«الطقس» أخّر عملية كراكاس 4 أيام... ولا قتلى أميركيين بعد اختراق «حصن مادورو»

ترمب أكّد نية واشنطن الانخراط بـ«قوة» في النفط الفنزويلي

نيكولاس مادورو يُحيي أنصاره خلال المسيرة الكبرى للشباب الشعبي دعماً لحكومته في كراكاس يوم 13 نوفمبر 2025 (إ.ب.أ)
نيكولاس مادورو يُحيي أنصاره خلال المسيرة الكبرى للشباب الشعبي دعماً لحكومته في كراكاس يوم 13 نوفمبر 2025 (إ.ب.أ)
TT

«الطقس» أخّر عملية كراكاس 4 أيام... ولا قتلى أميركيين بعد اختراق «حصن مادورو»

نيكولاس مادورو يُحيي أنصاره خلال المسيرة الكبرى للشباب الشعبي دعماً لحكومته في كراكاس يوم 13 نوفمبر 2025 (إ.ب.أ)
نيكولاس مادورو يُحيي أنصاره خلال المسيرة الكبرى للشباب الشعبي دعماً لحكومته في كراكاس يوم 13 نوفمبر 2025 (إ.ب.أ)

نفّذت الولايات المتحدة هجوماً صاعقاً في فنزويلا فجر السبت، في عملية عسكرية شبّهها الرئيس دونالد ترمب بـ«البرامج التلفزيونية».

وأعلن ترمب القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله جوّاً إلى خارج البلاد، في عملية ليلية استثنائية تُمثل ذروة الضغوط العسكرية التي يقودها البيت الأبيض ضد هذه الدولة الكاريبية منذ مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي.

وحصلت التطورات الدراماتيكية المتمثلة في اعتقال مادورو وزوجته سيليا فلوريس، في خضم انفجارات ترددت في أنحاء مختلفة من كراكاس، التي شهدت أجواؤها أيضاً تحليقاً مكثفاً على ارتفاعات منخفضة لمقاتلات حربية وطائرات هليكوبتر استهدفت منشآت مدنية وعسكرية، طبقاً لاتهامات فورية من الحكومة الفنزويلية، التي وصفت ما حصل بأنه «هجوم إمبريالي».

وأدّت الانفجارات الضخمة التي هزت العاصمة الفنزويلية، فجر اليوم الثالث من عام 2026 إلى خروج الناس إلى الشوارع، في حين نشر آخرون على مواقع التواصل الاجتماعي تقارير عن هذه الانفجارات.

واستمر الهجوم الأميركي نفسه أقل من 30 دقيقة، ولم يُسقط أي قتلى في صفوف الأميركيين وفق ترمب، من دون أن يُعرف ما إذا كان هناك ضحايا فنزويليون، أو ما إذا كانت هناك عمليات أخرى مُرتقبة.

«سرعة وعنف»

وقبل ساعتين من مؤتمر صحافي مرتقب في مقر إقامة ترمب بفلوريدا، قال ترمب لشبكة «فوكس نيوز» إنه تابع بالبثّ الحي عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي من قبل قوات أميركية خاصة، عادّاً أنها كانت أقرب إلى «برنامج تلفزيوني».

وتابع ترمب في مقابلة عبر الهاتف: «شاهدتها حرفياً، كما لو أنني كنت أشاهد برنامجاً تلفزيونياً. كان حري بكم أن تروا السرعة، والعنف»، وأضاف: «لقد شاهدنا كل جانب منها».

مقاتلة أميركية من طراز «أف 35 لايتنينغ 2» لدى هبوطها في قاعدة روزفلت رودز البحرية السابقة، بورتوريكو، يوم 3 ديسمبر (رويترز)

وأكّد ترمب أن قواته اعتقلت مادورو وزوجته من داخل «حصن» شديد الحراسة، مشيراً إلى عدم سقوط أي قتيل أميركي خلال العملية. وقال: «لم يُقتل لنا أحد، وهذا أمر مذهل»، مشيراً إلى أن «بعض الرجال أصيبوا، لكنهم عادوا، ويفترض أن يكونوا بصحة جيدة جداً».

وأُخرج مادورو وزوجته من مكان وجودهما في فنزويلا بواسطة مروحيات نقلتهما إلى سفينة اتجهت إلى نيويورك؛ حيث يواجهان تُهماً فيدرالية.

أما عن الخطوات المقبلة في فنزويلا، فأكد ترمب أن الولايات المتحدة لن تسمح لأحد «باستكمال مسار» مادورو، وقال: «لا يمكننا المخاطرة بترك شخص آخر يأخذ مكانه ويستكمل مساره». وأضاف: «سنكون ضالعين في ذلك بشكل كبير. ونريد أن نمنح الشعب (الفنزويلي) الحرية»، معتبراً أن العملية العسكرية هي «رسالة بأننا لن نسمح لأحد بترهيبنا».

كما ذكر الرئيس الأميركي أن ​واشنطن «‌ستنخرط بقوة» في قطاع النفط الفنزويلي، موضحاً: «لدينا ​أعظم شركات النفط في ⁠العالم، الأكبر والأعظم، وسننخرط بقوة في ذلك».

أرشيفية لنائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز على هامش اجتماع لمجلس أميركا اللاتينية في كركاس (إ.ب.أ)

وبموجب القانون الفنزويلي يفترض أن تتولى نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز السلطة، من دون أن يصدر أي تأكيد رسمي لذلك. ونشرت ديلسي رودريغيز رسالة صوتية ​عبر التلفزيون الرسمي، قالت فيها: «لا نعلم مكان وجود الرئيس نيكولاس مادورو والسيدة الأولى سيليا فلوريس. نطالب بإثبات أنهما على قيد الحياة».

ونقلت وكالة «رويترز» عن 4 مصادر ​مطلعة على تحركات نائبة الرئيس الفنزويلي أنها موجودة في روسيا. وذكرت 3 مصادر أن شقيقها خورخي رودريغير، رئيس الجمعية الوطنية، موجود في كراكاس.

الأساس القانوني

وكشف الرئيس ترمب أن قواته انتظرت 4 أيام لشن عملية اعتقال مادورو، لتحسن الطقس. ونفّذت المهمة وحدة «دلتا» التابعة للقوات الخاصة في الجيش الأميركي، بالتنسيق مع وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه»، التي منحها الرئيس ترمب منذ أشهر تفويضاً للقيام بعمليات سرية داخل فنزويلا.

ولم يتضح أيضاً الأساس القانوني للضربة التي نفذتها الولايات المتحدة، وما إذا كان ترمب استشار الكونغرس مسبقاً. ولكن هذه العملية العسكرية الصاعقة تُذكّر بالغزو الأميركي لبنما الذي أدّى إلى استسلام زعيمها مانويل أنطونيو نورييغا واعتقاله عام 1990، أي قبل 36 عاماً بالضبط.

وبعيد الساعة 4:30 فجر السبت بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، أعلن الرئيس ترمب عبر منصته «تروث سوشيال» أن القوات الأميركية نفّذت «بنجاح ضربة واسعة النطاق ضد فنزويلا وزعيمها، الرئيس نيكولاس مادورو»، مؤكداً «القبض عليه مع زوجته ونقلهما جوّاً إلى خارج البلاد». وكشف أن «هذه العملية نُفّذت بالتنسيق مع أجهزة إنفاذ القانون الأميركية».

وحدة مضادة للطائرات مدمرة في قاعدة لا كارلوتا الجوية العسكرية بفنزويلا يوم 3 يناير (رويترز)

وبعيد إعلان ترمب، أفاد السيناتور الجمهوري مايك لي بأنه تحدّث مع وزير الخارجية ماركو روبيو. وقال لي عبر حسابه على منصة «إكس» إن روبيو «أبلغني أن نيكولاس مادورو قبض عليه من أفراد أميركيين لمحاكمته بتهم جنائية في الولايات المتحدة، وأن التدخل العسكري الذي شهدناه الليلة كان لحماية منفذي أمر الاعتقال ومساندتهم».

ورجّح لي أن «يندرج هذا الإجراء ضمن الصلاحيات الممنوحة للرئيس بموجب المادة الثانية من الدستور لحماية الأفراد الأميركيين من أي هجوم فعلي أو وشيك». ونقل عن روبيو أيضاً أن «الرئيس لا يتوقع أي إجراءات أخرى في فنزويلا الآن بعد أن صار مادورو قيد الحجز الأميركي».

وكان السيناتور لي قد عبّر قبل هذا المنشور عن مخاوفه بشأن الضربة الأميركية، وكتب: «أتطلع إلى معرفة ما إذا كان هناك أي شيء قد يُبرر هذا الإجراء دستورياً في غياب إعلان الحرب أو تفويض استخدام القوة العسكرية».

التهم ضد مادورو

بعد ساعات من العملية العسكرية الأميركية، ذكرت وزيرة العدل الأميركية بام بوندي، عبر «إكس»، أن مادورو وزوجته يواجهان تهماً في المنطقة الجنوبية لنيويورك منذ عام 2020، خلال الولاية الرئاسية الأولى لترمب. وقالت: «تشمل هذه التهم التآمر لارتكاب جرائم إرهاب، والتآمر لاستيراد الكوكايين، وحيازة أسلحة رشاشة وأجهزة تدمير، والتآمر لحيازة أسلحة رشاشة وأجهزة تدمير ضد الولايات المتحدة».

وأضافت أنهما «سيواجهان قريباً العدالة الأميركية كاملة على الأراضي الأميركية وفي المحاكم الأميركية». كما شكرت الرئيس ترمب: «شجاعته في المطالبة بالمساءلة نيابة عن الشعب الأميركي»، وكذلك «لقواتنا المسلحة الباسلة التي نفذت المهمة المذهلة والناجحة للغاية للقبض على هذين المتهمين بتجارة المخدرات الدولية».

ولم يتضح على الفور ما إذا كانت السلطات الأميركية ستصدر قراراً اتهامياً جديداً ضد مادورو أو المحيطين به.

وظهر مادورو آخر مرة على التلفزيون الرسمي الجمعة، أثناء اجتماع مع وفد من المسؤولين الصينيين في كراكاس. وجاءت الضربة بعد أشهر من تصعيد إدارة ترمب للضغط على حكومة مادورو، بما في ذلك حشد كبير للقوات الأميركية في جنوب البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، ضمن مهمة لمكافحة المخدرات، وفقاً للادعاءات الأميركية.

وفي الأسبوع الماضي، نفذت «سي آي إيه» غارة بمسيّرة على منطقة رسو، يُعتقد أنها كانت تستخدمها عصابات المخدرات الفنزويلية، في أول عملية مباشرة معروفة على الأراضي الفنزويلية منذ أن بدأت الولايات المتحدة غاراتها في 2 سبتمبر (أيلول) الماضي.

وحتى الجمعة، بلغ عدد هجمات القوارب المعروفة 35 غارة، وعدد القتلى 115 على الأقل، وفقاً لإدارة ترمب، التي تعدّ أن الولايات المتحدة تخوض «نزاعاً مسلحاً» مع عصابات المخدرات. ولطالما ندد مادورو بالعمليات العسكرية الأميركية، واصفاً إياها بأنها محاولة مكشوفة لإطاحة حكمه.

ردّ فنزويلي

وفي ضوء العملية العسكرية الأميركية، توجّه فنزويليون مسلحون وأفراد من ميليشيات مدنية يرتدون الزي الرسمي إلى حي في كراكاس يُعدّ منذ زمن طويل معقلاً للحزب الحاكم. ومع بزوغ الفجر، احتشد بعض الناس وهتفوا: «أعيدوا مادورو!»، حاملين صوراً له.

وفي مناطق أخرى من المدينة، ظلت الشوارع خالية لساعات بعد الهجوم. وأظهرت مقاطع فيديو من كراكاس آثار رصاص ودخاناً يملأ المكان، في حين أضاءت انفجارات مكتومة متكررة السماء خلال الليل. وأظهرت لقطات أخرى سيارات تمر على طريق سريع، وأضاءت الانفجارات التلال خلفها.

وشوهد دخان يتصاعد من حظيرة طائرات في قاعدة عسكرية في كراكاس، في حين كانت منشأة عسكرية أخرى في العاصمة من دون كهرباء. وأفاد بيان للحكومة الفنزويلية بأن مادورو كان قد «أمر بتنفيذ كل خطط الدفاع الوطني». وأعلن عن حالة الطوارئ التي تخوله تعليق حقوق الشعب وتوسيع دور القوات المسلحة.


مقالات ذات صلة

أول اتصال بين ترمب وعون

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

أول اتصال بين ترمب وعون

أعلنت رئاسة الجمهورية اللبنانية، اليوم الخميس، أن اتصالاً هاتفياً جرى بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس جوزيف عون.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)

«أميركا أولاً» تفضل العلاقات التجارية على سياسة المساعدات

طلبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعم دول العالم لإعلان يدعو إلى تبنّي مبدأ «التجارة بدلاً من المساعدات»، خدمة لمبدأ «أميركا أولاً».

علي بردى (واشنطن)
أميركا اللاتينية رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب)

رئيس البرازيل منتقداً تهديدات ترمب: على القادة كسب الاحترام

وجّه رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا انتقاداً لاذعاً للرئيس الأميركي، اليوم، قائلاً إن على قادة العالم السعي إلى كسب الاحترام بدلاً من الحكم بالترهيب.

«الشرق الأوسط» (مدريد )
الاقتصاد كيفن وورش يتحدث خلال مؤتمر حول السياسة النقدية في معهد هوفر بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا (رويترز)

تعثر «الانتقال السلس»... شكوك حول تثبيت مرشح ترمب لقيادة «الفيدرالي» قبل مايو

تبدو احتمالات الانتقال السلس وفي الوقت المحدد للقيادة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى كيفن وورش، مرشح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرئاسة البنك المركزي مهددة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية أندرياس ريتيغ (د.ب.أ)

الاتحاد الألماني يطالب ترمب بتهدئة الأوضاع السياسية لإنجاح كأس العالم 2026

أعرب أندرياس ريتيغ، المدير الإداري للاتحاد الألماني لكرة القدم، عن أمله في تهدئة الأوضاع السياسية قبل انطلاق نهائيات كأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت )

«أميركا أولاً» تفضل العلاقات التجارية على سياسة المساعدات

أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)
أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)
TT

«أميركا أولاً» تفضل العلاقات التجارية على سياسة المساعدات

أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)
أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)

وجّه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مذكرة رسمية إلى البعثات الدبلوماسية لبلاده عبر العالم من أجل حشد الدعم لإعلان يدعو إلى تبنّي مبدأ «التجارة بدلاً من المساعدات»، ما يعكس تحوّلاً عن الدور التقليدي للولايات المتحدة بوصفه مقدّماً رئيسياً للمساعدات الإنسانية ودعم الدول النامية.

وحسب البرقية التي أُرسلت، الأربعاء، إلى السفارات والقنصليات الأميركية، طلب روبيو من الدبلوماسيين التواصل مع الحكومات الأجنبية قبل موعد أقصاه الاثنين المقبل لحضها على تأييد المبادرة قبل طرحها رسمياً في الأمم المتحدة نهاية أبريل (نيسان) الحالي، فيما بدا أنه توجه من إدارة الرئيس دونالد ترمب لاستخدام المنظومة الأممية لتعزيز سياسة «أميركا أولاً»، وفتح آفاق جديدة أمام الشركات الأميركية.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ)

وتُقدم برقية روبيو نقاطاً رئيسية لمساعدة الدبلوماسيين في عرض وجهة نظر الإدارة على نظرائهم، بدءاً من أن «أميركا، في عهد الرئيس ترمب، دخلت عصراً ذهبياً جديداً قائماً على اقتصاد مزدهر مدعوم بسياسات داعمة للأعمال: إلغاء القيود، وخفض الضرائب، وتحرير قطاع الطاقة». كما تتضمن البرقية نص الإعلان الكامل، الذي يؤكد أن «القطاع الخاص هو من بنى اقتصادات العالم الناجحة، وليس المساعدات الحكومية».

ركود المساعدات

تأتي هذه الخطوة ضمن مسعى أوسع لإعادة هيكلة نظام المساعدات العالمي، إذ تعمل إدارة ترمب على تقليص دور الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وتقليل التمويل المخصص للبرامج المتعددة الأطراف، مبررة ذلك بوجود هدر واعتماد مفرط على المساعدات. واتخذت دول مانحة كبرى مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا خطوات مماثلة، ما أدى ليس فقط إلى تراجع ملحوظ في حجم المساعدات عالمياً، بل أيضاً إلى ما وصفه البعض بـ«ركود كبير في المساعدات». وتُشير الدراسات إلى أن هذا التراجع الواسع في التمويل قد يتسبب في وفاة 9.4 مليون شخص بحلول عام 2030.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال عودته إلى البيت الأبيض الأحد (أ.ب)

وواجهت إدارة ترمب معارضة في مساعيها للتفاوض مع الدول التي تتلقى تمويلاً أميركياً في مجال الصحة. وأدى نهجها القائم على مبدأ «أميركا أولاً» في هذا المجال إلى اتهامات لوزارة الخارجية بربط التمويل الحيوي للوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية وعلاجه بقبول الحكومات الأجنبية صفقات تجارية جانبية تتعلق بالمعادن الحيوية والموارد الطبيعية الأخرى. ونفت وزارة الخارجية هذه الادعاءات.

وعلى الرغم من الانتقادات السابقة لنظام المساعدات، بسبب ما يمكن أن يوجده من تبعية، يرى منتقدون أن النهج الجديد ربما يفتح الباب أمام استغلال الدول الفقيرة من الشركات الخاصة.

أنصار ترمب من حركة «ماغا» في مؤتمر للمحافظين بتكساس يوم 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية -طلب عدم نشر اسمه- إن هذا التوجه «يُعزز الابتعاد عن المساعدات، ويمنح الشركات فرصاً لتحقيق أرباح في أسواق جديدة».

في المقابل، يُشكك بعض الخبراء في فرص نجاح المبادرة داخل الأمم المتحدة، معتبرين أنها يمكن أن تُفسر بوصفها مسعى لتقويض دورها.

وكانت مؤسسة «ديفيكس» قد نشرت الثلاثاء، بعض جوانب إعلان «التجارة بدل المساعدات»، كاشفة عن تداول المقترح الأميركي في الأمم المتحدة.

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن الباحث لدى مجلس العلاقات الخارجية سام فيجرسكي أن المبادرة قد لا تلقى قبولاً في الأمم المتحدة، لا سيما مع سعي إدارة ترمب إلى تعزيز جهود أخرى، مثل مجلس السلام الذي أنشأه. وقال إن الإعلان المنشود «قد لا يحظى بقبول واسع؛ لأنه يُنظر إليه على أنه يضعف النظام الدولي القائم».

وفي دفاعها عن المبادرة، تؤكد إدارة ترمب أن القطاع الخاص هو المحرّك الحقيقي للنمو الاقتصادي، وأن التركيز يجب أن يكون على جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل بدلاً من تكريس الاعتماد على المساعدات.


البنتاغون يوسّع قاعدة التصنيع لتعبئة مخزونات السلاح

ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

البنتاغون يوسّع قاعدة التصنيع لتعبئة مخزونات السلاح

ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

لم يعُد الحديث في واشنطن عن توسيع الإنتاج العسكري مجرد لازمة بيروقراطية تتكرر كلما ارتفعت التهديدات الدولية، بل صار عنواناً مباشراً لقلق أميركي متزايد من اتساع الفجوة بين ما تستهلكه الحروب وما تستطيع المصانع الأميركية تعويضه بالسرعة المطلوبة.

فبعد سنوات من استنزاف المخزونات بفعل الحرب في أوكرانيا، جاءت الحرب مع إيران لتضيف ضغطاً فورياً على الذخائر وأنظمة الاعتراض والتجهيزات المرتبطة بها، الأمر الذي دفع البنتاغون إلى توسيع دائرة البحث عن الشركاء، من كبار مقاولي الدفاع التقليديين إلى شركات السيارات والصناعات الثقيلة والطيران المدني.

صحيفة «وول ستريت جورنال» ذكرت أن في هذا التحول ما هو أبعد من مجرد تدبير صناعي، إنه إقرار بأن ميزان القوة في عالم أكثر اضطراباً لن يُقاس فقط بعدد القطع العسكرية الموجودة في الخدمة، بل أيضاً بسرعة القدرة على تعويضها وإدامتها في حال اندلاع حروب طويلة أو متزامنة. وأضافت أن الاتصالات الأخيرة مع «جنرال موتورز» و«فورد» و«جي إي أيروسبيس» و«أوشكوش» تندرج في هذا السياق تحديداً، إذ أراد البنتاغون اختبار ما إذا كانت هذه الشركات تستطيع أن تتحول، عند الحاجة، إلى شبكة دعم للقاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية.

استنزاف مزدوج

السبب المباشر لهذا الاندفاع هو أن الولايات المتحدة لم تعد تواجه استنزافاً نظرياً، بل استهلاكاً فعلياً ومتراكماً على أكثر من جبهة.

فواشنطن سحبت منذ الغزو الروسي لأوكرانيا مليارات الدولارات من الأسلحة من مخزوناتها، كما نقلت كميات كبيرة من الأنظمة والذخائر في سياقات قتالية أخرى، قبل أن تأتي الحرب مع إيران لتزيد الحاجة إلى تجديد سريع للمخزون، لا سيما في الصواريخ ووسائل الدفاع الجوي والتقنيات المضادة للمسيّرات. ولهذا لم تعد الإدارة تنظر إلى توسيع الإنتاج باعتباره ملفاً فنياً يخص شركات السلاح فقط، بل مسألة أمن قومي تتصل مباشرة بقدرة الولايات المتحدة على خوض حرب ممتدة اليوم، أو الاستعداد لأزمة أكبر غداً، ربما في آسيا إذا تصاعد التوتر مع الصين.

رئيس الأركان الأميركي دان كين خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل (رويترز)

هذا ما يفسر انتقال البنتاغون من مطالبة المتعهدين التقليديين برفع الوتيرة إلى طرق أبواب شركات مدنية كبرى تملك قوة عاملة واسعة وقدرات تصنيعية يمكن الاستفادة منها، ولو جزئياً، في سد الثغرات الأكثر إلحاحاً، بحسب «رويترز».

والمهم هنا أن الإدارة لا تتحدث فقط عن زيادة الكميات، بل عن إعادة توسيع القاعدة الصناعية نفسها. فبعد عقود من الاندماجات والتقليص، باتت الصناعات الدفاعية الأميركية شديدة التركّز في أيدي عدد محدود من الشركات الكبرى، وهو ما يقلص المرونة حين تقع أزمات متزامنة أو حين يتطلب الأمر زيادات سريعة في الإنتاج. لذلك فإن العودة إلى شركات خارج الحلقة الدفاعية الضيقة تعكس إدراكاً بأن «قاعدة الردع» في القرن الحادي والعشرين لا تبدأ من حاملات الطائرات وحدها، بل من المصانع، والموردين، والعقود، والقدرة على تعبئة الصناعة الوطنية بسرعة، بحسب وزارة الحرب الأميركية.

إنذار مبكر

لكن الاجتماع الأخير مع شركات السيارات لم يأتِ من فراغ، بل سبقه مسار تصاعدي من الضغوط السياسية والإدارية على الصناعات الدفاعية نفسها. ففي مطلع مارس (آذار)، التقى الرئيس دونالد ترمب رؤساء 7 من كبرى شركات الدفاع، وهي «لوكهيد مارتن» و«آر تي إكس» و«بي إيه إي سيستمز» و«بوينغ» و«هانيويل أيروسبيس» و«إل 3 هاريس» و«نورثروب غرومان»، في اجتماع ركّز، وفق ما نقلته «رويترز»، على جداول الإنتاج وتسريع تعويض المخزونات المستنزفة.

وزير الحرب بيت هيغسيث عقب اختتام مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 16 أبريل (أ.ب)

وبعد ذلك بأسابيع، أعلن البنتاغون اتفاقات إطارية مع «بي إيه إي» و«لوكهيد» و«هانيويل» لزيادة إنتاج الذخائر ومكونات منظومات الدفاع، بينها مضاعفة إنتاج بعض المكونات الرئيسية لاعتراضات «ثاد» وتسريع تصنيع الصواريخ الدقيقة.

وفي موازاة هذا الضغط العملي، وجّه وزير الحرب بيت هيغسيث رسالة سياسية أكثر صراحة إلى كبار المتعاقدين، محذراً من أن من لا يقبلون تحمل قدر أكبر من المخاطر وتسريع الوتيرة قد يجدون أنفسهم خارج أولويات البنتاغون، في إطار خطة أوسع لتقليص البيروقراطية وجعل المنتجات التجارية والتعاقدات الأسرع جزءاً من القاعدة، لا الاستثناء.

هذه الخلفية مهمة لأنها توضح أن واشنطن لا تبحث فقط عن طاقات إضافية، بل تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والصناعة في زمن التهديدات الكبرى. فبدلاً من الاكتفاء بإعطاء العقود نفسها للشركات نفسها وفق الوتيرة نفسها، تسعى الإدارة إلى دفع المتعهدين التقليديين إلى الإسراع، وفي الوقت نفسه إدخال لاعبين جدد أو مساندين من خارج القطاع الدفاعي.

بهذا المعنى، فإن اجتماع السيارات ليس بديلاً عن الاجتماع السابق مع شركات السلاح، بل امتداد له: الأول ضغط على القلب الصناعي الدفاعي، والثاني توسيع للدائرة الاحتياطية التي يمكن استدعاؤها عندما يصبح الاستنزاف أكبر من قدرة المنظومة الحالية على الاحتمال.

«ترسانة الأربعينات»

صحيح أن استحضار نموذج الحرب العالمية الثانية، حين تحولت ديترويت في ولاية ميشيغان إلى «ترسانة الديمقراطية»، يغري الساسة والعسكريين، لكن الواقع الصناعي اليوم أكثر تعقيداً. فإنتاج الذخائر الدقيقة أو أنظمة التوجيه أو مكونات الدفاع الجوي لا يشبه تحويل مصنع سيارات إلى خط لإنتاج الشاحنات العسكرية في أربعينات القرن الماضي. هناك متطلبات أمنية وتنظيمية وسلاسل توريد متخصصة واختبارات واعتمادات تجعل التحول أبطأ وأعلى كلفة، وفق «وول ستريت جورنال».

أفراد من القوات الجوية الأميركية يقومون بأعمال صيانة على مدرج قاعدة فيرفورد الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في غرب إنجلترا (إ.ب.أ)

وأشارت الصحيفة إلى أن السؤال الحقيقي في محادثات البنتاغون مع الشركات المدنية، لم يكن عمّا إذا كانت هذه الشركات تستطيع أن تصبح جزءاً من صناعة دفاعية متكاملة؟ بل ما الأجزاء أو المكونات أو القدرات التي يمكن أن توفرها سريعاً لتخفيف الضغط عن المتعهدين الأساسيين؟ لهذا تبدو شركات مثل «أوشكوش» و«جي إم» أقرب إلى نموذج «الإسناد الصناعي» منه إلى الاستبدال الكامل، خصوصاً أن لبعضها حضوراً دفاعياً محدوداً أصلاً يمكن البناء عليه وتوسيعه.

هنا تكمن دلالة التحرك الأميركي: إنه لا يعني أن واشنطن دخلت بعد في تعبئة شاملة على طريقة أربعينات القرن الماضي، لكنه يعني أنها باتت تفكر بعقلية أقرب إلى «اقتصاد الحرب المرن»، أي بناء قدرة تعبئة تدريجية تسمح بتوسيع الإنتاج متى اقتضت الحاجة.

فالاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الاجتماعات أو قوة التصريحات، بل في قدرة الإدارة على إزالة العقبات التي لطالما أعاقت التوسع: بطء العقود، وتعقيد المناقصات، وضعف الحوافز للاستثمار طويل الأجل، وتردد الشركات المدنية في دخول قطاع شديد التنظيم ما لم ترَ طلباً ثابتاً ومضموناً بحسب «رويترز».

وإذا نجحت واشنطن في معالجة هذه العقد، فإنها لن تكون فقط قد ردّت على استنزاف أوكرانيا وإيران، بل ستكون أيضاً قد وضعت أساساً صناعياً أمتن لمواجهة عالم تعتبره أكثر خطورة وتقلباً من أي وقت مضى.


هيغسيث: الحصار الأميركي على موانئ إيران سيستمر «ما دام لزم الأمر»

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بينما يستمع إليه الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بالبنتاغون في أرلينغتون بولاية فيرجينيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بينما يستمع إليه الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بالبنتاغون في أرلينغتون بولاية فيرجينيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

هيغسيث: الحصار الأميركي على موانئ إيران سيستمر «ما دام لزم الأمر»

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بينما يستمع إليه الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بالبنتاغون في أرلينغتون بولاية فيرجينيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بينما يستمع إليه الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بالبنتاغون في أرلينغتون بولاية فيرجينيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الخميس، أنّ الولايات المتحدة ستواصل منع كل السفن من بلوغ الموانئ الإيرانية أو الخروج منها «طالما لزم الأمر»، وهدد إيران بضربات جديدة إذا لم تبرم اتفاقاً مع واشنطن.

وقال هيغسيث، في مؤتمر صحافي في البنتاغون: «إذا اختارت إيران بشكل سيئ، فستتعرض لحصار وستتساقط القنابل على البنية التحتية والطاقة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبدأت القوات الأميركية حصار الموانئ الإيرانية في الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش، الاثنين، بعد انتهاء جولة محادثات سلام في باكستان دون التوصل إلى اتفاق في اليوم السابق.

وأتت المباحثات في خضمّ هدنة لمدة أسبوعين من المقرر أن تستمر حتى منتصف الأسبوع المقبل.

وقال رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كاين، في المؤتمر الصحافي مع هيغسيث، إن الحصار «يشمل جميع السفن المتجهة من الموانئ الإيرانية وإليها، بغضّ النظر عن جنسيتها».

وأضاف كاين: «إذا لم تمتثلوا لهذا الحصار، فسنستخدم القوة»، متابعاً: «حتى الآن، اتخذت 13 سفينة الخيار الحكيم بالعودة» أدراجها.

من جهته، قال هيغسيث إن القوات الإيرانية تحاول استخراج معدات من تحت الردم بعد أكثر من خمسة أسابيع من الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وخاطب الوزير القادة الإيرانيين قائلاً: «نعلم ما الأصول العسكرية التي تنقلونها وإلى أين تنقلونها. وبينما أنتم تنقّبون... في المنشآت المدمّرة والمتضرّرة، فإننا نزداد قوة».

وتابع: «إنكم تقومون بالتنقيب لإخراج ما تبقى لديكم من منصات الإطلاق والصواريخ من دون القدرة على استبدالها، ليست لديكم صناعة دفاعية، ولا قدرة على تجديد قدراتكم الهجومية أو الدفاعية».

وأوضح الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، أن واشنطن تستخدم وقف إطلاق النار لإعادة التسلح والتكيّف.

وقال كوبر: «نحن نعيد تسليح أنفسنا، ونعيد تجهيز معداتنا، ونقوم بتعديل تكتيكاتنا وتقنياتنا وإجراءاتنا. لا يوجد جيش في العالم يتكيّف مثلنا، وهذا بالضبط ما نقوم به الآن خلال فترة وقف إطلاق النار».