حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

باكستان تواصل مساعيها لعقد جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران

صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

في لحظة بين اللاحرب واللاسلم، تبدو منطقة الشرق الأوسط أمام معادلة مزدوجة: مسار تفاوضي لم يمت لكنه لم يُولد من جديد؛ ووقف إطلاق نار لم ينهِ القتال فعلياً بل نقل الاشتباك من الجو إلى البحر.

فبينما تواصل باكستان مساعيها لعقد جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران من دون موعد محدد حتى الآن، يزداد وضوحاً أن أزمة مضيق هرمز لم تعد مجرد تفصيل عسكري أو اقتصادي، بل أصبحت أداة التفاوض الأهم في يد إيران، وأداة الضغط الأوضح في يد الولايات المتحدة.

وفي قلب هذه المعادلة، يبرز تحول داخلي إيراني بالغ الدلالة: صعود «الحرس الثوري» من شريك في القرار إلى مركز ثقله الفعلي، وفق ما يرى مراقبون.

المعطيات المتوافرة حتى الخميس 23 أبريل (نيسان) تشير إلى أن إسلام آباد لم تنجح بعد في تثبيت موعد للجولة الثانية، رغم استمرار الاتصالات الباكستانية مع الطرفين. ونقلت وكالة «رويترز» في وقت سابق عن الخارجية الباكستانية أنه لم تتحدد مواعيد بعد لجولة ثانية، ثم عادت قبل يومين لتنقل الموقف الإيراني نفسه تقريباً: لا تاريخ جديداً قبل الاتفاق على «إطار تفاهم».

كما رحّب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بتمديد وقف النار بطلب من بلاده، فيما قال وزير الداخلية محسن نقوي، بعد لقائه القائمة بالأعمال الأميركية ناتالي بيكر، إنه يأمل «تقدماً إيجابياً» من إيران.

العقدة الأساسية

طريق خالٍ يقود إلى «المنطقة الحمراء» التي تعقد فيها جولات التفاوض بين الإيرانيين والأميركيين في إسلام آباد (أ.ف.ب)

لكن استمرار المسعى الباكستاني لا يعني أن المسار السياسي يتقدم فعلاً. فالعقدة الأساسية، وفق محللين، لم تعد فقط في تفاصيل الملف النووي أو الضمانات الأمنية، بل في ترتيب الأولويات بين الطرفين. واشنطن تريد إبقاء الحصار البحري قائماً حتى تتلقى عرضاً إيرانياً «موحداً»، بينما تعدّ طهران أن التفاوض تحت الحصار ليس تفاوضاً، بل إملاء.

هذا ما يجعل الوساطة الباكستانية حتى الآن أقرب إلى منع الانهيار الكامل منها إلى إنتاج اختراق نوعي. فإسلام آباد تحافظ على قناة التواصل، لكنها لا تملك وحدها كسر التناقض الرئيسي، وهو أن أميركا تريد استخدام الهدنة لتعظيم الضغط، وإيران تريد استخدام هرمز لتعظيم كلفة هذا الضغط.

التحول الأكثر أهمية داخل إيران، كما أظهر تقرير مفصل لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، هو أن القيادة الفعلية في ملفات الحرب والتفاوض والأمن انتقلت إلى جماعة متماسكة من قادة «الحرس الثوري» والدوائر المحيطة بهم، فيما يدير المرشد الجديد مجتبى خامنئي المشهد بصورة أقرب إلى «رئيس مجلس إدارة» لا إلى مرشد يتمتع بالهيمنة التي كان يملكها والده.

ويخلص تقرير الصحيفة، المستند إلى مقابلات واسعة مع مسؤولين وشخصيات إيرانية، إلى أن القادة العسكريين في إيران باتوا أصحاب الكلمة الأثقل في تقرير الاستراتيجية، وأنهم هم الذين دفعوا نحو تشديد المقاربة في البحر، كما أنهم هم الذين قبلوا تكتيكياً، بهدنة مؤقتة وبقنوات تفاوض خلفية حين رأوا أنها تخدم ميزان القوة.

ويقول محللون إن هذا التحول يفسر جزءاً كبيراً من التخبط الظاهر في الرسائل الإيرانية، إذ ليست المشكلة أن القرار مفقود، بل إن مركزه تبدّل. فبدلاً من هرمية دينية - سياسية صارمة، ثمة الآن قيادة أمنية - عسكرية جماعية ترى الحرب والتفاوض وإدارة الاقتصاد، حلقات في معركة بقاء واحدة.

لذلك لم يعد ممكناً فهم موقف طهران من المفاوضات بعيداً عن منطق «الحرس الثوري»، المتمثل في أن أي تسوية يجب أن تُبقي لإيران ورقة ردع فعلية، وأهم هذه الأوراق اليوم ليست الخطاب الآيديولوجي ولا حتى البرنامج النووي وحده، بل القدرة على شلّ الملاحة في مضيق هرمز، أو تنظيمها بشروط إيرانية.

هرمز منصة مساومة

لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

المضيق اليوم ليس مغلقاً بالكامل بالمعنى التقني، لكنه معطّل تجارياً. ووصفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية الوضع بأنه انتقال من الحرب الجوية إلى «مأزق خانق» في هرمز، مع بقاء وقف النار هشاً واستمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية.

ووفق صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد انخفضت حركة السفن عبر المضيق من نحو 130 سفينة يومياً قبل الحرب إلى مستويات متدنية جداً، بينما تواصل إيران مهاجمة أو اعتراض السفن، بما يبقي حرية الملاحة اسماً بلا مضمون.

كما نقل عن بيانات ملاحية أن 187 سفينة فقط عبرت منذ بدء الإغلاق، أي بمعدل 4 سفن يومياً، مقارنة بأكثر من 130 عادةً. وهذا ما يجعل طهران تشعر بالنجاح وربما الانتصار في هذه الحرب. كما أنها لا تحتاج إلى إغلاق محكم كي تنتج الأثر نفسه، ويكفي أن تجعل المرور ممكناً على نحو استثنائي، أو أن يخضع للخوف والانتظار والمخاطرة، ما يعني أن المضيق يتحول إلى أداة ضغط عالمية.

ولهذا أيضاً يحمل حديث مسؤول إيراني عن تلقي «أول إيرادات» من رسوم عبور المضيق دلالة سياسية أكثر منها مالية.

وتريد إيران تثبيت فكرة أن هرمز بعد الحرب لن يعود كما كان قبلها، وأن ثمن إعادة تدفق التجارة يمر عبر صفقة سياسية لا عبر مجرد ترتيبات أمنية.

إطلاق النار على الزوارق

قوارب وسفن تبحر في مضيق هرمز بالقرب من سلطنة عُمان (رويترز)

في المقابل، يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب منع ترسخ الانطباع بأن إيران، رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية، ما زالت تمسك بالمضيق. لذلك صعّد خطابه حين قال إنه أمر البحرية الأميركية بـ«إطلاق النار» على أي زورق يزرع ألغاماً في هرمز.

وأضاف أنه أمر بزيادة جهود كسح الألغام إلى ثلاثة أضعاف، بحسب تغريدة له على منصته «تروث سوشيال».

هذا الخطاب لا يستهدف طهران فقط، بل أيضاً الرأي العام الأميركي وخصومه الإعلاميين، في ظل تقارير شككت في سرعة استعادة القوات الأميركية السيطرة البحرية الكاملة، وكذلك قدرات إيران العسكرية التي ما تزال تمتلكها.

ومن هنا جاءت حساسية تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الذي قال إن البنتاغون أبلغ الكونغرس في جلسة مغلقة بأن تطهير المضيق من الألغام قد يستغرق نحو ستة أشهر. وأحدثت هذه الرواية صدمة سياسية لأنها تناقض سردية الحسم السريع. لكن متحدثاً باسم البنتاغون نفى لاحقاً، وفق ما نقلته تقارير إعلامية عدة، أن يكون تقييم الأشهر الستة حكماً نهائياً أو «ممكناً» بالصيغة التي عُرض بها، وهاجم ما سماه «انتقائية» التسريبات من الإحاطة السرية، ما تسبب لاحقاً في سحب الصحيفة لتقريرها.

عملياً، لا يحسم هذا السجال السؤال العسكري بقدر ما يكشف السؤال السياسي: إذا كانت واشنطن واثقة تماماً من قدرتها على تأمين المضيق سريعاً، فلماذا لا تزال الشركات والسفن تتصرف كما لو أن الخطر قائم؟

معادلة الحصار

المأزق الحالي يمكن اختصاره بمعادلة واحدة، وهي أن أميركا تحاصر الموانئ الإيرانية لتخنق الاقتصاد وتدفع طهران إلى تقديم تنازلات؛ وإيران تخنق هرمز لتُظهر أن حصارها ليس مجانياً على العالم.

وحذرت «وول ستريت جورنال» من أن استمرار هذا الوضع يرفع أخطار تباطؤ اقتصادي عالمي حاد، مع تجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل، بينما أشارت «نيويورك تايمز» إلى أن إيران، رغم الخسائر العسكرية الكبيرة، ما زالت تحتفظ بقدرة كافية لردع الملاحة التجارية وإبقاء المضيق رهينة مساومة.

وفي الوقت نفسه، أشار قائد القيادة الأميركية المركزية «سنتكوم»، براد كوبر، إلى وجود مروحيات «أباتشي» في محيط المضيق غرضها «إظهار الوجود والردع» وحماية تدفق التجارة، وهو اعتراف ضمني بأن الردع لم يتحول بعد إلى سيطرة مريحة ومكتملة.

لهذا، لا يبدو أن الجولة الثانية من المفاوضات، إن عُقدت في إسلام آباد، ستكون مجرد استئناف روتيني، بل ستكون اختباراً لما إذا كان الطرفان مستعدين فعلاً لتعديل هذه المعادلة.

فطهران، في ظل صعود «الحرس الثوري» ستدخل أي تفاوض وهي أكثر ميلاً إلى ربط كل تنازل برفع ملموس للحصار. وواشنطن في ظل حاجة ترمب إلى إظهار القوة وعدم التراجع، ستسعى إلى تثبيت أن الهدنة ليست مكافأة لإيران، بل فرصة أخيرة لها.


مقالات ذات صلة

محكمة تسمح لولاية أميركية بمنع الأطفال من استخدام منصات التواصل الاجتماعي

الولايات المتحدة​ القرار يأتي وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن (رويترز) p-circle

محكمة تسمح لولاية أميركية بمنع الأطفال من استخدام منصات التواصل الاجتماعي

سمحت محكمة استئناف فيدرالية، الأربعاء، لفلوريدا بتطبيق قانون للولاية يمنع الأطفال دون سن 14 عاماً من استخدام منصات التواصل الاجتماعي مثل «إنستغرام» و«تيك توك».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم الصحافي الأميركي إيفان غيرشكوفيتش الذي اتهمته روسيا بالتجسس خلال مثوله أمام محكمة بموسكو في أبريل 2024 (رويترز) p-circle

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

تسلّط قضايا توقيف صحافيين بتهم التجسس الضوء على المساومات السياسية وصفقات تبادل السجناء، وتستدعي سوابق لاتهامات مفبركة وحالات تعاون فعلي مع أجهزة الاستخبارات.

شادي عبد الساتر (بيروت)
أوروبا سيارة تحترق بعد غارة روسية على منطقة في إقليم خاركيف وسط تصاعد حرب أوكرانيا (أ.ب)

خطة أميركية أوروبية من 4 نقاط لإنهاء حرب أوكرانيا

تحركت الولايات المتحدة وأوروبا تدريجياً نحو بلورة مقترح سلام من شأنه أن يوفر مزايا مالية وأمنية لكل من أوكرانيا وروسيا، تمهيداً إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الولايات المتحدة​ لافتة تضامن مع «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» خارج مقر وكالة «أسوشييتد برس» في البيت الأبيض يوم 21 سبتمبر 2026 (رويترز)

قاضٍ أميركي يمدد السماح بدخول صحافيِّي 3 مؤسسات إعلامية للبيت الأبيض

مدَّد قاضٍ اتحادي قرار السماح لصحافيِّي شبكتَي «سي إن إن» و«إم إس ناو»، وصحيفة «بوليتيكو»، بدخول البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ تنديد أميركي بالاتفاق الذي أعلنه الرئيس دونالد ترمب لشراء الديزل الروسي (رويترز) p-circle

12 سيناتوراً أميركياً ينددون بالاتفاق المتعلق بالديزل الروسي

ندّد 12 سيناتوراً أميركياً بينهم 6 جمهوريين، الثلاثاء، بالاتفاق الذي أعلنه الرئيس دونالد ترمب لشراء الديزل الروسي، واصفين إياه بأنه «خيانة للشعب الأوكراني».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«أم القنابل» الأميركية التي قد تضرب إيران... ماذا نعرف عنها؟

تظهر في هذه الصورة التي وُزعت دون تحديد تاريخها «أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية (رويترز)
تظهر في هذه الصورة التي وُزعت دون تحديد تاريخها «أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية (رويترز)
TT

«أم القنابل» الأميركية التي قد تضرب إيران... ماذا نعرف عنها؟

تظهر في هذه الصورة التي وُزعت دون تحديد تاريخها «أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية (رويترز)
تظهر في هذه الصورة التي وُزعت دون تحديد تاريخها «أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية (رويترز)

أعادت خطط عسكرية أميركية تتضمن احتمال استخدام قنبلة «أم القنابل» ضد أهداف إيرانية تسليط الضوء على أحد أكبر الأسلحة في الترسانة الأميركية، في وقت لا تزال فيه جدوى استخدامها لتحقيق الأهداف الاستراتيجية موضع تساؤل.

وبحسب شبكة «سي إن إن»، وضع الجيش الأميركي خططاً قد تشمل استخدام «أم القنابل» المعروفة أيضاً باسم «جي بي يو-43/بي» (GBU-43/B) لاستهداف منشآت الطاقة والمواقع النووية الإيرانية، إذا قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب استئناف العمليات القتالية.

وتُعد هذه القنبلة من أقوى الأسلحة التقليدية الأميركية، لكنها ليست سلاحاً نووياً، كما أن استخدامها المحتمل ضد إيران لا يعني صدور قرار بتنفيذ هجمات بها.

ما خصائص «أم القنابل»؟

تحمل القنبلة الاسم العسكري «جي بي يو-43/بي»، بينما يشير اختصار «MOAB» إلى اسمها الرسمي باللغة الإنجليزية: «ماسيف أوردنانس إير بلاست» (Massive Ordnance Air Blast)، أي «قنبلة الانفجار الجوي الضخم». أما وصف «أم القنابل» (Mother of All Bombs)، فهو الاسم الشائع الذي عُرفت به إعلامياً.

ووفقاً لمجلة «إير آند سبيس فورسز» المتخصصة في شؤون القوات الجوية والفضائية، صُممت القنبلة لاستهداف مساحات واسعة، وتجمعات القوات، والتحصينات الموجودة فوق سطح الأرض، فضلاً عن الأهداف الواقعة داخل الأنفاق والكهوف.

وتزن القنبلة نحو 21 ألفاً إلى 21 ألفاً و600 رطل، أي ما يقارب 9.5 إلى 9.8 طن، ويبلغ طولها نحو 9 أمتار. وتحمل رأساً حربياً يحتوي على نحو 18 ألفاً و700 رطل، أو قرابة 8.5 طن، من المتفجرات. وتختلف الأرقام المنشورة قليلاً بين المصادر بحسب طريقة احتساب الوزن الإجمالي.

وبحسب بيانات نشرتها مجلة «إير آند سبيس فورسز»، فإن القنبلة موجهة بالأقمار الاصطناعية، وتستخدم نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وأنظمة ملاحة داخلية لتصحيح مسارها نحو الهدف. وهي أكبر سلاح تقليدي موجه يُطلق من الجو استُخدم عملياً، وفقاً للمجلة.

كيف تعمل القنبلة وما الأهداف التي صُممت لضربها؟

على خلاف القنابل التي تعتمد على اختراق الأرض أو التحصينات قبل الانفجار، تنفجر «أم القنابل» في الهواء فوق المنطقة المستهدفة، ما يسمح لموجة الضغط والطاقة الناتجة من الانفجار بالانتشار على مساحة واسعة.

ووفقاً للقوات الجوية الأميركية، فإن «أم القنابل»، سلاح تقليدي موجه بالأقمار الاصطناعية، صُمم لتدمير أهداف واسعة النطاق، بما فيها مواقع تضم أنفاقاً وكهوفاً. وتُحدث القنبلة انفجاراً جوياً فوق المنطقة المستهدفة، ما يسمح لموجة الضغط الناتجة منه بالانتشار على مساحة واسعة.

وأوضحت مجلة «إير آند سبيس فورسز» المتخصصة في الشؤون العسكرية، أن القنبلة تعتمد على متفجرات تقليدية، ويتركز تأثيرها التدميري في الانفجار وموجة الضغط المصاحبة له، وليس في تفاعل نووي. ويمكن لهذه الموجة أن تلحق أضراراً بالأشخاص والمنشآت داخل المنطقة المستهدفة، بما في ذلك مواقع الأنفاق والكهوف، لكن ذلك لا يعني أن القنبلة مصممة لاختراق التحصينات العميقة تحت الأرض.

في المقابل، توضح القوات الجوية الأميركية أن القنبلة «جي بي يو-57» (GBU-57)، المعروفة باسم «مخترقة الذخائر الضخمة» (Massive Ordnance Penetrator)، صُممت تحديداً لاستهداف المنشآت المحصنة والمدفونة على أعماق كبيرة. ويعكس الاختلاف بين السلاحين تبايناً في التصميم والمهمة؛ إذ تركز «أم القنابل» على إحداث انفجار جوي واسع، بينما صُممت «مخترقة الذخائر» لاختراق التحصينات والمنشآت العميقة قبل تفجير رأسها الحربي.

متى طوّرت الولايات المتحدة «أم القنابل»؟

وطوّرت القوات الجوية الأميركية القنبلة عام 2003، في إطار جهود لتوفير سلاح تقليدي ضخم يمكن استخدامه ضد أهداف واسعة أو محصنة. ووفقاً لمجلة «إير آند سبيس فورسز»، أنجز مختبر أبحاث القوات الجوية الأميركية تطويرها خلال نحو تسعة أسابيع، استعداداً لاحتمال استخدامها في حرب العراق.

وأُجريت اختبارات للقنبلة في مارس (آذار) 2003، وأصبحت متاحة للاستخدام العملياتي في العام نفسه، بحسب بيانات متحف تسليح القوات الجوية الأميركية. لكن القنبلة لم تُستخدم في القتال خلال حرب العراق، رغم تطويرها في ذلك السياق.

وفي تقرير نشرته القوات الجوية الأميركية عام 2008 بعنوان «بعد خمس سنوات، لا تزال تُعرف باسم أم القنابل»، أوضح التقرير أن تطوير القنبلة عام 2003 ارتبط بمحاولة الضغط على نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، عبر إظهار القدرات العسكرية الأميركية وردع القوات العراقية عن القتال. ونقل عن وزير الدفاع الأميركي آنذاك دونالد رامسفيلد أن الهدف كان جعل القدرات العسكرية للتحالف واضحة بما يكفي لثني القوات العراقية عن المواجهة.

أفغانستان 2017... الاستخدام القتالي الأول

إلا أن الجيش الأميركي استخدم «أم القنابل» للمرة الأولى في العمليات القتالية في 13 أبريل (نيسان) 2017، عندما استهدف مجمعاً من الأنفاق والكهوف يستخدمه تنظيم «داعش» في منطقة أتشين بإقليم ننغرهار شرقي أفغانستان، قرب الحدود مع باكستان.

وقالت القوات الأميركية في أفغانستان، في بيان نُشر في ذلك اليوم، إن الضربة استهدفت مجمعاً تابعاً لتنظيم «داعش - ولاية خراسان»، في إطار العمليات الرامية إلى هزيمة التنظيم. وأوضحت أن استخدام القنبلة كان يهدف إلى تدمير مواقع المسلحين ومنشآتهم، وتخفيف المخاطر التي تواجه القوات الأميركية والأفغانية أثناء عمليات التقدم الميداني.

وكانت الضربة أول استخدام قتالي للقنبلة منذ تطويرها، ولم تُعلن الولايات المتحدة استخدامها في عملية قتالية أخرى بعد تلك الضربة.

هل تستطيع تدمير المنشآت النووية الإيرانية؟

بينما صُممت «أم القنابل» لإحداث انفجار واسع، طُورت القنبلة الأميركية GBU-57، التي يبلغ وزنها نحو 13.6 طن، خصيصاً لاختراق التحصينات العميقة قبل الانفجار.

ويعني ذلك أن استخدام «أم القنابل» ضد منشآت نووية محفورة داخل الجبال قد يدمر مباني سطحية ومداخل ومرافق مساندة، لكنه لا يضمن الوصول إلى التجهيزات الموجودة في الأعماق.

وبحسب «سي إن إن»، يشكك بعض المسؤولين العسكريين الأميركيين في قدرة القنبلة على اختراق الصخور التي تحمي منشأة جبل الفأس.

وتعتمد فاعلية أي ضربة على طبيعة الموقع وعمقه وبنيته الجيولوجية، وليس على وزن القنبلة أو قوة انفجارها وحدهما.


تقرير: أميركا تدرس استخدام «أم القنابل» ضد إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

تقرير: أميركا تدرس استخدام «أم القنابل» ضد إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

ذكرت شبكة «سي إن إن»، اليوم (الخميس)، ​نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن الجيش الأميركي وضع خططاً لشن ضربات قد تشمل ‌استخدام قنبلة ‌من ​طراز «جي.بي.يو-43/بي»، المعروفة ‌أيضاً ⁠باسم «أم ​القنابل»، ضد ⁠البنية التحتية للطاقة والمواقع النووية الإيرانية في حال أمر الرئيس دونالد ⁠ترمب باستئناف العمليات القتالية.

وسيعد ‌استخدام ‌هذه القنبلة، ​وهي ‌أكبر الأسلحة ‌غير النووية في الترسانة الأميركية، تصعيداً خطيراً في الصراع، إلا ‌أن مسؤولين مطلعين على مناقشات التخطيط ⁠العسكري ⁠أبلغوا «سي إن إن» بأن هناك تساؤلات لا تزال قائمة حول مدى جدواها في تحقيق الأهداف الاستراتيجية لواشنطن.

ويواجه ترمب ضغوطاً لإنهاء الحرب، في وقت يستعد فيه الجمهوريون لاحتمال مواجهة رد فعل سياسي من الناخبين خلال انتخابات التجديد النصفي المقبلة.

ولا توجد مؤشرات تُذكر على اقتراب واشنطن وطهران من التوصل إلى تسوية تفاوضية، بعد أكثر من ستة أشهر من القصف الأميركي.

وفي حين يواصل الجيش الأميركي تقديم خيارات لترمب بشأن ضرب أهداف إيرانية لم تُستهدف بعد، لا يزال بعض المسؤولين يتساءلون سراً عما إذا كان لدى البيت الأبيض استراتيجية توظف هذه الخطط بطريقة يمكن أن تؤدي فعلياً إلى إنهاء الحرب، وهو قرار لا يملك صلاحية اتخاذه سوى الرئيس، بحسب «سي إن إن».

«أم القنابل» ضمن خطط تصعيد الضربات

وعلى مدى أشهر، ناقش ترمب ومستشاروه خيارات يمكن أن تشكل نهاية «حاسمة» للحرب، على الأقل من ناحية الرسائل السياسية والإعلامية، في ظل إدراكهم تراجع شعبية الصراع بين الأميركيين، وفق الشبكة.

وبينما وصف بعض المسؤولين في الإدارة الأميركية الحرب بأنها حُسمت عملياً، اتسمت تصريحات ترمب الأخيرة بمزيد من التحفظ؛ إذ تجنب إعلان النصر، وأكد أن الولايات المتحدة لا تزال لديها أعمال غير مكتملة في إيران.

وفي الكواليس، أبدى ترمب أيضاً شكوكاً حيال بعض الحلفاء الخارجيين الذين شجعوه على إعادة القوات الأميركية إلى الوطن وإنهاء التدخل. ويرى ترمب أن اتخاذ هذه الخطوة سيبدو بمثابة هزيمة.

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، عقد مستشارون في البيت الأبيض اجتماعات لمناقشة خيارات مختلفة بشأن إيران. ورغم إعلان ترمب أنه لن يتخذ خطوات جديدة قبل انتخابات التجديد النصفي، قال عدد من مستشاريه سراً بحسب «سي إن إن»، إنهم لا يعرفون ما إذا كان هذا التصريح نهائياً أم أنه قد يتغير قبل يوم الانتخابات.

ترمب يطلب إعداد خطط لضرب منشآت الطاقة والبرنامج النووي الإيراني

وأمر ترمب الجيش بإعداد حزم إضافية من الضربات ضد أهداف إيرانية، تشمل استهداف «الكثير من البنية التحتية للطاقة»، مع بحث احتمال استخدام قنبلة «أم القنابل»، وفقاً لمصدر تحدث إلى شبكة «سي إن إن».

وأوضح المصدر أن الصياغة المستخدمة خلال المناقشات أشارت إلى تنفيذ الهجوم «قبل انسحاب القوات الأميركية من منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأميركية»، ما يوحي بإمكان شن ضربات إضافية، ثم محاولة إعلان النصر وسحب القوات الأميركية بسرعة.

جبل «بيك آكس» النووي ضمن الأهداف المحتملة

وقال مصدر ثانٍ لـ«سي إن إن» إن الخطط العسكرية لاستهداف المواقع النووية الإيرانية، بما فيها موقع جبل «بيك آكس» (Pickaxe Mountain)، تنص صراحة أيضاً على احتمال استخدام «أم القنابل».

وخلال الأشهر الأخيرة، هدّد ترمب مراراً بضرب هذا الموقع، الذي تعتقد الولايات المتحدة وإسرائيل أن طهران خزّنت فيه مكونات من برنامجها النووي، حتى بعد تعليق العمليات القتالية الشاملة في وقت سابق من العام الحالي.

ولا يزال ترمب يؤكد أن هدفه يتمثل في ضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي مطلقاً.


محكمة تسمح لولاية أميركية بمنع الأطفال من استخدام منصات التواصل الاجتماعي

القرار يأتي وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن (رويترز)
القرار يأتي وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن (رويترز)
TT

محكمة تسمح لولاية أميركية بمنع الأطفال من استخدام منصات التواصل الاجتماعي

القرار يأتي وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن (رويترز)
القرار يأتي وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن (رويترز)

سمحت محكمة استئناف فيدرالية، يوم الأربعاء، لفلوريدا بتطبيق قانون للولاية يمنع الأطفال دون سن 14 عاماً من استخدام منصات التواصل الاجتماعي مثل «إنستغرام» و«تيك توك» و«سناب شات»، رافضة ما قالته مجموعتان تمثلان قطاع التكنولوجيا حول انتهاك القانون للحماية التي يوفرها الدستور الأميركي لحرية التعبير.

وفي حكم صدر بالإجماع، ألغت هيئة مؤلفة من ثلاثة قضاة في محكمة استئناف مقرها أتلانتا، الأمر الأولي الصادر عن محكمة أدنى درجة والذي كان يوقف تنفيذ القانون.

ووفق وكالة «رويترز»، قالت المحكمة إن القانون لا ينظم المحتوى الذي تقدمه مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتالي لا يتعارض مع التعديل الأول للدستور.

ويحظر القانون على منصات التواصل الاجتماعي التي تحتوي على ما يطلق عليها «خصائص تسبب الإدمان» - مثل التشغيل التلقائي للفيديو والمقاطع المصورة التي لا حصر لها - السماح للأطفال دون سن 14 عاماً بإنشاء حسابات.

وكانت مجموعتا «نت تشويس» ورابطة صناعة الكمبيوتر والاتصالات قد رفعتا دعوى قضائية في عام 2024 لوقف العمل بالقانون. وتضم المجموعتان شركات «ميتا بلاتفورمز» و«تيك توك» و«سناب شات».

وكانت فلوريدا من أوائل الولايات التي أقرت قانوناً ينظم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال، وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن.