لا يزال الحديث عن حزب يقوده محافظون انقلبوا على دونالد ترمب أقرب إلى إعلان تمرّد داخل حركة «ماغا» منه إلى ولادة تنظيم انتخابي مكتمل. لكن اجتماع تاكر كارلسون في منزله بولاية ماين مع النائب توماس ماسي، والنائبة السابقة مارغوري تايلور غرين، والمدير السابق للاستخبارات الوطنية جو كينت، يكشف أن الخلاف تجاوز الانتقادات المتفرقة إلى البحث عن إطار سياسي قادر على تحدي المؤسسة الجمهورية.

وبحسب وسائل إعلام، من بينها «بوليتيكو» و«أكسيوس»، وبعض منصات التواصل الاجتماعي، ناقش المجتمعون احتمال دعم مرشح مستقل في انتخابات 2028، يرفع شعار إنهاء التدخلات والحروب الخارجية. غير أن غياب المرشح والهيكل والتمويل وخطة الوصول إلى بطاقات الاقتراع يجعل المبادرة جدية بوصفها حركة ضغط لا حزباً قادراً، حتى الآن، على منافسة الحزبين الكبيرين.
تمرُّد داخل «ماغا»
هؤلاء ليسوا من المحافظين التقليديين المناهضين لترمب؛فقد أيد كارلسون وغرين وماسي ترمب في انتخابات 2024، قبل أن ينفصلوا عنه بسبب حرب إيران، وتعاونه العسكري مع إسرائيل، وطريقة تعامله مع ملفات جيفري إبستين... لذلك فإن تمرّدهم يدور حول ملكية شعار «أميركا أولاً»: هل يعني الولاء لترمب شخصياً، أو التمسك بالانعزالية النسبية ورفض الحروب حتى عندما يختار الرئيس خوضها؟

لخّصت غرين هذا الاتهام بقولها إن ترمب «خاننا جميعاً»، في حين أقر كينت في مقابلة مع جنك أوغور، مؤسس ومقدم برنامج «ذا يونغ تيركس» ذي التوجه التقدمي الشعبوي المناهض للحزبين، أن إطلاق حزب ثالث يظل مهمة شديدة الصعوبة، لكنها ليست مستحيلة. وقد طلب الحاضرون من كارلسون الترشح للرئاسة، لكنه رفض. وعدّ رفضه مهماً؛ لأن الأحزاب الجديدة تحتاج إلى شخصية وطنية تجمع المال والإعلام والناخبين، لا إلى قضية واحدة فقط.
ومع ذلك، أضفى كارلسون بعد الاجتماع مضموناً أوسع للمشروع. ففي خطاب من عشر نقاط، تحدث عن السيادة، وإحياء الصناعة والزراعة، ووقف الهجرة في ظل تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف، وتعزيز الأسرة والصحة العامة، إلى جانب رفض الحروب ونفوذ جماعات الضغط الأجنبية. لكنه توقف، وفق «أكسيوس»، قبل إعلان حزب أو ترشح رسمي، وقدم رؤيته كأساس لما قد يأتي لاحقاً.

جدار الحزبين
تاريخياً، لا تكمن المشكلة في غياب الاستياء الشعبي، بل في قواعد النظام الأميركي. فالوصول إلى بطاقة الاقتراع يخضع لشروط ومواعيد مختلفة في كل ولاية، ثم تأتي تكلفة بناء تنظيم وطني، وجمع الأموال، والمشاركة في المناظرات. والأهم أن نظام الفائز بأكثرية الأصوات في معظم الولايات يدفع الناخب إلى الاختيار بين مرشحين قابلين للفوز، خشية «إهدار» صوته أو مساعدة المرشح الذي يعارضه.
حتى أقوى التجارب انتهت غالباً بإضعاف الحزب الذي انشقت عنه. ففي 1912 حصل الرئيس السابق ثيودور روزفلت على 88 صوتاً في المجمع الانتخابي، لكنه قسّم الجمهوريين وفتح الطريق أمام الديمقراطي وودرو ويلسون. وفي 1992 جمع روس بيرو نحو 19.7 مليون صوت، لكنه لم يحصل على أي صوت انتخابي، بحسب الأرشيف الوطني. أما روبرت كينيدي الابن، فأظهر في 2024 صعوبة تحويل الاهتمام الإعلامي إلى قوة مستقلة؛ إذ أنهى حملته وأيّد ترمب، ولم تتجاوز الأصوات التي بقي اسمه يستقطبها 0.49 في المائة، وفق النتائج الرسمية.

التأثير قبل الانتصار
توجد، نظرياً، قاعدة شعبية تبحث عن بديل. فقد أظهر استطلاع «غالوب» أن 62 في المائة من الأميركيين يرون حاجة إلى حزب ثالث. لكن 15 في المائة فقط قالوا إنهم مرجحون جداً للتصويت له، و54 في المائة قد يعودون إلى أحد الحزبين إذا بدا أن مرشحهم البديل لا يستطيع الفوز.
لذلك، قد يكون الهدف الحقيقي للقاء الذي جمع هؤلاء المعارضين في ولاية ماين أقل طموحاً وأكثر واقعية: تهديد الجمهوريين بحرمانهم من شريحة من القاعدة، ودفع مرشحي 2028 إلى تبني سياسة خارجية أقل تدخلاً. ويمكن للحركة أن تدعم مرشحين في الانتخابات التمهيدية، على غرار التأثير الذي مارسه قبل أكثر من عقد ما كان يسمى «حزب الشاي» على الحزب الجمهوري، أو تحتفظ بخيار مرشح مستقل كورقة تفاوض.

لذلك، يصعب تصور حزب جديد قادر على بلوغ البيت الأبيض، لكن من الخطأ اعتبار المبادرة مجرد استعراض شعبوي. فإذا اجتمع مرشح معروف وتمويل وتنظيم مبكر، تستطيع الحركة انتزاع نسبة صغيرة، لكنها حاسمة في الولايات المتأرجحة. نجاحها الأرجح لن يكون في الحلول محل الحزب الجمهوري، بل في فرض تعريفها لـ«أميركا أولاً» على معركة خلافة ترمب، أو معاقبة من ترى أنه تخلى عنها.
