حين يقول الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن السفن «يجب أن تبحر في مكان ما... فلتبحر بالقرب من إيران»، فهو لا يكتفي برسالة الردع، بل يضع نفسه أيضاً أمام اختبار القرار: كيف تحول قوة عسكرية متقدمة إلى «نتيجة سياسية» من دون التورط في حرب طويلة؟
لكن المعضلة تكمن في أن واشنطن تريد أهدافاً كبيرة بخطوات محدودة: إنهاء البرنامج النووي، كبح الصواريخ، ووقف القمع الداخلي. وكل هدف يجر خلفه منطقاً عملياتياً مختلفاً، وقدرة مختلفة على التحكم في التصعيد.
وفق ما نقلته الصحافة الأميركية عن نقاشات داخل الإدارة، فإن الخيارات المطروحة ليست قراراً واحداً بقدر ما هي «سلم» تصعيد: من ضغط مدعوم بالتهديد، إلى ضربات محدودة، وصولاً إلى حملة أوسع قد تلامس فكرة تغيير النظام. وفي الخلفية، يحاول البيت الأبيض الحفاظ على الغموض بوصفه أداة تفاوض: تهديد كافٍ لدفع طهران إلى تنازلات، من دون إعلان سقف نهائي يقيد المناورة، أو يفتح باب الردع المضاد.

ماذا يريد ترمب فعلياً؟
يقدم جاناتان سايح، الباحث في الشأن الإيراني في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، إطاراً يختصر أهداف الإدارة بثلاثية واضحة: إنهاء تخصيب اليورانيوم، وإضعاف برنامج الصواريخ الباليستية، وتقييد «وكلاء» طهران.
ويضيف سايح، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن ما تحقق حتى الآن، وفق تقديره، أشبه بـ«إدارة الأزمة لا حلّها»، إذ تعرض مسار النووي للضرر، وبُطئت وتيرته، لكن الملف لم يُغلق؛ وتهديد الوكلاء تراجع بعد ضربات أضعفت شبكات الردع الأمامية، لا سيما بفعل حملة إسرائيل ضد «حماس» و«حزب الله» وما تلاها من تهدئة على جبهة غزة.
العقدة، بحسب سايح، هي الصواريخ الباليستية وهو ملف يرى مخططون أميركيون وإسرائيليون منذ سنوات أنه لا يعالج بالضغط وحده، بل يحتاج عملاً عسكرياً ضد بنى الإطلاق، والتخزين، والقيادة، والسيطرة. ثم يربط ذلك بعامل جديد يتمثل في القمع الداخلي، وقتل المتظاهرين، معتبراً أن طهران «تجاوزت خطوطاً حمراء» أعلنها ترمب في ملف حقوق الإنسان. وهنا تتداخل الأهداف: منع الرد الصاروخي على الحلفاء، وفي الوقت نفسه تعطيل جهاز القمع، وهما مهمتان تتجاوزان بطبيعتهما «الضربة الرمزية».
صفقة... ولكن بشروط
تقول طهران إنها «منفتحة على مفاوضات عادلة»، لكنها ترفض التفاوض «تحت التهديد»، وتستبعد إدراج «قدراتها الدفاعية»، أي الصواريخ، على طاولة التفاوض.
هذا الموقف، الذي عبر عنه وزير الخارجية عباس عراقجي، يختصر هوة متوقعة: واشنطن تريد صفقة أوسع تشمل النووي، والصواريخ، والسلوك الإقليمي، فيما تريد طهران تضييق نطاق البحث إلى الملف النووي، وشروط العقوبات، والضمانات.
ميزة هذا المسار أنه يبقي تكلفة الحرب منخفضة، ويستخدم الحشد بوصفه رافعة تفاوضية. لكن ضعفه أن «التهديد من دون تنفيذ» يستهلك بسرعة، خصوصاً إذا كانت طهران تعتقد أنها قادرة على امتصاص الضغط عبر الوقت، أو عبر ردود محسوبة من الوكلاء.

ضربات محدودة؟
الخيار الثاني هو ضربات دقيقة ضد أهداف منتقاة في منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي، أو شبكات صاروخية، أو مواقع لـ«الحرس الثوري». ويمنح هذا ترمب، نظرياً، «إنجازاً سريعاً» ينسجم مع تفضيله عمليات خاطفة. لكن عملياً، المشكلة أن الضربة المحدودة قد لا تحقق الأهداف المعلنة «لا تصفير للنووي بضربة واحدة، ولا شل للصواريخ من دون حملة واسعة»، بينما تفتح باب الرد الإيراني على قواعد أميركية، وحلفاء إقليميين، ما يجبر واشنطن على التدرج نحو تصعيد لم تكن تريده.
وهذا التوتر بين «الضربة السريعة» و«النتيجة الحاسمة» هو لب التحذير الذي يردده أكثر من محلل: لا يوجد حل صاعق وسريع للملف الإيراني، رغم أن البعض يشكك في قدرة طهران وجرأتها أصلاً في تنفيذ تهديداتها، بعدما تعرضت له هي وميليشياتها من ضربات منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

الحملة الواسعة وتكلفتها
أما المسار الثالث الأثقل، فهو حملة أوسع تستهدف بنية الصواريخ، ومنظومات الردع، وأجهزة الأمن الداخلي، وربما تقترب من محاولة إسقاط النظام. هنا يلتقي ما يقوله جاناتان سايح مع مخاوف داخل واشنطن من أن «إنفاذ الخطوط الحمراء» ضد الصواريخ والقمع يتطلب نطاقاً كبيراً من العمليات، لا مجرد ضربات «رمزية».
لكن هذا المسار يصطدم بسؤال «اليوم التالي»: من يحكم إيران؟ وماذا لو أعقب سقوط القيادة صعود تيار أشد تصلباً داخل الحرس الثوري الإيراني؟ وكيف تدار الفوضى المحتملة في دولة كبيرة جغرافياً ومؤسساتياً؟ هذه الأسئلة تجعل خيار «الانهيار السريع» أقرب إلى مقامرة استراتيجية من كونه خطة مضمونة النتائج.
وعليه تبدو المعادلة التي يواجهها ترمب في التالي: إذا كان الهدف انتزاع تنازلات، فالغموض والضغط قد يكفيان، لكن بشرط أن تقتنع طهران بأن التهديد قابل للتنفيذ. وإذا كان الهدف «إنفاذ» خطوط حمراء على الصواريخ والقمع، فالأدوات المطلوبة أكبر بكثير، ما يعني تكلفة أعلى، ومخاطر تصعيد أوسع.
وبين هذين الحدين، ستبقى حركة الأسطول قرب إيران أكثر من استعراض: إنها اختبار لمصداقية التهديد، وحدود القدرة على تحقيق «أهداف كبيرة» من دون أن تجر المنطقة إلى حرب طويلة لا يريدها أحد، لكن قد تفرضها ديناميات الرد، والردّ المضاد.








