ترمب: لا حاجة لوجود عسكري أميركي بالعراق

الزيدي قال إن حكومته لن تسمح لأي فصيل بحمل السلاح بعد سبتمبر المقبل

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض بواشنطن في 14 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض بواشنطن في 14 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب: لا حاجة لوجود عسكري أميركي بالعراق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض بواشنطن في 14 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض بواشنطن في 14 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، بأداء رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، واصفاً إياه بأنه «مقاتل عظيم وصديق كبير للولايات المتحدة»، مؤكداً أن العراق يمتلك «ثروة نفطية هائلة»، وأن الحكومة الجديدة حققت «تغييراً كبيراً خلال فترة زمنية قصيرة، خصوصاً في نظرتها إلى الولايات المتحدة».

وقال ترمب خلال استقباله الزيدي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، إنه «سيصبح أحد أهم قادة الشرق الأوسط»، ودعاه إلى تناول الغداء، وهو أمر لم يكن مدرجاً على جدول الزيارة.

وكشف ترمب عن توجه أميركي لإقامة علاقة طويلة الأمد مع بغداد تقوم على الاستثمار والطاقة بدلاً من القوات العسكرية، مشدداً على أن الولايات المتحدة ستكون مستعدة لمساندة العراق إذا احتاج إلى الحماية، لكنه أضاف أنه لا يعتقد أن ذلك سيكون ضرورياً.

وخلال اللقاء، أكد ترمب قرب الإعلان عن شراكات نفطية أميركية ضخمة مع العراق، قائلاً إن شركات الطاقة الأميركية بدأت تدخل السوق العراقية «بمستويات غير مسبوقة»، وإن الاتفاقات المنتظرة ستكون الأكبر بين البلدين، مشيراً إلى أنها تمثل جوهر العلاقة الجديدة بين واشنطن وبغداد.

وقال ترمب: «لا نعتقد أننا بحاجة إلى وجود عسكري هناك بعد الآن. شركات النفط الأميركية تدخل السوق العراقية، وتقيم شراكات واسعة، وهذه العلاقة لا تتطلب وجوداً عسكرياً».

رسالة إلى إيران

وربط ترمب بين هذا التحول وبين ما وصفه بتراجع النفوذ الإيراني، قائلاً إن إيران كانت تمارس «دور المتنمر في المنطقة»، وإن العراق كان أحد أكثر المتضررين من هذا النفوذ. وقال: «نحن نتخلص من هذا المتنمر في منطقة الشرق الأوسط. لقد مارست إيران التنمر على العراق وعلى كل دولة أخرى، وكان هناك خوف يسود الشرق الأوسط، لكن لم يعد هناك خوف الآن؛ لأن قدراتها العسكرية دُمّرت تماماً».

ورأى ترمب أن هذا التطور منح العراق مساحة أكبر لاستعادة قراره السيادي، وشجع الشركات الأميركية على الاستثمار هناك.

من جانبه، حرص رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي على التأكيد أن زيارته لا تقتصر على الملفات الأمنية، بل تمثل إعلاناً عن شراكة اقتصادية جديدة بين البلدين. وقال إن العراق يتطلع إلى أن يكون 30 سبتمبر (أيلول) المقبل، موعد انتهاء مهمة قوات التحالف، بداية مرحلة جديدة من العلاقات مع الولايات المتحدة.

وقال للصحافيين: «في الثلاثين من سبتمبر ستخرج القوات الأميركية من العراق، بينما ستبقى الشركات الأميركية داخله»، مؤكداً أن العلاقات الاقتصادية والاجتماعية أكثر استدامة وأهمية من العلاقات العسكرية.

وفي إجابته عن أسئلة الصحافيين عما إذا كان يفكر في الانسحاب من منظمة «أوبك»، أجاب رئيس الوزراء العراقي أن العراق بحاجة إلى حصة إنتاج عادلة ضمن منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك).

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن يوم 14 يوليو 2026 (رويترز)

حصر السلاح

واحتل ملف الفصائل المسلحة حيزاً مهماً من تصريحات رئيس الوزراء العراقي، الذي أكد أن حكومته ماضية في تنفيذ برنامجها القاضي بحصر السلاح بيد الدولة. وقال إن الحكومة بدأت بالفعل تسلم أسلحة من عدد من الفصائل، موضحاً أن المجموعات التي سلمت أسلحتها تحولت إلى العمل السياسي والمدني.

وأضاف أن وجود الفصائل المسلحة كان «ضرورة مرحلية وليس مهنة دائمة»، مشدداً على أنه لم يعد هناك أي مبرر لوجودها بعد الثلاثين من سبتمبر. وأكد أن القوات الأمنية العراقية ستكون قادرة على حماية الحدود بعد انتهاء مهمة قوات التحالف، وأن القرار العراقي «عاد ليكون بأيدي العراقيين وحدهم»، في رسالة تستهدف طمأنة واشنطن بأن بغداد قادرة على تحمل المسؤولية الأمنية بعد الانسحاب الأميركي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجيب عن أسئلة من الصحافيين حول إيران خلال اجتماع مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض يوم 14 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

شراكة اقتصادية

وعكس اللقاء تحولاً واضحاً في أولويات العلاقة الأميركية - العراقية، إذ لم يعد النقاش يتركز على عدد القوات الأميركية أو العمليات العسكرية ضد تنظيم «داعش»، بقدر ما انصب على الاستثمارات والطاقة والإصلاح الاقتصادي.

وتنظر إدارة ترمب إلى العراق بوصفه من أهم الأسواق الواعدة للشركات الأميركية، خصوصاً في مجالات النفط والغاز والكهرباء والاقتصاد الرقمي، بينما ترى بغداد أن جذب الاستثمارات الأميركية يمثل ركيزة أساسية لإنعاش الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط وحده.

وأشار محللون إلى أن إدارة ترمب تسعى إلى إعادة تعريف علاقتها بالعراق ضمن رؤية أوسع لإعادة ترتيب الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، تقوم على تقليص الانتشار العسكري المباشر مقابل تعزيز النفوذ الاقتصادي والاستثماري. وفي المقابل، يحاول رئيس الوزراء العراقي استثمار هذه اللحظة لإقناع واشنطن بأن بغداد أصبحت شريكاً قادراً على فرض سيادة الدولة، وجذب الاستثمارات، والحفاظ على توازن علاقاتها الإقليمية، مع تقليص نفوذ الجماعات المسلحة المدعومة من إيران.


مقالات ذات صلة

ترمب: خياراتنا إما تنهار إيران اقتصادياً وإما «ضربها بشدة»

شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجيب عن أسئلة من الصحافيين حول إيران منتصف يوليو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle

ترمب: خياراتنا إما تنهار إيران اقتصادياً وإما «ضربها بشدة»

اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإيرانيين بأنهم «مفاوضون مخادعون للغاية»، ولوّح بالتريث وترك طهران تنهار اقتصادياً أو ضربها «بقوة شديدة جداً».

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

إسرائيل تُعيد رسم الانقسامات السياسية في أميركا

رغم اختلاف دوافع انتقاد إسرائيل فإن غالبية الأصوات المشككة تدعو إلى الحدّ من نفوذ تل أبيب في أروقة القرار الأميركي.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل يتحدث خلال إحاطة في البيت الأبيض بالعاصمة الأميركية واشنطن يوم 12 نوفمبر 2025 (رويترز)

تحقيق «ترمب وروسيا»... كيف تحوَّل إلى ورقة ضغط وتجاذب حزبي؟

المذكرات التي رفع البيت الأبيض السرية عنها تكشف عن أن «إف بي آي» تعامل مع احتمال خضوع الرئيس لتأثير موسكو.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الصحة روبرت كينيدي واقفاً خلف الرئيس دونالد ترمب قبيل التوقيع على القرار التنفيذي في المكتب البيضاوي يوم 10 أغسطس (أ.ف.ب)

دفاع دولي عن اللقاحات في مواجهة «المعيار الذهبي» لترمب

دافعت منظمة الصحة العالمية عن الأسس العلمية لجداول تطعيم الأطفال، غداة توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب قراراً تنفيذياً غايته تقليل عدد اللقاحات، وفصلها.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ملوحاً بيده لدى وصوله قاعدة سانت أندروز الجوية المشتركة بميريلاند يوم 7 أغسطس (أ.ب)

عملية تمويه استثنائية لحماية ترمب من «تهديدات إيرانية»

دفعت تهديدات إيرانية ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب المسؤولين الكبار في إدارته إلى القيام بعملية تمويه استثنائية لعودته من تركيا حيث شارك في قمة لحلف «الناتو».

علي بردى (واشنطن)

واشنطن ودول حليفة لها تطالب بإخطار مسبق قبل اختبارات الصواريخ البالستية

صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن ودول حليفة لها تطالب بإخطار مسبق قبل اختبارات الصواريخ البالستية

صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

حذّرت الولايات المتحدة ونحو 40 دولة أخرى، الثلاثاء، من مخاطر إجراء اختبارات للصواريخ البالستية من دون إخطار مسبق، وذلك في بيان مشترك صدر بعد شهر من إطلاق الصين صاروخا قادرا على حمل رؤوس نووية فوق المحيط الهادئ.

وجاء في البيان الذي وقّعته دول من أوروبا ومنطقة المحيطَين الهندي والهادئ، أن «إجراء اختبارات لصواريخ بالستية قادرة على حمل رؤوس نووية من دون إخطار مسبق وتفاصيل واضحة، يُعدّ أمرا خطيرا ويقوّض السلم والأمن للدول القريبة من مسارات هذه الاختبارات».

وأضاف البيان أن هذه الممارسات «تنطوي على مخاطر سوء التقدير، وتقوّض الاستقرار والأمن العالميَّين، ولا تنسجم مع المسؤوليات المترتبة على امتلاك قدرات صاروخية بعيدة المدى».

ودعت الدول الموقّعة كل البلدان إلى تقديم إشعار قبل الإطلاق بما لا يقل عن 24 ساعة، يتضمّن نوع الصاروخ المزمع إطلاقه، والنافذة الزمنية للإطلاق، والمنطقة والاتجاه المتوقّعَين.

كما شدّد البيان على ضرورة إصدار إخطارات واضحة للطيران والملاحة البحرية وفق المعايير الدولية للحدّ من المخاطر، بما في ذلك في المناطق المتوقع سقوط الصاروخ أو حطامه فيها.

وكانت بكين أخطرت عددا محدودا من الدول قبل فترة وجيزة من اختبارها صاروخا بالستيا عابرا للقارات الشهر الماضي، في خطوة اعتُبرت استعراضا لقدراتها العسكرية في منطقة تسعى منذ سنوات إلى تعزيز نفوذها فيها.

وقال مراقبون إن الصاروخ سقط في منطقة بحرية تقع بين جزر سليمان وناورو وتوفالو في المحيط الهادئ.


إسرائيل تُعيد رسم الانقسامات السياسية في أميركا

ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل تُعيد رسم الانقسامات السياسية في أميركا

ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

عندما يلتقي أقصى اليمين وأقصى اليسار على موقف واحد، يصعب تجاهل التحول الذي يعكسه هذا التقاطع. وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم في الولايات المتحدة، حيث تتسع دائرة الانتقادات لإسرائيل عموماً ولرئيس وزرائها بنيامين نتنياهو خصوصاً، لتتجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية، وتجمع أصواتاً متباعدة سياسياً قلّما تلتقي على قضية واحدة.

وفي الوقت الذي بدأت هذه المواقف تتردد منذ فترة في الأوساط السياسية الأميركية، إلا أن حوار الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، المعروف بمواقفه المنتقدة لتل أبيب، مع نجل الرئيس السابق جو بايدن، هنتر، سلّط الضوء عليها، إذ أجمع الرجلان اللذان قلما يتفقان على موقف، على انتقاد نتنياهو. فوصف هنتر رئيس الوزراء الإسرائيلي بـ«الشر المتجسد»، ودافع عن كارلسون الذي يواجه اتهامات بمعاداة السامية بسبب انتقاده لإسرائيل، مستغرباً من ربط الملفين ببعضهما بعضاً.

معاداة السامية

لكن هذا الربط ليس جديداً، فلطالما واجه منتقدو إسرائيل في الولايات المتحدة اتهامات بمعاداة السامية. ولا يقتصر الأمر على كارلسون، بل يتعداه ليصل إلى نائب الرئيس الأميركي نفسه جي دي فانس الذي يواجه هو كذلك اتهامات من هذا النوع، بعد أن انتقد إسرائيل علناً «بسبب عرقلتها الاتفاق مع إيران».

هنتر نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في البيت الأبيض 16 ديسمبر 2024 (أ.ب)

فقد أعرب فانس في موقف لافت عن انزعاجه من سماح «القيادات الأميركية بأن يؤثر النفوذ الإسرائيلي على أحكامها والمواقف التي يدافعون عنها»، واتّهم أعضاء في الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير على الرأي العام الأميركي لإطالة أمد الحرب.

وتطرق فانس بشكل مباشر إلى الاتهامات بمعاداة السامية، فقال بشكل حاسم: «ليس صحيحاً أن كل انتقاد للقرارات السياسية التي يتخذها نتنياهو يقود إلى معاداة السامية، أو يُعدّ بحد ذاته معاداة للسامية».

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في البيت الأبيض 5 أغسطس 2026 (أ.ب)

ومن الواضح أن التطرق إلى ملفات من هذا النوع بدأ يغير من طبيعة الحوار في الولايات المتحدة بشأن إسرائيل. وقد تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن الأمر أكثر من مرة، كان آخرها في مقابلة مع «ريل أميركا فويس» قال فيها إن تأثير اللوبي الإسرائيلي يتراجع في واشنطن، مشيراً إلى تغيير المشهد الأميركي حيال إسرائيل. ورغم وجود كثير من المحافظين الذين ينتقدون تل أبيب، فإن ترمب لم يتردد بتوجيه أصابع الاتهام إلى الحزب الديمقراطي. وهاجم زعيمهم في مجلس الشيوخ تشاك شومر، مشيراً إلى أنه توقف عن دعم إسرائيل «وأصبح فلسطينياً» على حد تعبيره.

تغيير في المشهد الحزبي

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بالكونغرس 4 أغسطس 2026 (رويترز)

لكن شومر من الديمقراطيين القلائل الذين حافظوا على تأييدهم لإسرائيل في أجواء مشحونة سياسياً، إذ إنه صوّت ضد مشروع قرار طرحه التقدمي برني ساندرز لتقييد مبيعات الأسلحة لإسرائيل رغم انضمام 40 ديمقراطياً للتصويت لصالح المشروع في سابقة في الكونغرس.

وتكرر المشهد في الجانب المقابل من المجلس التشريعي، حين صوّت أكثر من 100 ديمقراطي لصالح مشروع مشابه طرحه الجمهوري المعارض لترمب توماس ماسي، في مواقف أظهرت بوضوح تغييراً بارزاً في المعادلة السياسية الأميركية.

ترمب برفقة الإعلامي تاكر كارلسون في فينيكس بأريزونا يوم 31 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

ورغم تأييد شومر المستمر لإسرائيل، فإن الرجل الذي يبلغ من العمر 75 عاماً سيخوض الانتخابات في عام 2028 للدفاع عن مقعده، ومن المتوقع أن تنافسه على هذا المقعد النائبة التقدمية الشابة ألكسندريا أوكاسيو كورتيز المعروفة بمواقفها المنتقدة لإسرائيل. ومما لا شك فيه أن الناخبين الشباب هم الذين حركوا هذا التغيير في المواقف، فهم من صوتوا لصالح وجوه تقدمية ديمقراطية تعارض إسرائيل علناً، مثل رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، والمرشح الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان عبد الرحمن السيد.

بين إيران وإبستين

ومن اليسار إلى أقصى اليمين، تتصاعد أصوات المؤثرين والمحافظين المعارضين لسياسات إسرائيل.

وقد تبنى هذه المواقف منشقون عن ترمب من حركة «ماغا» مثل النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين، والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي جو كنت. ويعتمد هؤلاء في انتقادهم على مبدأ «أميركا أولاً»، وقد شرحوا تحفظاتهم بشكل واضح في نقاط 10 توصلوا إليها بعد اجتماع بتاكر كارلسون، تقول إحداها إن إسرائيل دفعت الولايات المتحدة إلى خوض الحرب مع إيران من خلال «الرشوة أو التهديد أو كليهما»، مع وصف الخضوع لنفوذ جماعات الضغط الأجنبية بأنه شكل من أشكال من «العبودية».

ملفات جيفري إبستين تقسم الصف الجمهوري (أ.ب)

ومن اللافت أن إيران هي القاسم المشترك بين تصريحات فانس وكارلسون، بالإضافة إلى ملف آخر هو ملف إبستين. وهنا الرابط الآخر المثير للاهتمام، فأغلبية المنتقدين لإسرائيل من اليمين يُجمعون على موقف موحد تجاه ملفات إبستين، ويصرون على ضرورة الكشف عن تفاصيلها.

ويشمل هؤلاء تشارلي كيرك الذي تم اغتياله في حدث بجامعة يوتا العام الماضي، مروراً بمقدم البودكاست جو روغان، ومارجوري تايلور غرين، ووصولاً إلى كارلسون الذي ادّعى أن إبستين عمل لصالح الاستخبارات الإسرائيلية. ولم يتردد فانس في الترويج للطرح نفسه، وقال رداً على سؤال لجو روغان: «من الواضح إنه (إبستين) كانت لديه علاقات مع أعلى المستويات من الاستخبارات الإسرائيلية».

وهكذا لم يعد الجدل الأميركي بشأن إسرائيل محصوراً بين جمهوري وديمقراطي. فخطوط الانقسام تداخلت بين الحزبين. ورغم اختلاف دوافع الانتقاد وأسبابه، فإن الهدف واحد: إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، ورسم حدود النفوذ الإسرائيلي في أروقة القرار الأميركي.


تحقيق «ترمب وروسيا»... كيف تحوَّل إلى ورقة ضغط وتجاذب حزبي؟

صورة مركبة تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي (رويترز)
صورة مركبة تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي (رويترز)
TT

تحقيق «ترمب وروسيا»... كيف تحوَّل إلى ورقة ضغط وتجاذب حزبي؟

صورة مركبة تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي (رويترز)
صورة مركبة تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي (رويترز)

لا تثبت المذكرات التي رفع البيت الأبيض السرية عنها أن دونالد ترمب كان «عميلاً روسياً»، لكنها تكشف عن أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) تعامل، في مايو (أيار) 2017، مع احتمال خضوع الرئيس لتأثير موسكو بوصفه خطراً يستحق تحقيقاً مستقلاً. والأهم، وفق قراءة جديدة نشرتها «نيويورك تايمز»، أن هذا المسار المتعلق بمكافحة التجسس تعثر بعد أيام من فتحه، عندما عُيّن روبرت مولر محققاً خاصاً بتفويض يركز على الجرائم، لا على مواطن الضعف الأمنية المحتملة. بذلك تعود القضية إلى الواجهة لا باعتبارها اتهاماً ثبت أو سقط، بل سؤالاً بالغ الحساسية لم يُفحص حتى نهايته.

شعار مكتب التحقيقات الفيدرالي (رويترز)

مساران في ملف واحد

فُتح التحقيق، الذي حمل الاسم الرمزي غير المألوف «أوكسفرد كوما»، في 16 مايو 2017، بعد أسبوع من إقالة مدير الـ«إف بي آي» جيمس كومي. وتظهر المذكرات التي نشرها البيت الأبيض أن المكتب أراد تحديد ما إذا كان ترمب «موجهاً أو خاضعاً للسيطرة» الروسية، أو نسق أنشطة مع موسكو على نحو يهدد الأمن القومي، وما إذا كان قد عرقل التحقيقات المرتبطة بالتدخل الروسي.

واستند القرار إلى مجموعة مؤشرات، بينها إقرار أجهزة الاستخبارات بأن روسيا تدخلت في انتخابات 2016 لمصلحة ترمب، وعروض المساعدة التي قدمها بعض الروس إلى أفراد في حملته، ومحاولات الرئيس إقناع كومي بإنهاء التحقيق في مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين، ثم التفسيرات المتبدلة لإقالة مدير المكتب. كما أشارت المذكرات إلى علاقات ترمب التجارية والعقارية القديمة بروسيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق.

لكن وجود «أساس واقعي قابل للتحديد» لفتح التحقيق لا يعني ثبوت الاتهام. فهو معيار يسمح بفحص الخطر، وليس حكماً بأن الرئيس كان يعمل لمصلحة دولة أجنبية، عن علم أو من دونه.

الرئيس دونالد ترمب (رويترز)

الرئيس دونالد ترمب.. تفويض ضيّق أضاع السؤال

تكشف الوثائق أن الـ«إف بي آي» أنشأ فعلياً مسارين: تحقيقاً جنائياً في احتمال عرقلة العدالة أو وجود مؤامرة مع روسيا، وتحقيقاً لمكافحة التجسس غايته معرفة ما إذا كانت صلات ترمب أو مصالحه المالية تجعل منه هدفاً للتأثير أو الابتزاز الروسي.

وفي اليوم التالي لإبلاغ نائب وزير العدل رود روزنستاين بفتح التحقيق، عيّن الأخير مولر محققاً خاصاً. غير أن التفويض الممنوح إليه ركز على الجرائم المحتملة، ولم يطلب منه إجراء تحقيق مفتوح وطويل الأمد في المخاطر الأمنية الناجمة عن علاقات ترمب بروسيا. وانتقلت المسؤولية الإجرائية عن ملف مكافحة التجسس إلى عناصر الـ«إف بي آي» العاملين ضمن فريق مولر، لكن عملهم حُصر في الوقائع الواقعة ضمن الاختصاص الجنائي للمحقق الخاص.

وهنا تكمن الإضافة الأساسية في تقرير «نيويورك تايمز»: تعيين مولر، الذي اعتُبر يومها توسيعاً للتحقيق، أدى عملياً إلى إضعاف أحد أهم مساراته. فقد خلص تقريره إلى أن التحقيق لم يثبت وجود مؤامرة جنائية بين حملة ترمب والحكومة الروسية، ووثّق في المقابل تدخلاً روسياً واسعاً واتصالات متعددة مع محيط الحملة. كما امتنع مولر عن تقرير ما إذا كان ترمب ارتكب جريمة عرقلة العدالة، مؤكداً أن التقرير لا يبرئه منها.

أما أسئلة غسل الأموال عبر ممتلكات ترمب، أو قابليته للتأثير الروسي، فلم تكن موضع تحقيق شامل. وعندما أدلى مولر بشهادته أمام الكونغرس في يوليو (تموز) 2019، بدا أنه يترك احتمال استمرار تحقيق أمني قائماً، فيما تظهر المذكرات الآن أن الملف كان قد أُغلق في 9 أبريل (نيسان) من العام نفسه.

المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» جيمس كومي (إ.ب.أ)

كشف انتقائي ومعركة كومي

لا يمكن فصل التوقيت الحالي لرفع السرية عن هذه المذكرات عن المواجهة القضائية والسياسية المحتدمة بين إدارة ترمب ومؤسسات إنفاذ القانون السابقة. ويقدم البيت الأبيض الوثائق دليلاً على ما يصفه ترمب بـ«تسليح» مؤسسات الدولة ضده. وبحسب موقع «أكسيوس»، تولى «فريق الشفافية الحكومية» مراجعة المواد المصنفة ونشرها بأمر من الرئيس، بالتزامن مع تحقيق يقوده مدعون في فلوريدا بشأن تعامل مسؤولي الاستخبارات والـ«إف بي آي» مع ملف روسيا. فالوثائق تنزل في ميدان الصراع كذخيرة يستغلها حلفاء الرئيس لتعزيز روايتهم القائلة بأن مكتب التحقيقات الفيدرالي استُخدم كـ«سلاح سياسي» لتشويه شرعية الرئاسة وتدبير حملات ملاحقة ضده.

كاش باتيل (أ.ف.ب)

في المقابل، يُنظر إلى الإفراج الانتقائي عن هذه المذكرات والذي يتزامن مع تحركات قضائية وملاحقات تلاحق مسؤولي الـ«إف بي آي» السابقين، وعلى رأسهم جيمس كومي، باعتباره استمراراً لتسليح أجهزة الدولة في تصفية الحسابات السياسية.

إن القيمة الأساسية لهذه المذكرات لا تكمن فقط في كشف ما جرى خلف الكواليس عام 2017، بل في تبيان كيف تحوّل سؤال استخباراتي معقد يتعلق بالأمن القومي إلى ورقة ضغط وتجاذب حزبي؛ ممّا يعمق أزمة الثقة الداخليّة بين البيت الأبيض ومؤسسات إنفاذ القانون، ويترك الأسئلة الرئيسية حول الحدود الفاصلة بين حماية الأمن القومي والانحياز المؤسسي بلا إجابات حاسمة.