كوبا ترص الصفوف لمواجهة شبح التدخل العسكري الأميركي

ترمب «يُفضل الخيار الدبلوماسي»… ودياز كانيل يُحذّر من «حماقة العدوان»

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يشارك في مظاهرة أمام السفارة الأميركية في هافانا احتجاجاً على السياسات الأميركية في بلاده (رويترز)
الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يشارك في مظاهرة أمام السفارة الأميركية في هافانا احتجاجاً على السياسات الأميركية في بلاده (رويترز)
TT

كوبا ترص الصفوف لمواجهة شبح التدخل العسكري الأميركي

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يشارك في مظاهرة أمام السفارة الأميركية في هافانا احتجاجاً على السياسات الأميركية في بلاده (رويترز)
الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يشارك في مظاهرة أمام السفارة الأميركية في هافانا احتجاجاً على السياسات الأميركية في بلاده (رويترز)

أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجدداً شبح التدخل العسكري في كوبا، غداة توجيه إدارته اتهامات جنائية ضد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو، في تصعيد مطرد قابله زعماء الجزيرة برص صفوفهم، تضامناً مع أحد أبرز «أبطال الثورة الشيوعية».

وخلال مناسبة في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، تطرق ترمب إلى ملف كوبا قائلاً للصحافيين: «نظر رؤساء آخرون في هذا الأمر على مدى 50 أو 60 عاماً، وكانوا عازمين على القيام بشيء ما». وأضاف: «يبدو أنني سأكون من يقوم بذلك، وسأكون سعيداً بالقيام به».

وفي تصريح منفصل، أبلغ وزير الخارجية ماركو روبيو الصحافيين بأن كوبا تُشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي منذ سنوات بسبب علاقاتها مع خصوم الولايات المتحدة، مضيفاً أن ترمب عازم على معالجة هذا الأمر. ومع ذلك، أكد أن الإدارة تُفضل اتفاقاً تفاوضياً. ولطالما اتخذ روبيو، وهو نجل مهاجرين كوبيين، موقفاً صارماً ضد القيادة الاشتراكية في كوبا. وقبيل صعوده إلى طائرة في ميامي للتوجه إلى السويد من أجل المشاركة في اجتماع حلف شمال الأطلسي «الناتو»، قال إن «ترمب يفضل دائماً اتفاقاً تفاوضياً سلمياً. وهذا هو خيارنا دائماً، وسيظل خيارنا مع كوبا». وأضاف: «بصراحة، احتمال حدوث ذلك، بالنظر إلى الجهة التي نتعامل معها حالياً، ليس مرتفعاً».

اجتماعات «غير مقنعة»

اجتمع كبار مساعدي ترمب، وبينهم روبيو ومدير وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» جون راتكليف وآخرون من مجلس الأمن القومي، مع مسؤولين كوبيين في الأشهر الأخيرة للبحث في سبل تحسين العلاقات. غير أن الجانب الأميركي لم يخرج من تلك المحادثات مقتنعاً، ما أدى إلى فرض مزيد من العقوبات على الحكومة الكوبية في الأسبوع الماضي.

كوبيون يتظاهرون أمام السفارة الأميركية في هافانا دعماً للرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو (أ.ف.ب)

وقال روبيو إنه «على مرّ السنين، اعتادت كوبا كسب الوقت وانتظارنا. لن يتمكنوا من ذلك، فنحن جادون للغاية، وتركيزنا شديد». وعندما سُئل هل ستستخدم الولايات المتحدة القوة في كوبا لتغيير النظام فيها، كرر أن التسوية الدبلوماسية هي الخيار المفضل، لكنه أشار إلى أن «للرئيس دائماً خيار اتخاذ أي إجراء ضروري لدعم وحماية المصالح الوطنية». ورفض اقتراح أحد الصحافيين بأن الأمر يبدو كأنه «بناء دولة»، مؤكداً أنه يتعلق بمعالجة خطر يُهدد الأمن القومي الأميركي.

كذلك، أعلن روبيو أن وزارة الخارجية سحبت البطاقة الخضراء من شقيقة الرئيس التنفيذي لمجموعة «غايسا» الكوبية، وأن عملاء إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (آيس) اعتقلوها. وقال في بيان: «سمحت الإدارات السابقة لعائلات النخب العسكرية الكوبية، والإرهابيين الإيرانيين، وغيرهم من المنظمات المشينة، بالتمتع بأنماط حياة مترفة في بلادنا بأموال مسروقة من الدماء، في حين يعاني الشعب الذي يقمعونه في الداخل ظروفاً بالغة الصعوبة. لن يستمر هذا الوضع».

ودفع توجيه الاتهام إلى كاسترو الكثيرين إلى الاعتقاد بأن إدارة ترمب تتبع النهج نفسه الذي اتبعته عندما قبضت على الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في عملية عسكرية خاطفة مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي. ويواجه مادورو، المسجون في الولايات المتحدة منذ اعتقاله، تهماً فيدرالية تتعلق بالمخدرات والإرهاب.

ويُهدد ترمب مراراً بعمل عسكري منذ إطاحته بمادورو، ثم فرضه حصاراً على الطاقة أدى إلى انقطاع إمدادات الوقود عن الجزيرة. وتسبب ذلك في انقطاعات حادة للتيار الكهربائي، ونقص في الغذاء، وانهيار اقتصادي في كل أنحاء البلاد.

رص الصفوف

في المقابل، استجاب آلاف الكوبيين، الجمعة، للدعوات إلى التجمع أمام مقر السفارة الأميركية في هافانا احتجاجاً على إصدار وزارة العدل الأميركية قراراً اتهامياً ضد كاسترو في قضية إسقاط طائرتين مدنيتين عام 1996.

أعضاء في القوات المسلحة الثورية الكوبية يشاركون في مظاهرة أمام السفارة الأميركية في هافانا (أ.ب)

ولجأ المسؤولون إلى وسائل الإعلام الحكومية ومنصات التواصل الاجتماعي لحشد التأييد الشعبي وعرض صورة «أمة تلتف حول راؤول كاسترو»، رفيق درب شقيقه الزعيم فيدل كاسترو، الذي قاد ثورة نجحت عام 1959 في إطاحة نظام فولغنسيو باتيستا الموالي للولايات المتحدة.

ونشرت الصحف الحكومية ومسؤولون حكوميون كوبيون رفيعون سيلاً من الرسائل التي تُظهر صوراً لكاسترو (95 عاماً) في شبابه، وهو جندي، يُحيّي الأطفال، ويضحك مع شقيقه فيدل، ويلوّح بالعلم الكوبي، ويلتقي مراهقين في الهواء الطلق. وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل في مقطع فيديو: «إنه بمثابة أب لي».

وحضر الرئيس الكوبي دياز كانيل، ورئيس الوزراء مانويل ماريرو، المظاهرة أمام السفارة الأميركية. ولكن كاسترو لم يكن حاضراً.

وجاء ذلك بعد يومين من إصدار المدعي العام الأميركي في ميامي، الأربعاء، قراراً اتهامياً ضد كاسترو، يتضمن 4 تهم بالقتل لإسقاط القوات الكوبية لطائرتين مدنيتين صغيرتين عام 1996، بعدما حلقتا في المجال الجوي الدولي لشمال الجزيرة. وتُشكل التهم اختباراً حاسماً في أواخر حياة المقاتل السابق الذي شغل منصب وزير الدفاع لنحو نصف قرن.

وندد الرئيس الكوبي بالقرار الاتهامي، واصفاً إياه بأنه مناورة سياسية لا تهدف إلا إلى «تبرير حماقة العدوان العسكري على كوبا».


مقالات ذات صلة

«مونديال 2026»: ترمب يتمنى التوفيق للمنتخب الأميركي في اتصال هاتفي

رياضة عالمية دونالد ترمب (أ.ف.ب)

«مونديال 2026»: ترمب يتمنى التوفيق للمنتخب الأميركي في اتصال هاتفي

أجرى الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتصالاً هاتفياً مع منتخب بلاده لكرة القدم متمنياً له التوفيق في «كأس العالم».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ عمال يزيلون اسم دونالد ترمب عن واجهة «مركز كينيدي» في واشنطن (إ.ب.أ)

القضاء الأميركي يرفض طلب «مركز كينيدي» تعليق إزالة اسم ترمب من المبنى

رفض قاضٍ، الجمعة، طلب «مركز كينيدي» تعليق تنفيذ حكم يقضي بإزالة اسم الرئيس الأميركي دونالد ترمب من مبنى المركز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس زيلينسكي خلال قمة دول الشمال ودول البلطيق 2026 في تالين بإستونيا 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

أميركا لخفض رئيسي في مقاتلاتها وسفنها الحربية بأوروبا

تعتزم الولايات المتحدة خفض عدد المقاتلات والسفن الحربية التي توفرها لعمليات حلف «الناتو» في أوروبا، مخاوف بعض الدول من احتمال توسيع روسيا حربها مع أوكرانيا.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة مدمجة تُظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

إشادة نتنياهو لا تخفي القلق من «اتفاق سيئ» مع إيران

حرص رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على الإشادة بالاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران، إلا أن مسؤولين وخبراء قالوا إنه «سيئ جداً» لتل أبيب.

نظير مجلي (تل أبيب)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي (رويترز)

تحليل إخباري «اتفاق إيران» يكرّس الهدنة ويؤجل الملفات الكبرى

في غضون ساعات، انتقل الخطاب الأميركي من التهديد بضرب إيران «بقوة شديدة» ومهاجمة جزيرة خرج، إلى الحديث عن مذكرة تفاهم قريبة التوقيع.

إيلي يوسف (واشنطن)

القضاء الأميركي يرفض طلب «مركز كينيدي» تعليق إزالة اسم ترمب من المبنى

عمال يزيلون اسم دونالد ترمب عن واجهة «مركز كينيدي» في واشنطن (إ.ب.أ)
عمال يزيلون اسم دونالد ترمب عن واجهة «مركز كينيدي» في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

القضاء الأميركي يرفض طلب «مركز كينيدي» تعليق إزالة اسم ترمب من المبنى

عمال يزيلون اسم دونالد ترمب عن واجهة «مركز كينيدي» في واشنطن (إ.ب.أ)
عمال يزيلون اسم دونالد ترمب عن واجهة «مركز كينيدي» في واشنطن (إ.ب.أ)

رفض قاضٍ، يوم الجمعة، طلب «مركز كينيدي» تعليق تنفيذ حكم يقضي بإزالة اسم الرئيس الأميركي دونالد ترمب من مبنى المركز.

وكان قاضي المحكمة الجزئية الأميركية، كريستوفر كوبر، قد حكم الشهر الماضي بأن اسم ترمب أضيف بشكل غير قانوني إلى مؤسسة الفنون المسرحية الشهيرة في واشنطن.

وأكد أن الكونغرس هو وحده مَن يملك صلاحية إجراء أي تغيير على اسم «مركز كينيدي»، وأمر بإزالة الإشارات إلى ترمب بحلول يوم الجمعة.

وجاء في مذكرة صادرة في 4 يونيو (حزيران) عن مكتب المستشار القانوني العام في «مركز كينيدي» وموجهة إلى الموظفين أن توقيعات البريد الإلكتروني، والمراسلات الرسمية، وغيرها من المستندات يجب أن تعكس اسم المؤسسة بوصفها «مركز جون إف كينيدي للفنون المسرحية» أو «مركز كينيدي».


أميركا لخفض رئيسي في مقاتلاتها وسفنها الحربية بأوروبا

قادة «الناتو» خلال اجتماعهم في لاهاي قبل عام (إ.ب.أ)
قادة «الناتو» خلال اجتماعهم في لاهاي قبل عام (إ.ب.أ)
TT

أميركا لخفض رئيسي في مقاتلاتها وسفنها الحربية بأوروبا

قادة «الناتو» خلال اجتماعهم في لاهاي قبل عام (إ.ب.أ)
قادة «الناتو» خلال اجتماعهم في لاهاي قبل عام (إ.ب.أ)

نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أوروبيين رفيعي المستوى أن الولايات المتحدة تعتزم خفض عدد المُقاتلات والسفن الحربية التي توفرها لعمليات حلف شمال الأطلسي «الناتو» في أوروبا بمقدار الثلث، ما يُسرّع جهود إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتقليص الحماية التي قدمتها الولايات المتحدة لحلفائها الأوروبيين منذ الحرب العالمية الثانية.

طائرات مقاتلة من طراز «رافال» على سطح حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال جولة إعلامية بقاعدة تشانغي البحرية في سنغافورة 4 مارس 2025 (أ.ف.ب)

تأتي هذه التخفيضات، التي أبلغت إلى الحلفاء، في أوائل يونيو (حزيران) الماضي، بوثيقة مكتوبة، في ظل مسارعة الدول الأوروبية لتعزيز قدراتها الدفاعية منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، والذي أثار مخاوف من احتمال شن روسيا هجوماً على إحدى دول «الناتو». كما تأتي بعدما وصف الرئيس ترمب الحلف بأنه «نمر من ورق»، ناعتاً أعضاءه بأنهم «جبناء» بسبب عدم انضمامهم إلى الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل، في نهاية فبراير (شباط) الماضي ضد إيران.

وتشمل عمليات خفض القوات المخطط لها تقليص عدد طائرات من طرازيْ «إف 16» و«إف 15 إي» من نحو 150 إلى 100 طائرة. كما سيخفض عدد طائرات الاستطلاع البحري من 26 إلى 15، وسحب كل طائرات التزود بالوقود جواً الثماني التي كانت متاحة سابقاً لأوروبا. وسيعاد نشر غواصة لإطلاق الصواريخ وحاملة طائرات، بالإضافة إلى عدد من السفن الحربية وعشرات الطائرات التي تنضم إلى مهمات الحاملة، علاوة على إعادة نشر إحدى مجموعتي القاذفات اللتين كانتا مخصصتين سابقاً للدفاع عن أوروبا.

ونُشرت هذه التفاصيل في صحيفة «دي فيلت» الألمانية، وهي تُقدم أوضح صورة حتى الآن عن مدى نية إدارة ترمب تقليص التزاماتها تجاه «الناتو»؛ وهو تحالف عسكري أُنشئ في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وكان الهدف الرئيسي منه حماية حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا من التهديدات الخارجية كالاتحاد السوفياتي، ولا يزال أعضاؤه الأوروبيون يرونه أساسياً لقدرتهم على ردع روسيا.

يأتي سحب القوات في لحظة بالغة التوتر لأوروبا. ففي أواخر مايو (أيار) الماضي، قصفت طائرة روسية مُسيّرة مبنى سكنياً في رومانيا، في أول غارة من نوعها على منطقة رئيسية ضمن أراضي «الناتو». وأثار هذا الحادث، إلى جانب توغلات أخرى لمُسيّرات روسية في المجال الجوي لدول الحلف، مخاوف أوروبية من احتمال توسيع روسيا عدوانها ليشمل دولاً أخرى غير أوكرانيا.

طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

صمت «البنتاغون»

وامتنعت وزارة الحرب الأميركية «البنتاغون» عن التعليق على الأرقام المحددة الواردة في الوثيقة، ولم تكشف الجدول الزمني لخفض القوات. غير أن المسؤولين الأميركيين أشاروا إلى أنه سيدخل حيز التنفيذ قريباً جداً؛ أيْ قبل الموعد الذي كان يستعد له نظراؤهم الأوروبيون.

وسيؤثر هذا الخفض على قدرة «الناتو» على مراقبة حركة الغواصات الروسية أو إطلاق صواريخ «توماهوك» بعيدة المدى في عمق الأراضي الروسية. وعلى الرغم من امتلاك الأوروبيين قدرات مماثلة في إطلاق الصواريخ، يؤكد الخبراء أن هذه الصواريخ تُشكل رادعاً أقوى لروسيا عندما تستخدمها الولايات المتحدة؛ لأن الأوروبيين قد يكونون أكثر حذراً في نشرها.

زيلينسكي وروته في كييف (إ.ب.أ)

ونقلت «نيويورك تايمز» عن الباحث جوزيبي سباتافورا لدى معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية في باريس أنه «مع أن كل خفض من هذه التخفيضات يمكن التعامل معه على حدة، لكنها مجتمعة تُمثل تغييراً جوهرياً في الموقف وتُشكل تحديات أمام جاهزية الردع الأوروبية على كل الأصعدة».

وبالنسبة لبعض الأوروبيين، لا يُعد العدد المحدد للأصول الأميركية المُخصصة لأوروبا بنفس أهمية مسألة استعداد ترمب لنشر أي منها في القتال. وأعلنت تفاصيل تقليص القوات بشكل غير رسمي، في حين أعلن كبار مسؤولي الدفاع الأميركيين نيتهم ​​إعادة توزيع القوات للدفاع عن المصالح الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

الرئيس زيلينسكي خلال قمة دول الشمال ودول البلطيق 2026 في تالين بإستونيا 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وقال قائد القيادة الأوروبية التابعة لـ«البنتاغون»، الجنرال أليكسوس جي غرينكويتش، في أوائل يونيو الحالي إنه «كان هناك اعتماد مفرط وغير صحي في نموذج قوات (الناتو) على القوات الأميركية». وأضاف: «أوضح الرئيس ترمب ووزير الحرب هيغسيث وغيرهما ضرورة تغيير هذا الوضع، وسيجري تغييره. فالاحتمال الوارد لنشوب صراع متزامن في جبهات متعددة يستلزم ذلك».


«اتفاق إيران» يكرّس الهدنة ويؤجل الملفات الكبرى

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي (رويترز)
TT

«اتفاق إيران» يكرّس الهدنة ويؤجل الملفات الكبرى

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي (رويترز)

لم يكن إعلان الرئيس دونالد ترمب إلغاء الضربة التي قال إنها كانت مقررة ضد إيران مجرد تفصيل عسكري عابر، بل لحظة كاشفة لطبيعة الأزمة كلها. ففي غضون ساعات، انتقل الخطاب الأميركي من التهديد بضرب إيران «بقوة شديدة» ومهاجمة جزيرة خرج، قلب الصادرات النفطية الإيرانية، إلى الحديث عن مذكرة تفاهم قريبة التوقيع، وفتح فوري لمضيق هرمز، وتمديد لوقف النار، وربما احتفال دبلوماسي في أوروبا أو جنيف.

لكن هذه السرعة في الانتقال من حافة الحرب إلى وعد الاتفاق لا تعني أن الحرب انتهت، كما قال ترمب في احتفال جماهيري. فالأرجح أن المنطقة دخلت مرحلة أكثر التباساً: لا حرب شاملة، ولا سلام ثابتاً، بل هدنة تفاوضية مسلحة، يمكن أن تنجح إذا توافرت ضمانات جدية، ويمكن أن تنهار إذا عاد كل طرف إلى تفسير الاتفاق على طريقته.

مذكرة تفاهم لا اتفاق سلام

موقع «إكسيوس» ذكر أن 4 طائرات شحن عسكرية غادرت إلى أوروبا مساء الخميس، لنقل معدات استعداداً لاحتمال توجه نائب الرئيس فانس لحضور مراسم توقيع في جنيف خلال الأيام المقبلة. لكنه أضاف أن المعروض حتى الآن ليس اتفاقاً نهائياً ينهي النزاع الأميركي - الإيراني، بل مذكرة تفاهم أولية تهدف إلى تثبيت وقف النار لمدة 60 يوماً، وفتح مضيق هرمز فوراً من دون رسوم، وعودة حركة الشحن تدريجياً إلى مستويات ما قبل الحرب خلال 30 يوماً.

في المقابل، يفترض أن ترفع الولايات المتحدة حصارها البحري تدريجياً، وأن تمنح إيران إعفاءات محدودة تسمح لها ببيع النفط خلال فترة الهدنة، على أن يرتبط أي تخفيف أوسع للعقوبات بمدى التزام طهران وحسن نيتها في المفاوضات اللاحقة.

وحسب الموقع، فإن هذه النقطة مهمة لأنها تكشف عن حدود الاتفاق. فترمب يتحدث بلغة الانتصار والإنجاز القريب، لكن التفاصيل تشير إلى أن الملفات الكبرى مؤجلة. التعهد الإيراني بعدم امتلاك سلاح نووي وارد في النص المسرب، لكن معالجة مخزون اليورانيوم المخصب والبنية التحتية للتخصيب ستحتاج إلى اتفاق ثانٍ أكثر تفصيلاً.

ومن بين الخيارات المطروحة، خفض مستوى تخصيب اليورانيوم داخل إيران تحت إشراف مفتشي الأمم المتحدة، لكن ذلك لا يزال مشروطاً بتفاهم لاحق. بمعنى آخر، المذكرة لا تحل المشكلة النووية، بل تفتح ممراً تفاوضياً مؤقتاً لمعالجتها.

العقدة المالية لا تقل حساسية. إيران تريد الإفراج السريع عن جزء من أموالها المجمدة في الخارج؛ لأن اقتصادها يحتاج إلى سيولة فورية بعد أشهر من الحرب والحصار وتراجع الصادرات. أما واشنطن، فتفضّل الإفراج على دفعات مرتبطة بالامتثال.

لذلك؛ يمكن أن تتحول قضية الأموال المجمدة إلى اختبار الثقة الأول. فإذا شعرت طهران بأنها فتحت هرمز ولم تحصل على مقابل ملموس، ستتهم واشنطن بالمماطلة. وإذا رأت واشنطن أن إيران تريد المال قبل الالتزام، ستعود إلى الضغط العسكري والبحري.

مضيق هرمز كما يبدو من شاطئ مدينة بندر عباس الإيرانية (أ.ب)

ترمب يفاوض بالتهديد

تصرف ترمب يعكس نمطاً مألوفاً في إدارته للأزمات: رفع سقف التهديد إلى الحد الأقصى، ثم تقديم التراجع بوصفه نتيجة للضغط الناجح. لكن خلف هذا الخطاب توجد حسابات أكثر تعقيداً.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن محللين أن السيطرة على جزيرة خرج ليست عملية سهلة أو رمزية، وأي محاولة للسيطرة عليها قد تتطلب انخراطاً عسكرياً مباشراً وقوات على الأرض، بما يعني أخطاراً كبيرة على الجنود الأميركيين واحتمال توسع الحرب. كما أن أي ضربة واسعة قد ترفع أسعار الطاقة عالمياً، وتزيد الضغط على المستهلكين الأميركيين، وتحرج ترمب قبل الانتخابات النصفية.

لذلك؛ فإن إلغاء الضربة ليس بالضرورة دليلاً على ثقة كاملة بالاتفاق، بل قد يكون أيضاً محاولة لتجنب تكلفة حرب أوسع. من هنا تأتي جاذبية مذكرة التفاهم: تمنحه إعلاناً سياسياً سريعاً عن فتح هرمز ووقف النار، وتؤجل الملفات الأصعب إلى مفاوضات لاحقة.

غير أن المشكلة أن ترمب أعلن أكثر من مرة أن الاتفاق بات قريباً، ثم تعثرت المحادثات. كما أن إيران لم تؤكد نهائياً أنها وافقت على النص. لهذا؛ فإن القول إن «حرب إيران انتهت» قد يبدو متسرعاً.

ما انتهى، في أفضل الأحوال، كان احتمال ضربة أميركية كبيرة، الخميس. أما أسباب الحرب فلا تزال قائمة: الملف النووي، العقوبات، الأموال المجمدة، مضيق هرمز، الحصار البحري، الهجمات على القواعد الأميركية، ودور إسرائيل وحلفاء إيران في لبنان واليمن وغزة. كل هذه الملفات يمكن أن تعيد الاشتعال إذا فشلت الهدنة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مطار بن غوريون العام الماضي (أ.ب)

مخاوف إسرائيل

كما أن إسرائيل عنصر شديد الحساسية في هذه المعادلة، لكنها ليست طرفاً مباشراً في مذكرة التفاهم. ونقلت وسائل إعلام أميركية عن مسؤولين إسرائيليين تشديدهم على أن يتضمن أي اتفاق نهائي، إزالة المواد النووية المخصبة، تفكيك بنية التخصيب، الحد من إنتاج الصواريخ، ووقف دعم إيران لحلفائها الإقليميين.

هذه مطالب أوسع بكثير من مضمون الهدنة الأولية. ويرى البعض أنه إذا شعرت إسرائيل بأن الاتفاق يمنح إيران وقتاً لترميم قوتها أو إعادة ترتيب أوراقها، فقد تتحرك منفردة، خصوصاً في لبنان أو ضد أهداف مرتبطة بالبرنامج النووي.

ومع أن التوصل إلى اتفاق هو احتمال مطروح جدياً، لكنه ليس مضموناً. وحسب التسريبات، فإن الحديث هو عن توقيع قريب، وتفاهم أولي على فتح هرمز وبدء 60 يوماً من التفاوض. لكن لا توجد حتى الآن نهاية مؤكدة للحرب، بل نحن أمام هدنة على حافة النار: إذا التزم الطرفان بها، قد تتحول مساراً سياسياً أوسع. وإذا تعثرت عند أول خلاف حول العقوبات أو الأموال أو اليورانيوم، فستعود المنطقة إلى التصعيد، وربما بصورة أعنف.