حرب إيران تكشف هشاشة منظومة الدفاع الأميركية أمام سيطرة الصين على المعادن الحرجة

تقرير «بوليتيكو» يؤكد أن «استعادة الجاهزية» لا يمكن فصلها عن ميزان القوة مع بكين حتى عندما يكون القتال بعيداً في الشرق الأوسط.

 دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)
دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف هشاشة منظومة الدفاع الأميركية أمام سيطرة الصين على المعادن الحرجة

 دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)
دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)

لم تكن تكلفة الحرب مع إيران محصورة في عدد الصواريخ الاعتراضية التي أُطلقت، ولا في حجم الضربات التي طالت القواعد والرادارات الأميركية في الشرق الأوسط، بل في حقيقة أكثر عمقاً وإزعاجاً لواشنطن وهي أن إعادة بناء ما استُهلك أو تضرر من منظومات الدفاع المتقدمة لا تتوقف فقط على القدرات الصناعية الأميركية، بل تمر أيضاً عبر معادن حرجة تملك الصين قبضتها شبه الكاملة عليها.

ترمب وجينبينغ بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)

هنا، لا تبدو المشكلة مجرد فجوة لوجيستية مؤقتة، بل نقطة ضعف استراتيجية تتقاطع فيها الجغرافيا العسكرية مع الجغرافيا الاقتصادية، وتعيد إحياء سؤال قديم تردد في تقارير أميركية سابقة: ماذا لو وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام أزمة دولية جديدة، بينما مخزوناتها تتآكل وقدرتها على التعويض بطيئة ومقيّدة؟

استنزاف الحرب لا يُقاس بعدد الصواريخ فقط

مقاتلة صينية تستعد للإقلاع من على متن حاملة الطائرات «شاندونغ» خلال تدريبات عسكرية حول تايوان (أرشيفية - أ.ب)

تقرير في «بوليتيكو» كشف أن الحرب خلال أسابيع قليلة استنزفت جزءاً مهماً من منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية في المنطقة، بعدما استهدفت إيران وحدات رادار واتصالات ومكونات إنذار مبكر، بما أجبر الولايات المتحدة وحلفاءها على إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ الاعتراضية للتعامل مع التهديدات الواردة. ووفق التقديرات المشار إليها، فإن إضعاف الرادارات ومنظومات التتبع يرفع تلقائياً تكلفة الاعتراض؛ لأن إصابة الهدف تصبح أصعب؛ ما يعني استخدام عدد أكبر من الصواريخ لإسقاط مسيّرة أو صاروخ واحد.

هذه النقطة أساسية؛ لأن النقاش العام غالباً ما ينشغل بعدد ما أطلقته إيران أو ما تم اعتراضه، بينما الخطر الحقيقي يكمن في «معدل الاستهلاك» الأميركي؛ فالحروب الحديثة لا تُنهك فقط عبر الخسائر المباشرة، بل عبر إجبار الخصم على إنفاق ذخائر باهظة ومعقدة أسرع من قدرته على تعويضها.

وهذا ما يفسر سبب تصاعد القلق الأميركي منذ سنوات من أن أي مواجهة كبيرة في الشرق الأوسط، أو في أوروبا، أو في المحيط الهادئ، قد تلتهم مخزونات بُنيت على افتراضات زمن السلم لا على متطلبات حرب ممتدة ومتعددة المسارح.

ومن هذه الزاوية، جاءت حرب إيران لتؤكد ما حذرت منه تقارير سابقة عن القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية: أن الولايات المتحدة لا تعاني فقط من ضغط على الإنتاج، بل من اختناق في المكونات الدقيقة والمواد الخام اللازمة لصناعة الأسلحة المتقدمة؛ ولذلك فإن الحديث عن «إعادة التسلح» بعد الحرب ليس قراراً مالياً فحسب، بل اختبار لقدرة الاقتصاد الأميركي نفسه على إنتاج الحرب بوتيرة كافية.

شعار «تي إس إم سي» في متحف الشركة للابتكار في هسينتشو (رويترز)

المعادن الحرجة نقطة تفوق صينية

العقدة الأكثر إحراجاً لواشنطن تتمثل في أن كثيراً من مكونات الدفاع الصاروخي تعتمد على معادن حرجة تسيطر الصين على معالجتها وتكريرها. تقرير «بوليتيكو» يركز خصوصاً على الغاليوم، وهو عنصر أساسي في بعض الأنظمة الإلكترونية والرادارية المستخدمة في الاعتراض والكشف، إلى جانب معادن أرضية نادرة ثقيلة مثل التيربيوم والديسبروسيوم، التي تدخل في أنظمة التوجيه والاستهداف، بينما تهيمن بكين على أكثر من 90 في المائة من معالجة هذه المعادن.

رئيسة حزب «كومينتانغ» التايواني تشنغ لي وون في زيارة لبكين (أ.ب)

المفارقة هنا أن الحرب التي يُفترض أنها برهنت على التفوق العسكري الأميركي، كشفت في الوقت نفسه أن هذا التفوق يعتمد جزئياً على سلاسل إمداد لا تتحكم فيها واشنطن. وبذلك، تتحول الصين من منافس جيوسياسي بعيد عن ساحة المعركة إلى لاعب حاضر في قلب معادلة التعويض العسكري الأميركي. فكلما ارتفع الطلب الأميركي على الغاليوم وغيره من المعادن لإعادة ملء المخزونات أو إصلاح المنظومات المتضررة، ازدادت قدرة بكين على استخدام موقعها الصناعي ورقة ضغط في التفاوض السياسي والتجاري.

مشاة يمرون أمام شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

تضيف «بوليتيكو» أن هذا ليس تخوفاً نظرياً؛ إذ إن أسعار الغاليوم ارتفعت بنسبة 32 في المائة خلال شهر واحد، بعد شهور من التراجع النسبي الذي أعقب تفاهمات أميركية ـ صينية سابقة، كما أن الصين سبق أن أظهرت استعدادها لتقييد الوصول إلى هذه المواد عندما رأت في ذلك أداة نفوذ. لذلك، فإن أي نقاش أميركي عن «استعادة الجاهزية» بعد الحرب لا يمكن فصله عن ميزان القوة مع الصين، حتى لو كان القتال نفسه قد وقع في الشرق الأوسط.

الأخطر من ذلك أن المشكلة لا تخص الحرب الحالية وحدها. فإذا اندلعت أزمة جديدة في آسيا، مثلاً حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي، بينما لم تكن الولايات المتحدة قد أعادت بناء مخزوناتها ومكوناتها الأساسية بعد، فإنها ستدخل المواجهة وهي أقل مرونة وأكثر اعتماداً على خصمها الاستراتيجي لتأمين ما تحتاجه من مواد أولية. وهذه مفارقة يصعب على واشنطن قبولها نظرياً، لكنها قائمة عملياً.

الزمن الصناعي أبطأ من الزمن العسكري

يشير التقرير إلى أن الإدارة الأميركية تحاول منذ مدة تقليص هذا الاعتماد عبر توسيع الشراكات مع الحلفاء ودعم الإنتاج المحلي، وعمدت إلى خطوات من قبيل التفاوض على ترتيبات متعددة الأطراف للمعادن الحرجة، وطلب تمويل لمكتب مختص في وزارة الطاقة، وتحرك وزارة الخارجية مع الحلفاء لتأمين السلسلة، فضلاً عن استثمار «البنتاغون» في شركات أميركية وأسترالية، ومنها مشروع مصفاة غاليوم في أستراليا الغربية.

وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار برفقة نظيره الصيني وانغ يي في بكين يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

لكن المشكلة أن هذه الجهود، مهما بدت جدية، تحتاج إلى سنوات كي تعطي نتائج ملموسة، بينما الاستنزاف العسكري يمكن أن يقع خلال أسابيع؛ فبناء منشأة معالجة، أو تطوير قدرة تكرير مستقلة، أو إنشاء مخزون استراتيجي من المعادن، كلها عمليات بطيئة، ومعرضة لعقبات تمويلية وبيئية وتجارية. أما الحرب فلا تنتظر. وهذا ما يجعل الفجوة بين «الزمن العسكري» و«الزمن الصناعي» إحدى أخطر الثغرات في الاستراتيجية الأميركية الحالية.

لهذا، لا يبدو السؤال اليوم: هل تستطيع الولايات المتحدة إعادة بناء ما خسرته، بل بأي تكلفة، وخلال كم من الوقت، وتحت أي شروط سياسية مع الصين؛ فالمخزون العسكري ليس مجرد أرقام في المستودعات، بل انعكاس لسلامة القاعدة الإنتاجية وقدرتها على الاستجابة السريعة. وإذا كانت الحرب مع إيران قد أظهرت أن واشنطن قادرة على القتال بكثافة، فإنها أظهرت أيضاً أن الاستدامة أصعب من التفوق اللحظي.


مقالات ذات صلة

للمرة الأولى منذ حرب إيران....نتنياهو في واشنطن للقاء ترمب

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهو يلقي كلمة في نادي مارالاغو التابع لترمب في فلوريدا عام 2025 (أ.ب) p-circle

للمرة الأولى منذ حرب إيران....نتنياهو في واشنطن للقاء ترمب

وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن حيث يلتقي، الثلاثاء، الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض، للمرة الأولى منذ بدء الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي السابق جو بايدن ينظر إلى الحشد خلال حفل افتتاح مركز أوباما الرئاسي في شيكاغو (أ.ب) p-circle

تسجيلات تكشف اعتراف بايدن بالاحتفاظ بوثائق سرية في منزله

كشفت تسجيلات صوتية خاصة للرئيس الأميركي السابق جو بايدن، سُجلت خلال جلسات إعداد سيرته الذاتية، أنه تحدث صراحة عن احتفاظه بوثائق حكومية سرية داخل منزله.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب (أرشيفية - رويترز)

فيديو إيراني يدعو لاستهداف ميلانيا ترمب... و«الخدمة السرية» يحقق

نشرت وسائل إعلام إيرانية مقطع فيديو تهديدياً بعنوان «أين نقتل ميلانيا؟!»، يُزعم فيه تحديد طرق لاغتيال السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية علاقة ترمب بإنفانتنيو أثارت جدلاً قبل مونديال 2026 (أ.ف.ب)

إنفانتينو مطلوب للمثول أمام «الكونغرس» بسبب علاقته بترمب

فتح جيمي راسكين، كبير الديمقراطيين في اللجنة القضائية بمجلس النواب الأميركي، تحقيقًا يستهدف رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ متظاهرون خارج مبنى المحكمة العليا الأميركية (رويترز)

إدارة ترمب تحث المحكمة العليا على السماح بتنفيذ قرار يخص التصويت عبر البريد

طلبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من المحكمة العليا، الاثنين، تمهيد الطريق لإصدار أمر تنفيذي من الرئيس من شأنه أن يغير بشكل كبير عملية التصويت عبر البريد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )