تعويضات بـ1.8 مليار دولار لمناصري ترمب تثير غضباً حزبياً وجدلاً دستورياً

جيمي راسكين في اللجنة القضائية بمجلس النواب يصف الصفقة بـ«الفضيحة الأخلاقية»

اقتحم مثيرو الشغب الجبهة الغربية لمبنى الكابيتول الأميركي في 6 يناير 2021 في واشنطن (أ.ب)
اقتحم مثيرو الشغب الجبهة الغربية لمبنى الكابيتول الأميركي في 6 يناير 2021 في واشنطن (أ.ب)
TT

تعويضات بـ1.8 مليار دولار لمناصري ترمب تثير غضباً حزبياً وجدلاً دستورياً

اقتحم مثيرو الشغب الجبهة الغربية لمبنى الكابيتول الأميركي في 6 يناير 2021 في واشنطن (أ.ب)
اقتحم مثيرو الشغب الجبهة الغربية لمبنى الكابيتول الأميركي في 6 يناير 2021 في واشنطن (أ.ب)

لا تزال مشاهد اقتحام الآلاف من أنصار الرئيس دونالد ترمب لمبني الكونغرس في السادس من يناير (كانون الثاني) عام 2021 حاضرة بالأذهان، ففي ذلك اليوم دعا الرئيس ترمب أنصاره للتوجه نحو الكابيتول لمنع إقرار فوز الرئيس جو بايدن بالانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2020 والتي وصفها ترمب بالمزورة.

وبالفعل اندفع المتظاهرون إلى المبنى واجتازوا الحواجز الأمنية وكسروا النوافذ واقتحموا قاعات المجلسين، ما أدى إلى مواجهات عنيفة مع شرطة الكابيتول وأسفر عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة 140 ضابط شرطة.

القائم بأعمال المدعي العام تود بلانش يدلي بشهادته أمام جلسة استماع تعقدها لجنة فرعية يمجلس الشيوخ (إ.ب.أ)

وخلال ولاية الرئيس جو بايدن أطلقت وزارة العدل أكبر عملية ملاحقة قضائية واعتقلت أكثر من 1580 شخصاً ووجهت لهم تهماً بارتكاب جرائم اعتداء على ضباط الشرطة والتحريض والتعدي على الممتلكات الحكومية والتآمر لعرقلة عمل الكونغرس وأصدرت المحاكم الاتحادية أحكاماً بالسجن على مئات من المقتحمين.

ومع بداية ولاية ترمب الثانية في يناير 2025، أصدر الرئيس عفواً عاماً عن أكثر من 1600 شخص وُجهت لهم تهم تتعلق بأحداث اقتحام الكابيتول. وأعلنت وزارة العدل يوم الاثنين الماضي إنشاء صندوق «مكافحة تسليح السلطة» وتم رصد 1.8 مليار دولار، وهو قيمة التسوية القضائية التي تم التوصل إليها، مقابل إسقاط دعوى الرئيس ترمب للمطالبة بـ10 مليارات دولار ضد مصلحة الضرائب الأميركية بشأن تسريب إقرارته الضريبية. وبموجب هذه التسوية حصل ترمب على اعتذار رسمي من الحكومة مقابل إنشاء هذا الصندوق الذي يسمح بتسوية الدعاوى القضائية ودفع تعويضات لحلفاء ومناصري ترمب الذين يزعمون أنهم تعرضوا للاستهداف السياسي من قبل الإدارات السابقة.

رشوة لأنصار ترمب

وتسبب إنشاء هذا الصندوق بموجة غضب واسعة من مشرعين ديمقراطيين وجمهوريين على حد سواء والذين أعربوا عن مخاوفهم من أن هذا الصندوق سيتحول إلى وسيلة لتعويض حلفاء ترمب ومناصريه ومنهم مثيرو الشغب الذين اقتحموا مبني الكابيتول في السادس من يناير 2021، كما اعتبروا هذه التسوية بين ترمب ومصلحة الضرائب تعني حماية ترمب وعائلته من عمليات تدقيق ضرائبي مستقبلي، ما يعد إساءة استخدام أموال دافعي الضرائب لتحقيق مصالح شخصية ومكافأة الحلفاء السياسيين لترمب، وتحايلاً على سلطة الإنفاق التي يمنحها الكونغرس.

النائب جيمي راسكين كبير الديمقراطيين في اللجنة القضائية بمجلس النواب وصف هذه الصفقة بالفضيحة الأخلاقية (رويترز)

ووصف النائب جيمي راسكين، كبير الديمقراطيين في اللجنة القضائية بمجلس النواب هذه الصفقة بالفضيحة الأخلاقية، وقال: «هذا الأمر ليس سوى عملية نصب تهدف إلى سحب 1.8 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب لصالح ميليشيا ترمب الخاصة». كما رفع شرطيان شاركا في الدفاع عن الكابيتول يوم 6 يناير دعوى قضائية لإيقاف الصندوق، معتبرين أنه قد يعوض من اعتدوا عليهم. وقال الشرطيان في الدعوة «إن الصندوق يبعث برسالة خطيرة مفادها أن الأشخاص الذين ارتكبوا أعمال عنف باسم ترمب باتوا يكافأون بدلاً من أن يعاقبوا».

قلق جمهوري خافت

وقال النائب برايان فيتزباتريك الجمهوري من بنسلفانيا للصحافيين: «سنحاول إجهاض هذا المشروع»، بينما قال زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، جون ثون الجمهوري من ساوث داكوتا إنه «ليس من أشد المعجبين» بهذا الصندوق. في جلسة استماع عقدها مجلس الشيوخ الثلاثاء. وضغطت رئيسة لجنة المخصصات المالية في المجلس، سوزان كولينز، من أجل الحصول على مزيد من التفاصيل؛ حيث استفسرت عن قيمة المبلغ الذي سيُدفع مقابل كل مطالبة تعويض، وعن الأساس القانوني الذي تستند إليه تلك القرارات، وما إذا كانت المعلومات المتعلقة بهذه المطالبات ستكون متاحة للجمهور.

ودافع تود بلانش القائم بأعمال المدعي العام - والمحامي السابق للرئيس ترمب - بقوة عن هذا الصندوق، مؤكداً أنه ليس صندوق رشىً كما يصفه الديمقراطيون، بل برنامج تعويضي مشروع للأميركيين الذين تعرضوا لتجاوزات غير مبررة من قبل الحكومة الفيدرالية، مشيراً إلى أنه لا توجد قيود على المتقدمين، وأن الصندوق مفتوح للجميع. كما دافع نائب الرئيس جي دي فانس عن الصندوق، قائلاً: «لا يذهب دولار واحد إلى الرئيس ترمب أو إدارته أو عائلته. هذا تعويض لأميركيين تعرضوا لملاحقات سياسية غير متناسبة».

زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأميركي، جون ثون، يتحدث عن خطة وزارة العدل في 19 مايو 2026(ا.ب.ا)

معايير غير واضحة

لكن الخبراء القانونيين يرون أن هذه الصفقة غير مسبوقة دستورياً ويقولون إن إنشاء هذا الصندوق الملياري يستند إلى سلطة وزارة العدل في تسوية الدعاوى، لكنه يثير تساؤلات حول فصل السلطات لأن الرئيس ترمب يستخدم جهازاً تنفيذياً تابعا لوزارة العدل لصرف أموال لتعويض أنصاره السياسيين.

ويحذر بعض الخبراء من أن إنشاء هذا الصندوق سيفتح الباب أمام دعاوى قضائية مستقبلية تتهم الإدارة بانتهاك مبدأ السلطة المالية للكونغرس، إضافة إلى عدم وجود معايير واضحة وشفافة لتحديد المستفيدين من أموال هذا الصندوق.

ويشيد أنصار الرئيس ترمب بهذه الصفقة ويعدونها انتصاراً سياسياً ورمزياً بإجبار الحكومة الأميركية على الاعتذار وإنشاء آلية لتعويض أنصار ترمب الذين تبنوا رؤيته في سرقة وتزوير الانتخابات الرئاسية التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. ويرى هؤلاء أن إنشاء هذا الصندوق هو تصحيح للظلم الذي ارتكبته إدارة بايدن في الملاحقات القضائية ضد أنصار ترمب، بينما يرى معارضوه أنها بمثابة سرقة منظمة لأموال دافعي الضرائب واستخدام المال العام في أغراض سياسية حزبية.


مقالات ذات صلة

رياضة عالمية الحكم الصومالي عمر عرتن (أ.ب)

البيت الأبيض: حظر الحكم الصومالي وإداريين إيرانيين كان «لأسباب وجيهة»

اعتبر رئيس فريق البيت الأبيض المكلف بتنظيم كأس العالم، أندرو جولياني، أن منع دخول حكم صومالي ورفض منح تأشيرات لإداريين في المنتخب الإيراني كانا لـ"أسباب وجيهة".

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة قبل صعوده على متن طائرة الرئاسة قبل إقلاعها من مطار "جون إف كينيدي" الدولي في نيويورك، 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

ترمب: أميركا سترد على إسقاط إيران مروحية «أباتشي»

قال ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ‌الثلاثاء، ‌إن ​إيران ‌أسقطت ⁠طائرة ​هليكوبتر ⁠«أباتشي» أميركية كانت ⁠تقوم ‌بدورية ‌في ​مضيق ‌هرمز خلال ‌الليل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أشخاص يتجمعون على الشاطئ بينما تظهر سفينة في مضيق «هرمز» بالقرب من شاطئ ميناء بندر عباس في مايو الماضي ( رويترز)

لماذا يواصل ترمب التبشير بقرب التوصل إلى اتفاق مع إيران؟

جاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن قرب التوصُّل إلى اتفاق مع إيران ضمن نمط متكرِّر منذ شهرين؛ إذ أدلى بأكثر من 37 تصريحاً تحدَّث فيها عن اتفاق وشيك.

هبة القدسي
الولايات المتحدة​ السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام يلقي كلمة لمؤيديه في مدينة كولومبيا بولاية كارولاينا الجنوبية 16 مارس 2026 (أ.ب)

لعنة حرب إيران تلاحق سيناتوراً بارزاً حليفاً لترمب

ترجح التوقعات فوز السيناتور ليندسي غراهام في النهاية بترشيح الحزب الجمهوري إلا أن استطلاعات الرأي تشير إلى احتمال حاجته إلى خوض جولة إعادة.

هبة القدسي (واشنطن)

على حافة الهاوية: مواجهة إيران وإسرائيل ترسم معادلات الردع

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قاعدة أندروز الجوية بعد عودته من نيويورك لحضور مباراة كرة السلة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قاعدة أندروز الجوية بعد عودته من نيويورك لحضور مباراة كرة السلة (أ.ب)
TT

على حافة الهاوية: مواجهة إيران وإسرائيل ترسم معادلات الردع

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قاعدة أندروز الجوية بعد عودته من نيويورك لحضور مباراة كرة السلة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قاعدة أندروز الجوية بعد عودته من نيويورك لحضور مباراة كرة السلة (أ.ب)

دخلت المواجهة بين إيران وإسرائيل مرحلة أكثر تعقيداً من مجرد تبادل ضربات عسكرية عابرة، مع تداخل حسابات الردع الإقليمي ورهانات السياسة الأميركية ومخاوف الاقتصاد العالمي.

ورغم الإعلان عن وقف هش لتبادل الضربات بعد ضغوط مارسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فإن المشهد لا يوحي بتهدئة مستقرة بقدر ما يعكس استراحة مؤقتة بين جولات تصعيد محتملة.

وزاد سقوط مروحية أميركية من طراز «أباتشي» قرب مضيق هرمز، في توقيت سياسي شديد الحساسية، الإحساس بأن المنطقة تقف على حافة اختبار جديد قد يطال أمن الملاحة والطاقة ومصير المسار التفاوضي مع طهران.

وفي قلب هذا المشهد، تبدو إيران أكثر جرأة في اختبار حدود خصومها، بينما تحاول إسرائيل منع ترسيخ معادلة ردع جديدة، في وقت يسعى فيه ترمب إلى ضبط الإيقاع بين الحرب والدبلوماسية من دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

مضيق هرمز

لا يمكن فصل حادث سقوط المروحية الأميركية قرب مضيق هرمز عن بيئة التوتر التي تحكم هذا الممر البحري الحيوي. فالمسألة لا تتعلق فقط بسبب السقوط، سواء كان عطلاً فنياً أو خطأ عملياتياً أو نيراناً معادية، بل بما يمثله الحادث من دلالة سياسية وعسكرية في لحظة تشهد اختباراً مفتوحاً لصدقية الردع الأميركي.

وزاد استخدام وسائل إنقاذ متطورة، بينها تقنيات مسيّرة بحرية، من إبراز الطابع الجديد للصراع، حيث تتداخل الحرب التقليدية مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

إسرانيون على شاطئ مدينة بندرعباس مقابل مضيق هرمز (أ.ب)

وتكتسب الواقعة أهمية إضافية لأن هرمز لم يعد مجرد معبر للطاقة، بل صار ورقة ضغط مركزية في يد طهران، التي تدرك أن أي تهديد للملاحة أو لإمدادات النفط يمكن أن ينعكس فوراً على الاقتصاد العالمي وحسابات البيت الأبيض.

وبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، اكتشفت إيران خلال هذه الحرب فاعلية أوراق لم تستخدمها سابقاً بهذا الوضوح، وعلى رأسها تعطيل المرور في المضيق وتهديد منشآت الطاقة في الجوار الخليجي.

ومن هذا المنظور، تبدو طهران وكأنها تحاول نقل الصراع من حدودها المباشرة إلى المجال الذي يؤلم خصومها اقتصادياً وسياسياً. فهي تعرف أن الولايات المتحدة، مهما أظهرت من استعداد عسكري، لا تريد حرباً مفتوحة ترفع أسعار الطاقة وتربك الداخل الأميركي، لذلك تستخدم ورقة هرمز بوصفها أداة بقاء وضغط في آن واحد.

إيران في مجابهة مباشرة

وبحسب الصحيفة نفسها، كشفت الضربات الصاروخية الإيرانية الأخيرة على إسرائيل عن تحول واضح في العقيدة العملياتية لطهران. فبعد سنوات من الاعتماد على الوكلاء والأذرع الإقليمية، أبدت إيران استعداداً أكبر لاستخدام قوتها الصاروخية مباشرة، ليس فقط للرد على الهجمات، بل أيضاً لحماية شبكة نفوذها الإقليمية وفرض ربط عملي بين جبهات إيران ولبنان وإسرائيل.

ويبدو أن القيادة الإيرانية استخلصت من صمودها النسبي أمام حملة عسكرية مكثفة أنها لا تزال تملك قدرة على إيلام خصومها ورفع كلفة أي مواجهة طويلة. وعززت هذه القراءة نزعة المخاطرة لديها، ومنحتها شعوراً بأنها قادرة على اختبار قواعد الاشتباك التقليدية وإعادة صياغتها بما يخدم مشروعها الإقليمي.

لكن هذه الجرأة لا تعني أن إيران أصبحت في موقع تفوق استراتيجي ثابت؛ فهي لا تزال تواجه هشاشة اقتصادية وضغطاً عسكرياً كبيراً، كما أن قدرتها على تحمّل حرب طويلة تبقى محدودة مقارنة بما تملكه إسرائيل من تفوق تقني وناري.

ولهذا تبدو المقاربة الإيرانية أقرب إلى توسيع هامش المخاطرة لتعويض اختلال ميزان القوة، عبر فرض معادلة تقول إن أي استهداف إسرائيلي كبير لحلفائها، وخصوصاً في لبنان، قد يستجلب رداً إيرانياً مباشراً. وهذه هي المعادلة التي تسعى إسرائيل إلى كسرها سريعاً؛ لأنها ترى فيها بداية انتقال الردع من مستوى الوكلاء إلى مستوى الاشتباك المباشر بين الدولتين.

ترمب ونتنياهو وحدود الخلاف

تقف العلاقة بين دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو في قلب هذا التوتر المركب. وبحسب صحيفة «واشنطن بوست»، يريد الرئيس الأميركي احتواء الحرب، أو إبقاءها على الأقل تحت سقف يمكن التحكم به؛ لأن أي انفلات واسع قد ينعكس على أسعار الطاقة ومزاج الناخب الأميركي.

أما نتنياهو فيواجه ضغطاً داخلياً مختلفاً؛ إذ لا يستطيع الظهور بمظهر من يقبل بردع إيراني جديد أو يمنح طهران هامشاً أوسع في لبنان والمنطقة. وخلافاً لمراحل سابقة، لا يملك رئيس الوزراء الإسرائيلي اليوم هامشاً واسعاً للمناورة داخل واشنطن، لأن ترمب يمسك بقوة بالقرار الجمهوري، ويحد من قدرة نتنياهو على الالتفاف على الضغوط الأميركية عبر الكونغرس أو مراكز النفوذ التقليدية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مطار بن غوريون العام الماضي (أ.ب)

ومن هنا تبدو العلاقة بين الرجلين مزيجاً من التحالف والشد المتبادل؛ فثمة مؤشرات على خلاف مصالح حقيقي: ترمب يريد تهدئة قابلة للتسويق داخلياً، وربما اتفاقاً يقيّد النووي الإيراني ويفتح المضيق، بينما يخشى نتنياهو من أي تسوية تمنح طهران وقتاً لإعادة ترميم قدراتها.

لكن هذا الخلاف لا يلغي احتمال استخدامه تكتيكياً أيضاً، سواء لإرباك إيران أو لدفعها إلى سوء تقدير نيات واشنطن وتل أبيب. وبين الروايتين، يبقى الثابت أن القرار الإسرائيلي لم يعد حراً بالكامل في لحظة يبدو فيها البيت الأبيض أكثر حرصاً على منع توسع الحرب من حسمها عسكرياً.

الاتفاق المحتمل

يرجح محللون أن أي تسوية مقبلة لن تحقق الأهداف القصوى التي يعلنها كل طرف. فلا الولايات المتحدة تبدو قادرة أو راغبة في فرض استسلام كامل على إيران، ولا إسرائيل تستطيع ضمان إنهاء دائم لتهديد الصواريخ والنفوذ الإقليمي بضربة واحدة، ولا طهران في موقع يسمح لها بتحويل الصمود إلى نصر حاسم.

ويقول المسؤول الأميركي السابق دنيس روس إن أي اتفاق دبلوماسي مقبل قد يمثل انتصاراً استراتيجياً بعيد المدى لواشنطن وحلفائها، شرط إدارته بحنكة تنفذ إلى عمق الأزمات الهيكلية للنظام الإيراني.

وينطلق هذا التصور من فكرة أن إيران استنزفت مخزونها الاقتصادي وصناعاتها الدفاعية خلال الحرب، وأن لجوءها إلى ورقة حصار مضيق هرمز جاء كخيار أخير بعدما شعرت بأن بقاء النظام أصبح مستهدفاً.

وبمجرد توقف المدافع، سيتعين على القيادة الإيرانية مواجهة التناقضات الداخلية العميقة والفشل في تلبية الاحتياجات الأساسية للشعب الإيراني، من دون ذريعة «الحرب الخارجية» لتبرير هذا الإخفاق.

ويرى روس أن حجم الانتصار الاستراتيجي سيتحدد وفق طبيعة التسهيلات الاقتصادية أو شروط رفع العقوبات التي ستقدمها إدارة ترمب. فإذا رُبطت الإعفاءات بمرور آمن ومستدام في هرمز، وبتفكيك حقيقي للبرنامج النووي، فإن الاتفاق سيترك إيران في نهاية المطاف واهنة عسكرياً ومكشوفة أمام أزماتها الداخلية المتفجرة.


ترمب: أميركا سترد على إسقاط إيران مروحية «أباتشي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة قبل صعوده على متن طائرة الرئاسة قبل إقلاعها من مطار "جون إف كينيدي" الدولي في نيويورك، 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة قبل صعوده على متن طائرة الرئاسة قبل إقلاعها من مطار "جون إف كينيدي" الدولي في نيويورك، 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب: أميركا سترد على إسقاط إيران مروحية «أباتشي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة قبل صعوده على متن طائرة الرئاسة قبل إقلاعها من مطار "جون إف كينيدي" الدولي في نيويورك، 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة قبل صعوده على متن طائرة الرئاسة قبل إقلاعها من مطار "جون إف كينيدي" الدولي في نيويورك، 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

قال ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ‌الثلاثاء، ‌إن ​إيران ‌أسقطت ⁠طائرة ​هليكوبتر ⁠«أباتشي» أميركية كانت ⁠تقوم ‌بدورية ‌في ​مضيق ‌هرمز خلال ‌الليل، مضيفا ‌أن «الولايات المتحدة يجب ⁠أن ⁠ترد على هذا الهجوم«، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب ترمب في ⁠منشور على ‌وسائل ‌التواصل ​الاجتماعي ⁠«أبلغني جيشنا ‌العظيم للتو ‌بأن الإيرانيين أسقطوا مساء أمس إحدى طائراتنا الهليكوبتر المتطورة ‌من طراز أباتشي في أثناء ⁠قيامها ⁠بدورية فوق مضيق هرمز».وأضاف «ومع ذلك، يجب على الولايات المتحدة، بحكم الضرورة، الرد على هذا الهجوم».

وكانت خيّمت أجواء التوتر بالقرب من مضيق هرمز بعد سقوط مروحية أميركية من طراز «أباتشي» في وقت سابق الثلاثاء، بعدما تسارعت الخطى الدبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط وسط مؤشرات على قرب التوصل إلى تسوية شاملة، إذ أعلن الرئيس الأميركي الثلاثاء أن الاتفاق بات في «مراحله النهائية»، متوقعاً بلورة «فكرة واضحة» بشأن التفاهمات مع طهران في غضون أيام قليلة.


لماذا يواصل ترمب التبشير بقرب التوصل إلى اتفاق مع إيران؟

أشخاص يتجمعون على الشاطئ بينما تظهر سفينة في مضيق «هرمز» بالقرب من شاطئ ميناء بندر عباس في مايو الماضي ( رويترز)
أشخاص يتجمعون على الشاطئ بينما تظهر سفينة في مضيق «هرمز» بالقرب من شاطئ ميناء بندر عباس في مايو الماضي ( رويترز)
TT

لماذا يواصل ترمب التبشير بقرب التوصل إلى اتفاق مع إيران؟

أشخاص يتجمعون على الشاطئ بينما تظهر سفينة في مضيق «هرمز» بالقرب من شاطئ ميناء بندر عباس في مايو الماضي ( رويترز)
أشخاص يتجمعون على الشاطئ بينما تظهر سفينة في مضيق «هرمز» بالقرب من شاطئ ميناء بندر عباس في مايو الماضي ( رويترز)

جاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن قرب التوصُّل إلى اتفاق مع إيران ضمن نمط متكرِّر منذ شهرين؛ إذ أدلى بأكثر من 37 تصريحاً تحدَّث فيها عن اتفاق وشيك، من دون أن تتحقَّق هذه التوقعات ميدانياً.

ومع تجاوز الحرب حاجز المائة يوم، اتسعت الفجوة بين تفاؤله المعلن والواقع على الأرض، رغم قوله إن الاتفاق بلغ «مراحله النهائية» وإن مضيق «هرمز» سيُعاد فتحه «فوراً» بعد إبرامه.

نمط ثابت

تحوَّل حديث ترمب عن قرب «الانتصار» والتوصُّل إلى اتفاق مع إيران إلى نمط ثابت منذ الأيام الأولى للعمليات العسكرية.

ففي 23 مارس (آذار)، بعد أقل من شهر على بدء الحملة الأميركية - الإسرائيلية، قال للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» إن الحكومتين توصَّلتا إلى نقاط اتفاق رئيسية، مضيفاً: «أود القول إنه تم الاتفاق على جميع النقاط تقريباً خلال المفاوضات»، في حين نفت إيران بشكل قاطع إجراء أي مفاوضات. وفي اليوم التالي، قال ترمب: «أعتقد أننا سننهي الأمر»، مستدركاً: «لا أستطيع أن أجزم بذلك».

وبحلول 25 مارس، قال إن إيران أصبحت «راغبة بشدة في إبرام اتفاق»، ثم وصفها في اجتماع لمجلس الوزراء بأنها «تتوسَّل لإبرام اتفاق».

وفي 29 مارس، سُئل هل يتوقَّع اتفاقاً خلال الأسبوع التالي، فأجاب: «نعم، أرى إمكانيةً للتوصُّل إلى اتفاق مع إيران».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجيب عن أسئلة الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» حول قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران 5 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

وبعد إعلان وقف إطلاق النار في 7 أبريل (نيسان)، زاد تفاؤل ترمب، وتكرَّرت تأكيداته عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأنَّ الأطراف قطعت شوطاً طويلاً، وأنَّه لم يتبقَّ سوى أسبوعين لإنجاز الاتفاق، عادّاً أنَّه «شرف عظيم» أن يقترب من حلِّ هذه المشكلة الطويلة الأمد.

وفي 15 أبريل، قال لقناة «فوكس بيزنس»: «أعتقد أن الأمر اقترب من الانتهاء... وأعتقد أنَّ الإيرانيين يرغبون بشدة في إبرام اتفاق». وبعد يوم، تحدَّث عن «مؤشرات إيجابية للغاية» بشأن اتفاق «جيد».

وفي 17 أبريل، قال في 3 مناسبات إن إيران «وافقت على كل شيء»، وإن الاتفاق قد يتم «خلال يوم أو يومين»، وإنه «لا يعتقد بوجود خلافات جوهرية كثيرة».

وفي 20 أبريل، كتب على «تروث سوشال» إن «كل ذلك سيحدث، وبسرعة نسبية».

وبحلول 30 أبريل، قال إن إيران «لا تزال تتوق بشدة لإبرام اتفاق». وفي الأول من مايو (أيار)، ربط قرب انتهاء الحرب بانخفاض أسعار النفط، قائلاً إن ذلك «لا ينبغي أن يستغرق طويلاً».

وفي 18 مايو، أعلن تعليق الضربات العسكرية ليومين أو ثلاثة، مشيراً إلى أنَّ الحلفاء الإقليميين «يقتربون جداً» من اتفاق. وأقرَّ حينها بأنَّ محاولات سابقة بدت قريبة ثم لم تنجح، لكنه قال: «هذه المرة الأمر مختلف بعض الشيء». وفي اليوم التالي، قال لأعضاء في الكونغرس: «سننهي هذه الحرب بسرعة كبيرة».

وفي 23 مايو، عاد ترمب إلى الحديث عن اقتراب الاتفاق، قائلاً إنَّ الإدارة «تقترب كثيراً» من الهدف، وإن «اللمسات النهائية» فقط لا تزال قيد البحث، متوقعاً إعلاناً «قريباً».

وفي 28 مايو، قال في مقابلة تلفزيونية، مع لارا ترمب، إنَّ الأمور باتت «قريبة جداً من اتفاق جيد للغاية». ويوم 6 يونيو (حزيران)، قال لموقع «أكسيوس»: «نحن قريبون جداً من اتفاق نهائي مع إيران... ولا أريد أن تنهار الأمور بسبب ما يحدث الآن».

الحرب مع إيران نزهة

وعندما سُئل ترمب عمّا إذا كان الصراع، الذي وصفه في بدايته بأنَّه «قصير»، تحوَّل إلى حرب لا تنتهي، قال إنه لا يحب «الحروب التي لا تنتهي»، لكنه أصرَّ على أنَّ الأمر «سينتهي قريباً جداً».

تواصل أسعار النفط العالمية ارتفاعها مع استمرار المحادثات المتعثرة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إغلاق مضيق «هرمز» مما أدى إلى قفزة في أسعار النفط وفرض أعباء مالية على ملايين الأشخاص (أ.ف.ب)

وفي اليوم نفسه، قال إن الطرفين أصبحا قريبَين جداً من اتفاق، مع إقراره بأنَّ تجدُّد تبادل النار بين إسرائيل وإيران يهدِّد بعرقلة المسار. وخلال تجمع انتخابي عبر الهاتف، الاثنين، توقَّع تحقيق «نصر كامل» خلال أسبوعين، قائلاً: «نحن نتفاوض الآن. إنهم يريدون إبرام اتفاق جيد للغاية، وهم مستعدون لمنحنا كل شيء».

وأبدى ترمب انزعاجه من الانتقادات التي تطال الحرب وتصريحاته المتكرِّرة عن قرب الاتفاق، فهاجم منتقديه عبر «تروث سوشال»، قائلاً إن خصومه «يثرثرون» بين مطالبته بالتحرُّك أسرع أو أبطأ، أو خوض الحرب أو تجنبها، داعياً إياهم إلى «الاسترخاء والهدوء»، ومؤكداً أنَّ الأمور ستنتهي «على خير».

ولا تزال التساؤلات قائمةً حول ما إذا كانت تصريحات ترمب المتكرِّرة ستتحوَّل إلى اتفاق ملموس ومستدام.

ويرى بعض المحللين أنَّ إصراره على التبشير بقرب الاتفاق، أكثر من 37 مرة، يرتبط بتراجع شعبيته وشعبية الجمهوريين مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، ومحاولة تهدئة الغضب الداخلي من ارتفاع الأسعار وأزمة الطاقة.

ويرى آخرون أنه يسعى إلى تهدئة أسواق النفط، التي تتأثر صعوداً وهبوطاً بتصريحاته؛ فبعد تصريحاته صباح الثلاثاء، تراجعت العقود الآجلة لخام برنت 1.3 في المائة إلى 93.02 دولار للبرميل.