ماراثون ميامي على مسارين لإنهاء حرب أوكرانيا

هل تكسر «دبلوماسية الصفقات» جدار الشروط المستحيلة؟

دميترييف (وسط) ويتكوف (يمين) وكوشنر (رويترز)
دميترييف (وسط) ويتكوف (يمين) وكوشنر (رويترز)
TT

ماراثون ميامي على مسارين لإنهاء حرب أوكرانيا

دميترييف (وسط) ويتكوف (يمين) وكوشنر (رويترز)
دميترييف (وسط) ويتكوف (يمين) وكوشنر (رويترز)

تتجه الأنظار إلى ميامي، لا بوصفها مدينة ساحلية أميركية فحسب، بل بوصفها مسرحاً دبلوماسياً لمحاولة جديدة قد تكون الأكثر حساسية منذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022. ففي الوقت الذي يلتقي فيه مسؤولون أميركيون مع وفدين منفصلين من روسيا وأوكرانيا، وبمشاركة أوروبية غير مسبوقة، يستضيف مبعوث الرئيس الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر، في ميامي، كبير المفاوضين الأوكرانيين رستم عمروف، وممثلين لبريطانيا وفرنسا وألمانيا.

الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي محاطاً بقادة أوروبيين ومفاوضين أميركيين في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (أ.ب)

يعود السؤال المركزي إلى الواجهة: هل ما زال بالإمكان التوصل إلى تسوية سياسية، أم أن هذه المفاوضات ليست سوى محطة إضافية في إدارة حرب طويلة الأمد؟ شهد يوم الجمعة انطلاق جولة مشاورات موسعة ضمت مسؤولين أميركيين وأوكرانيين وأوروبيين، استمرت حتى السبت، بالتزامن مع قنوات اتصال مفتوحة بين واشنطن وموسكو. يقود الفريق الأميركي المفاوض ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهما رجلان يمثلان الثقة الشخصية المطلقة لترمب، بعيداً عن البروتوكولات التقليدية لوزارة الخارجية. وفي المقابل، يبرز كيريل دميترييف، مبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كطرف روسي مفوض، عبّر عن تفاؤله الحذر بنشره مقطع فيديو من ميامي تحت تعليق: «النور يشع من بين غيوم العاصفة».

ورغم هذه الأجواء، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الطريق لا يزال طويلاً، واصفاً القضايا العالقة بأنها «الأصعب»، ومشيداً في الوقت ذاته بروح «بنّاءة» لدى الوفد الأوكراني بقيادة رستم عمروف.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال خطابه السنوي مع نهاية العام في موسكو (أ.ف.ب)

غير أن جولة ميامي تأتي في سياق دولي مختلف نسبياً عن الجولات السابقة. الولايات المتحدة، تبدو أكثر استعجالاً لإنتاج «صفقة» تنهي الحرب، أو على الأقل تجمّدها. هذا الاستعجال عبّر عنه ترمب علناً حين حضّ كييف على «التحرك سريعاً»، محذّراً من أن إطالة أمد التفاوض تمنح موسكو فرصة لتغيير مواقفها أو تحسين شروطها على الأرض.

في المقابل، تحضر موسكو إلى هذه المباحثات وهي في موقع عسكري أكثر راحة، وفق ما عكسه خطاب الرئيس فلاديمير بوتين الاخير، الذي يؤكد أن «المبادرة الاستراتيجية» باتت بيد القوات الروسية، وأن أهداف الحرب «لم تتغير». هذا التباين بين منطق الصفقة السريعة في واشنطن ومنطق النفس الطويل في موسكو يشكل الخلفية الحقيقية لمحادثات ميامي.

قال الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، السبت، ‌إن أي ‌انتخابات ‌في أوكرانيا ⁠لا ​يمكن ‌أن تُجرى في المناطق التي تحتلها روسيا ⁠في البلاد، ولا ‌يمكن ‍إجراء عملية التصويت قبل ضمان الأمن. وأضاف أن وزير الخارجية ​الأوكراني بدأ إجراءات أولية ⁠في البنية التحتية اللازمة لتمكين الأوكرانيين المقيمين في الخارج من التصويت.

غياب الطاولة الجامعة

أحد أبرز ملامح هذه الجولة هو غياب أي اجتماع ثلاثي مباشر يجمع الأميركيين والروس والأوكرانيين على طاولة واحدة. فالمحادثات تجري عبر مسارين متوازيين: مسار أميركي - أوكراني - أوروبي، ومسار أميركي - روسي. هذا الترتيب يعكس حجم انعدام الثقة، لكنه في الوقت نفسه يحدّ من فرص تحقيق اختراق سريع، إذ إن كل طرف يسمع قراءة أميركية لمواقف الطرف الآخر، لا الموقف مباشرة. كما أن المشاركة الأوروبية المباشرة تمثل عنصراً جديداً مقارنة بالجولات السابقة، في إشارة إلى رغبة العواصم الأوروبية في استعادة دورها في تقرير مصير أكبر حرب تشهدها القارة منذ ثمانية عقود، خصوصاً في ظل شعورها بالتهميش في قنوات التواصل الأميركية - الروسية.

تسوية غير مكتملة

رغم التكتم على التفاصيل النهائية للخطة الأميركية المعدلة، فإن الخطوط العريضة باتت معروفة. فهي تقوم على معادلة شديدة الحساسية: تنازلات أوكرانية محدودة على صعيد الأراضي، في مقابل ضمانات أمنية غربية «قوية جداً». وقد ألمح مسؤولون أميركيون إلى ضمانات تشبه، من حيث المبدأ، المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، وإن جاءت خارج إطار الناتو الرسمي.

الرئيس الأوكراني مع كوشنر وويتكوف في برلين 15 ديسمبر 2025 (رويترز)

لكن هذه المعادلة تصطدم بعقبتين أساسيتين: الأولى، الرفض الروسي القاطع لأي وجود عسكري غربي على الأراضي الأوكرانية أو لأي صيغة تُفسَّر كالتزام دفاعي ملزم. والأخرى، الحساسية السياسية والدستورية داخل أوكرانيا نفسها، حيث يرفض الشارع الأوكراني بغالبية ساحقة التخلي عن أراضٍ بالقوة، ويخشى الرئيس فلوديمير زيلينسكي من أن أي تنازل غير محاط بضمانات صلبة قد يفتح الباب أمام اضطرابات داخلية خطيرة.

يكرر الرئيس الروسي أن أي سلام حقيقي يجب أن يعالج «الأسباب الجذرية» للنزاع، وهي عبارة تختصر عملياً ثلاثة مطالب: الاعتراف بالمكاسب الإقليمية الروسية، وتحييد أوكرانيا استراتيجياً، ومنع توسع الناتو شرقاً. ورغم إشارات روسية إلى «مرونة تكتيكية»، مثل التخلي عن المطالبة الكاملة بكل الأراضي التي أعلنت موسكو ضمها، فإن جوهر الموقف الروسي لم يتغير. من هذا المنظور، تبدو موسكو معنية بالمفاوضات ليس بالضرورة لإنهاء الحرب سريعاً، بل لاختبار مدى استعداد واشنطن وكييف لتقديم تنازلات أكبر، مستفيدةً من تقدمها الميداني ومن إرهاق الغرب سياسياً ومالياً.

أوروبا تعزز موقع كييف

في هذا السياق، لا يمكن فصل مفاوضات ميامي عن القرار الأوروبي الأخير بتقديم قرض ضخم لأوكرانيا بقيمة 105 مليارات دولار، يغطي جزءاً كبيراً من احتياجاتها المالية للعامين المقبلين. هذا القرار لا يمنح كييف فقط متنفساً اقتصادياً، بل يعزز موقعها التفاوضي، ويفوّت على موسكو ورقة الضغط القائلة إن أوكرانيا على وشك الانهيار المالي.

لكن في المقابل، يسلط هذا التطور الضوء على تراجع الدور الأميركي في تمويل الحرب، مما يزيد من رغبة إدارة ترمب في الوصول إلى مخرج سياسي يقلل من الأعباء الأميركية، حتى لو لم يلبِّ بالكامل تطلعات الحلفاء الأوروبيين.

الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي خلال لقائه رئيس الوزراء البرتغالي لويس مونتينيغرو في كييف (إ.ب.أ)

تثير تركيبة الفريق الأميركي المفاوض تساؤلات إضافية. وحسب تقرير في صحيفة «وول ستريت جورنال» المحسوبة على الجمهوريين، فإن تصدُّر شخصيات من عالم الأعمال، مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، على حساب الدبلوماسية والمؤسسات التقليدية، يعكس أسلوب ترمب القائم على الصفقات والعلاقات الشخصية. غير أن هذا الأسلوب، الذي قد يفتح قنوات مباشرة مع الكرملين، يحمل في الوقت نفسه أخطار سوء التقدير في ملف بالغ التعقيد والحساسية بين قوتين نوويتين.

ويحذر دبلوماسيون سابقون من أن غياب القنوات المؤسسية، وتهميش الخبرات الاستخباراتية والدبلوماسية، قد يؤدي إلى اتفاقات هشة أو غامضة، سرعان ما تنهار عند أول اختبار ميداني.

جاريد كوشنر وستيف ويتكوف (رويترز)

في المحصلة، تبدو مفاوضات ميامي أقرب إلى اختبار نيات منها إلى محطة حاسمة للسلام. فالفجوة بين شروط بوتين وما يمكن لأوكرانيا تحمله لا تزال واسعة، فيما تسعى واشنطن إلى تسويق تقدم تدريجي دون ضمان اختراق فعلي. وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في توقيع اتفاق قريب، بل في معرفة ما إذا كانت هذه المفاوضات ستؤسس لمسار تفاوضي مستدام، أم أنها ستنتهي، كما سابقاتها، بإدارة الصراع بدل إنهائه. فهل تنجح «دبلوماسية رجال الأعمال» التي ينتهجها ترمب في إيجاد مخرج للصراع الأكثر دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية؟

ميدانياً، تواصل روسيا استهداف البنى التحتية الأوكرانية؛ فقد أدى إطلاق صاروخ باليستي، مساء الجمعة، إلى مقتل سبعة أشخاص وإصابة خمسة عشر قرب أوديسا، وفق ما أعلن الحاكم المحلي أوليغ كيبر. وأعلنت موسكو، السبت، سيطرتها على قريتين في منطقتَي سومي (شمال) ودونيتسك (شرق).

قال أوليكسي كوليبا، نائب رئيسة الوزراء ‌الأوكرانية، ‌إن ‌هجوماً ⁠روسياً ​استهدف، السبت، خزانات في ميناء بيفديني جنوب أوكرانيا، ⁠وذلك بعد ‌يوم ‍من هجوم صاروخي أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص هناك. وأضاف ​كوليبا على تطبيق «تلغرام» ⁠أن قوات موسكو تستهدف عمداً طرق الإمدادات المدنية في منطقة أوديسا. وقال ‌الرئيس الأوكراني، السبت، ‌إن الوضع في منطقة أوديسا ⁠الساحلية ‌الجنوبية «‍صعب» بعد ‍أن كثفت روسيا هجماتها ​في محاولة لمنع أوكرانيا ⁠من الوصول إلى البحر الأسود.

مواطن أوكراني يتفقد نتائج ضربة روسية في زابوريجيا جنوب شرقي أوكرانيا (إ.ب.أ)

بدوره أعلن جهاز الأمن الأوكراني، السبت، تدمير مقاتلتين روسيتين في مطار داخل شبه جزيرة القرم التي ضمَّتها روسيا. وقالت أوكرانيا إن طائراتها المسيَّرة هاجمت منصة ​نفط روسية تابعة لشركة «لوك أويل» في بحر قزوين وسفينة دورية عسكرية بالقرب من المنصة.

وتبعد المنطقة أكثر من 1800 كيلومتر عن الساحل الأوكراني. وقالت هيئة الأركان العامة إن سفينة أوتشوتنيك (الصياد) كانت تقوم بدورية قرب منصة لإنتاج النفط والغاز لدى قصفها.

هذا الهجوم، الذي قالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية إنه ‌وقع الجمعة، ‌هو حلقة ‌في ⁠سلسلة ​من ‌الضربات التي استهدفت البنية التحتية الروسية لاستخراج النفط في بحر قزوين خلال الأسابيع القليلة الماضية، ولكنه أول هجوم يعترف به الجيش الأوكراني رسمياً.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

الولايات المتحدة تحضّ رعاياها على مغادرة فنزويلا «فوراً»

الولايات المتحدة​  جدارية تطالب بالإفراج عن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادور (ا.ف.ب)

الولايات المتحدة تحضّ رعاياها على مغادرة فنزويلا «فوراً»

حضّت وزارة الخارجية الأميركية رعاياها على عدم السفر إلى فنزويلا وأولئك المتواجدين فيها على «مغادرة البلاد فوراً» معتبرة أن الوضع الأمني «غير مستقر».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أحد عناصر الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)

مقتل 6 بالرصاص في ولاية مسيسيبي الأميركية... والسلطات تعتقل المشتبه به

قالت وكالات إنفاذ ​القانون الأميركية إن 6 أشخاص قُتلوا بالرصاص، الجمعة، في مقاطعة كلاي بولاية مسيسيبي، وإن المشتبه به ‌في ارتكاب الواقعة ‌رهن ‌الاحتجاز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ) play-circle

ترمب يوقع أمراً لحماية عوائد النفط الفنزويلية المودعة في حسابات أميركية

قال ​البيت الأبيض إن الرئيس دونالد ترمب وقع أمراً ‌تنفيذياً ‌يهدف ‌إلى حماية عوائد ​بيع ‌النفط الفنزويلي المودعة في حسابات الخزانة الأميركية من «الحجز».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أميركا اللاتينية صورة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وخلفه علم كوبا (رويترز) play-circle

اعتقال مادورو في كراكاس ضربة قاسية للاستخبارات الكوبية

شكّلت عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على يد قوات أميركية ومقتل 32 كوبياً، ضربة قاسية لأجهزة الاستخبارات الكوبية.

«الشرق الأوسط» (هافانا)
الولايات المتحدة​ عشرات من ضباط شرطة مينيسوتا المسلحين يظهرون خلال احتجاج خارج أحد الفنادق التي يُعتقد أن عملاء إدارة الهجرة والجمارك (ICE) يقيمون فيها في مدينة مينيابوليس الأميركية (إ.ب.أ) play-circle

أميركا: احتجاجات مرتقبة في مينيابوليس عقب مقتل امرأة برصاص إدارة الهجرة

دعت جماعات مدافعة عن الحريات المدنية وحقوق المهاجرين إلى خروج مسيرات على مستوى الولايات المتحدة، اليوم (السبت)، للاحتجاج على مقتل ناشطة في مينيسوتا بالرصاص.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الولايات المتحدة تحضّ رعاياها على مغادرة فنزويلا «فوراً»

 جدارية تطالب بالإفراج عن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادور (ا.ف.ب)
جدارية تطالب بالإفراج عن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادور (ا.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة تحضّ رعاياها على مغادرة فنزويلا «فوراً»

 جدارية تطالب بالإفراج عن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادور (ا.ف.ب)
جدارية تطالب بالإفراج عن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادور (ا.ف.ب)

حضّت وزارة الخارجية الأميركية رعاياها على عدم السفر إلى فنزويلا وأولئك المتواجدين فيها على «مغادرة البلاد فوراً» معتبرة أن الوضع الأمني «غير مستقر».

جانب من مسيرة في كاراكاس يوم أمس للمطالبة بالإفراج عن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو وزوجته (ا.ف.ب)

وقالت الوزارة في بيانها «أفادت معلومات بأن جماعات مسلحة، تُعرف باسم كوليكتيفوس تقيم حواجز طرق وتفتش مركبات بحثا عن أدلة تثبت الجنسية الأميركية أو دعم الولايات المتحدة».


مقتل 6 بالرصاص في ولاية مسيسيبي الأميركية... والسلطات تعتقل المشتبه به

أحد عناصر الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
أحد عناصر الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل 6 بالرصاص في ولاية مسيسيبي الأميركية... والسلطات تعتقل المشتبه به

أحد عناصر الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
أحد عناصر الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)

قالت وسائل إعلام محلية ووكالات إنفاذ ​القانون الأميركية إن ستة أشخاص على الأقل قُتلوا بالرصاص، أمس (الجمعة)، في مقاطعة كلاي بولاية مسيسيبي، وإن المشتبه به ‌في ارتكاب الواقعة ‌رهن ‌الاحتجاز، ⁠دون ​تقديم ‌مزيد من التفاصيل.

وذكرت قناة «واي تي في إيه» التلفزيونية التابعة لشبكة «إن بي سي نيوز» أن الوفيات ⁠وقعت في ثلاثة ‌مواقع إطلاق نار مختلفة.

وكتب إيدي سكوت، قائد شرطة مقاطعة كلاي، في منشور على منصات التواصل الاجتماعي، إن المشتبه به رهن ​الاحتجاز، وإنه «لم يعد يشكل تهديداً لمجتمعنا».

ولم ⁠يذكر سكوت في منشوره عدد القتلى، لكنَّ قناة «واي تي في إيه» أكدت مقتل ستة أشخاص.

ولم يردّ سكوت ولا إدارة الشرطة حتى الآن على طلب من ‌وكالة «رويترز» للتعليق.


اعتقال مادورو و«أميركا أولاً»... ترمب يعيد صياغة قواعد التدخل الخارجي

إلقاء القبض على مادورو أثار أسئلة حول الأساس القانوني الذي اعتمده ترمب (أ.ف.ب)
إلقاء القبض على مادورو أثار أسئلة حول الأساس القانوني الذي اعتمده ترمب (أ.ف.ب)
TT

اعتقال مادورو و«أميركا أولاً»... ترمب يعيد صياغة قواعد التدخل الخارجي

إلقاء القبض على مادورو أثار أسئلة حول الأساس القانوني الذي اعتمده ترمب (أ.ف.ب)
إلقاء القبض على مادورو أثار أسئلة حول الأساس القانوني الذي اعتمده ترمب (أ.ف.ب)

منذ وصوله إلى البيت الأبيض، يُوظّف الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبارات كثيرة، من «العزم المطلق» إلى «عقيدة دونرو» و«أميركا أولاً»، مروراً بـ«عقلية المحارب» و«مشروع 2025».

تعابير قد تبدو غير مترابطة في ظاهرها، لكن مضمونها يكشف عن استراتيجية رسمتها إدارته بعناية وروّجت لها بتأنٍّ. فاعتقال الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو رغم دهشة الكثيرين لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة خطة مدروسة مهّد لها ترمب وفريقه المصغر، وشقّ طريقاً مختلفة كلياً عن نهج الإدارات السابقة، متحدياً علناً أعراف الداخل الأميركي وقواعد النظام الدولي.

ترمب حيّد في قراراته الكونغرس، الذي بدا يتخبط في متاهة واجباته الدستورية، إذ بات من الصعب على المُشرّعين تحدّي رئيس أثبت مراراً أنه يعرف خبايا الثغرات القانونية، ويختبر الصلاحيات التنفيذية الواسعة كما لم يفعل أحد من أسلافه.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، الأساس القانوني الذي استندت إليه إدارة ترمب في عملية اعتقال مادورو، والدور الأميركي في إدارة فنزويلا.

ديمقراطية أم أطماع اقتصادية؟

يُعرب براين نيكولز، مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون نصف الكرة الغربي والسفير السابق لدى بيرو وزيمبابوي، عن دهشته من أن ترمب ألقى القبض على مادورو وقرر إبقاء نائبته ديلسي رودريغيز لتقوم بمهام الرئيس بالنيابة.

ترمب يتحدث مع الجمهوريين في مركز «ترمب - كينيدي» يوم 6 يناير 2026 (رويترز)

ورأى نيكولز أن «ما هو مثير للدهشة أكثر هو أن الإدارة لم تتحرك لوضع إدموندو غونزاليس، مرشّح المعارضة الذي يؤكّد فوزه في انتخابات عام 2024، في قيادة البلاد، إلى جانب ماريا كورينا ماتشادو، وهما شخصان مؤيدان للولايات المتحدة وللأسواق الحرة، ويحظيان بدعم الشعب الفنزويلي»، على حد تعبيره.

وأضاف: «هذه فرصة لتحرير الشعب الفنزويلي من الديكتاتورية الرهيبة التي عانى منها، ووضع الأشخاص المؤيدين للولايات المتحدة والسوق الحرة في المناصب التي انتُخبوا لها. آمل ألا تضيع هذه الفرصة».

من جهته، يرى جون بنس، كبير المستشارين السابق في حملة ترمب الانتخابية، أن قرار الإبقاء على نائبة مادورو في الحكم يعود إلى حرص واشنطن على استقرار الوضع في فنزويلا.

وأوضح: «الإدارة تحرص على أن تكون أميركا في المرتبة الأولى، وأن تبدأ فنزويلا في شراء المنتجات الأميركية، وأن نحصل على النفط الفنزويلي الذي من شأنه أن يساعد شعب فنزويلا أيضاً». وذكَّر بأن هذه أمور «لن تحصل بين ليلة وضحاها، لذلك هناك ثلاث مراحل فصّلها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وهي: مرحلة الحرص على استقرار البلاد ومرحلة التعافي والمرحلة الانتقالية».

تزداد التساؤلات حول سبب الإبقاء على نائبة مادورو في السلطة (أ.ف.ب)

وفي ظل التقارير التي تقول إن إدارة ترمب اختارت هذا النهج في فنزويلا للسيطرة على النفط، يعارض راي ترافينو، رئيس شركة «بيكوس» للطاقة هذا التقييم.

ويقول إن ما جرى له علاقة بـ«عقيدة مونرو» أكثر مما له علاقة بالنفط أو المخدرات، مشدداً على أهمية التركيز على فناء أميركا الخلفي المتمثل بأميركا الجنوبية لحماية الأميركيين.

أما عن النفط، فتساءل: «لماذا لا يمكننا أن نكون هناك في حين أن الصين وروسيا كانتا هناك من أجل النفط؟».

لكن نيكولز يُحذّر من أن رودريغيز هي التي تقود برنامج النفط في فنزويلا، ويصفها بـ«الاشتراكية المخلصة» التي ستحاول التخلص من سيطرة الولايات المتحدة، مضيفاً: «لا أرى كيف يمكن تحقيق الاستقرار في ظل وجودها هي وشقيقها (خورخي رودريغيز رئيس الجمعية الوطنية) والأشخاص الآخرين من النظام. أعتقد أن وجود أشخاص ملتزمين بالسوق الحرة والعلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة سيوفر استقراراً أفضل على المدى الطويل لفنزويلا، ويستجيب لرغبات الشعب الفنزويلي».

وتابع أن «إعادة تنشيط الاقتصاد هو هدف عظيم لعلاقتنا مع فنزويلا، ويجب أن يشمل ذلك انفتاحاً أوسع للاقتصاد في ذلك البلد». ويعطي نيكولز مثالاً على ذلك، فيقول إنه في اليوم الذي أدّت فيه رودريغيز اليمين الدستورية رئيسةً مؤقتةً لفنزويلا، تمّ إصدار مرسوم قمع الحقوق والحريات الأساسية للشعب الفنزويلي وفرض مزيد من القيود على حرية التعبير وحرية التنقل.

إضافةً إلى اعتقال مجموعة من الصحافيين وترحيل أحدهم». ورأى أنه «إذا كان هدفنا هو تغيير فنزويلا، فعلينا الإصرار على احترام الحقوق الأساسية والمضي قدماً نحو إرساء الديمقراطية هناك».

الكونغرس ومبدأ «أميركا أولاً»

يتّهم الديمقراطيون ترمب بتخطي صلاحياته في عملية إلقاء القبض على مادورو، ويسعون جاهدين لفرض دور الكونغرس في التدخلات العسكرية حول العالم. وقد نجحوا في تصويت إجرائي يحُدّ من العمليات العسكرية في فنزويلا، بمساعدة 5 جمهوريين. ورغم أن هذا المشروع في حال إقراره في المجلس سيصطدم بحائط الفيتو الرئاسي، فإن نيكولز رأى أن هذا التصويت دليل على أن قاعدة الحزب الجمهورية لديها آراء مختلفة عن الإدارة بشأن استخدام القوة العسكرية في الخارج، وأن السياسة التي انتهجها ترمب تتناقض مع شعار «أميركا أولاً» الذي اعتمده.

زعيم الديمقراطيين في «الشيوخ» تشاك شومر والسيناتور الديمقراطي تيم كاين يتحدثان عن التصويت للحد من صلاحيات ترمب بفنزويلا 7 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وهنا هبّ بنس دفاعاً عن الإدارة، فأكد أن نهجها متناغم مع شعار «أميركا أولاً». ويفسّر قائلاً: «(أميركا أولاً) لا تعني أميركا وحدها. ففي نصف الكرة الغربي، فرّ 8 ملايين شخص من الشيوعية، وفي النهاية أصبحت مشكلاتهم هي مشكلاتنا على حدودنا. وبسبب ضعف القيادة خلال السنوات الأربع الماضية، كانت هناك فوضى عارمة استمرّت في التفاقم بسبب أزمة الهجرة وأزمة فنزويلا». وتابع: «الآن، يسعى الرئيس ترمب لاستخدام القوة الأميركية لتحقيق السلام في نصف الكرة الغربي، وهذا سينعكس إيجاباً على ملف الهجرة. لهذا السبب، فإن هذا يتماشى تماماً مع سياستنا».

ويتّفق ترافينو مع تقييم بنس، فيرى أن ترمب مستمرّ بالتّحدث مع قاعدته الشعبية، ويقول لها إن «أميركا أولاً» تعني الحفاظ على سلامة الاميركيين وسلامة حدود أميركا وأمنها. كما يشير ترافينو إلى أن هدف الإدارة هو إنقاذ أكبر عدد ممكن من الأميركيين من المخدرات التي تتدفّق من أميركا الجنوبية، ووجّه انتقادات حادة إلى الديمقراطيين وإدارة الرئيس السابق جو بايدن، قائلاً إن «مذكرة اعتقال مادورو كانت سارية المفعول في عهد بايدن. لماذا لم يقبضوا عليه في ذلك الوقت؟».

السيناتور الجمهوري جوش هولي كان بين الذين صوَّتوا للحد من صلاحيات ترمب في فنزويلا (أ.ب)

ويجيب نيكولز، الذي كان مسؤولاً عن ملف نصف الكرة الغربي في وزارة الخارجية في عهد بايدن، عن هذا التساؤل، فيقول: «كنا سننفذ مذكرة توقيف بحقه لو كان في مكان خاضع للولاية القضائية الأميركية أو في بلد يتعاون مع أميركا، لكنه كان حريصاً جداً على تجنب الذهاب إلى الأماكن التي يمكن أن يخضع فيها للقانون الأميركي، ولم يكن الدخول إلى فنزويلا واستخراجه دون وجود وسيلة قانونية دولية للقيام بذلك أمراً نرغب في القيام به. كنا نريد بناء وتحقيق تحالف دولي قوي ضد الحكومة الفنزويلية غير الشرعية». وعن نقطة المخدرات، يستغرب كولينز من حجة الإدارة، مشيراً أن المخدرات التي تقتل الأميركيين حالياً هي الفنتانيل الذي لا يمر عبر فنزويلا، ويرى أن هذه الحجة غير منطقية أبداً.

صفقات النفط

وتصب إدارة ترمب تركيزها على قطاع النفط في فنزويلا. ويؤكد ترافينو أن عدد شركات النفط الأميركية التي ترغب في الاستثمار في فنزويلا سيزداد مع استقرار الأوضاع فيها، لكن الأمر سيتطلب وقتاً. ويفسر قائلاً: «أعلم أن شركات مثل (إكسون موبيل) التي طُردت من ذلك البلد وتمت مصادرة أصولها ونفطها، كانت مستعدة للعودة. لكن هذا لن يحدث بين ليلة وضحاها. سنكون بالتأكيد في حالة استنفار، وسنحتاج إلى مزيد من عناصر الأمن هناك لمراقبة كل ما يجري بسبب تدهور جميع البنى التحتية للمصافي. كما أن الطرق التي ننقل بها النفط من المضخات إلى المصافي تحتاج إلى إعادة بناء».

ويُرجّح ترافينو أن تستغرق هذه العملية ما بين 18 و24 شهراً، إضافةً إلى مليارات الدولارات من شركات النفط الكبرى لإعادة إنتاج كميات كبيرة من النفط، وإضافة مزيد من البراميل إلى الاقتصاد العالمي.

شركة «إكسون موبيل» من الشركات الأميركية التي قد تعاود عملها في فنزويلا (أ.ب)

لكن نيكولز يعارض هذا التقييم، ويصف الجدول الزمني الذي طرحه ترافينو بـ«المتفائل للغاية»، مضيفاً: «سيستغرق الأمر أكثر من عقد للوصول إلى ثلاثة ملايين برميل في اليوم. سيتطلب هذا العمل الكثير من الاستثمارات. وسيتطلب أن يكون لدى المغتربين الفنزويليين الثقة للعودة».

وذكَّر بأن الرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز، أقال كامل قيادة شركة «بتروليوس دي فنزويلا (PDVSA)»، مشدداً على أهمية عودة الخبرات التي غادرت البلاد جراء هذه السياسات. وأضاف: «إذا لم تكن لديهم الثقة في الوضع السياسي وحقوق الإنسان في فنزويلا، فإن الجالية الفنزويلية الموهوبة حقاً لن تعود. كما أن الشعب الفنزويلي عموماً سيرغب في معرفة أنه يحصل على مستحقاته العادلة من بيع النفط إلى الولايات المتحدة أو إلى دول العالم. وإذا شعر أنه لا يحصل على حصته العادلة، فسوف يُولّد ذلك شعوراً بالاستياء تجاه الولايات المتحدة، وقد لا يمثل ذلك مشكلة في العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة، لكن على المدى الطويل، سيؤدي ذلك إلى الأمور التي أوصلت هوغو تشافيز إلى السلطة. يجب أن نفكر ليس فقط في التأثير قصير المدى، ولكن أيضاً في التأثير متوسط وبعيد المدى».