إسرائيل تُفجّر خلافاً غير مسبوق في صفوف اليمين الأميركي

بعد دفاع رئيس «هيريتيج» عن الإعلامي تاكر كارلسون

ترمب مستقبلاً نتنياهو في البيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (رويترز)
ترمب مستقبلاً نتنياهو في البيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل تُفجّر خلافاً غير مسبوق في صفوف اليمين الأميركي

ترمب مستقبلاً نتنياهو في البيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (رويترز)
ترمب مستقبلاً نتنياهو في البيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (رويترز)

تتّخذ السجالات داخل الحزب الجمهوري الأميركي حول حدود النقد الموجّه لحكومة إسرائيل منحى متسارعاً، بعدما دافع كيفين روبرتس، رئيس مؤسسة «هيريتيج» المحافظة، عن الإعلامي تاكر كارلسون إثر مقابلته مع الداعم لنظريات تفوق العرق الأبيض ومُنكِر المحرقة، نيك فوينتس. المشهد الذي بدا في بدايته مجرد جدل إعلامي، تحوّل سريعاً إلى أزمة فكرية وأخلاقية داخل اليمين الأميركي، كاشفاً عن انقسام آيديولوجي عميق بين من يرى أن الدفاع عن إسرائيل جزء من الهوية المحافظة، ومن يعتبر أن انتقادها مشروع ولا يُعدّ معاداة للسامية والدين اليهودي.

وفي تسجيل مصوّر نشره على منصة «إكس»، عدّ روبرتس منتقدي كارلسون بأنهم «تحالف سامّ يسعى لإلغائه»، مؤكداً أن مقدم البرامج السابق في «(فوكس نيوز) صديق مقرّب لمؤسسة هيريتيج، وسيبقى كذلك». ومع أنه شدّد على رفضه «الكامل لأفكار فوينتس»، فإنه اعتبر أن «الإلغاء ليس الحلّ»، داعياً إلى مواجهة الأفكار المتطرفة بالحوار، لا بالعقاب.

هذا الدفاع العلني، الصادر عن واحدة من أقوى مؤسسات الفكر اليميني في واشنطن، جاء في لحظة حساسة، يواجه فيها الحزب الجمهوري أزمة هوية بعد سلسلة من الحوادث التي طالت شخصيات يمينية، اتُهمت بالترويج لمقولات معادية لليهود أو متعاطفة مع رموز نازية.

أزمة تتجاوز كارلسون وفوينتس

كارلسون، الذي يُعدّ من أبرز الأصوات المحافظة المؤثرة بعد خروجه من «فوكس نيوز»، واجه انتقادات حادّة إثر مقابلته مع فوينتس، المعروف بإنكاره للمحرقة وبتصريحاته التي تحدّث فيها عن «اليهود المُنظّمين» و«هيمنتهم على الإعلام».

وخلال المقابلة، سخر كارلسون من دعم بعض الجمهوريين لإسرائيل، معتبراً أن شخصيات مثل السيناتور تيد كروز والسفير السابق مايك هوكابي مصابون بـ«فيروس في الدماغ».

ردود الفعل داخل الحزب كانت سريعة وحادّة. فقد سخر هوكابي على «إكس» قائلاً إنه لم يكن يعلم أن كارلسون «يكرهه»، لكنه اعتاد على «الجهلة بالكتاب المقدس والتاريخ». أما كروز، فاعتبر أن هوكابي «قسّ ووطني يُحبّ أميركا وإسرائيل والمسيح»، مؤكداً «فخره بالانتماء إلى صفّه».

غير أن الأزمة تجاوزت حدود الجدل الشخصي، لتعيد طرح السؤال الأوسع داخل اليمين الأميركي؛ هل بات انتقاد إسرائيل يُصنَّف تلقائياً ضمن معاداة السامية؟

انقسام جمهوري متنامٍ

تتزامن هذه الأزمة مع تصاعد الخطاب المعادي لليهود في بعض أوساط اليمين الشاب داخل الحزب الجمهوري. فقد كشفت صحيفة «بوليتيكو» مؤخراً عن رسائل في مجموعات «تلغرام» لقيادات شبابية جمهورية تضمّنت نكاتاً عن المحرقة وإشادات بأدولف هتلر، ما أدى إلى إقالات وإغلاق فروع محلية. كما انسحب بول إنغراسيا، مرشح ترمب السابق لمنصب رفيع في وزارة العدل، بعد الكشف عن ميوله النازية ومشاركته في تجمعات مع فوينتس.

السيناتور تيد كروز حذّر من «تصاعد غير مسبوق لمعاداة السامية في اليمين الأميركي»، فيما اختار نائب الرئيس جي دي فانس، المقرّب من كارلسون، تحويل النقاش نحو الحزب الديمقراطي، مُذكّراً بأن بعض مرشّحيه واجهوا اتّهامات مشابهة. وخلال فعالية جامعية لحركة «نقطة تحول الولايات المتحدة»، تلقى فانس سؤالاً من أحد المشاركين حول سبب دعم واشنطن لإسرائيل «التي تضطهد المسيحيين»، فردّ بأن السياسة الأميركية «يجب أن تكون أميركا أولاً»، وأن العلاقة مع إسرائيل «قائمة على المصالح، لا العواطف الدينية»، داعياً إلى «تعاون ندّي يحمي المواقع المسيحية المقدسة من دون تبعية».

«هيريتيج» في اضطراب داخلي

منذ تأسيسها في سبعينات القرن الماضي، شكّلت «هيريتيج فاونديشن» المرجع الفكري للمحافظين الأميركيين، وقدّمت خرائط طريق لسياسات كل الإدارات الجمهورية منذ رونالد ريغان. غير أن مواقف رئيسها الحالي، كيفين روبرتس، تعبّر عن تحوّل آيديولوجي لافت داخل المؤسسة التي باتت أقرب إلى الشعبوية «الترمبية» منها إلى الخط الكلاسيكي للمحافظين، وفق بعض المراقبين.

لكن أزمة روبرتس لم تتوقف عند دفاعه عن كارلسون. فقد كشفت صحيفة «واشنطن بوست» عن تمرد داخلي غير مسبوق داخل المؤسسة، مع استقالات جماعية من «فريق مكافحة معاداة السامية» واتهامات له بـ«التغطية على أقصى اليمين». وخلال اجتماع عاصف للموظفين، واجه روبرتس دعوات للاستقالة بسبب ما عدّ بأنه «إخفاق أخلاقي في مواجهة الكراهية»، بعدما قال إن فوينتس «شخص شرير، لكنه يملك جمهوراً يمكن جذبه نحو التيار المحافظ».

الانقسام امتدّ إلى مجلس إدارة «هيريتيج»، حيث دعا أحد أعضائه البارزين، أستاذ جامعة «برينستون» روبرت جورج، إلى «طرد دعاة التفوق الأبيض ومعادي السامية من الحركة المحافظة»، مؤكداً أن «الدفاع عن حرية التعبير لا يعني التحالف مع الكراهية».

وتأتي هذه الاضطرابات بعد أشهر من الخلافات حول مشروع «هيريتيج» السياسي الضخم المعروف باسم «مشروع 2025»، الذي أثار انتقادات حتى بين المحافظين التقليديين بسبب بعض السياسات التي اعتُبرت «شعبوية». وقد ساهم هذا التوتر، إلى جانب اتهامات بسوء إدارة وشكاوى داخلية تتعلق بالتمييز ضد النساء، في تعميق أزمة الثقة بمؤسسة لطالما عدّت «المحرّك الفكري للمحافظين».

تراجع دعم إسرائيل

وفق استطلاعات مركز «بيو»، انخفضت نسبة الجمهوريين الذين ينظرون إلى إسرائيل «بصورة إيجابية جداً»، من 64 في المائة عام 2018 إلى أقل من 50 في المائة عام 2024، في مؤشر على تراجع الحماس التقليدي المرتبط بدعم إسرائيل داخل القاعدة اليمينية. ويرى محللون أن هذا التحول يعكس «تعباً من الحروب الخارجية»، ورغبة في التركيز على الشأن الداخلي.

تاكر كارلسون يعدّ انتقاد إسرائيل وسياساتها مشروعاً (أ.ب)

لكن هذا الميل، كما يحذّر باحثون، سهّل على «أطراف متطرفة» مثل فوينتس، الترويج لخطاب قومي يخلط بين نقد إسرائيل وكراهية اليهود. ووفق تقارير أميركية، فإن كارلسون بات يجذب هذه الفئة عبر خطابه الذي يصفه بعض المعلّقين بأنه «إعادة تدوير ناعمة لنظريات المؤامرة القديمة حول نفوذ اليهود في السياسة والإعلام».

وقد أشار تقرير في مجلّة «ذا أتلانتيك» إلى أن كارلسون «حوّل برنامجه إلى منصّة لغسل سمعة الأفكار المتطرفة وجعلها مقبولة في الوسط المحافظ»، مشيراً إلى أن الرئيس ترمب وصفه بأنه «غريب الأطوار»، فيما هاجمته صحف مثل «وول ستريت جورنال» و«ناشونال ريفيو» باعتباره «مروجاً للكراهية تحت غطاء الوطنية».

بين «ثقافة الإلغاء» ومواجهة الكراهية

يرى روبرتس وأنصاره أن ما يسمّونه «التحالف السامّ داخل الإعلام والسياسة» يستخدم تهمة معاداة السامية كسلاح لإسكات الأصوات الناقدة لإسرائيل، في ما يسمونه «ثقافة الإلغاء». في المقابل، يرى المحافظون التقليديون أن هذا المنطق يخلط بين حرية التعبير والتطبيع مع الكراهية، ويهدد بتقويض الأسس الأخلاقية للحركة المحافظة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست بالقدس 13 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

وبين هذين الاتجاهين، يجد الحزب الجمهوري نفسه أمام معادلة صعبة؛ كيف يمكنه أن يدين معاداة السامية بوضوح من دون أن يُتَّهم بالخضوع للنفوذ الإسرائيلي، وكيف يستوعب الجناح الشعبوي الصاعد من دون أن يفقد توازنه الأخلاقي والسياسي.

وحذّر البعض من انقسام يلوح في الأفق لحركة «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى) التي يقودها الرئيس ترمب، متهمين كارلسون بأنه أكثر الشخصيات الإعلامية التي تُهدّد بتقسيم هذه الحركة.

وتُظهر أزمة كارلسون وروبرتس أن الانقسام لم يعد بين «اليمين واليسار»، بل بين جناحين داخل اليمين نفسه؛ أحدهما قومي انعزالي يستحضر رموزاً شعبوية، وآخر مؤسسي يرى في إسرائيل حليفاً استراتيجياً لا يمكن التفريط به. ومع استمرار التوتر داخل الحزب الجمهوري حول تعريف معاداة السامية وحدود نقد إسرائيل، يبدو أن الولايات المتحدة أمام مرحلة إعادة تشكّل فكرية في صفوف اليمين، ستنعكس حتماً على السياسة الخارجية الأميركية وعلى موقع إسرائيل في وجدان المحافظين في السنوات المقبلة.

السياسة الخارجية تحت اختبار الانقسام الداخلي

تنعكس هذه السجالات الفكرية مباشرة على السياسة الخارجية لإدارة ترمب، التي تحاول الموازنة بين القاعدة اليمينية الشعبوية المتزايدة التأثير، وبين التيار المحافظ التقليدي الذي يمثله عدد من مستشاريه في البيت الأبيض. ففي حين يواصل ترمب تأكيد التزامه بأمن إسرائيل ورفضه قيام دولة فلسطينية، يلحظ مراقبون تراجعاً نسبياً في حماسه للانخراط في صراعات الشرق الأوسط، مقابل تركيزه على مواجهة الصين وإعادة ترتيب العلاقات مع روسيا.

وفيما يرى بعض المحللين أن الانقسام داخل الحزب الجمهوري حول تعريف معاداة السامية قد يحدّ من قدرة ترمب على صياغة خطاب موحّد تجاه إسرائيل، يعتقد آخرون أن هذا التباين يعكس تحولاً أعمق في المزاج الأميركي المحافظ، حيث باتت إسرائيل تُعامل بوصفها «حليفاً من بين حلفاء»، لا محوراً أساسياً في العقيدة السياسية لليمين الأميركي.


مقالات ذات صلة

مجلس النواب الأميركي يرفض تقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

مجلس النواب الأميركي يرفض تقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران

أيد ​مجلس النواب الأميركي، الخميس، الحملة العسكرية التي ‌شنها ‌الرئيس ​دونالد ‌ترمب ⁠على إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ تظهر استطلاعات الرأي دعماً كبيراً من قاعدة «ماغا» لترمب في حرب إيران (رويترز)

حرب إيران تُربك اليمين الأميركي... وترمب يراهن على ولاء «ماغا»

عمّقت حرب إيران الشرخ داخل اليمين الأميركي، رغم صمود دعم قاعدة «ماغا» لقرارات الرئيس دونالد ترمب.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ خلال مؤتمر العمل السياسي المحافظ (CPAC) في تكساس بالولايات المتحدة في 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعم جمهوري لحرب ترمب على إيران خلال مؤتمر العمل السياسي المحافظ

أظهر الجمهوريون في المؤتمر السنوي للعمل السياسي المحافظ تأييداً واسعاً للضربات الأميركية على إيران، وأبدوا دعمهم للرئيس دونالد ترمب في هذه الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الديمقراطية إميلي غريغوري الفائزة في انتخابات خاصة الثلاثاء في ولاية فلوريدا الأميركية (متداولة) p-circle 01:21

ديمقراطية تفوز بانتخابات خاصة في معقل ترمب بولاية فلوريدا

فازت المرشحة الديمقراطية إميلي غريغوري في انتخابات خاصة جرت الثلاثاء في ولاية فلوريدا الأميركية، لتقلب دائرة تشريعية كانت تُعد معقلاً للجمهوريين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المحكمة العليا الأميركية تراجع قوانين الانتخابات بالبريد

المحكمة العليا الأميركية تراجع قوانين الانتخابات بالبريد

باشرت المحكمة العليا الأميركية النظر في قضية تتعلق بحق الولايات في احتساب بطاقات الاقتراع البريدية المتأخرة، وسط مساعي الرئيس لحرمان الديمقراطيين منها.

علي بردى (واشنطن)

تقرير: أميركا أبلغت دولاً أوروبية باحتمال تأخر شحنات أسلحة

صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)
صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)
TT

تقرير: أميركا أبلغت دولاً أوروبية باحتمال تأخر شحنات أسلحة

صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)
صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)

ذكرت 3 مصادر مطلعة لوكالة «رويترز» أن مسؤولين أميركيين أبلغوا نظراءهم الأوروبيين بأن بعض شحنات الأسلحة التي تم التعاقد عليها من قبل من المرجح أن تتأخر، مع استمرار الحرب في إيران في استنزاف مخزونات الأسلحة.

وقالت المصادر، التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها نظراً لسرية الاتصالات، إن دولاً أوروبية عدة ستتأثر بذلك، ومنها دول منطقة البلطيق والدول الاسكندنافية. وأضافت المصادر أن دولاً أوروبية اشترت بعض الأسلحة المعنية في إطار برنامج المبيعات العسكرية الخارجية، لكنها لم تتسلمها بعد. وقالت المصادر إنه من المرجح أن تتأخر عمليات التسليم هذه.

وبدأت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية على إيران في 28 فبراير (شباط)، في حملة أثارت مخاوف لدى بعض المسؤولين الأميركيين من عدم قدرة صناعة الدفاع الأميركية على تلبية الطلب، واحتمال اضطرارها إلى إبطاء الشحنات إلى عدد من المشترين.

وكانت الولايات المتحدة سحبت بالفعل مخزونات أسلحة بمليارات الدولارات، تشمل أنظمة مدفعية وذخائر وصواريخ مضادة للدبابات، منذ غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022 وبدء إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة أواخر عام 2023.


مجلس النواب الأميركي يرفض تقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

مجلس النواب الأميركي يرفض تقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

رفض مجلس النواب الأميركي الخميس محاولة للحد من سلطة الرئيس دونالد ترمب لشنّ حرب على إيران، في انتكاسة أخرى لمساعي الديمقراطيين لمعاودة إشراك الكونغرس في القرارات المرتبطة بالتحرّك عسكرياً في الشرق الأوسط، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وجاء التصويت الذي جرى بعدما أصرّ الديمقراطيون على طرح المسألة على جدول الأعمال، في ظل قلق في كابيتول هيل حيال الحرب التي اندلعت قبل ستة أسابيع في وقت يتخوّف المشرّعون من التكاليف المتزايدة وعدم وضوح الهدف النهائي وخطر اتساع رقعة الحرب.

وكان من شأن الإجراء أن يلزم ترمب بوضع حد للعمليات العسكرية ضد طهران ما لم يوافق الكونغرس عليها صراحة، استناداً إلى قرار صلاحيات الحرب لعام 1973 الذي يحد من حرية الرئيس في القيام بأعمال عدائية مطوّلة من دون موافقة النواب.

وجرى التصويت إلى حد كبير على أساس حزبي رغم أن أحد الجمهوريين أيّد القرار فيما امتنع آخر عن التصويت، بينما صوّت ديمقراطي ضدّه.

يرى الديمقراطيون أن ترمب أشعل النزاع بشكل مشترك مع إسرائيل يوم 28 فبراير (شباط) من دون إذن الكونغرس المنصوص عليه في الدستور الذي يمنح الكونغرس وحده سلطة إعلان الحرب.

وقال كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية غريغوري ميكس قبيل التصويت: «نقف على حافة هاوية، وعلى الكونغرس أن يتحرك قبل أن يدفعنا هذا الرئيس إلى السقوط. كل يوم نتأخر فيه نقترب أكثر من نزاع لا مخرج منه».

وجاءت الهزيمة رغم أن الديمقراطيين قلّصوا الفارق مقارنة بتصويت سابق فشل في مجلس النواب في مارس (آذار)، عندما لم يمر قرار مماثل بفارق سبعة أصوات.

وقد حافظ ترمب حتى الآن على دعم واسع من حزبه رغم انزعاج بعض النواب من رفض الإدارة نشر تفاصيل علنية للتكاليف المالية والعسكرية للحرب.

وفي أثناء جلسات استماع في الكونغرس يومي الأربعاء والخميس، رفض مدير ميزانية البيت الأبيض راس فوت تقدير تكلفة الحرب على دافعي الضرائب، ولم يؤكد تقديرات قدّمها كبير الديمقراطيين في لجنة الموازنة بمجلس الشيوخ جيف ميركلي بأن الرقم بلغ نحو 50 مليار دولار حتى الآن.

ويصرّ الديمقراطيون على أن عمليات التصويت الفاشلة المتعلقة بسلطات الحرب ما زالت تنطوي على قيمة لأنها تُجبر المشرّعين على تسجيل مواقفهم بشكل رسمي.

وجاء تصويت مجلس النواب غداة رفض مجلس الشيوخ مرة أخرى اتخاذ خطوات تتصل بسلطات الحرب، رغم أن قادة الديمقراطيين في المجلسين تعهّدوا بمواصلة إعادة طرح القضية.

وقالت نائبة زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب كاثرين كلارك إن «الأميركيين يشهدون سقوط مئات الضحايا في حرب لم يمنحهم أحد فيها الاحترام الكافي لتقديم توضيحات».

وأضافت: «لكن الأمر الوحيد الواضح هو أنه يُطلب من الأميركيين تحمّل الكلفة، بأرواح أبنائهم وبناتهم، ومع ملياري دولار ننفقهما يومياً على هذا النزاع، وهو مبلغ كان بإمكانه أن يساعد الأميركيين في تغطية كلفة زيارة الأطباء».


كيف يمكن لأميركا تطهير مضيق هرمز من الألغام؟

سفن مكافحة ألغام أميركية من فئة «أفنجر» تُجري مناورة في بحر العرب 6 يوليو 2019 (رويترز)
سفن مكافحة ألغام أميركية من فئة «أفنجر» تُجري مناورة في بحر العرب 6 يوليو 2019 (رويترز)
TT

كيف يمكن لأميركا تطهير مضيق هرمز من الألغام؟

سفن مكافحة ألغام أميركية من فئة «أفنجر» تُجري مناورة في بحر العرب 6 يوليو 2019 (رويترز)
سفن مكافحة ألغام أميركية من فئة «أفنجر» تُجري مناورة في بحر العرب 6 يوليو 2019 (رويترز)

مع بدء الولايات المتحدة مهمة إزالة الألغام من مضيق هرمز، قد تلجأ إلى ترسانة من المسيّرات والروبوتات الملغومة والطائرات الهليكوبتر للحدّ من المخاطر، إلا أن فرق إزالة الألغام ربما تظل عرضة للهجمات الإيرانية، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وتحاول الولايات المتحدة تطهير المضيق من الألغام، في إطار جهود وضع حدّ لعرقلة إيران حركة الملاحة في الممر المائي، التي أدّت إلى تعطل إمدادات الطاقة العالمية بشدة منذ بدء حرب أميركا وإسرائيل مع إيران في نهاية فبراير (شباط).

لكن مع استعانة الولايات المتحدة بالتكنولوجيا الحديثة للبحث عن الألغام وإزالتها عن بُعد، يرى ضباط سابقون في البحرية ومتخصصون في هذا المجال أن تطهير ممر مائي استراتيجي مثل مضيق هرمز من الألغام سيظل عملية بطيئة ومتعددة الخطوات.

وأعلن الجيش الأميركي مطلع هذا الأسبوع بدء عملية إزالة الألغام، حيث أرسل سفينتين حربيتين عبر المضيق، لكنه لم يقدّم سوى القليل من التفاصيل بشأن المعدات المستخدمة. وقال يوم السبت إن قوات إضافية، بما في ذلك مسيّرات تعمل تحت الماء، ستنضم إلى هذه الجهود في الأيام المقبلة.

وكانت «رويترز» نقلت الشهر الماضي عن مصادر مطلعة قولها، إن إيران نشرت مؤخراً نحو 12 لغماً في مضيق هرمز. ومن غير المعروف بشكل علني موقع تلك الألغام.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مطلع هذا الأسبوع، إن جميع سفن إيران التي تزرع الألغام تم إغراقها، لكن بعض المتخصصين يقولون إن هناك خطراً من أن تكون طهران نشرت معدات إضافية.

وقال الأميرال السابق بالبحرية البريطانية، جون بنتريث، الذي تقاعد ويعمل حالياً مستشاراً، إن حرب الألغام فعّالة لأن الأدوات رخيصة، وإزالتها مكلفة، «حتى مجرد التهديد بوجود حقل ألغام يكفي لإيقاف السفن، خاصة السفن التجارية».

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل عمان 12 أبريل 2026 (رويترز)

تطور عمليات إزالة الألغام

تقليدياً، كانت البحرية الأميركية تعتمد على سفن إزالة الألغام المأهولة التي تدخل حقول الألغام فعلياً، مستخدمة أجهزة السونار لتحديد مواقع الألغام ومعدات ميكانيكية تُسحب خلف السفينة لإزالة المتفجرات، مدعومة أحياناً بغواصين بشريين. ومعظم هذه النوعية خرجت من الخدمة.

وجرى استبدالها بسفن أخفّ وزناً تُعرف باسم سفن القتال الساحلية، التي تحمل معدات حديثة لكشف الألغام مثل المسيّرات التي تعمل بشكل شبه ذاتي فوق الماء وتحته، بالإضافة إلى الروبوتات التي يتم التحكم فيها عن بُعد، والتي تتيح للطواقم الابتعاد عن حقل الألغام. ولدى البحرية الأميركية 3 سفن من هذا النوع قيد الانتشار.

وأفاد مسؤول أميركي رفيع المستوى لوكالة «رويترز» في أواخر مارس (آذار)، بأن اثنتين من هذه السفن تخضعان للصيانة في سنغافورة. وأضاف المسؤول أنه في ذلك الوقت كانت قدرات الولايات المتحدة على إزالة الألغام في الشرق الأوسط تشمل مركبات غير مأهولة تحت الماء، و4 سفن تقليدية من فئة «أفنجر»، وطائرات هليكوبتر، وغواصين.

ويرى مسؤولون سابقون في البحرية ومتخصصون آخرون أن طهران لديها عدة أنواع من الألغام البحرية. تشمل الألغام القاعية التي تستقر على قاع البحر، وتنفجر عندما تمر السفن فوقها، والألغام المربوطة التي يتم تثبيتها، لكنها تطفو بالقرب من السطح، والألغام العائمة التي تتحرك بحرية على الماء، والألغام اللاصقة التي تلتصق مباشرة ببدن السفينة.

ومن المرجح أن تتضمن العملية الأميركية البحث عن الألغام باستخدام مركبات سطحية وتحت مائية غير مأهولة مزودة بأجهزة استشعار. وبمجرد اكتشاف جسم يشبه اللغم، يتم عادة نقل البيانات إلى الطواقم العاملة خارج حقل الألغام، التي تتعرف على الجهاز. ثم تحدد كيفية تحييده.

وتشمل قدرات البحث لدى البحرية الآن مركبات سطحية وتحت مائية غير مأهولة مزودة بأجهزة سونار، بالإضافة إلى طائرات هليكوبتر تُستخدم لاكتشاف الألغام القريبة من السطح، وفقاً لما ذكره مسؤولون سابقون في البحرية.

وذكرت شركة «بي إيه إي سيستمز»، المتخصصة في مجال الصناعات الدفاعية، أنه من أجل نجاح البحرية في تدمير الألغام سيتعيّن عليها نشر أنظمة مثل «أرشرفيش» طوربيديّ الشكل، المعتمد على جهاز يتم تشغيله عن بُعد يبلغ طوله نحو مترين، ويحمل شحنة متفجرة، ويرسل مقاطع فيديو إلى المشغلين عبر كابل. وتبلغ تكلفته عشرات الآلاف من الدولارات، وهو معدّ للاستخدام مرة واحدة.

وقال بريان كلارك، ضابط البحرية الأميركية المتقاعد والحاصل على درجة الزمالة من «معهد هدسون»، إن الولايات المتحدة يمكنها أيضاً استخدام قوارب مسيّرة تسحب زلاجات لإزالة الألغام تعمل على تفجيرها أو جمعها. ويقول المتخصصون إنه يتم أحياناً استخدام غواصين بشريين، بما في ذلك لجمع المعلومات الاستخباراتية.

عملية بطيئة

وقال كلارك إن تطهير المضيق من الألغام قد يستغرق أسبوعين أو 3 أسابيع، وقد تؤدي هجمات إيرانية على طواقم إزالة الألغام إلى إبطاء العملية وزيادة المخاطر. ونتيجة لذلك، قال إن الجيش الأميركي قد يتخذ تدابير دفاعية، منها نشر الزوارق والطائرات المسيّرة لحماية الطواقم والمعدات.

وقال الأميرال الأميركي داريل كاودل، رئيس العمليات البحرية، في مارس، إن «العثور على الألغام وتدميرها يستغرق وقتاً طويلاً». وأضاف أن ذلك يجعل القدرة على إزالة الألغام «ضعيفة».

ويقول متخصصون إن هناك تقنيات جديدة قيد التطوير لتسريع عملية إزالة الألغام، خصوصاً من خلال التطورات في أجهزة الاستشعار المستخدمة في الرصد.

وتقول مجموعة تاليس الفرنسية للتكنولوجيا والدفاع إن أحدث أجهزة السونار الخاصة بها يمكنها فحص ما يشتبه أنها ألغام من 3 زوايا مختلفة في مسح واحد، وهي عملية تتطلب عادة عدة مسحات.

كما تتيح التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي إجراء مزيد من تحليلات البيانات على متن السفن غير المأهولة.

وعلى المدى الطويل، يصل سقف الطموح إلى نشر مجموعات من الأنظمة غير المأهولة التي يمكنها البحث عن الألغام وتحديدها وتدميرها، بدلاً من أن تكون عملية متعددة الخطوات.