحول بدرجة كبيرة استفتاءً على رئاسته...

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب أمام لوحة إعلانية تدعو إلى المشاركة في الانتخابات النصفية للكونغرس... بولاية تكساس مساء 7 أكتوبر 2026 (رويترز)

ترمب يروّج للجمهوريين في تكساس رغم المآخذ على باكستون

حشد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الناخبين في تكساس؛ دعماً لمرشحه كين باكستون في مواجهة أجواء سياسية متوترة بشأن احتمال فوز الديمقراطيين بالانتخابات النصفية...

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مشاركته في تجمع انتخابي بنبراسكا (أ.ف.ب)

ترمب يتراجع عن تمويل إعلاناته بأموال الضرائب

تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن قراره استخدام أموال دافعي الضرائب لتمويل إعلانات خاصة به، فيما يشكو الديمقراطيون من محدودية مواردهم المالية قبل الانتخابات.

علي بردى (واشنطن)

ترمب يقيّم ذكاء إيلون ماسك: عبقري بنسبة 80 %... ولديه مشكلة صغيرة

إيلون ماسك يقفز على منصة خلال تجمع انتخابي للرئيس الأميركي دونالد ترمب في بتلر فارم شو بولاية بنسلفانيا بتاريخ 5 أكتوبر 2024 (أ.ب).
إيلون ماسك يقفز على منصة خلال تجمع انتخابي للرئيس الأميركي دونالد ترمب في بتلر فارم شو بولاية بنسلفانيا بتاريخ 5 أكتوبر 2024 (أ.ب).
TT

ترمب يقيّم ذكاء إيلون ماسك: عبقري بنسبة 80 %... ولديه مشكلة صغيرة

إيلون ماسك يقفز على منصة خلال تجمع انتخابي للرئيس الأميركي دونالد ترمب في بتلر فارم شو بولاية بنسلفانيا بتاريخ 5 أكتوبر 2024 (أ.ب).
إيلون ماسك يقفز على منصة خلال تجمع انتخابي للرئيس الأميركي دونالد ترمب في بتلر فارم شو بولاية بنسلفانيا بتاريخ 5 أكتوبر 2024 (أ.ب).

وصف الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الملياردير إيلون ماسك بأنه «عبقري للغاية بنسبة 80 في المائة»، مشيراً إلى أن لديه «مشكلة صغيرة» في النسبة المتبقية، في تعليق مازح على ذكاء حليفه السابق الذي تربطه به علاقة متقلبة.

وجاءت تصريحات ترمب التي نقلتها صحيفة «إندبندنت»، خلال تجمع انتخابي في مدينة بولهد سيتي بولاية أريزونا، الأربعاء، دعماً لعضو الكونغرس الجمهوري آندي بيغز، الذي ينافس الحاكمة الديمقراطية الحالية كايتي هوبز على منصب حاكم الولاية.

وهاجم ترمب هوبز، واصفاً إياها بأنها «فظيعة... وشخص غبي»، قبل أن يقارن ذكاءها بذكاء ماسك، مؤسِّس شركة السيارات الكهربائية «تسلا»، وشركة الفضاء «سبايس إكس»، والشركة الناشئة للذكاء الاصطناعي «إكس إيه آي».

وقال ترمب: «أنا أعرف أشخاصاً أذكياء. أتعامل مع أشخاص بدءاً من إيلون (ماسك) وصولاً إلى كايتي (هوبز)».

لكنه أضاف في إشارة انتقادية خفيفة إلى ماسك: «إيلون عبقري للغاية بنسبة 80 في المائة، وفي النسبة المتبقية، لديه مشكلة صغيرة، وأنا أقول له ذلك دائماً. لكنه رجل رائع».

علاقة متقلبة بين ترمب وماسك

شهدت العلاقة بين ترمب وماسك تقلبات عدة. فقد دعم الملياردير ترمب خلال انتخابات عام 2024، وأسهم بأموال في تمويل حملته الانتخابية.

وعندما عاد ترمب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، اصطحب ماسك معه، حيث تولى الملياردير قيادة إدارة الكفاءة الحكومية، المعروفة اختصاراً باسم «دوج (DOGE)»، التي أُنشئت حديثاً.

واستمرَّ ماسك في هذا الدور بضعة أشهر، قاد خلالها جهوداً لتقليص حجم الوكالات الفيدرالية، في إطار ما قالت الإدارة إنه «مسعى للحد من الهدر الحكومي».

لكن ماسك غادر البيت الأبيض في مايو (أيار) 2025، بعدما انتقد علناً مشروع قانون الإنفاق الضخم الذي روَّج له ترمب، ووصفه بأنه مشروع «كبير وجميل».

ورغم الخلافات السابقة، ضخَّ ماسك منذ مطلع يوليو (تموز) أكثر من 276 مليون دولار لدعم المرشحين الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني)، وفقاً لما كشفته صحيفة «نيويورك تايمز» الاثنين.

وذهب نحو 158 مليون دولار من أموال ماسك إلى صندوق قيادة مجلس الشيوخ، وهو لجنة عمل سياسي فائقة تدعم المرشحين الجمهوريين لعضوية المجلس في انتخابات التجديد النصفي، بحسب بيانات قدمها فريق الملياردير.


«أم القنابل» الأميركية التي قد تضرب إيران... ماذا نعرف عنها؟

تظهر في هذه الصورة التي وُزعت دون تحديد تاريخها «أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية (رويترز)
تظهر في هذه الصورة التي وُزعت دون تحديد تاريخها «أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية (رويترز)
TT

«أم القنابل» الأميركية التي قد تضرب إيران... ماذا نعرف عنها؟

تظهر في هذه الصورة التي وُزعت دون تحديد تاريخها «أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية (رويترز)
تظهر في هذه الصورة التي وُزعت دون تحديد تاريخها «أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية (رويترز)

أعادت خطط عسكرية أميركية تتضمن احتمال استخدام قنبلة «أم القنابل» ضد أهداف إيرانية تسليط الضوء على أحد أكبر الأسلحة في الترسانة الأميركية، في وقت لا تزال فيه جدوى استخدامها لتحقيق الأهداف الاستراتيجية موضع تساؤل.

وبحسب شبكة «سي إن إن»، وضع الجيش الأميركي خططاً قد تشمل استخدام «أم القنابل» المعروفة أيضاً باسم «جي بي يو-43/بي» (GBU-43/B) لاستهداف منشآت الطاقة والمواقع النووية الإيرانية، إذا قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب استئناف العمليات القتالية.

وتُعد هذه القنبلة من أقوى الأسلحة التقليدية الأميركية، لكنها ليست سلاحاً نووياً، كما أن استخدامها المحتمل ضد إيران لا يعني صدور قرار بتنفيذ هجمات بها.

ما خصائص «أم القنابل»؟

تحمل القنبلة الاسم العسكري «جي بي يو-43/بي»، بينما يشير اختصار «MOAB» إلى اسمها الرسمي باللغة الإنجليزية: «ماسيف أوردنانس إير بلاست» (Massive Ordnance Air Blast)، أي «قنبلة الانفجار الجوي الضخم». أما وصف «أم القنابل» (Mother of All Bombs)، فهو الاسم الشائع الذي عُرفت به إعلامياً.

ووفقاً لمجلة «إير آند سبيس فورسز» المتخصصة في شؤون القوات الجوية والفضائية، صُممت القنبلة لاستهداف مساحات واسعة، وتجمعات القوات، والتحصينات الموجودة فوق سطح الأرض، فضلاً عن الأهداف الواقعة داخل الأنفاق والكهوف.

وتزن القنبلة نحو 21 ألفاً إلى 21 ألفاً و600 رطل، أي ما يقارب 9.5 إلى 9.8 طن، ويبلغ طولها نحو 9 أمتار. وتحمل رأساً حربياً يحتوي على نحو 18 ألفاً و700 رطل، أو قرابة 8.5 طن، من المتفجرات. وتختلف الأرقام المنشورة قليلاً بين المصادر بحسب طريقة احتساب الوزن الإجمالي.

وبحسب بيانات نشرتها مجلة «إير آند سبيس فورسز»، فإن القنبلة موجهة بالأقمار الاصطناعية، وتستخدم نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وأنظمة ملاحة داخلية لتصحيح مسارها نحو الهدف. وهي أكبر سلاح تقليدي موجه يُطلق من الجو استُخدم عملياً، وفقاً للمجلة.

كيف تعمل القنبلة وما الأهداف التي صُممت لضربها؟

على خلاف القنابل التي تعتمد على اختراق الأرض أو التحصينات قبل الانفجار، تنفجر «أم القنابل» في الهواء فوق المنطقة المستهدفة، ما يسمح لموجة الضغط والطاقة الناتجة من الانفجار بالانتشار على مساحة واسعة.

ووفقاً للقوات الجوية الأميركية، فإن «أم القنابل»، سلاح تقليدي موجه بالأقمار الاصطناعية، صُمم لتدمير أهداف واسعة النطاق، بما فيها مواقع تضم أنفاقاً وكهوفاً. وتُحدث القنبلة انفجاراً جوياً فوق المنطقة المستهدفة، ما يسمح لموجة الضغط الناتجة منه بالانتشار على مساحة واسعة.

وأوضحت مجلة «إير آند سبيس فورسز» المتخصصة في الشؤون العسكرية، أن القنبلة تعتمد على متفجرات تقليدية، ويتركز تأثيرها التدميري في الانفجار وموجة الضغط المصاحبة له، وليس في تفاعل نووي. ويمكن لهذه الموجة أن تلحق أضراراً بالأشخاص والمنشآت داخل المنطقة المستهدفة، بما في ذلك مواقع الأنفاق والكهوف، لكن ذلك لا يعني أن القنبلة مصممة لاختراق التحصينات العميقة تحت الأرض.

في المقابل، توضح القوات الجوية الأميركية أن القنبلة «جي بي يو-57» (GBU-57)، المعروفة باسم «مخترقة الذخائر الضخمة» (Massive Ordnance Penetrator)، صُممت تحديداً لاستهداف المنشآت المحصنة والمدفونة على أعماق كبيرة. ويعكس الاختلاف بين السلاحين تبايناً في التصميم والمهمة؛ إذ تركز «أم القنابل» على إحداث انفجار جوي واسع، بينما صُممت «مخترقة الذخائر» لاختراق التحصينات والمنشآت العميقة قبل تفجير رأسها الحربي.

متى طوّرت الولايات المتحدة «أم القنابل»؟

وطوّرت القوات الجوية الأميركية القنبلة عام 2003، في إطار جهود لتوفير سلاح تقليدي ضخم يمكن استخدامه ضد أهداف واسعة أو محصنة. ووفقاً لمجلة «إير آند سبيس فورسز»، أنجز مختبر أبحاث القوات الجوية الأميركية تطويرها خلال نحو تسعة أسابيع، استعداداً لاحتمال استخدامها في حرب العراق.

وأُجريت اختبارات للقنبلة في مارس (آذار) 2003، وأصبحت متاحة للاستخدام العملياتي في العام نفسه، بحسب بيانات متحف تسليح القوات الجوية الأميركية. لكن القنبلة لم تُستخدم في القتال خلال حرب العراق، رغم تطويرها في ذلك السياق.

وفي تقرير نشرته القوات الجوية الأميركية عام 2008 بعنوان «بعد خمس سنوات، لا تزال تُعرف باسم أم القنابل»، أوضح التقرير أن تطوير القنبلة عام 2003 ارتبط بمحاولة الضغط على نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، عبر إظهار القدرات العسكرية الأميركية وردع القوات العراقية عن القتال. ونقل عن وزير الدفاع الأميركي آنذاك دونالد رامسفيلد أن الهدف كان جعل القدرات العسكرية للتحالف واضحة بما يكفي لثني القوات العراقية عن المواجهة.

أفغانستان 2017... الاستخدام القتالي الأول

إلا أن الجيش الأميركي استخدم «أم القنابل» للمرة الأولى في العمليات القتالية في 13 أبريل (نيسان) 2017، عندما استهدف مجمعاً من الأنفاق والكهوف يستخدمه تنظيم «داعش» في منطقة أتشين بإقليم ننغرهار شرقي أفغانستان، قرب الحدود مع باكستان.

وقالت القوات الأميركية في أفغانستان، في بيان نُشر في ذلك اليوم، إن الضربة استهدفت مجمعاً تابعاً لتنظيم «داعش - ولاية خراسان»، في إطار العمليات الرامية إلى هزيمة التنظيم. وأوضحت أن استخدام القنبلة كان يهدف إلى تدمير مواقع المسلحين ومنشآتهم، وتخفيف المخاطر التي تواجه القوات الأميركية والأفغانية أثناء عمليات التقدم الميداني.

وكانت الضربة أول استخدام قتالي للقنبلة منذ تطويرها، ولم تُعلن الولايات المتحدة استخدامها في عملية قتالية أخرى بعد تلك الضربة.

هل تستطيع تدمير المنشآت النووية الإيرانية؟

بينما صُممت «أم القنابل» لإحداث انفجار واسع، طُورت القنبلة الأميركية GBU-57، التي يبلغ وزنها نحو 13.6 طن، خصيصاً لاختراق التحصينات العميقة قبل الانفجار.

ويعني ذلك أن استخدام «أم القنابل» ضد منشآت نووية محفورة داخل الجبال قد يدمر مباني سطحية ومداخل ومرافق مساندة، لكنه لا يضمن الوصول إلى التجهيزات الموجودة في الأعماق.

وبحسب «سي إن إن»، يشكك بعض المسؤولين العسكريين الأميركيين في قدرة القنبلة على اختراق الصخور التي تحمي منشأة جبل الفأس.

وتعتمد فاعلية أي ضربة على طبيعة الموقع وعمقه وبنيته الجيولوجية، وليس على وزن القنبلة أو قوة انفجارها وحدهما.


تقرير: أميركا تدرس استخدام «أم القنابل» ضد إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

تقرير: أميركا تدرس استخدام «أم القنابل» ضد إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

ذكرت شبكة «سي إن إن»، اليوم (الخميس)، ​نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن الجيش الأميركي وضع خططاً لشن ضربات قد تشمل ‌استخدام قنبلة ‌من ​طراز «جي.بي.يو-43/بي»، المعروفة ‌أيضاً ⁠باسم «أم ​القنابل»، ضد ⁠البنية التحتية للطاقة والمواقع النووية الإيرانية في حال أمر الرئيس دونالد ⁠ترمب باستئناف العمليات القتالية.

وسيعد ‌استخدام ‌هذه القنبلة، ​وهي ‌أكبر الأسلحة ‌غير النووية في الترسانة الأميركية، تصعيداً خطيراً في الصراع، إلا ‌أن مسؤولين مطلعين على مناقشات التخطيط ⁠العسكري ⁠أبلغوا «سي إن إن» بأن هناك تساؤلات لا تزال قائمة حول مدى جدواها في تحقيق الأهداف الاستراتيجية لواشنطن.

ويواجه ترمب ضغوطاً لإنهاء الحرب، في وقت يستعد فيه الجمهوريون لاحتمال مواجهة رد فعل سياسي من الناخبين خلال انتخابات التجديد النصفي المقبلة.

ولا توجد مؤشرات تُذكر على اقتراب واشنطن وطهران من التوصل إلى تسوية تفاوضية، بعد أكثر من ستة أشهر من القصف الأميركي.

وفي حين يواصل الجيش الأميركي تقديم خيارات لترمب بشأن ضرب أهداف إيرانية لم تُستهدف بعد، لا يزال بعض المسؤولين يتساءلون سراً عما إذا كان لدى البيت الأبيض استراتيجية توظف هذه الخطط بطريقة يمكن أن تؤدي فعلياً إلى إنهاء الحرب، وهو قرار لا يملك صلاحية اتخاذه سوى الرئيس، بحسب «سي إن إن».

«أم القنابل» ضمن خطط تصعيد الضربات

وعلى مدى أشهر، ناقش ترمب ومستشاروه خيارات يمكن أن تشكل نهاية «حاسمة» للحرب، على الأقل من ناحية الرسائل السياسية والإعلامية، في ظل إدراكهم تراجع شعبية الصراع بين الأميركيين، وفق الشبكة.

وبينما وصف بعض المسؤولين في الإدارة الأميركية الحرب بأنها حُسمت عملياً، اتسمت تصريحات ترمب الأخيرة بمزيد من التحفظ؛ إذ تجنب إعلان النصر، وأكد أن الولايات المتحدة لا تزال لديها أعمال غير مكتملة في إيران.

وفي الكواليس، أبدى ترمب أيضاً شكوكاً حيال بعض الحلفاء الخارجيين الذين شجعوه على إعادة القوات الأميركية إلى الوطن وإنهاء التدخل. ويرى ترمب أن اتخاذ هذه الخطوة سيبدو بمثابة هزيمة.

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، عقد مستشارون في البيت الأبيض اجتماعات لمناقشة خيارات مختلفة بشأن إيران. ورغم إعلان ترمب أنه لن يتخذ خطوات جديدة قبل انتخابات التجديد النصفي، قال عدد من مستشاريه سراً بحسب «سي إن إن»، إنهم لا يعرفون ما إذا كان هذا التصريح نهائياً أم أنه قد يتغير قبل يوم الانتخابات.

ترمب يطلب إعداد خطط لضرب منشآت الطاقة والبرنامج النووي الإيراني

وأمر ترمب الجيش بإعداد حزم إضافية من الضربات ضد أهداف إيرانية، تشمل استهداف «الكثير من البنية التحتية للطاقة»، مع بحث احتمال استخدام قنبلة «أم القنابل»، وفقاً لمصدر تحدث إلى شبكة «سي إن إن».

وأوضح المصدر أن الصياغة المستخدمة خلال المناقشات أشارت إلى تنفيذ الهجوم «قبل انسحاب القوات الأميركية من منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأميركية»، ما يوحي بإمكان شن ضربات إضافية، ثم محاولة إعلان النصر وسحب القوات الأميركية بسرعة.

جبل «بيك آكس» النووي ضمن الأهداف المحتملة

وقال مصدر ثانٍ لـ«سي إن إن» إن الخطط العسكرية لاستهداف المواقع النووية الإيرانية، بما فيها موقع جبل «بيك آكس» (Pickaxe Mountain)، تنص صراحة أيضاً على احتمال استخدام «أم القنابل».

وخلال الأشهر الأخيرة، هدّد ترمب مراراً بضرب هذا الموقع، الذي تعتقد الولايات المتحدة وإسرائيل أن طهران خزّنت فيه مكونات من برنامجها النووي، حتى بعد تعليق العمليات القتالية الشاملة في وقت سابق من العام الحالي.

ولا يزال ترمب يؤكد أن هدفه يتمثل في ضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي مطلقاً.