قلق أميركي من تعميق الشراكة الروسية - الهندية

موسكو ونيودلهي تدخلان مرحلة «الاستقلال الاستراتيجي» رغم ضغوطات واشنطن

مودي لدى استقباله بوتين في نيودلهي يوم 4 ديسمبر (إ.ب.أ)
مودي لدى استقباله بوتين في نيودلهي يوم 4 ديسمبر (إ.ب.أ)
TT

قلق أميركي من تعميق الشراكة الروسية - الهندية

مودي لدى استقباله بوتين في نيودلهي يوم 4 ديسمبر (إ.ب.أ)
مودي لدى استقباله بوتين في نيودلهي يوم 4 ديسمبر (إ.ب.أ)

أثارت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الهند حالة من اليقظة في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي عدّت الشراكة المتجددة بين نيودلهي وموسكو بمثابة تقويض مباشر لجهودها الرامية لوقف تمويل حرب روسيا في أوكرانيا. ويجمع محللون على أن الزيارة، برمزيتها وما أفرزته من اتفاقيات، تمثل رسالة «تحدٍ» و«استقلالية استراتيجية» واضحة موجهة إلى واشنطن.

غير أنه وبالرغم من توقيعها سلسلة اتفاقيات جديدة تعيد تثبيت علاقاتها مع روسيا إلى مستوياتها الاستراتيجية، تجد الهند نفسها في مرحلة شديدة التعقيد في سياستها الخارجية، في وقت تشهد فيه العلاقات الهندية - الأميركية توتراً متصاعداً بسبب إصرار نيودلهي على الحفاظ على شراكتها التاريخية مع الكرملين.

ومنذ لحظة الاستقبال الحار الذي خصّ به رئيس الوزراء ناريندرا مودي ضيفه الروسي، مروراً بالعشاء غير الرسمي في مقر إقامته، وصولاً إلى مراسم الوداع، حرصت نيودلهي على إظهار أن العلاقة مع موسكو «ثابتة مثل النجمة القطبية»، كما قال مودي بعد توقيع الاتفاقيات. وقد منح مودي بوتين إشادات لافتة، مثنياً على «قيادته وبصيرته»، في رسالة واضحة لواشنطن بأن الهند لا تعتزم التخلي عن سياسة «الاستقلال الاستراتيجي» التي تُبقي خطوطها مفتوحة مع جميع الأطراف.

توتر غير مسبوق

بالنسبة لإدارة الرئيس دونالد ترمب، باتت الهند جزءاً من ساحة ضغط أوسع على روسيا. فالإدارة ترى أن الشراكة الهندية - الروسية توفر لموسكو منفذاً اقتصادياً ودبلوماسياً يخفف من حدة العقوبات الغربية. ومُنذ عام 2022، عدّت واشنطن أن نيودلهي تحولت إلى «مغسلة للكرملين»، بعد أن قفزت وارداتها من النفط الروسي من 2 في المائة إلى أكثر من ثلث إجمالي وارداتها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يتحدثان خلال قمة منظمة شنغهاي في تيانجين يوم 1 سبتمبر (رويترز)

وأمام هذا المسار، رفعت الإدارة الأميركية الرسوم الجمركية على السلع الهندية إلى 50 في المائة، وفرضت عقوبات على شركات شحن وتأمين وبنوك تُسهّل تجارة النفط الروسي. وقد دفعت الضغوط الأميركية عدداً من كبرى التكتلات الهندية، مثل «ريلاينس»، إلى وقف معظم مشترياتها من الخام الروسي تفادياً للعقوبات الثانوية.

لكن موسكو تؤكد أن هذا التراجع «مؤقت»، وأنها تطور آليات التفاف جديدة لضمان استمرار تدفق النفط إلى السوق الهندية. وتراقب واشنطن من كثب أي تعمق إضافي في العلاقات الروسية - الهندية، خصوصاً بعد توقيع اتفاقيات جديدة تشمل الطاقة والتكنولوجيا والتصنيع.

وأشار معهد هدسون إلى أن الهند عادت إلى وضعها الافتراضي المتمثل في «التحوط» في تحالفاتها، «مرسلة إشارة إلى الولايات المتحدة بأن لديها خيارات متعددة». بل يرى بعض المحللين أنه «كلما زاد استهداف ترمب وإدارته للهند، ترسخت في الهند قناعة بأهمية علاقتها مع روسيا».

معادلة السلاح والتجارة

رغم الضغوط الأميركية، يبقى المجال الدفاعي حجر الزاوية في العلاقة الروسية - الهندية. إذ لا تزال أكثر من 60 في المائة من ترسانة الهند روسية المنشأ، من الطائرات المقاتلة إلى أنظمة الدفاع الجوي، وصواريخ «براهموس» المشتركة التطوير.

جانب من لقاء بوتين ومودي على هامش أعمال مجموعة «بريكس» شهر أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

وخلال القمة الأخيرة، أكدت موسكو استعدادها لصفقات جديدة، بينما تواصل الهند تقدير المخاطر، خشية تفعيل واشنطن لعقوبات قانون «كاتسا». وفي خلفية هذا المشهد، تستخدم نيودلهي العروض الروسية بوصفها أداة مساومة مع واشنطن للحصول على أنظمة أميركية أكثر تقدماً، مُدركة أنها تحتاج إلى موافقة ضمنية من الولايات المتحدة قبل الدخول في صفقات كبرى جديدة مع موسكو. فالهند تُعدّ ركناً أساسياً في الرؤية الأميركية لموازنة صعود الصين، ما يمنحها هامشاً محدوداً لكنه مُهم، في مواجهة الضغوط.

التوازن مع الصين

الكرملين من جهته يسعى إلى تنويع شراكاته في آسيا، وتقليل اعتماده المفرط على الصين، التي تحولت إلى أكبر مشترٍ للطاقة الروسية.

الرئيسان الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين وبينهما رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أثناء لقائهم بمدينة تيانجين الصينية في سبتمبر (أ.ب)

وتحاول موسكو تعزيز وارداتها من السلع الصناعية والزراعية الهندية، ومعالجة الاختلال التجاري الكبير الذي تتجاوز فيه صادراتها إلى الهند 60 مليار دولار مقابل 5 مليارات فقط في الاتجاه المعاكس.

وتُشكّل المشاريع النووية، ومنها محطة «كودانكولام» التي تبنيها «روساتوم» في تاميل نادو، ومشاريع الصناعات الدوائية والطاقة، ركائز إضافية في هذا التوجه. وقد أكد بوتين استعداد بلاده لـ«استمرار الإمدادات غير المنقطعة من الطاقة» للاقتصاد الهندي المتنامي.

التكنولوجيا ساحة تنافس جديدة

التعاون التكنولوجي برز في الزيارة بصفته أحد أهم مجالات التعاون بين نيودلهي وموسكو. فإلى جانب عروض نقل تكنولوجيا المقاتلة «سو 57»، تكشف وثائق حصلت عليها أجهزة أوروبية، ونشرتها صحيفة «واشنطن بوست»، عن جهود روسية بقيادة أندريه بيزروكوف، الجاسوس السابق الذي أصبحت حياته أساس مسلسل اسمه «الأميركيون»، لاختراق قطاع التكنولوجيا الهندي عبر مشاريع مشتركة تشمل الأمن السيبراني والحوسبة المتقدمة.

ترمب ومودي في مؤتمر صحافي مشترك في البيت الأبيض في فبراير الماضي (رويترز)

وتُوضّح الوثائق أن هذه المبادرة لا تقتصر على تعزيز «السيادة التكنولوجية» الروسية، بل تهدف أيضاً لفتح أبواب النفوذ داخل الأنظمة التقنية الهندية، من خلال مشاريع، مثل تطوير معالجات وطنية تعتمد على «إلبروس» الروسية، أو إدخال نظام التشغيل «باس آلت» في مؤسسات حكومية، بما فيها الدفاعية. وقد أبدت نيودلهي اهتماماً ببعض هذه المشاريع، وجرى توقيع اتفاقيات أولية لمجمعات إنتاج مشتركة.

غير أن محللين غربيين يحذرون من أخطار «أبواب خلفية» أمنية قد تسمح لموسكو بالتسلل إلى البنية التحتية الرقمية الهندية، خصوصاً مع سوابق العقوبات الأميركية على شركات سيبرانية روسية مرتبطة بالاستخبارات. كما تشير الوثائق إلى تواصل روسي - صيني حول بعض هذه المشاريع، ما يثير تساؤلات إضافية بشأن تأثيرها على الأمن القومي الهندي.

كيف سترد واشنطن؟

أمام هذا المشهد المتشابك، يتوقع مراقبون أن تسعى واشنطن إلى رفع مستوى الضغط على نيودلهي إذا مضت قُدماً في تنفيذ الاتفاقيات الموقعة مع موسكو.

عسكرياً، أي صفقة سلاح روسية كبرى مثل توسيع منظومة «إس 400»، أو تعاون في إنتاج «سو 57» قد يؤدي ذلك إلى تفعيل عقوبات «كاتسا»، مع ضعف احتمال منح إعفاء استراتيجي لنيودلهي في ظل الإدارة الحالية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير إلى جانب نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا يوم 15 أغسطس (د.ب.أ)

اقتصادياً ونفطياً، ستواصل الولايات المتحدة مراقبة التزام الهند بسقف أسعار النفط الروسي، وقد توسع العقوبات على شركات شحن وتمويل مرتبطة بالتجارة النفطية لإغلاق أي ثغرات تمكّن موسكو من الالتفاف على سقف الأسعار.

تكنولوجياً، من المتوقع أن تدرس واشنطن استهداف الشركات الروسية المشاركة في مشاريع سيبرانية داخل الهند، وقد تضغط على الشركات الأميركية لعدم التعاون مع أطراف هندية منخرطة في المبادرات التكنولوجية الروسية.

تتقدم الشراكة الروسية - الهندية بثبات، لكنها تتقدم أيضاً داخل حقل ألغام دبلوماسي واقتصادي أميركي. الهند، التي تعتمد على روسيا في أمنها القومي وعلى الولايات المتحدة بوصفها بوابتها الاقتصادية والتكنولوجية نحو المستقبل، تحاول تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية وعدم الانحياز، فيما تسعى موسكو إلى استثمار هذا التوازن لمواجهة عزلتها الدولية، وتقليص هيمنة الصين عليها.

لكن قدرة نيودلهي على الحفاظ على هذا التوازن ستتوقف على عاملين: مدى نجاح روسيا في تجاوز العقوبات الغربية، ومدى استعداد واشنطن لتقبُّل دور للهند، بحيث لا تدور بالكامل في فلكها.


مقالات ذات صلة

«مستعد للموت»... روسيا تلاحق نجل وزير الصحة الأميركي بعد قتاله في أوكرانيا

أوروبا وزير الصحة الأميركي روبرت ف. كينيدي جونيور يتحدث إلى جانب الرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع في البيت الأبيض (أ.ب)

«مستعد للموت»... روسيا تلاحق نجل وزير الصحة الأميركي بعد قتاله في أوكرانيا

أدرجت السلطات الروسية، كونور كينيدي، نجل وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأميركي روبرت ف. كينيدي جونيور، على قائمة المطلوبين دولياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن- موسكو)
أوروبا مجمع تابع لميناء تعرض للقصف خلال غارات روسية بطائرات مسيّرة على بلدة إزمايل بمنطقة أوديسا (أرشيفية - رويترز) p-circle

زيلينسكي يطالب الولايات المتحدة بـ5 % من مخزون صواريخ «باتريوت»

طالب الرئيس الأوكراني الولايات المتحدة بـ5 في المائة من مخزونها من صواريخ «باتريوت»، وعرض على موسكو وقف الهجمات ضد أهداف مدنية في البحر الأسود...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب) p-circle

بوتين يزور جزر الكوريل المتنازع عليها مع اليابان للمرة الأولى

بوتين يزور جزر الكوريل المتنازع عليها مع اليابان للمرة الأولى استذكر «جينات النصر» واستعرض «سياسة جديدة»… وطوكيو تحتج وتصف الزيارة بـ«غير المقبولة»

رائد جبر (موسكو)
آسيا بوتين خلال تفقده سفينة القيادة في أسطول المحيط الهادئ (إ.ب.أ)

بوتين يزور جزر الكوريل المتنازع عليها مع اليابان

زار الرئيس الروسي مصنع ياسني لتجهيز الأسماك في إيتوروب، كما تفقد سفينة القيادة في أسطول المحيط الهادئ بعد إشرافه على مناورات بحرية في أقصى شرق روسيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مسيرات انتحارية في تايوان خلال تدريبات عسكرية يوم 8 أغسطس (إ.ب.أ) p-circle

واشنطن تضبط نيران البحر الأسود... تطلب من كييف تعليق استهداف السفن في ميناء نوفوروسيسك

واشنطن تضبط نيران البحر الأسود... تطلب من كييف تعليق استهداف السفن في ميناء نوفوروسيسك، وبوتين يهدد بالاستيلاء على سفن غربية.

إيلي يوسف (واشنطن)

مقتل شخص وإصابة 4 في إطلاق نار بحديقة في ولاية كنتاكي الأميركية

عناصر من الشرطة في موقع إطلاق النار بحديقة تشارلز يونغ في ليكسينغتون بولاية كنتاكي الأميركية أمس (أ.ب)
عناصر من الشرطة في موقع إطلاق النار بحديقة تشارلز يونغ في ليكسينغتون بولاية كنتاكي الأميركية أمس (أ.ب)
TT

مقتل شخص وإصابة 4 في إطلاق نار بحديقة في ولاية كنتاكي الأميركية

عناصر من الشرطة في موقع إطلاق النار بحديقة تشارلز يونغ في ليكسينغتون بولاية كنتاكي الأميركية أمس (أ.ب)
عناصر من الشرطة في موقع إطلاق النار بحديقة تشارلز يونغ في ليكسينغتون بولاية كنتاكي الأميركية أمس (أ.ب)

قالت الشرطة في ولاية كنتاكي إن شخصاً قتل وأصيب أربعة آخرون في حادث إطلاق نار وقع في حديقة مساء أمس السبت.

وذكر بيان للشرطة أن ضباط شرطة ليكسينغتون استجابوا قبيل الساعة السابعة مساء لبلاغ يفيد بوقوع إطلاق نار، وعثروا على خمسة ضحايا.

وأعلن عن وفاة شخص واحد في المستشفى، بينما يعتقد أن إصابات الأربعة الآخرين غير خطيرة، بحسب الشرطة.

وأفادت وسائل إعلام محلية بأن قائد الشرطة لورانس ويذرز صرح بأن طفلين، يبلغان من العمر 4 و14 عاماً، كانا من بين المصابين في إطلاق النار الذي وقع في حديقة تشارلز يونغ وسط مدينة ليكسينغتون.

ورفض ويذرز الإفصاح عن أي معلومات تتعلق بالمشتبه به، لكنه أبلغ الصحافيين بأنه لا يعتقد وجود تهديد مستمر للجمهور.


لتلبية رغبات ترمب... البحرية الأميركية تراجع تصاميم حاملات الطائرات الجديدة

يصطف البحارة ومشاة البحرية على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء إبحارها من سان دييغو... 3 يناير 2021 (أ.ب)
يصطف البحارة ومشاة البحرية على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء إبحارها من سان دييغو... 3 يناير 2021 (أ.ب)
TT

لتلبية رغبات ترمب... البحرية الأميركية تراجع تصاميم حاملات الطائرات الجديدة

يصطف البحارة ومشاة البحرية على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء إبحارها من سان دييغو... 3 يناير 2021 (أ.ب)
يصطف البحارة ومشاة البحرية على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء إبحارها من سان دييغو... 3 يناير 2021 (أ.ب)

تدرس البحرية الأميركية إجراء تعديل كبير على تصميم حاملات الطائرات الجديدة، بما يتوافق بصورة أفضل مع التصميم الذي يفضله الرئيس دونالد ترمب لهذه السفن الحربية، وفقاً لسبعة مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين مطلعين على الأمر.

وقال المسؤولون لصحيفة «واشنطن بوست» إن البحرية تبحث مدى إمكانية نقل البرج متعدد الطوابق الذي يعمل مركزاً لقيادة حاملة الطائرات إلى موقع أكثر تقدماً، باتجاه منتصف السفينة، ليشبه بذلك السفن الأقدم. وأضافوا أن هذه المراجعة، التي لم يُكشف عنها سابقاً، جاءت استجابة لمخاوف ترمب بشأن «مظهر» السفن الجديدة من فئة «فورد»، إذ يقع البرج في هذه الحاملات بالقرب من المؤخرة.

ولا يزال توقيت التقييم الذي تجريه البحرية ومداه غير واضحين، فيما حذر مسؤولون حاليون وسابقون للصحيفة الأميركية من أن إجراء مثل هذا التغيير سيتطلب وقتاً ومالاً كبيرين. وتحدث هؤلاء المسؤولون شريطة عدم الكشف عن هوياتهم نظراً لحساسية الموضوع.

ثاني تغيير في عهد ترمب

وسيكون نقل مركز القيادة، المعروف باسم «الجزيرة»، ثاني تغيير رئيسي في التصميم تدفع إليه رغبة الرئيس، الذي أصدر الخميس مذكرة للأمن القومي وجّه فيها البحرية إلى وضع خطة للعودة إلى استخدام المنجنيقات البخارية القديمة على حاملات الطائرات المستقبلية. وتساعد هذه الأنظمة في إطلاق الطائرات من أسطح السفن.

وقال مسؤولون حاليون وسابقون إن ترمب يفضل أن تبدو حاملات الطائرات الجديدة أشبه بالسفن التي كانت في الخدمة خلال الحرب العالمية الثانية.

وأشار مسؤول أميركي سابق رفيع المستوى إلى أن البحرية درست هذه المسألة أيضاً خلال فترة ترمب الرئاسية الأولى. وقال إن دراسة أجريت آنذاك خلصت إلى أن نقل «الجزيرة» قد يكلف مليارات الدولارات في عمليات إعادة التصميم، فضلاً عن التسبب في تأخير كبير للبرنامج. وقال المسؤول السابق: «خلصت الدراسة إلى أن التكلفة والوقت اللازمين لتنفيذ ذلك سيكونان هائلين للغاية».

«اضطراب كبير»

وهناك ثلاث حاملات طائرات من فئة «فورد» في مراحل مختلفة من التطوير. وتخضع حاملة الطائرات «يو إس إس جون إف. كينيدي» لاختبارات بحرية وتقترب من الانضمام إلى الأسطول، بينما لا تزال حاملتا «يو إس إس إنتربرايز» و«يو إس إس دوريس ميلر» قيد الإنشاء. أما أولى حاملات هذه الفئة، «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، فهي دخلت الخدمة بالفعل، وأنهت مؤخراً مهمة طويلة في الشرق الأوسط.

بحار أميركي يطلق طائرة من طراز «إف-35 سي لايتنينغ 2» تابعة لسرب المقاتلات الهجومية البحرية 314... من على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من فئة «نيميتز» خلال الصراع الدائر مع إيران في 5 أغسطس 2026 (البحرية الأميركية - رويترز)

وتنص الخطط على بناء ما يصل إلى 10 حاملات طائرات من فئة «فورد» خلال العقود الأربعة المقبلة، بتكلفة مستقبلية متوقعة تبلغ 22 مليار دولار لكل حاملة، وفقاً لتقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس، وأحدث خطة للبحرية لبناء السفن.

وقال برايان كلارك، وهو ضابط سابق في البحرية الأميركية وباحث في شؤونها لدى معهد هدسون، وهو مركز أبحاث محافظ في واشنطن، إن نقل «الجزيرة» سيكون «إعادة تصميم كبيرة». وأضاف أن مثل هذا التغيير في تصميم الحاملة سيؤثر على قدرتها على الطفو وتوزيع وزنها، وسيأتي بتكلفة كبيرة، وأضاف: «يمكنك تغيير التصميم، لكن ذلك سيحدث اضطراباً كبيراً».

وأحالت وزارة الدفاع والبحرية طلبات التعليق إلى البيت الأبيض، الذي أشار، لدى سؤاله عن رغبة ترمب في نقل «الجزيرة» في حاملات «فورد» المستقبلية، إلى مذكرة الأمن القومي الجديدة. إلا أن المذكرة لا تتطرق إلى هذه المسألة.

وقال مسؤول أميركي آخر مطلع على التغييرات المحتملة في كل من المنجنيقات و«الجزيرة» إن البحرية تتعامل مع القضيتين بجدية، نظراً إلى التأخيرات وتجاوزات التكاليف الكبيرة التي يمكن أن تترتب عليهما.

ترمب يهتم بتصاميم السفن الحربية

ويمثل اهتمام ترمب بتعديل التصميم مؤشراً على تنامي نفوذ البيت الأبيض في التفاصيل المعقدة لصناعة السفن الحربية.

ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، تعهد ترمب بـ«إحياء» قطاع بناء السفن المتعثر، وأصدر بالفعل عدة أوامر تنفيذية تتعلق بهذا الملف.

وتنص مذكرة الأمن القومي الصادرة الخميس، من بين تغييرات أخرى، على إعادة نظام المنجنيقات الكهرومغناطيسية المتقدمة المستخدم في حاملات «فورد» إلى الطاقة البخارية. وتشدد الوثيقة على تفضيل الإدارة «التقنيات وتصميمات السفن المجربة والموثوقة والميسورة التكلفة».

وأظهر ترمب مراراً اهتماماً بتصميم السفن الحربية التابعة للبحرية. ففي العام الماضي، كشف عن خطط لبناء فئة جديدة من السفن الحربية لقيادة رؤيته لما سماه «الأسطول الذهبي»، ما أثار انتقادات من العديد من محللي شؤون البحرية وأعضاء الكونغرس، الذين رأوا أن هذه السفن ستبدد قدرات أميركية محدودة في مجال بناء السفن على تصميم لا تحتاج إليه البحرية.

وقدّر مكتب الميزانية في الكونغرس لاحقاً أن تكلفة السفن الحربية من فئة «ترمب» ستبلغ نحو 275 مليار دولار على مدى 30 عاماً، على أن تصل تكلفة السفينة الواحدة إلى 18 مليار دولار بعد الانتهاء من بناء السفينة الأولى.

مليارات الدولارات

وقال مسؤولون عدة إن مثل هذا التغيير في تصميم السفن قد يكلف مليارات الدولارات أيضاً، وقد يؤدي إلى تفاقم التأخيرات المزمنة التي يعاني منها قطاع بناء السفن الأميركي.

واستغرق بناء حاملة الطائرات الرئيسية من فئة «فورد»، «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، 17 عاماً. وتضمن تصميمها تقنيات جديدة تسببت في تأخيرات، من بينها نظام المنجنيق الكهرومغناطيسي، الذي أشادت البحرية منذ ذلك الحين بفعاليته الكبيرة.

وستحل حاملات «فورد» تدريجياً محل حاملات «نيميتز»، التي يعود تصميمها إلى أواخر ستينيات القرن الماضي.

وقال ثلاثة مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين مطلعين على البرنامج لصحيفة «واشنطن بوست» إن نقل «الجزيرة» إلى الجزء الخلفي من الحاملات الأحدث جرى لأسباب تتعلق بالكفاءة والسلامة.

وأوضح المسؤولون أن هذا التغيير لا يوفر مساحة أكبر لوقوف الطائرات بالقرب من منجنيقات الحاملات فحسب، ما يتيح لأطقمها تقليل الوقت اللازم لإطلاق الطائرات، بل يحسن أيضاً سلامة الهبوط من خلال تقليل احتمالات حدوث اضطرابات هوائية عند عودة الطائرات للهبوط.

ويعاني الأسطول السطحي للبحرية الأميركية منذ سنوات تأخر أعمال الصيانة وانخفاض مستويات الجاهزية، ويرجع ذلك جزئياً إلى كثرة استخدام الإدارات الأميركية السابقة لحاملات الطائرات في مواجهة الأزمات العالمية.

ضغوط من حرب إيران؟

وفي ظل الحرب المستمرة مع إيران، زادت وزارة الدفاع في عهد ترمب الضغوط على جاهزية أسطول حاملات الطائرات، مع الدفع بمزيد من القطع البحرية إلى الشرق الأوسط لتنفيذ ضربات وفرض حصار على الموانئ الإيرانية.

وشهدت حاملة «فورد» نفسها انتشاراً عسكرياً طويلاً انتهى في وقت سابق من هذا العام، بعدما أدى حريق إلى جعل أماكن نوم العديد من أفراد الطاقم غير صالحة للسكن. كما أقر مسؤولون بأن أحدث حاملة طائرات تابعة للبحرية واجهت مشكلات في نظام «جمع النفايات بالشفط واحتجازها ونقلها»، وهو النظام الذي يخدم مئات دورات المياه على متن السفينة.

ظروف «يو إس إس أبراهام لينكولن»

وطالب نواب ديمقراطيون هذا الأسبوع وزير الدفاع بيت هيغسيث بالتحقيق في تقارير جديدة عن تدهور سريع في الظروف على متن حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، التي تنتشر في الشرق الأوسط منذ نوفمبر (تشرين الثاني).

وكانت عائلات البحارة على متن «لينكولن» قد تحدثت علناً عن الوضع، فيما تحقق البحرية في حادث سقوط أحد أفراد الطاقم في البحر، وقالت إن الحادث قد يكون مرتبطاً بمشكلات تتعلق بالصحة النفسية.

وخلال حديثه مع الصحافيين أثناء زيارة إلى بنما الخميس، وصف هيغسيث هذه التقارير بأنها «محرّفة تماماً».

ومع استمرار التساؤلات بشأن ظروف المعيشة على متن السفينة وطول فترة انتشارها، قال ترمب للصحافيين في قاعدة أندروز المشتركة إن مدة بقاء «لينكولن» في البحر كانت «غير كافية على الإطلاق».

وتخوض «لينكولن» مهمة قتالية ممتدة أمضى خلالها بحارتها 200 يوم في البحر من دون التوقف في ميناء لإتاحة بعض الراحة للطاقم. ومن المقرر أن تحل محلها «يو إس إس جورج واشنطن» خلال الأسابيع المقبلة.


العاصفة «لالا» تشتد وتتحول إلى إعصار يضرب جزيرة هاواي الكبرى

عاصفة تضرب أجزاء من الولايات المتحدة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
عاصفة تضرب أجزاء من الولايات المتحدة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
TT

العاصفة «لالا» تشتد وتتحول إلى إعصار يضرب جزيرة هاواي الكبرى

عاصفة تضرب أجزاء من الولايات المتحدة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
عاصفة تضرب أجزاء من الولايات المتحدة الأميركية (أرشيفية - رويترز)

اشتدت قوة إعصار «لالا» ليصبح إعصاراً من الفئة الأولى مع اقترابه من جزيرة بيج آيلاند كبرى جزر هاواي. وأعلن المركز الوطني للأعاصير أن سرعة الرياح القصوى المستقرة لإعصار «لالا» ارتفعت لتصل إلى 75 ميلاً في الساعة (120 كيلومتراً في الساعة)، ليصبح إعصاراً من الفئة الأولى. ومن المتوقع أن يتحرك مركز الإعصار ليقترب من الطرف الجنوبي للجزيرة، أو يمر فوقه بحلول مساء السبت، مسلطاً أشد رياحه على المنحدرات البركانية التي ترتفع آلاف الأقدام فوق سطح البحر.

شاب يقف خارج المنزل يراقب الأضرار الناجمة عن العاصفة التي ضربت ولاية أوكلاهوما الأميركية (أرشيفية - أ.ب)

وكانت هاواي، الولاية الأميركية الـ50، قد تعرَّضت لإعصار «كبير» عام 1992، بحسب تصنيف يضم الأعاصير من الفئات الثالثة والرابعة والخامسة على مقياس «سافير-سيمبسون».

وأسفر الإعصار «إينيكي» آنذاك عن مقتل 6 أشخاص على الأقل، وتسبب في أضرار بلغت قيمتها مليارات الدولارات.

يأتي ذلك في وقت تؤثر ظاهرة «إل نينيو» بقوة على المنطقة الاستوائية الوسطى من المحيط الهادئ، مع بلوغ درجات الحرارة مستويات مرتفعة دفعت الإدارة الوطنية لدراسة المحيطات والغلاف الجوي إلى توقُّع احتمال بنسبة 69 في المائة أن تكون الظاهرة هذا العام «استثنائية، وقد تتجاوز في قوتها جميع ظواهر (إل نينيو) المُسجَّلة منذ عام 1950»، وذلك عند بلوغها ذروتها بين أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول).

وتُعدُّ ظاهرة «إل نينيو» نمطاً مناخياً ترتفع خلاله درجات حرارة سطح البحر بصورة غير اعتيادية في وسط وشرق المحيط الهادئ، وعادة ما تؤدي إلى زيادة نشاط الأعاصير في المحيط الهادئ، في حين تحدُّ من نشاطها في المحيط الأطلسي.