المحكمة الأميركية العليا تؤيد حق المواطنة بالولادة رافضة قيود ترمب

مقر المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن 29 يونيو 2026 (أ.ب)
مقر المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن 29 يونيو 2026 (أ.ب)
TT

المحكمة الأميركية العليا تؤيد حق المواطنة بالولادة رافضة قيود ترمب

مقر المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن 29 يونيو 2026 (أ.ب)
مقر المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن 29 يونيو 2026 (أ.ب)

أيدت المحكمة الأميركية العليا، الثلاثاء، مفهوماً واسعاً للمواطنة بالولادة، رافضةً الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس دونالد ترمب والذي ينص على أن الأطفال المولودين لآباء يقيمون في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني أو مؤقت لا يُعتبرون مواطنين أميركيين، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

يأتي هذا القرار، المتوافق مع التفسير القضائي الراسخ للتعديل الرابع عشر للدستور، في اليوم الأخير من دورة المحكمة العليا التي تمحورت حول مزاعم ترمب الواسعة النطاق بشأن صلاحياته الرئاسية، والتي صدرت في معظمها لصالحه.

على عكس معظم دول العالم، يُعدّ مفهوم المواطنة بالولادة شائعاً في أميركا الشمالية والوسطى والجنوبية. ويعتقد العديد من المؤرخين القانونيين أن جذور هذا التقسيم الجغرافي تعود إلى أكثر من 500 عام، عندما بدأت الدول الأوروبية بإرسال مستوطنين إلى مستعمراتها الأميركية. أراد حكام أوروبا الأرستقراطيون في ذاك الوقت، تشجيع الناس على الانتقال إلى المستعمرات، لكن هؤلاء المستوطنين أرادوا أن يحتفظ أبناؤهم - حتى لو وُلدوا في الخارج - بجنسيتهم الأوروبية. وظل هذا النهج قائماً مع بدء تشكّل حركات الاستقلال وظهور الدول المستقلة.

يقول سيزار كواوتيموك غارسيا هيرنانديز، أستاذ القانون في جامعة ولاية أوهايو الأميركية: «بحلول ذلك الوقت، كانت تقاليدهم (دول القارة الأميركية) القانونية قد بدأت تتشكل بالفعل. لذا، وبشكل عام، استمروا في بعض الممارسات القانونية الرئيسية للحكومات الأوروبية الاستعمارية التي قطعوا علاقاتهم معها للتو».


مقالات ذات صلة

الأرجنتين تعزز تحالفها العسكري مع واشنطن في مواجهة النفوذ الصيني

أميركا اللاتينية الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي يلوّح بيده خلال الاجتماع السنوي لمؤتمر العمل السياسي المحافظ (CPAC) في ناشونال هاربور بولاية ميريلاند بالولايات المتحدة يوم 22 فبراير 2025 (رويترز)

الأرجنتين تعزز تحالفها العسكري مع واشنطن في مواجهة النفوذ الصيني

تسعى الأرجنتين لتوسيع تعاونها العسكري مع أميركا في خطوة تعكس تقارباً متزايداً بين البلدين، وسط احتدام المنافسة الجيوسياسية بين واشنطن وبكين في أميركا اللاتينية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في المكتب البيضاوي وخلفه نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 23 أبريل 2026 (رويترز)

كتاب جديد عن البيت الأبيض يبرز كيف أعاد ترمب تشكيل الرئاسة الأميركية

يكشف كتاب جديد، استناداً إلى مقابلات مع مسؤولين ومقربين، أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصي في إدارة البيت الأبيض وصنع القرار خلال ولايته الثانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية وزير الأمن الداخلي الأميركي ماركواين مولين (أ.ب)

وزير الأمن الداخلي الأميركي: رقصت فرحاً بخروج إيران من كأس العالم

أثار وزير الأمن الداخلي الأميركي، ماركواين مولين، جدلاً واسعاً بعدما قال إنه احتفل بخروج المنتخب الإيراني من كأس العالم.

The Athletic (واشنطن)
رياضة عالمية بعض المنتخبات تعرَّضت تدريباتها لتجسُّس طائرات مسيرة وأسقطها الجيش المكسيكي (أ.ف.ب)

«مونديال 2026»: رصد أكثر من ألف مسيّرة في منتصف البطولة

تمَّ رصد أكثر من ألف طائرة مسيّرة، جرى تحييد أكثر من 300 منها، وذلك من مقر مركز التعاون الشرطي الدولي الخاضع لإشراف مكتب التحقيقات الفيدرالي.

«الشرق الأوسط» (ليسبورغ (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية «مونديال 2026»: باراغواي تفجّر المفاجأة… وتقصي ألمانيا من دور الـ32

«مونديال 2026»: باراغواي تفجّر المفاجأة… وتقصي ألمانيا من دور الـ32

فجّر منتخب باراغواي أكبر مفاجآت كأس العالم 2026 لكرة القدم، بإقصائه نظيره الألماني أحد المرشحين للتتويج بالذهب.

«الشرق الأوسط» (فوكسبورو (الولايات المتحدة))

«العليا» الأميركية تؤيد حق الجنسية بالولادة وترفض قيود ترمب

صحافي ينتظر صدور أحكام المحكمة العليا الأميركية في واشنطن الثلاثاء (رويترز)
صحافي ينتظر صدور أحكام المحكمة العليا الأميركية في واشنطن الثلاثاء (رويترز)
TT

«العليا» الأميركية تؤيد حق الجنسية بالولادة وترفض قيود ترمب

صحافي ينتظر صدور أحكام المحكمة العليا الأميركية في واشنطن الثلاثاء (رويترز)
صحافي ينتظر صدور أحكام المحكمة العليا الأميركية في واشنطن الثلاثاء (رويترز)

أيدت المحكمة العليا الأميركية، الثلاثاء، مفهوماً واسعاً لـ«المواطنة القائمة على حق الميلاد»، رافضةً بذلك الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس دونالد ترمب، والذي نص على أن الأطفال المولودين لأبوين يقيمان في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني أو مؤقت لا يُعدّون مواطنين أميركيين. وفي الوقت نفسه أصدرت المحكمة العليا حكماً بتأييد حظر مشاركة الرياضيين المتحولين جنسياً في منافسات السيدات والفتيات؛ في انتصار لجهود ترمب والجمهوريين.

وقد أيدت المحكمة العليا مفهوم «المواطنة بحكم الولادة»، مستندة إلى فهم راسخ ومستقر للتعديل الـ14 للدستور الأميركي (الذي أُقر بعد الحرب الأهلية) وإلى قوانين فيدرالية أحدث عهداً.

نساء يحملن لافتات احتفالاً بالأحكام النهائية التي أصدرتها المحكمة العليا الأميركية في ختام دورتها القضائية التي استمرت 9 أشهر بواشنطن الثلاثاء (رويترز)

وقد أثار الأمر التنفيذي، الذي أصدره ترمب فور توليه منصبه في يناير (كانون الثاني) 2025، لتقييد منح الجنسية بموجب حق الميلاد على الأراضي الأميركية، كثيراً من النقاشات، وبدا أن قضاة المحكمة العليا متشككون في الحجج التي قدمتها إدارة ترمب خلال المداولات في أبريل (نيسان) الماضي. وقد حضر ترمب بنفسه جلسات المرافعات في المحكمة العليا بصفة مستمعاً، ليصبح أول رئيس في المنصب يحضر هذه الجلسات، في دلالة واضحة على الأهمية التي يوليها لهذا القضية. واستمع ترمب إلى نقاش رئيس المحكمة جون روبرتس، والقاضيتين إيمي كوني باريت وكيتانجي براون جاكسون، بشأن مدى توافق الأمر التنفيذي للرئيس مع بند «المواطنة» الوارد في التعديل الـ14 للدستور.

وينص التعديل الـ14 للدستور على أن «جميع الأشخاص المولودين أو المتجنسين في الولايات المتحدة، والخاضعين لولايتها القضائية، هم مواطنون بالولايات المتحدة وفي الولاية التي يقيمون فيها». ويدعو أمر ترمب التنفيذي إلى قصر هذا الحق على الأطفال المولودين على الأراضي الأميركية ممن لديهم والد واحد على الأقل يحمل الجنسية أو صفة مقيمٍ دائم قانوني.

وطالبت إدارة ترمب المحكمة بإعادة تفسير جوهرية لهذا التعديل الراسخ منذ عقود. وجادلت بأن «منح الجنسية بحق الميلاد» قد خلق حوافز للهجرة غير الشرعية، وتعرض للاستغلال من قبل ما تُعرف بعمليات «سياحة الولادة»، حيث يسافر مواطنون أجانب إلى الولايات المتحدة للولادة حتى يتمكن أطفالهم من الحصول على الجنسية الأميركية. وقال ترمب: «لم يكن المقصود من ذلك أن يحصل المليارديرات الصينيون، أو غيرهم من الأغنياء أو الفقراء، على الجنسية الأميركية لأطفالهم؛ بل كان المقصود منه أطفال العبيد». أضاف: «لقد أُقرَّ هذا الأمر... مباشرة بعد الحرب الأهلية. إذا نظرت إلى التواريخ؛ التواريخ وحدها، فستجد أنه جاء مباشرة بعد الحرب، وكان يتعلق بأطفال العبيد، لكن الناس استغلوه. وإذا سُمح لهذا الوضع بالاستمرار، فسيكون كارثة اقتصادية على بلادنا».

ويبدو أن الرئيس ترمب استعد لصدور حكمة المحكمة ضده في قضية «المواطنة بحكم الولادة»، حيث أشار للصحافيين في المكتب البيضاوي، يوم الخميس الماضي، إلى أنه يتوقع حكماً ضده. وقبل أسابيع عدة قال في تصريحات صحافية إن «قرار المحكمة العليا هذا قرار بالغ الأهمية. من المرجح أن يصدروا حكماً ضدي؛ لأنهم يبدون كأنهم يحبون فعل ذلك. بصراحة؛ أنا لست راضياً عن بعض القرارات».

حظر المتحولين جنسياً

شابات يتظاهرن أمام المحكمة العليا تزامناً مع تأييد المحكمة «قوانين الولاية» التي تحظر على الرياضيين المتحولين جنسياً المنافسة في الرياضات المدرسية المخصصة للفتيات والنساء بواشنطن الثلاثاء (أ.ف.ب)

رغم هذه الهزيمة في رفض قيود ترمب على منح الجنسية للمولودين على الأراضي الأميركية، فإن المحكمة منحت ترمب انتصاراً في مجال آخر، حيث أصدرت حكماً بتأييد حظر مشاركة الرياضيين المتحولين جنسياً في منافسات السيدات والفتيات. وصدر القرار بأغلبية 6 قضاة مقابل 3. وأعطت المحكمة العليا للولايات الحق في تطبيق هذا الحظر، بما عُدّ تتويجاً لجهود قادها ترمب والجمهوريون سنوات، وانتصاراً للرئيس ترمب المعارض الشديد لحقوق المتحولين جنسياً، وتأييداً للأمر التنفيذي الذي أصدره العالم الماضي وحمل عنوان: «إبقاء الرجال خارج الرياضات النسائية». ومنح الحكمُ إدارةَ ترمب والجمهوريين المحافظين سلاحاً قوياً في معارك أخرى بشأن بطاقات الهوية، والرعاية الطبية للهوية الجنسية، ودورات المياه.

وقد أثارت هذه القضية كثيراً من الجدل بشأن «حقوق مجتمع الميم (LGPTQ)»، وأظهرت الغالبية المحافظة من قضاة المحكمة انفتاحاً على الحجج التي قدمتها ولايتا إيداهو وويست فيرجينا خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، وأبدت شكوكاً في مزاعم أن حظر المتحولين جنسياً في الرياضيات النسائية يعدّ تمييزاً واسع النطاق على أساس الجنس أو الجندر، وقد أقرت بالفعل 27 ولاية أميركية قوانين تمنع الرياضيين المتحولين جنسياً من المنافسة في فرق تتوافق مع هويتهم الجديدة.

مظاهرة لمؤيدي حقوق المتحولين جنسياً أمام المحكمة العليا في واشنطن (أرشيفية - رويترز)

قرارات الاقتراع بالبريد

ووصفت وسائل الإعلام الأميركية قرارات المحكمة العليا يوم الاثنين بأنها منحت ترمب انتصاراً واحداً وألحقت به 3 هزائم.

فقد أصدرت المحكمة العليا حكماً يوم الاثنين باحتساب بطاقات الاقتراع عبر البريد التي تصل متأخرة؛ شرط أن تحمل ختم البريد بحلول موعد إغلاق مراكز الاقتراع يوم الانتخابات، في غضون 5 أيام. وهو ما عُدّ هزيمة لمحاولات ترمب وقف الاقتراع عبر البريد، الذي يعدّه وسيلة للتزوير والتلاعب في الأصوات. ومن المتوقع أن تكون لهذا القرار تداعيات كبيرة على انتخابات التجديد النصفي في ظل الصراع المحتدم بين الديمقراطيين والجمهوريين للسيطرة على الكونغرس.

ومن دون تقديم مزيد من التوضيح، رفضت المحكمة مراجعة الحكم المدني القاضي بتغريم ترمب 5 ملايين دولار؛ وهو حكم صدر بناءً على قرار هيئة محلفين عام 2023 أدان ترمب بالتشهير بـ«كارول»؛ وهي كاتبة سابقة في إحدى المجلات اتهمت ترمب بالاعتداء عليها جنسياً في غرفة قياس ملابس داخل متجر كبير في التسعينات، مما أثار غضب ترمب، الذي كتب على منصة «تروث سوشيال»: «سأواصل القتال بكل ما أوتيت من قوة في وجه هذه القضية التي تُستخدم فيها الإجراءات القانونية سلاحاً ضدي، بما في ذلك مزاعم التشهير السخيفة». وأضاف: «لا يمكن السماح لهذا الظلم بأن يستمر!».

وفي خطوة أراحت الأسواق المالية، منعت المحكمة العليا دونالد ترمب من إقالة ليزا كوك، عضو «مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي». لكنها في الوقت نفسه وسّعت صلاحيات الرئيس في إقالة مسؤولين بهيئات مستقلة أخرى. وقال رئيس المحكمة، جون روبرتس، إن السماح لترمب بإقالة ليزا كوك سيفتح الباب أمام إقالة أي عضو في «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» في أي وقت ولأي سبب دون سابق إنذار ودون أي رقابة قضائية لاحقة.

ومع ذلك أصدرت المحكمة العليا قراراً منفصلاً بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 لتأييد صلاحية ترمب في إقالة ربيكا سلوتر؛ العضو الديمقراطية في «لجنة التجارة الفيدرالية»، دون الحاجة إلى سبب وجيه؛ مما وسّع صلاحيات الرئيس ونقض سابقة قضائية عمرها 90 عاماً كانت تحمي أعضاء «المفوضية» من الإقالة التعسفية (أي دون سبب محدد). وقد منح هذا القرار البيت الأبيض سيطرة أكبر بكثير على الهيئات المستقلة؛ بدءاً من «هيئة الأوراق المالية» والبورصات؛ ووصولاً إلى الوكالات التي تجمع الإحصاءات الاقتصادية، ومن المتوقع أن يُضعف موقف الدعاوى القضائية التي رفعها مسؤولون آخرون أقالهم ترمب رغم تمتعهم بحماية قانونية تشترط وجود «سبب وجيه» للإقالة.

وقد عدّ ترمب هذا اليوم حافلاً بالانتصارات، حيث احتفى بقرار المحكمة بشأن الهيئات المستقلة، واصفاً إياه بأنه «انتصار كبير» للسلطة الرئاسية، بينما قلل من شأن القرار المتعلق بليزا كوك، واصفاً إياه بأنه انتكاسة إجرائية محدودة لن تمنعه ​​من المضي قدماً في القضية.


كتاب جديد عن البيت الأبيض يبرز كيف أعاد ترمب تشكيل الرئاسة الأميركية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في المكتب البيضاوي وخلفه نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 23 أبريل 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في المكتب البيضاوي وخلفه نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 23 أبريل 2026 (رويترز)
TT

كتاب جديد عن البيت الأبيض يبرز كيف أعاد ترمب تشكيل الرئاسة الأميركية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في المكتب البيضاوي وخلفه نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 23 أبريل 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في المكتب البيضاوي وخلفه نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 23 أبريل 2026 (رويترز)

يكشف كتاب «ريجيم تشينج» Regime Change، الذي أعدّه الصحافيان في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية ماغي هابرمان وجوناثان سوان، عن صورة غير مألوفة لطريقة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لولايته الثانية، مقدّماً رواية تستند إلى أكثر من ألف مقابلة مع مسؤولين ومقرّبين من الإدارة. ويرى المؤلفان أن ترمب غيّر طبيعة مؤسسة الرئاسة الأميركية، محولاً عملية صنع القرار إلى نموذج شديد المركزية يقوم على دائرة ضيقة من المساعدين وثقته بحدسه الشخصي أكثر من اعتماده على المؤسسات والخبراء.

واستند الكتاب إلى أكثر من ألف مقابلة مع أعضاء في محيط ترمب ومسؤولين في الإدارة الأميركية، مع اعتماد عدد من المصادر التي بقيت مجهولة الهوية، وفق ما نقله تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

وحسب الكتاب، تضم الحلقة الأكثر تأثيراً حول الرئيس كلاً من كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، ونائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو، إضافة إلى المبعوث الخاص ستيف ويتكوف والمستشار ستيفن ميلر، فيما يلجأ ترمب في الملفات العسكرية إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين أكثر من اعتماده على وزير الدفاع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده في أثناء إعلانه عن خفض أسعار الأدوية في غرفة روزفلت بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 19 ديسمبر 2025 (رويترز)

المكتب البيضاوي... مركز القرار

ويصف المؤلفان المكتب البيضاوي بأنه المركز الحقيقي للسلطة، حيث يقضي ترمب معظم يومه في اجتماعات غير رسمية تتخللها زيارات لسياسيين ورجال أعمال وشخصيات من مجالات مختلفة، في أجواء تشبه إدارة شركة خاصة أكثر من إدارة دولة.

وتشير الرواية إلى أن النقاشات كثيراً ما تتشعب بعيداً عن موضوعها الأساسي، فيما تُتخذ القرارات بسرعة ومن دون إجراءات بيروقراطية معقدة، إلى درجة أن غياب أحد المسؤولين عن المكتب البيضاوي قد يعني خسارة فرصة التأثير في القرار أو حتى معرفة صدوره قبل إعلانه.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث بعد التوقيع على أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 29 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

الحدس قبل الاستراتيجية

يرى الكتاب أن قرارات ترمب تنبع غالباً من قناعاته اللحظية أكثر من استنادها إلى رؤية استراتيجية ثابتة. ويستشهد المؤلفان بقرار انضمام الولايات المتحدة إلى الضربات الإسرائيلية ضد إيران عام 2025، معتبرين أن الرئيس كان متأثراً بما رآه نجاحاً عسكرياً إسرائيلياً وراغباً في تحقيق إنجاز مماثل.

كما يلفتان إلى أن البحث عن عقيدة سياسية متماسكة لترمب غالباً ما يكون أمراً صعباً، لأن مواقفه قد تتبدل بسرعة تبعاً للظروف أو لانطباعاته الشخصية، وهو ما دفع أحد كبار مسؤولي الإدارة إلى القول إن السياسة الأميركية أصبحت تعكس ببساطة «آخر ما قاله ترمب»، وقد يتغيّر ذلك بعد ساعات.

دائرة ضيّقة تحيط بالرئيس

ويؤكد الكتاب أن الرئيس يعيش في دائرة مغلقة لا تصله من خلالها إلا الأخبار الإيجابية في الغالب، متنقلاً بين البيت الأبيض ومنتجع مارالاغو، بينما يعتمد في متابعة الأخبار على قناة «فوكس نيوز» وتقارير مطبوعة تختارها له مساعدته ناتالي هارب، التي ترافقه بشكل دائم وتتولى أيضاً إدارة حسابه على منصة «تروث سوشيال».

كما يتناول الكتاب مساعده والت ناوتا، بعد أن أصبح مدير العمليات في المكتب البيضاوي، والذي يتولى مرافقة الرئيس وحمل أغراضه الشخصية، في حين يشير إلى أن تقدّم ترمب في السن انعكس أحياناً على قدرته السمعية، ما دفع فريقه إلى تفضيل عقد بعض اللقاءات الرسمية داخل المكتب البيضاوي حيث تكون الظروف الصوتية أفضل.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتابع ضمن مراسم توقيعه على أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 29 يونيو 2026 (رويترز)

ملفات حساسة ونفوذ غير مسبوق

ويتوقف المؤلفان عند اجتماع استمر ثلاث ساعات في 11 فبراير (شباط) 2026 خُصص لمناقشة احتمال توجيه ضربة لإيران، حيث أبدى عدد من كبار المسؤولين، بينهم جي دي فانس، وماركو روبيو، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، والجنرال دان كاين، تحفظات على بعض التقديرات الإسرائيلية، إلا أن ترمب مضى في خياره.

ويخلص المؤلفان إلى أن ترمب وسّع صلاحياته التنفيذية إلى مستوى غير مسبوق منذ عهد الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت (حكم من سنة 1933 إلى 1945)، مستفيداً من أغلبية جمهورية في الكونغرس وقرارات صادرة عن المحكمة العليا منحت السلطة التنفيذية هامش حركة أوسع. ويضيفان أن أياً من الوقائع الواردة في الكتاب لم يُنفَ حتى الآن، رغم اعتماد الرواية على مصادر فضّلت عدم الكشف عن هويتها.


هل يدفع فانس ثمن المفاوضات مع إيران؟

ترمب وفانس في البيت الأبيض في 24 يونيو 2026 (أ.ب)
ترمب وفانس في البيت الأبيض في 24 يونيو 2026 (أ.ب)
TT

هل يدفع فانس ثمن المفاوضات مع إيران؟

ترمب وفانس في البيت الأبيض في 24 يونيو 2026 (أ.ب)
ترمب وفانس في البيت الأبيض في 24 يونيو 2026 (أ.ب)

لم تهدأ حمى إيران في الكونغرس؛ إذ يزداد استياء الحزبين من مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران حدة يوماً بعد يوم، وبلغ ذروته خلال إحاطة مغلقة عقدها مسؤولون في إدارة الرئيس دونالد ترمب مع المشرعين، هي الأولى منذ توقيع المذكرة.

وخلال الاجتماع، تحدث وزير الخارجية ماركو روبيو ومبعوث الإدارة إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف إلى أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، فيما تعالت الأصوات المشككة في بنود الاتفاق، ولا سيما تلك المتعلقة برفع العقوبات عن إيران والإفراج عن أصول مجمدة.

ورغم أن الاجتماع كان مغلقاً، أظهرت التسريبات حالة عامة من التململ في أوساط الجمهوريين حيال مضمون البنود ومدى إمكان الوثوق بالنظام الإيراني.

وقال النائب الجمهوري ريتش مكورميك: «لا أفهم مذكرة التفاهم من منطلق السعي إلى التوصل إلى اتفاق مع دولة لم تلتزم يوماً بأي من التزاماتها في الماضي، ولا أفهم ببساطة لماذا قد نفكر أصلاً في التعامل مع هؤلاء الأشخاص ضمن أي اتفاق يُبنى على حسن النية».

زعيم الأقلية الديمقراطية تشاك شومر يتحدث عن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران في 23 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

ورد روبيو، بحسب التسريبات، على النائب الجمهوري، مشدداً على أن إدارة ترمب «تحكم على طهران من خلال أفعالها، لا أقوالها»، لكنه تحدث في الوقت نفسه عن احتمال فشل المفاوضات. وقال: «لا أحد هنا يتوهم أن الأمر سهل، أو أن نجاحه مضمون... ثمة سبب أدى إلى استمرار هذا الملف منذ 47 عاماً، لكننا سنمنحه فرصة».

ثمن رفع العقوبات

وأعرب المشرعون عن قلقهم من أن رفع العقوبات «سيُظهر أن الإيرانيين خرجوا منتصرين» من الحرب، كما تساءلوا عن مصير اليورانيوم المخصب.

وحاول روبيو وويتكوف طمأنتهم، مؤكدين أن هدف مذكرة التفاهم هو «التفاوض على اتفاق نهائي يمنع إيران من الاحتفاظ باليورانيوم عالي التخصيب».

ورغم تحفّظ بعض الجمهوريين عن انتقاد الإدارة علناً في هذا الملف، فإن الأمر لا ينطبق على زعيم الأقلية الديمقراطية تشاك شومر، الذي أصدر بياناً لاذعاً بعد الإحاطة، قال فيه إن عقدها تأخر، وإنها افتقرت إلى التفاصيل.

وأضاف شومر: «بعد أن جرّت إدارة ترمب الولايات المتحدة إلى حرب مكلفة، ما زالت عاجزة عن تسمية أي مكسب واحد عاد على الأميركيين منها. بل إن الوزير روبيو أكد لي أن إيران ستجني مليارات الدولارات من عائدات النفط، مع احتفاظها بنفوذ خطير على مضيق هرمز».

وختم شومر قائلاً: «إذا كان هذا هو دفاع الإدارة خلف الأبواب المغلقة، فعلى الوزير روبيو أن يقدمه تحت القسم، علناً، أمام لجنة العلاقات الخارجية».

فانس يقف إلى جانب ويتكوف وكوشنر في سويسرا في 21 يونيو 2026 (أ.ب)

فانس كبش المحرقة؟

ولعل المفارقة هنا تتمثل في غياب الرجل المسؤول عن التفاوض، نائب الرئيس جي دي فانس، عن الإحاطة، وحضور وزير الخارجية ماركو روبيو، الغائب نسبياً عن ملف إيران، بدلاً منه. وأثار ذلك تساؤلات لدى بعض المشرعين، رغم أن فانس استضاف الأسبوع الماضي عدداً منهم في حفل عشاء بمقر إقامته للحديث عن تطورات المفاوضات.

ويذكّر المشرعون بتصريحات ترمب عن فانس، حين قال: «إذا نجح الاتفاق فسوف أنسب الفضل إلى نفسي، وإن لم ينجح، فسألقي باللوم على جي دي». وفي حين اعتبر كثيرون أن ترمب كان يمزح، قال السيناتور الجمهوري جون كورنين: «لم تكن تلك مزحة أبداً».

ورأى كورنين أن فانس أخذ على عاتقه مهمة شديدة الصعوبة، تتمثل في إنقاذ الجمهوريين خلال موسم انتخابي مربك، بعدما تبين أن حرب إيران وارتفاع الأسعار قد يكلفان الحزب أغلبيته في الكونغرس.

وقال 24 في المائة فقط من الأميركيين إن النزاع مع إيران يستحق التكلفة التي تكبدوها، بحسب استطلاع أجرته «رويترز» بالتعاون مع «إبسوس»، فيما استبعد 63 في المائة أن يؤدي الاتفاق المبدئي مع طهران إلى سلام مستدام. وأظهر الاستطلاع نفسه تراجعاً متواصلاً في شعبية ترمب، لتصل إلى 34 في المائة.

روبيو في وزارة الخارجية في 29 يونيو 2026 (أ.ب)

وعزا كورنين التوصل إلى مذكرة التفاهم، ببنودها المثيرة للجدل، إلى قلق الرئيس من انتخابات التجديد النصفي، قائلاً: «أعتقد أن الرئيس كان قلقاً من الانتخابات النصفية، وأسعار البنزين، وإغلاق مضيق هرمز. وبينما تؤدي بنود الاتفاق إلى فتح المضيق، فإنه دفع ثمناً كبيراً للتوصل إلى ذلك».

وبينما يحبس الجمهوريون أنفاسهم ترقباً للتطورات المتسارعة على جبهة إيران، وانعكاساتها على مستقبل حزبهم وعلى جي دي فانس، المرشح المحتمل للرئاسة، قال النائب الجمهوري جيف فاندرو: «هناك احتمال بأن يدفع فانس ثمن فشل هذه المحاولات، لكن هناك احتمالاً أيضاً بأن يصبح بطلاً في حال نجاحها».

ويرى بعضهم أن غياب روبيو عن المسار التفاوضي مع إيران مقصود؛ لأنه يعزز فرص وزير الخارجية الأميركي في خوض السباق الرئاسي إذا فشل رهان فانس على المفاوضات.