أثار إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أن الولايات المتحدة ستتولى «إدارة» فنزويلا مؤقتاً، بعد اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في عملية عسكرية أميركية، تساؤلات عدة بشأن خطة الرئيس الأميركي التي تتمحور في الأساس حول الاستيلاء على قطاع النفط الفنزويلي وإعادة تنشيطه، وسط غموض بشأن الجدوى السياسية والقانونية والاستراتيجية لهذه النهج، وحالة من عدم اليقين بشأن هيكل هذه الإدارة الأميركية لفنزويلا، وشكل عملية الانتقال السياسي، ومستقبل مؤسسات فنزويلا، وهو ما بدا واضحاً في التباين بين تصريحات ترمب وتصريحات وزير خارجيته ماركو روبيو.
ففي المؤتمر الصحافي، يوم السبت، قال ترمب إن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا حتى انتقال آمن وسلس للسلطة، ووصفها بأنها ستكون إدارة مؤقتة وليست سيطرة دائمة. ثم قال ترمب للصحافيين مساء الأحد على متن طائرة الرئاسة: «ما نريده هو إصلاح قطاع النفط، وإصلاح البلاد، وإعادة بناء البلاد، ثم إجراء انتخابات».
بدوره، قال وزير الخارجية روبيو لشبكة «إيه بي سي»، الأحد، إن التدخل الأميركي في فنزويلا ليس غزواً موسعاً، بل ضربة دقيقة استغرقت بضع ساعات، وأصر على أن الحظر النفطي سيبقى مفروضاً على فنزويلا بما يحقق مصلحة الولايات المتحدة ومصلحة الشعب الفنزويلي.
ويحذر خبراء من أن خطة ترمب ستواجه كثيراً من المخاطر والتحديات، وبأن عواقب التدخل الأميركي في فنزويلا ستكون وخيمة. وتتراوح هذه التحديات والمخاطر بين استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي في فنزويلا، والرفض الشعبي لأي إدارة أجنبية للبلاد، والانقسام الدولي والإقليمي بشأن شرعية التدخل الأميركي ومستقبل الحكم الانتقالي، وتحديات بشأن طموحات ترمب إلى إعادة تشكيل قطاع النفط وما يتطلبه ذلك من استثمارات ضخمة، ومخاطر فتح جبهة صراع مع الديمقراطيين والمشرعين في الكونغرس، والمخاوف من اشتعال حالة عدم استقرار إقليمي أو توتر جيوسياسي عالمي، خصوصاً مع الصين وروسيا.
اضطرابات داخلية

وأظهرت المظاهرات التي شهدتها شوارع كاراكاس وعدد من المدن الفنزويلية، إضافة إلى مظاهرات قادها فنزويليون بمدينة نيويورك الأميركية، رفض التدخل الأميركي في بلادهم، وهو ما حذرت منه مجلة «بوليتيكو» التي أشارت إلى أن محاولات الولايات المتحدة رسم مستقبل فنزويلا السياسي تنطوي على مخاطر عدم استقرار وردود فعل عنيفة، خصوصاً أن خطاب ترمب - الذي أحيا «مبدأ مونرو» ووعد بإعادة تأكيد الهيمنة الأميركية - قد أشعل هذه المخاوف بصورة واسعة.
وتشير صحيفة «واشنطن بوست» إلى وجود نحو 12 سفينة حربية، وعشرات الطائرات المقاتلة والطائرات من دون طيار، و15 ألف جندي، في منطقة الكاريبي على أهبة الاستعداد إذا قرر الرئيس ترمب توجيه ضربة ثانية (سواء لفنزويلا ولدول أخرى في المنطقة). وأشارت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة أبقت على معظم أعضاء الحكومة الفنزويلية في مناصبهم بما يوجب الحاجة إلى وجود عسكري مستمر في فنزويلا، وما يترتب عليه من تداعيات قانونية. وحذر ترمب ديلسي رودريغيز، التي تولت منصب الرئيس مؤقتاً بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي، من مواجهة مصير أسوأ من مادورو «إذا لم تقم بالعمل الصائب»؛ مما أثار تساؤلات أخرى بشأن ما إذا كانت رودريغيز قادرة على القيام بعبء انتقال سياسي سلس، أم إنها تتولى السلطة تحت «وصاية أميركية»، ومدى قبول الشعب الفنزويلي ذلك.
الشرعية القانونية
وبينما يمثل مادورو أمام المحكمة الفيدرالية في مانهاتن بنيويورك، فإن الجدل لا يزال مشتعلاً بشأن مدى شرعية اعتقال رئيس دولة أجنبية، والإشكالية بشأن شرعية تنفيذ مثل هذه العملية العسكرية في فنزويلا، والإطار القانوني لخطة ترمب لإدارة فنزويلا. ويقول جون بيلينغر، خبير القانون في معهد «كاتو» إن «عملية الاعتقال تنتهك مبادئ السيادة، وتعدّ تخطياً للخطوط الحمر، بما قد يمهد لتوجيه اتهامات بجرائم دولية وفقاً للقانون الدولي»، وأوضح أن «إدارة فنزويلا من دون تفويض أممي سينظر إليها على أنها احتلال لدولة أجنبية».
من جانبه، حذر ريتشارد هاس، الباحث المخضرم في «معهد العلاقات الخارجية»، بأن تدخل إدارة ترمب لتولي زمام الأمور في فنزويلا «سيقود إلى مستنقع مشابه للعراق وأفغانستان، حيث فشلت محاولات الولايات المتحدة إعادة بناء تلك الدول».
قطاع نفطي منهار
ووعد الرئيس ترمب بإعادة إنتاج النفط في فنزويلا عبر الاعتماد على شركات النفط الأميركية، واستثمار مليارات الدولارات، واستخدام العائدات الناتجة لتحقيق الاستقرار و«جعل فنزويلا عظيمة مرة أخرى»، لكن الوضع الحالي لحقول النفط وخطوط الأنابيب ومصافي التكرير في فنزويلا سيئ للغاية، بعد عقود من سوء الإدارة والفساد والعقوبات المفروضة على النفط الفنزويلي، ويتطلب إعادة تأهيل القطاع النفطي على مدى سنوات من الاستثمار والاستقرار السياسي.
ويقول محللون إن أي زيادة كبيرة في الإنتاج ستستغرق سنوات، وإنها تتطلب استثمارات ضخمة بمئات مليارات الدولارات على مدى سنوات طويلة، وذلك في ظل افتراض هدوء الأوضاع والاستقرار السياسي.
وقارن كيفين بوك، المدير الإداري بشركة «كلير فيو إينرجي بارتنرز» الوضع بتجربة الولايات المتحدة في العراق، مشيراً إلى «ضرورة تحقيق الاستقرار وتقييم المخاطر قبل بدء ضخ استثمارات في إنتاج النفط»، وحذر بأنه «دون تحقيق استقرار، فلن تكون شركات النفط الكبيرة متحمسة لدخول البيئة الفنزويلية المتقلبة وغير المستقرة». وتزداد تأثيرات المخاوف الأمنية والشكوك القانونية واحتمال وقوع أعمال عنف من قبل الفنزويليين - ممن يعترضون على التدخل الأميركي في بلادهم - في تعقيد المشهد، فرغم ما تملكه فنزويلا من احتياطي نفطي يعدّ الأكبر في العالم، فإن إنتاج النفط بصورة مربحة تؤدي إلى تنمية سريعة وازدهار اقتصادي، ليس مضموناً، خصوصاً أن دروس التاريخ تشير إلى أن جهود إعادة الإعمار التي تقودها جهة أجنبية غالباً ما تواجه صعوبات في اكتساب الشرعية على أرض الواقع.

الجبهة الداخلية
وأثارت التحركات العسكرية الأميركية في فنزويلا واعتقال مادورو عاصفةً من الانتقادات من الديمقراطيين في الكونغرس، وفتحت جبهة تحديات داخلية متصاعدة مع إعلان الديمقراطيين أن العملية غير قانونية ومخالفة للدستور الأميركي الذي يمنح الكونغرس سلطة إعلان الحرب. ودعا عدد كبير من المشرعين بمجلس الشيوخ إلى تصويت طارئ بموجب «قانون الصلاحيات الحربية» لوقف أي تصعيد، محذرين من تكرار تجربتَي العراق وأفغانستان.
بعض الجمهوريين، مثل توماس ماسي ومارجوري تايلور غرين، انتقدوا أيضاً اعتقال الرئيس مادورو وعدّوه خطوة تستهدف تغيير نظام في دولة أجنبية بما يخدم مصالح الشركات النفطية لا الشعب الأميركي. وظهر الانقسام واضحاً داخل حركة «ماغا»، التي بُنيت على شعار «أميركا أولاً» المناهض للتدخلات الخارجية، حيث أعرب ستيف بانون، أحد أنصار الحركة والمقرب من الرئيس ترمب، عن قلقه من ارتباك الناخبين، وزيادة الانتقادات من مؤثرين شباب في الحركة ضد التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا، الذي يرونه خيانة لوعود ترمب بإنهاء الحروب. وأظهر استطلاع أجرته شبكة «سي بي إس» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي (قبل العملية العسكرية) أن 70 في المائة من الأميركيين كانوا يعارضون التدخل العسكري في فنزويلا، وأظهر استطلاع آخر لمجلة «إيكونوميست»، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، رفض الأميركيين التدخل العسكري وتكرار تجربتَي العراق وأفغانستان. ويقول محللون إن التحرك العسكري في فنزويلا، والتلويح بتوسيع العلميات إلى كوبا وكولومبيا، قد يؤديان إلى تعزيز معارضة الديمقراطيين، مع مخاطر سياسية من حدوث انقسامات داخل حركة «ماغا»، خصوصاً إذا تحولت فنزويلا إلى عبء اقتصادي (بتكلفة محتملة تصل إلى تريليون دولار)؛ مما يهدد قاعدة ترمب الداعمة، ويؤثر سلباً على حظوظ حزبه في الانتخابات التشريعية النصفية المقبلة.
تداعيات اعتقال مادورو

وتعدّ خطوة ترمب في فنزويلا وإطاحة رئيسها مادورو من أشد التدخلات الأميركية «عدوانية» في أميركا اللاتينية. ويقول خبراء السياسة الخارجية إن هذه العملية قد تعيد تشكيل التصورات العالمية لقوة الولايات المتحدة ومحاولة إدارة ترمب تأكيد النفوذ في نصف الكرة الغربي، بينما يراها البعض الآخر مغامرة مزعزعة للاستقرار، ومحاولة لفرض حسابات جيوسياسية، قد تؤديان إلى تعميق اعتقاد الدول الأخرى بتقلب السياسة الخارجية الأميركية، والعودة إلى نموذج القرن العشرين للهيمنة الأميركية الإقليمية، بما يحمله ذلك من خطر المواجهة مع قوى عالمية استثمرت بكثافة في فنزويلا، مثل روسيا والصين.
وأشارت مجلة «تايم» إلى أن الصين، التي لديها استثمارات وقروض مستحقة مرتبطة بالنفط الفنزويلي، قد ترى هيمنة الولايات المتحدة وسيطرتها على فنزويلا تحدياً مباشراً لمصالحها.
وقد أدانت كل من الصين وروسيا التدخل الأميركي، وقد تتجهان إلى إجراءات دبلوماسية واقتصادية مضادة. أما بقية دول العلماء، فهي منقسمة بين فريق من الحلفاء المتوجسين، وفريق من المنافسين الذين يراقبون تطورات الأوضاع من كثب.
ورحبت الحكومات الأوروبية، إلى حد كبير، بإزاحة مادورو، لكنها تشعر بالقلق إزاء خطة ترمب إدارة فنزويلا بشكل مباشر. أما دول أميركا اللاتينية، فهي منقسمة بين دول يمينية دعمت إجراءات ترمب، وأخرى بدأت تتحسب لخطوات مشابهة ضدها، وترفع حالة الاستعداد العسكري، مع مخاوف من السابقة التي تشكلها خطة ترمب إدارة فنزويلا على السيادة في المنطقة. ويرى مايكل أوهانلون، الباحث في معهد «بروكينغز»، أن «ترمب يتبع نهجاً براغماتياً، لكنه يخاطر بتصعيد إقليمي واسع مع تصريحاته تجاه كوبا وكولومبيا والمكسيك».

