إيران تقصف إسرائيل ردا على قصف ضاحية بيروت

منظومة القبة الحديدية في إسرائيل تتصدى لصواريخ إيرانية (أرشيفية-رويترز)
منظومة القبة الحديدية في إسرائيل تتصدى لصواريخ إيرانية (أرشيفية-رويترز)
TT

إيران تقصف إسرائيل ردا على قصف ضاحية بيروت

منظومة القبة الحديدية في إسرائيل تتصدى لصواريخ إيرانية (أرشيفية-رويترز)
منظومة القبة الحديدية في إسرائيل تتصدى لصواريخ إيرانية (أرشيفية-رويترز)

أطلق «الحرس الثوري» ​الإيراني، مساء اليوم الأحد، صواريخ باتجاه إسرائيل، بعد ساعات من غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، في تصعيد جديد يهدد بتوسيع رقعة المواجهة الإقليمية، فيما أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بتفعيل صفارات الإنذار في مناطق عدة.

وأكد التلفزيون الرسمي الإيراني إطلاق الصواريخ، ونقل عن القوات المسلحة قولها إن «الهجمات الإيرانية ستستمر إذا ردت إسرائيل على الهجمات الإيرانية أو لم توقف هجماتها على لبنان».

وقال الجيش الإسرائيلي إنه اعترض جميع الصواريخ التي أطلقت من إيران، لكنه حذر من أن «الدفاع ليس محكماً بالكامل»، مشيراً إلى دوي صفارات الإنذار في مناطق عدة. وسمعت انفجارات عدة في شمال إسرائيل، من دون تقارير فورية عن خسائر أو أضرار.

وأعلن «الحرس الثوري» في بيان رسمي مسؤوليته عن إطلاق صواريخ باليستية، مشيراً إلى استهداف قاعدة «رامات ديفيد» الجوية الإسرائيلية بصواريخ باليستية، رداً على ما وصفه بـ«الجرائم الواسعة» في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت.

وجاء في بيان «الحرس الثوري»، أن القاعدة التي وصفها بأنها «منطلق الاعتداءات» استُهدفت بصواريخ باليستية تابعة لـ«الوحدة الصاروخية في (الحرس الثوري)».

وأضاف أن قبول إيران وقف إطلاق النار في 8 أبريل كان مشروطاً بوقف النار على جميع الجبهات، متهماً الولايات المتحدة وإسرائيل بعدم الالتزام بتعهداتهما، وبمواصلة العمليات في لبنان، وتكرار الاعتداء على السواحل والسفن الإيرانية في مضيق هرمز وبحر عمان والمحيط الهندي.

ووصف البيان العملية بأنها «إنذار»، محذراً من أن تكرار الهجمات على الضاحية الجنوبية في بيروت سيقابل بردود «أوسع» تشمل «جميع الأهداف الأميركية - الإسرائيلية في المنطقة».

وبالتوازي، قال متحدث باسم «عمليات هيئة الأركان المشتركة» الإيرانية إن إسرائيل استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت بعد «تجاوز جميع الخطوط الحمراء» وتوسيع هجماتها في جنوب لبنان، رغم التحذيرات الإيرانية السابقة.

وأضاف أن طهران كانت قد حذرت من استهداف أهداف داخل إسرائيل إذا توسعت العمليات العسكرية في الضاحية الجنوبية لبيروت. ودعا الجيش الإسرائيلي إلى وقف هجماته على جنوب لبنان والضاحية، محذراً من أن توسيع العمليات أو الرد على الهجوم الإيراني سيقابل بـ«ضربات أشد وأكثر إيلاماً»، وقد يؤدي إلى «هجمات مدمرة» ضد إسرائيل وداعميها.

وشوهدت الصواريخ وهي تنطلق في أجواء مدينة كرمانشاه، غرب إيران، التي تضم قواعد صاروخية تحت الأرض وفي مناطق جبلية.

وأفادت صحيفة «إيران» الحكومية بسماع أصوات مقاتلات في أجواء طهران، موضحة أن ذلك ناتج عن نشاط طائرات تابعة للجيش الإيراني.

وقال محسن رضائي، مستشار المرشد الإيراني والقيادي في «الحرس الثوري»، إن طهران كانت قد أعلنت مراراً أنها «لن تتحمل انتهاك وقف إطلاق النار والاعتداء على لبنان»، مضيفاً أن «المعتدين تلقوا ردهم الليلة».

وأضاف رضائي، في منشور على منصة «إكس»، أن الرد الإيراني «يحمل طابعاً تحذيرياً»، محذراً من أن أي تحرك جديد سيواجه «رداً أشد وأكثر كلفة».

ودعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، إيران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات وإبرام اتفاق، وذلك بعد ساعات من التصعيد العسكري بين طهران وإسرائيل.

وأضاف ترمب، في تصريحات لشبكة «فوكس نيوز»، أنه «غير سعيد» بالضربة الإسرائيلية التي استهدفت بيروت اليوم، معتبراً أن الوقت حان لوقف التصعيد بعد تبادل الضربات بين الجانبين.

وأعلنت إسرائيل إغلاق جميع المدارس في البلاد الاثنين، عقب إطلاق إيران صواريخ على أراضيها. وجاء في بيان مشترك صادر عن وزارة التربية والتعليم وقيادة الجبهة الداخلية التابعة للجيش «بعد تقييم الوضع... لا يمكن إجراء الأنشطة التعليمية».

وقبيل الهجوم، قالت القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط (سنتكوم) إن القوات الأميركية في الشرق الأوسط «تبقى يقظة ومستعدة».

ويأتي الهجوم الإيراني بعدما توعّدت طهران بالرد على الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، التي أسفرت عن سقوط قتيلين وإصابة نحو 20 شخصاً، بحسب وزارة الصحة اللبنانية.

ووصفت إسرائيل هجماتها على الضاحية الجنوبية لبيروت بأنها جاءت رداً على استهداف «حزب الله» شمالي إسرائيل في وقت سابق من اليوم ذاته.

ويأتي التصعيد بينما تحاول باكستان استئناف المحادثات بين طهران وواشنطن، إذ زار وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إيران حاملاً رسالة من قائد الجيش عاصم منير إلى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي.

وجعلت طهران من التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» شرطا لأي اتفاق سلام مع واشنطن لإنهاء الحرب الإقليمية، التي دخلت شهرها الرا بع، واستئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

في الأثناء، تلقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير.

وذكرت الخارجية الإيرانية في بيان، أن الاتصالات تناولت آخر التطورات الإقليمية بعد الرد الإيراني على ما وصفته طهران بـ«الانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار في لبنان» من جانب إسرائيل.

وفي وقت سابق اليوم، أفاد التلفزيون الرسمي نقلاً عن «عمليات هيئة الأركان المشتركة» الإيرانية قولها إن الهجوم الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت «لن يبقى من دون رد»، وذلك بعد وقت قصير من إعلان إسرائيل استهداف «مركز قيادة» تابع لـ«حزب الله» في المنطقة، رداً على هجمات من الحزب على شمال إسرائيل.

وقال كبير المفاوضين الإيرانيين ورئيس ​البرلمان محمد باقر قاليباف قال إن الحصار البحري المفروض على إيران و«الضوء الأخضر» الذي منحته ‌الولايات المتحدة ​لإسرائيل، يحولان ‌القواعد والأصول ​الأميركية والإسرائيلية في المنطقة إلى أهداف مشروعة لإيران.

وجاءت تصريحات قاليباف، التي أوردها في منشور على موقع ‌«إكس»، ‌في أعقاب هجمات ​إسرائيلية ‌على الضاحية ‌الجنوبية لبيروت، معقل «حزب الله»، حليف إيران في لبنان.

وأضاف قاليباف، ‌في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل «إنهما لا تلتزمان بوقف إطلاق النار ولا تؤمنان بالحوار، أظهرتا من خلال الحصار البحري وانتهاك الاتفاقيات المتعلقة بلبنان أنهما ​لا تفهمان ​إلا لغة القوة».

بدوره، قال محمد مخبر، مستشار المرشد الإيراني، إن «العدو» قصف لبنان في وقت وجود الوسيط في إيران، معتبراً أنه «أحرق طاولة التفاوض للمرة الثالثة» وأظهر تكرار انتهاك وقف إطلاق النار «في جميع الساحات».

وكتب النائب المتشدد، إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان، على منصة «إكس» أن طهران ستوجه «رداً حاسماً ومؤلماً»، مضيفاً: «ترقبوا الليلة سماء الأراضي المحتلة».

وهذا الاتفاق مشروط بوقف «حزب الله» لهجماته التي يقول إنها رد على مواصلة الدولة العبرية احتلال أراض والتقدم برا في الجنوب وشنّ غارات.كانت الولايات المتحدة أعلنت للمرة الأولى وقفا لاتفاق النار بين لبنان وإسرائيل اعتبارا من 17 أبريل (نيسان)، لكنه لم يغيّر في أرض الواقع. ويتبادل الحزب وإسرائيل الاتهام بخرقه يومياً.


مقالات ذات صلة

تقارير: استمرار جهود التوسط في محادثات بين إيران والولايات المتحدة

شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مجتمعاً بقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران في 23 مايو (إ.ب.أ)

تقارير: استمرار جهود التوسط في محادثات بين إيران والولايات المتحدة

قالت مصادر في دوائر الأمن الباكستانية، الجمعة، إن طهران تعمل باتجاه حل دبلوماسي للصراع مع واشنطن رغم أحدث هجمات أميركية على إيران.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
شؤون إقليمية ناقلة نفطية تمر بمضيق «هرمز» في وقت سابق من شهر مايو 2026 (رويترز)

«فقرة غامضة» تُلغّم مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران

لم تعد أزمة مضيق «هرمز» مجرد مواجهة بحرية عابرة. فالنصُّ الغامض في الفقرة الخامسة من مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية تحوَّل إلى عنصر اشتباك بين الطرفين.

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم العربي لقاء سابق لوزير الخارجية المصري مع نظيره الكويتي بالقاهرة في أبريل الماضي (الخارجية المصرية)

مصر تتمسك بـ«وحدة المصير العربي» لمواجهة أزمات المنطقة

أكدت مصر تمسكها بـ«وحدة المصير العربي» في مواجهة أزمات المنطقة، وذلك إثر تجدد الاعتداءات الإيرانية على الكويت والبحرين والأردن وقطر خلال الأيام الماضية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

مسؤول بـ«المركزي الأوروبي»: تجدد الحرب يعيدنا إلى «نقطة الصفر» في معركة التضخم

قال يانيس ستورناراس، عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، يوم الجمعة، إنَّ البنك عاد إلى «نقطة الصفر» في معركته لمواجهة التضخم المرتفع في منطقة اليورو.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يتحدث إلى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بحضور قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير قبيل الاجتماع الرباعي في منتجع بورغنشتوك بسويسرا (رويترز) p-circle

تقرير: وسطاء إقليميون يسعون لإنقاذ الاتفاق بين أميركا وإيران

قال موقع «أكسيوس» الأميركي إن قطر وباكستان ووسطاء إقليميين آخرين يسعون إلى تهدئة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران وإحياء المفاوضات بشأن اتفاق نووي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

تقارير: استمرار جهود التوسط في محادثات بين إيران والولايات المتحدة

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مجتمعاً بقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران في 23 مايو (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مجتمعاً بقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران في 23 مايو (إ.ب.أ)
TT

تقارير: استمرار جهود التوسط في محادثات بين إيران والولايات المتحدة

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مجتمعاً بقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران في 23 مايو (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مجتمعاً بقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران في 23 مايو (إ.ب.أ)

قالت مصادر في دوائر الأمن الباكستانية، الجمعة، إن طهران تعمل باتجاه حل دبلوماسي للصراع مع واشنطن رغم أحدث هجمات أميركية على إيران.

وأوضحت مصادر مطلعة في إسلام آباد، لـ«وكالة الأنباء الألمانية» أن الجانب الإيراني طلب من باكستان، التي تقوم بدور الوسيط، أن تبلغ الولايات المتحدة باستعدادها للتفاوض. وقيل إن المناقشات أجريت من خلال الكثير من القنوات بين الدولتين الجارتين. ومن بين التطورات الأخرى، أن اجتماعاً عُقد بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والقائد العسكري الباكستاني عاصم منير استمر حتى وقت متأخر من ليلة أمس.

وأضافت المصادر أن الجانب الإيراني أعرب أيضاً عن عدم يقينه بشأن كيف ستتصرف الفصائل المتشددة داخل البلاد في المستقبل. وخلال المساء، أشار الجانب الأميركي أيضا إلى استعداده لإجراء المزيد من المحادثات. وقال مسؤول حكومي، لـ«وكالة الأنباء الألمانية»: «لا تزال الولايات المتحدة ملتزمة بالتوصل لحل وأن المحادثات الفنية مستمرة».

وشن الجيش الأميركي، الأسبوع الحالي، موجات عدة من الهجمات ضد أهداف في إيران. وبررت واشنطن ذلك بأنه رد على استهداف إيران للسفن التجارية.


«فقرة غامضة» تُلغّم مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران

ناقلة نفطية تمر بمضيق «هرمز» في وقت سابق من شهر مايو 2026 (رويترز)
ناقلة نفطية تمر بمضيق «هرمز» في وقت سابق من شهر مايو 2026 (رويترز)
TT

«فقرة غامضة» تُلغّم مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران

ناقلة نفطية تمر بمضيق «هرمز» في وقت سابق من شهر مايو 2026 (رويترز)
ناقلة نفطية تمر بمضيق «هرمز» في وقت سابق من شهر مايو 2026 (رويترز)

لم تعد أزمة مضيق «هرمز» مجرد مواجهة بحرية عابرة بين واشنطن وطهران، ولا تفصيلاً أمنياً في هامش الحرب الأوسع. فالنص الغامض في الفقرة الخامسة من مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية بات، عملياً، مركز الاشتباك السياسي والعسكري والدبلوماسي.

وتحوَّلت هذه الفقرة، التي كان يفترض أن تفتح الطريق أمام استعادة الملاحة، إلى مساحة صراع على معنى «الترتيبات الإيرانية» وحدود الدور الأميركي، وعلى مَن يملك حقَّ إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ولم تنهِ الضربات الأميركية الأخيرة على إيران، وإن كانت شديدة ومحددة وطالت خصوصاً مواقع لـ«الحرس الثوري» ومنظومات دفاع جوي ومخازن صواريخ ومسيّرات، المسار التفاوضي بالكامل. فقد حرصت واشنطن، بعد التصعيد، على القول إن المحادثات الفنية مستمرة، وإنها لا تزال ملتزمةً بإيجاد حل، لكنها أرفقت ذلك برسالة قوة أكثر وضوحاً: «الهجمات على السفن التجارية لم تعد تُقرأ بوصفها خرقاً تكتيكياً، بل بوصفها (أعمالاً إرهابية) وفشلاً إيرانياً في الالتزام بمذكرة تقوم على الأداء لا على النيات»، بحسب المسؤولين الأميركيين.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يعرض في طهران نسخةً موقّعةً من مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة... 18 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

ليست أداة تهدئة... بل نزاع

نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين قولهم إن جوهر الخلاف يكمن في صياغة الفقرة الخامسة التي تنصُّ على أنَّ إيران ستبذل «أفضل جهودها» لتأمين مرور السفن التجارية من الخليج إلى بحر عمان وبالعكس. وذلك من دون رسوم لمدة 60 يوماً فقط، وأن حركة الملاحة ستبدأ فوراً مع إزالة العوائق التقنية والعسكرية ونزع الألغام خلال 30 يوماً. كما تنصُّ على حوار بين إيران وسلطنة عمان، بالتشاور مع الدول المشاطئة، لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في المضيق وفق القانون الدولي وحقوق الدول الساحلية.

وقرأت واشنطن هذه الصياغة على أنَّها تعهد إيراني بفتح المضيق وإزالة العوائق التي عطّلت الملاحة. أما طهران، وخصوصاً تيارها المتشدد و«الحرس الثوري»، فتعاملت معها بوصفها اعترافاً أميركياً بدور قيادي لإيران في إدارة الممر، وربما مدخلاً لفرض ترتيبات مرور ورسوم وخدمات تأمين عبر سلطة إيرانية جديدة. لم تعد المشكلة في النص وحده، بل في أنه ترك لكل طرف مساحة كافية لتقديم تفسيره كأنه المعنى الأصلي للتفاهم.

هذا الغموض كان مفيداً لحظة التوقيع، لأنه سمح بتمرير اتفاق أولي في ظرف ضاغط. لكنه أصبح عبئاً بعد التنفيذ. فالطرفان وافقا على لغة عامة، على أمل أن يفرضا تفسيريهما لاحقاً. ومع غياب آلية واضحة لحل الخلافات، تحوَّلت الفقرة إلى مرجع متنازع عليه بدل أن تكون أداة تهدئة.

«هرمز» ورقة نفوذ

وبالنسبة إلى إيران، لا يتعلق مضيق «هرمز» فقط بمرور السفن، بل بمصدر نادر للنفوذ في لحظة ضغط عسكري واقتصادي. فالمضيق هو شريان رئيسي لصادرات النفط والغاز من الخليج، وأي قدرة على التأثير في حركته تمنح طهران ورقةً تفاوضيةً تتجاوز الملف البحري إلى النووي والعقوبات وترتيبات الأمن الإقليمي.

وبحسب الصحيفة، بدا إصرار إيران على المسار الشمالي القريب من سواحلها، ورفضها العملي للممر الجنوبي بمحاذاة عمان، جزءاً من معركة أوسع على الاعتراف بالدور. فقبول السفن بممر ترعاه أو تواكبه واشنطن يعني، في القراءة الإيرانية المتشددة، تقويض فكرة أن الفقرة الخامسة منحت طهران موقعاً مركزياً. لذلك جاءت الهجمات بالمسيّرات والصواريخ على سفن استخدمت المسار الجنوبي رسالةً سياسيةً بقدر ما هي عسكرية.

أما دول المنطقة، فتقرأ الأمر بعكس ذلك تماماً. فهي لا تريد أن يتحوَّل المضيق إلى مجال هيمنة إيرانية، ولا أن تصبح صادراتها النفطية والغازية رهينة تصاريح أو رسوم أو ترتيبات تفرضها طهران. لذلك دعمت مساراً أكثر التصاقاً بالمياه العمانية، وتحت مظلة دولية بهدف إعادة الملاحة إلى وضع أقرب لما كان قبل الحرب.

دوي انفجار بمدينة إيران شهر القريبة من الحدود الباكستانية (جنوبي شرق)... فجر 9 يوليو 2026 (تلغرام)

شراء الوقت لتغيير الواقع

تحوُّل موقف ترمب من التهدئة إلى الضرب لم يأتِ، وفق «وول ستريت جورنال»، نتيجة انهيار كامل للتفاوض، بل بسبب قناعة متزايدة بأنَّ إيران تستغل الغموض والمهل الزمنية لتثبيت أمر واقع في المضيق.

وقد كان الاجتماع الذي أبلغه فيه وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث باستهداف سفن تجارية بصواريخ «كروز» ومسيّرات لحظةً مفصليةً. وبافتراض أن السؤال الذي طرحه ترمب على مساعديه: هل لا تزال إيران جادة في الاتفاق النهائي؟ والإجابة التي تشكَّلت داخل غرفة القرار دفعت نحو الضرب.

وبدا أنَّ الرسالة الأميركية من الموجات الأخيرة كانت مزدوجة. فمن جهة، إلغاء جزء كبير من الحوافز التي تضمَّنها وقف إطلاق النار المؤقت، بما في ذلك امتيازات مرتبطة ببيع النفط الإيراني. ومن جهة أخرى، إضعاف القدرة العسكرية لـ«الحرس الثوري» على تهديد حرية الملاحة. وبذلك أرادت واشنطن إعادة التفاوض إلى «معادلة قوة» جديدة، لا يكون فيها الغموض اللغوي كافياً لمنح إيران اليد العليا في البحر.

لكن استمرار المحادثات الفنية بعد الضربات يكشف عن أنَّ الإدارة الأميركية لا تريد، حتى الآن، دفن المسار الدبلوماسي. هي تريد تعديله بالقوة، أو دفع إيران إلى تفسير أضيق للفقرة الخامسة: فتح المضيق وتأمين الملاحة أولاً، ثم بحث الإدارة والخدمات لاحقاً، لا العكس.

لقطة نشرتها «سنتكوم» تظهر دخاناً من موقع غير مُحدَّد بعد إعلان واشنطن موجة ضربات جديدة ضد إيران إثر هجمات على ناقلات في «هرمز» (رويترز)

غموض... ومزيد من الغموض

في المقابل، يطرح التصعيد سؤالاً أكثر تعقيداً عن مركز القرار داخل إيران. وبحسب محللين، فإنَّ غياب المرشد الحالي مجتبى خامنئي عن المشهد في هذه المرحلة الحساسة، يضيف طبقةً من الغموض إلى غموض مذكرة التفاهم نفسها. مَن يملك الكلمة الأخيرة في التفاوض؟ هل الحكومة المدنية؟ أم البرلمان وممثلو التفاوض؟ أم «الحرس الثوري»؟ أم مراكز ظل داخل النظام ترى في «هرمز» الأداة الأخيرة لمنع تراجع النفوذ؟

هذا السؤال مهم لأنَّ أي اتفاق لا تضمنه جهة قادرة على إلزام المؤسسات الأمنية والعسكرية سيبقى هشاً. فإذا كان «الحرس الثوري» يدفع نحو تفسير متشدد للفقرة الخامسة، بينما تواصل قنوات سياسية أو فنية الحديث مع واشنطن، فإنَّ الوسطاء سيواجهون مشكلةً جديةً: ليست فقط تقريب المواقف بين الولايات المتحدة وإيران، بل التأكد من أنَّ الطرف الإيراني الذي يوافق يستطيع تنفيذ ما يوافق عليه.


إيران تتوعد بضرب إسرائيل في حال مهاجمة بناها التحتية

نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي (القبة الحديدية) يطلق النار لاعتراض الصواريخ الإيرانية فوق تل أبيب (أ.ب)
نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي (القبة الحديدية) يطلق النار لاعتراض الصواريخ الإيرانية فوق تل أبيب (أ.ب)
TT

إيران تتوعد بضرب إسرائيل في حال مهاجمة بناها التحتية

نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي (القبة الحديدية) يطلق النار لاعتراض الصواريخ الإيرانية فوق تل أبيب (أ.ب)
نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي (القبة الحديدية) يطلق النار لاعتراض الصواريخ الإيرانية فوق تل أبيب (أ.ب)

توعَّد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بالرد على أي هجوم يستهدف البنية التحتية لبلاده، محذراً من أن إسرائيل لن تكون في منأى من ذلك.

وقال محمد باقر ذو القدر في بيان نقله التلفزيون الرسمي: «كما سبق أن أعلنّا، سيتم الرد على أي هجوم على البنية التحتية، ولن يكون النظام الصهيوني المجرم المسؤول عن هذه الفظائع في منأى من رد مقاتلينا».

وتجدد تبادل الضربات هذا الأسبوع في الشرق الأوسط بين واشنطن وطهران، وذلك للمرة الأولى منذ توقيع مذكرة التفاهم في 17 يونيو (حزيران)، التي أعقبت إعلان وقف إطلاق النار في أبريل (نيسان).

نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي «القبة الحديدية» يطلق النار لاعتراض صواريخ فوق تل أبيب (أ.ب)

وليل الأربعاء - الخميس، وجهت الولايات المتحدة ضربات كثيفة لإيران وطالت، بحسب القيادة العسكرية الأميركية، تسعين هدفاً عسكرياً.

لكن طهران اتهمت واشنطن باستهداف بنى تحتية مدنية، بهدف منع مواطنيها من المشاركة في مراسم تشييع المرشد الراحل علي خامنئي الذي قُتِل في اليوم الأول من الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران، في 28 فبراير (شباط).

وأشارت طهران إلى إصابة جسور وخط للسكة الحديد بين طهران ومشهد، المدينة التي ووري فيها جثمان المرشد.

من جهته، أفاد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن الأخير أجرى مساء الخميس مباحثات مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبلغه خلالها بـ«آخر التحركات» الأميركية في منطقة الخليج.