بولتون يُسلّم نفسه بعد اتهامه بإفشاء معلومات سرية

رفض مزاعم مخالفة القانون واتّهم الإدارة بإساءة استخدام السلطة

بولتون لدى مشاركته في اجتماع لترمب مع أمين عام «الناتو» آنذاك ينس ستولتنبرغ - مايو 2018 (أ.ف.ب)
بولتون لدى مشاركته في اجتماع لترمب مع أمين عام «الناتو» آنذاك ينس ستولتنبرغ - مايو 2018 (أ.ف.ب)
TT

بولتون يُسلّم نفسه بعد اتهامه بإفشاء معلومات سرية

بولتون لدى مشاركته في اجتماع لترمب مع أمين عام «الناتو» آنذاك ينس ستولتنبرغ - مايو 2018 (أ.ف.ب)
بولتون لدى مشاركته في اجتماع لترمب مع أمين عام «الناتو» آنذاك ينس ستولتنبرغ - مايو 2018 (أ.ف.ب)

في مشهد يختلط فيه القانون بالسياسة، سلّم جون بولتون، أحد أبرز رموز «الصقور» الجمهوريين، نفسه للسلطات الفيدرالية بولاية ماريلاند، الجمعة، لمواجهة اتهامات تتعلق بتسريب وحيازة معلومات دفاعية سرية.

ويأتي مثول بولتون أمام القضاء بعد يوم من توجيه هيئة محلفين فيدرالية 18 تهمة إليه، تتعلق بـ«نقل وحيازة معلومات تتعلق بالدفاع الوطني». وهي تهم قد تصل عقوبتها إلى السجن 10 سنوات لكل منها، ليصبح ثالث خصم بارز للرئيس الأميركي يُلاحق قضائياً خلال أسابيع، بعد المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي، والمدعية العامة في نيويورك ليتيسيا جيمس.

ويُعزّز هذا التطور المخاوف من أن إدارة ترمب الثانية تمضي في حملة تصفية حسابات ضد خصومها السابقين، مستخدمة أدوات الدولة الفيدرالية لتقويضهم قانونياً وسياسياً.

اتهامات ثقيلة واستسلام صامت

بولتون، البالغ 76 عاماً الذي شغل منصب المستشار السابق للأمن القومي في إدارة دونالد ترمب الأولى، وصل إلى مبنى المحكمة الفيدرالية في غرينبيلت بولاية ماريلاند صباح الجمعة بصمت، دون أن يدلي بتصريحات للصحافة قبل مثوله أمام القاضي في أولى جلسات القضية، بحسب «أسوشييتد برس».

بولتون لدى وصوله إلى المحكمة في غرينبيلت بولاية ماريلاند - يوم 17 أكتوبر (أ.ب)

ووفق لائحة الاتهام، يواجه بولتون 8 تهم تتعلق بنقل معلومات دفاعية، و10 أخرى تتصل بالاحتفاظ بها، في انتهاك لقانون التجسس الأميركي. ويتّهمه المُدّعون بإرسال ملاحظات تحتوي على معلومات سرية إلى زوجته وابنته أثناء تحضيره كتابه الذي صدر لاحقاً عام 2020 بعنوان «الغرفة التي حدث فيها ذلك»، وتضمينها تفاصيل من اجتماعات استخباراتية ومداولات مع قادة أجانب. كما يؤكدون أن بولتون استخدم بريده الإلكتروني الشخصي عبر «إيه أو إل» لمراسلات تضمّنت مواد مُصنّفة «سرية» أثناء عمله في البيت الأبيض بين عامي 2018 و2019، وأن حسابه تعرّض لاحقاً للاختراق من جهة يُعتقد أنها تابعة لإيران. كما اتُّهم بطباعة مواد سرية والاحتفاظ بها في منزله في بيثيسدا، الذي فتّشه مكتب التحقيقات الفيدرالي هذا العام.

لكن محاميه آبي لويل قال إن بولتون «لم يخالف القانون ولم يشارك أي معلومات مصنفة سرية»، مضيفاً أن القضية «تُعيد فتح ملف طُوي منذ سنوات»، بينما شدد بولتون في بيان، على أنه «سيدافع عن تصرفاته القانونية، ويكشف إساءة استخدام ترمب للسلطة».

خلفيات سياسية

رغم أن التحقيق الأصلي بدأ في عام 2022 خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، تشير تسريبات من داخل وزارة العدل إلى أن البيت الأبيض مارس ضغوطاً لتسريع تقديم لائحة الاتهام. ويؤكد مسؤولون سابقون أن الرئيس ترمب كثّف خلال الأسابيع الماضية، اتصالاته بوزيرة العدل بام بوندي، مُطالباً بـ«تحريك الملفات ضد الخونة»، في إشارة إلى بولتون وكومي وجيمس.

وعندما سُئل في البيت الأبيض عن اتهام مستشاره السابق، اكتفى ترمب بالقول: «إنه رجل سيئ، لكن هكذا تسير الأمور». تصريح مقتضب يختزل، بحسب مراقبين، فلسفة الرئيس في التعامل مع خصومه السياسيين.

شخصية محافظة بارزة

يُعدّ بولتون من أبرز الشخصيات الجمهورية المحافظة التي شغلت مناصب مؤثرة منذ إدارة رونالد ريغان وحتى جورج بوش الابن، حين تولى منصب المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة.

بولتون لدى مرافقته الرئيس الأميركي إلى قمة مجموعة السبع في كندا - 9 يونيو 2018 (أ.ف.ب)

واشتهر بمواقفه المتشددة حيال إيران وكوريا الشمالية، ورفضه الدبلوماسية متعددة الأطراف، ما جعله يوصف بأنه «رمز المدرسة الواقعية المتشددة» في واشنطن. لكن العلاقة بينه وبين ترمب انهارت في سبتمبر (أيلول) 2019، إثر خلافات حول السياسة تجاه طهران وبيونغ يانغ وموسكو. وبعد إقالته، نشر بولتون كتاباً فجّر عاصفة سياسية، وصف فيه ترمب بأنه «غير مؤهل للقيادة، ومندهش من العالم»، وهو ما عُدّ آنذاك شهادة داخلية تدين أداء الرئيس في السياسة الخارجية. ومنذ ذلك الحين، صار بولتون هدفاً مفضلاً لهجمات ترمب، الذي وصفه مراراً بأنه «مريض وفاشل وحاقد».

عدالة انتقائية أم معركة نفوذ؟

في الظاهر، تشير وثائق الاتهام إلى وجود أساس قانوني أقوى مما واجه به القضاء خصوماً آخرين لترمب، مثل كومي وجيمس. غير أن الطابع الانتقائي للاتهامات يثير تساؤلات حول استقلالية القضاء الفيدرالي، بعد إقدام ترمب على استبدال موالين له داخل وزارة العدل بعدد من كبار المدعين.

بولتون لدى وصوله إلى المحكمة في غرينبيلت بولاية ماريلاند - يوم 17 أكتوبر (أ.ب)

في المقابل، يرى بعض المراقبين أن توقيع لائحة الاتهام من قبل المدعية الفيدرالية في ماريلاند كيلي هايز، وهي معروفة باستقلاليتها، يمنح القضية مظهراً من المهنية، حتى إن كان توقيت الاتهام يخدم أجندة سياسية، وفق منتقدي الرئيس.

ويعتقد خصوم ترمب أن قضية بولتون تتجاوز شخصه، لتتحول إلى اختبار لمدى صمود المؤسسات الأميركية أمام «نزعة استخدام أدوات الدولة سلاحاً سياسياً». فالرجل الذي كان يوماً أحد أبرز وجوه المؤسسة الأمنية الأميركية، يُحاكم اليوم بالتهم نفسها التي وُجهت إلى ترمب نفسه قبل عامين، عندما اتُّهم بحيازة وثائق دفاعية سرية، قبل أن تسقط القضية ضده لأسباب إجرائية.

بولتون لدى مشاركته في اجتماع بين ترمب ورئيس الوزراء الهولندي مارك روته في البيت الأبيض - 2 يوليو 2018 (أ.ف.ب)

هذه المفارقة العميقة تختصر المشهد الأميركي الراهن: رئيس يسعى إلى تثبيت سلطته من خلال ملاحقة خصومه، ورجال دولة سابقون يجدون أنفسهم أسرى لعبة «الولاء أو الانتقام».

وتكشف قضية جون بولتون عمق الانقسام داخل الحزب الجمهوري بين «صقور الماضي» و«رجال الولاء المطلق». وفي واشنطن اليوم، لم يعد السؤال عما إذا كان بولتون مذنباً أم بريئاً، بل عمّا إذا كانت مؤسسات الدولة قادرة على البقاء محايدة في وجه التجاذبات السياسية الحادّة التي تهيمن على أركان السلطة الأميركية.


مقالات ذات صلة

ترمب يعتزم حضور منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا الأسبوع المقبل

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقائه مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة «إير فورس ون» المتجهة من فلوريدا إلى واشنطن بالولايات المتحدة 11 يناير 2026 (رويترز)

ترمب يعتزم حضور منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا الأسبوع المقبل

يشارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأسبوع المقبل، في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بجبال الألب السويسرية، وفق ما أعلن المنظمون، الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد باول ينظر إلى ترمب وهو يحمل وثيقة خلال جولة للأخير بمبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في يوليو (رويترز)

ترمب يهاجم باول مجدداً: أرقام التضخم منخفضة... وحان وقت خفض الفائدة «بشكل ملموس»

شن الرئيس الأميركي دونالد ترمب هجوماً لاذعاً على رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، واصفاً إياه بـ«المتأخر دائماً»، وذلك فور صدور بيانات التضخم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يلغي اجتماعاته مع مسؤولين إيرانيين ويتعهد بدعم المتظاهرين

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، إنه ألغى جميع اجتماعاته مع مسؤولين إيرانيين، احتجاجاً على ما وصفه بـ«القتل العبثي للمتظاهرين» في إيران.

هبة القدسي (واشنطن) «الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
المشرق العربي رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (إ.ب.أ)

تقرير: رئيس وزراء بريطانيا سيقبل مقعداً في مجلس ترمب لإدارة غزة

يُتوقع أن ينضم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى المجموعة التي يخطط لها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لترتيب الوضع في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ 
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

إدارة ترمب تصنف فروع «الإخوان» في مصر والأردن ولبنان منظمات إرهابية

أوفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتعهدها بتصنيف ثلاثة فروع لجماعة «الإخوان المسلمين» في الشرق الأوسط كمنظمات إرهابية، وفرضت عقوبات عليها وعلى أعضائها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب يعتزم حضور منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا الأسبوع المقبل

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقائه مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة «إير فورس ون» المتجهة من فلوريدا إلى واشنطن بالولايات المتحدة 11 يناير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقائه مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة «إير فورس ون» المتجهة من فلوريدا إلى واشنطن بالولايات المتحدة 11 يناير 2026 (رويترز)
TT

ترمب يعتزم حضور منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا الأسبوع المقبل

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقائه مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة «إير فورس ون» المتجهة من فلوريدا إلى واشنطن بالولايات المتحدة 11 يناير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقائه مع وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة «إير فورس ون» المتجهة من فلوريدا إلى واشنطن بالولايات المتحدة 11 يناير 2026 (رويترز)

يشارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأسبوع المقبل، في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بجبال الألب السويسرية، وفق ما أعلن المنظمون، الثلاثاء.

وقال رئيس المنتدى بورغ بريندي، خلال مؤتمر صحافي: «يسرُّنا أن نستقبل مجدداً الرئيس ترمب»، الذي «سيرافقه أكبر وفد» أميركي يشارك في المنتدى على الإطلاق، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

منظمون لمؤتمر دافوس الاقتصادي بينهم رئيس المنتدى بورغ بريندي (الثاني يساراً) يحضرون مؤتمراً صحافياً عن بُعد قبل الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في كولوني بالقرب من جنيف بسويسرا 13 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وفي عام 2025، وبعد فترة وجيزة من أدائه اليمين الدستورية لولاية ثانية رئيساً للولايات المتحدة، شارك ترمب، عبر تقنية الفيديو، في هذا الاجتماع السنوي الذي يضم النخب السياسية والاقتصادية في المنتجع السويسري.

وكان آخِر حضور شخصي له في عام 2020، خلال فترة ولايته الأولى.

وأكد بورغ بريندي أن الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، سيكون لها حضور قوي أيضاً عبر وفدٍ يرأسه نائب رئيس الوزراء.

صورة التقطتها طائرة مُسيّرة تُظهر مدينة دافوس قبيل انعقاد الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في سويسرا 9 ديسمبر 2025 (رويترز)

ومن المتوقع أيضاً أن يحضر المنتدى، الذي يُعقد من الاثنين 19 يناير (كانون الثاني) الحالي إلى الجمعة، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وستة من رؤساء دول وحكومات مجموعة السبع، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد.

تأسس المنتدى الاقتصادي العالمي عام 1971، ويجمع مئات المشاركين؛ بينهم قادة أعمال وسياسيون في منتجع يتحول إلى مركز مؤتمرات دولي لأسبوع.

وعنوان المنتدى، هذا العام، هو «روح الحوار»، ويتوقع، حتى الآن، أن يحضره 64 رئيس دولة وحكومة، و850 من قادة الأعمال، وفق المنظمين.


إدارة ترمب تصنف فروع «الإخوان» في مصر والأردن ولبنان منظمات إرهابية


مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

إدارة ترمب تصنف فروع «الإخوان» في مصر والأردن ولبنان منظمات إرهابية


مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

أوفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتعهدها بتصنيف ثلاثة فروع لجماعة «الإخوان المسلمين» في الشرق الأوسط كمنظمات إرهابية، وفرضت عقوبات عليها وعلى أعضائها.

وأعلنت وزارتا الخزانة والخارجية، اليوم الثلاثاء، عن هذه الإجراءات ضد فروع جماعة «الإخوان المسلمين» في لبنان والأردن ومصر، والتي قالتا إنها تشكل خطراً على الولايات المتحدة ومصالحها.

وصنفت وزارة الخارجية الفرع اللبناني منظمة إرهابية أجنبية، وهو أشد التصنيفات، ما يجعل تقديم الدعم المادي للجماعة جريمة جنائية. أما الفرعان الأردني والمصري، فقد أدرجتهما وزارة الخزانة ضمن قائمة المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة خصيصاً، وذلك لدعمهما حركة «حماس».


أميركا استخدمت طائرة سرية بتمويه يجعلها تبدو مدنية لاستهداف قارب في الكاريبي

لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
TT

أميركا استخدمت طائرة سرية بتمويه يجعلها تبدو مدنية لاستهداف قارب في الكاريبي

لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)

ذكرت تقارير إعلامية أن الجيش الأميركي استخدم طائرة سرية تم طلاؤها لتبدو كطائرة مدنية في أول هجوم على قارب يشتبه في قيامه بتهريب المخدرات في الكاريبي.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز»، الاثنين، نقلاً عن أشخاص على صلة بالأمر بأنه تم تحميل الذخائر داخل الطائرة بدلاً من أسفل الجناحين، حتى لا يتم رؤيتها.

ووفقاً للإحصاءات الرسمية، لقي 11 شخصاً حتفهم في الهجوم. وقال ستيفن جيه ليبير، الخبير القانوني السابق بالقوات الجوية الأميركية، للصحيفة، إن تنفيذ هجوم بواسطة طائرة تبدو غير عسكرية سيصنَّف على أنه جريمة حرب وفقاً لمعايير الصراع المسلح.

وقال أشخاص شاهدوا مقطع فيديو للهجوم للصحيفة إن الطائرة كانت تحلّق على ارتفاع منخفض للغاية بحيث تمكن الذين على متن القارب من رؤيتها بوضوح.

وقال مسؤولون أميركيون إن شخصين نجَوَا من الهجوم الأول في سبتمبر (أيلول) الماضي، ولكن قُتلا في هجوم لاحق. وأثار هذا الهجوم اللاحق بالفعل اتهامات في الولايات المتحدة بأنه ربما يكون قد تم ارتكاب جريمة حرب.

جدل قانوني حول «الخداع الحربي»

ويكتسب المظهر غير العسكري للطائرة أهمية خاصة، حسب مختصين في القانون؛ لأن الإدارة الأميركية جادلت بأن الهجمات القاتلة على القوارب قانونية وليست جرائم قتل، على أساس أن الرئيس ترمب «قرر» أن الولايات المتحدة في حالة نزاع مسلح مع عصابات المخدرات.

غير أن قوانين النزاعات المسلحة تحظر على المقاتلين التظاهر بالصفة المدنية لخداع الخصم ودفعه إلى خفض حذره، ثم مهاجمته وقتله. ويُعدّ هذا الفعل جريمة حرب تُعرف باسم «الغدر» (Perfidy).

تحذيرات من ارتكاب جريمة حرب

وقال اللواء المتقاعد ستيفن جي. ليبر، النائب السابق للقاضي العام في سلاح الجو الأميركي، إن طلاء الطائرة بطريقة تخفي طبيعتها العسكرية، واقترابها بما يكفي ليتمكن من كانوا على متن القارب من رؤيتها؛ ما يجعلهم لا يدركون ضرورة اتخاذ إجراءات تفادٍ أو الاستسلام للبقاء على قيد الحياة، يُعدّ جريمة حرب وفق معايير النزاعات المسلحة.

وأضاف: «إخفاء الهوية عنصر من عناصر الغدر. إذا لم تكن الطائرة التي تحلّق في الجو قابلة للتعرّف على أنها طائرة مقاتلة، فلا ينبغي أن تشارك في أعمال قتالية».

تفاصيل الهجوم الأول

وحسب مسؤولين اطّلعوا على تسجيلات المراقبة المصورة للهجوم أو أُحيطوا علماً بها، حلّقت الطائرة على ارتفاع منخفض بما يكفي ليشاهدها من كانوا على متن القارب. ويبدو أن القارب استدار عائداً باتجاه فنزويلا بعد رؤية الطائرة، وذلك قبل الضربة الأولى.

وفي وقت لاحق، ظهر اثنان من الناجين من الهجوم الأول وهما يلوّحان للطائرة بعد أن تسلقا جزءاً مقلوباً من هيكل القارب. لكن الجيش قتلهما في ضربة لاحقة أغرقت أيضاً ما تبقى من الحطام. ولم يتضح ما إذا كان الناجيان يعلمان أن الانفجار الذي أصاب قاربهما كان ناجماً عن هجوم صاروخي.

ومنذ ذلك الحين، انتقل الجيش الأميركي إلى استخدام طائرات ذات طابع عسكري واضح في ضرب القوارب، بما في ذلك طائرات «إم كيو - 9 ريبر» المسيّرة، على الرغم من عدم وضوح ما إذا كانت هذه الطائرات تحلّق على ارتفاع منخفض يسمح برؤيتها.

وفي هجوم على قارب في أكتوبر (تشرين الأول)، سبح اثنان من الناجين من الضربة الأولى بعيداً عن الحطام؛ ما حال دون مقتلهما في ضربة متابعة استهدفت بقايا القارب. وقد أنقذهما الجيش وأعادهما إلى بلديهما، كولومبيا والإكوادور.

الغدر في أدلة الجيش الأميركي

وتتناول الأدلة العسكرية الأميركية الخاصة بقانون الحرب مسألة الغدر بإسهاب، مشيرة إلى أنه يشمل الحالات التي يتظاهر فيها المقاتل بالصفة المدنية بما يدفع الخصم إلى «إهمال اتخاذ الاحتياطات الضرورية».

ويؤكد دليل البحرية الأميركية أن المقاتلين الشرعيين في البحر يستخدمون القوة الهجومية «ضمن حدود الشرف العسكري، ولا سيما من دون اللجوء إلى الغدر»، ويشدد على أن القادة لديهم «واجب» يتمثل في «تمييز قواتهم عن السكان المدنيين».

نقاشات سرية في الكونغرس

وأفاد أشخاص مطلعون على الأمر بأن تساؤلات حول احتمال وقوع غدر طُرحت في إحاطات مغلقة داخل الكونغرس قدمها قادة عسكريون، لكنها لم تُناقش علناً بسبب سرية الطائرة المستخدمة. وتركز الجدل العام بدلاً من ذلك على الضربة اللاحقة التي قتلت الناجين الاثنين، رغم حظر قانون الحرب استهداف الغرقى.

وامتنعت الدائرة الإعلامية في قيادة العمليات الخاصة الأميركية، التي كان قائدها الأدميرال فرنك إم. برادلي قد أدار العملية في 2 سبتمبر، عن التعليق على طبيعة الطائرة المستخدمة.

غير أن البنتاغون شدد في بيان على أن ترسانته خضعت لمراجعات قانونية لضمان الامتثال لقوانين النزاعات المسلحة.

وقال كينغسلي ويلسون، المتحدث باسم البنتاغون، رداً على أسئلة صحيفة «نيويورك تايمز»: «يستخدم الجيش الأميركي مجموعة واسعة من الطائرات القياسية وغير القياسية حسب متطلبات المهام. وقبل إدخال أي طائرة إلى الخدمة واستخدامها، تخضع لعملية اقتناء صارمة لضمان الامتثال للقانون المحلي، وسياسات ولوائح الوزارة، والمعايير الدولية المعمول بها، بما في ذلك قانون النزاعات المسلحة».

بدورها، أصدرت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، بياناً لم يتناول بشكل مباشر مسألة الغدر، لكنها دافعت عن الضربة، قائلة إنها جاءت بتوجيه من ترمب لاستهداف «تهريب المخدرات وأنشطة الكارتلات العنيفة»، وأضافت: «الضربة كانت متوافقة تماماً مع قانون النزاعات المسلحة».

غموض حول نوع الطائرة

ولا يزال نوع الطائرة المستخدمة غير واضح. ففي حين أكد مسؤولون عدة أنها لم تكن مطلية باللون العسكري التقليدي، امتنعوا عن تحديد شكلها بدقة.

ونشر هواة رصد الطائرات صوراً على موقع «ريديت» في أوائل سبتمبر لطائرة بدا أنها إحدى طائرات «بوينغ 737» المعدلة التابعة للجيش، مطلية باللون الأبيض مع خط أزرق ومن دون علامات عسكرية، في مطار سانت كروا في جزر العذراء الأميركية.

وبغض النظر عن الطائرة المحددة، أقرّ ثلاثة أشخاص مطلعين على الأمر بأنها لم تكن مطلية باللون الرمادي العسكري المعتاد، وكانت تفتقر إلى العلامات العسكرية. لكنهم قالوا إن جهاز الإرسال الخاص بها كان يبث رقماً عسكرياً تعريفياً، أي يعلن هويتها العسكرية عبر الإشارات اللاسلكية.

طائرات بواجهات مدنية

ويشغّل الجيش الأميركي عدداً من الطائرات المبنية على هياكل مدنية، من بينها طائرات «بوينغ 737» معدلة وطائرات «سيسنا» توربينية، يمكنها إطلاق ذخائر من مخازن داخلية من دون تسليح خارجي ظاهر. وعادة ما تُطلى هذه الطائرات باللون الرمادي وتحمل علامات عسكرية، غير أن مواقع عسكرية وأخرى متخصصة برصد الطائرات تُظهر أن عدداً قليلاً منها مطلي باللون الأبيض وبعلامات محدودة.

حصيلة القتلى والجدل القانوني

وقتل الجيش الأميركي ما لا يقل عن 123 شخصاً في 35 هجوماً على قوارب، من بينها ضربة 2 سبتمبر.

وقال طيف واسع من المختصين في قوانين استخدام القوة إن أوامر ترمب وهيغسيث بمهاجمة القوارب غير قانونية، وإن عمليات القتل ترقى إلى جرائم قتل. فالجيش غير مخول استهداف مدنيين لا يشكلون تهديداً وشيكاً، حتى لو كانوا مشتبهين بارتكاب جرائم.

في المقابل، تجادل الإدارة بأن الضربات قانونية، وأن من كانوا على متن القوارب «مقاتلون»؛ لأن ترمب قرر أن الوضع يشكل نزاعاً مسلحاً غير دولي، أي حرباً ضد جهات غير حكومية، بين الولايات المتحدة وقائمة سرية تضم 24 عصابة إجرامية وكارتلاً للمخدرات صنّفهم إرهابيين.