صفقة مسيّرات بين أوكرانيا وترمب قد تغيّر موازين القوى ضد روسيا

بوتين يراقب «عسكرة أوروبا» ويتعهد بالرد ويحذر أميركا من تزويد كييف بصواريخ توماهوك

جندي أوكراني خلال تدريبات بالطائرات المُسيّرة قبل التوجه إلى خط الجبهة بمنطقة زابوريجيا (إ.ب.أ)
جندي أوكراني خلال تدريبات بالطائرات المُسيّرة قبل التوجه إلى خط الجبهة بمنطقة زابوريجيا (إ.ب.أ)
TT

صفقة مسيّرات بين أوكرانيا وترمب قد تغيّر موازين القوى ضد روسيا

جندي أوكراني خلال تدريبات بالطائرات المُسيّرة قبل التوجه إلى خط الجبهة بمنطقة زابوريجيا (إ.ب.أ)
جندي أوكراني خلال تدريبات بالطائرات المُسيّرة قبل التوجه إلى خط الجبهة بمنطقة زابوريجيا (إ.ب.أ)

تشهد الحرب في أوكرانيا، هذا الأسبوع، تحولات متسارعة تزيد من تعقيد المشهد الاستراتيجي وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الضغوط على روسيا. ففيما تُواصل أوكرانيا هجماتها بالطائرات المُسيّرة على عمق الأراضي الروسية، مدعومة بمعلومات استخباراتية أميركية، يزور وفد أوكراني واشنطن للتفاوض حول اتفاق غير مسبوق بشأن تكنولوجيا المسيّرات.

ويسعى الوفد، الذي وصل إلى واشنطن، إلى إبرام صفقة تعطي الولايات المتحدة حق الوصول إلى تكنولوجيا الطائرات المُسيّرة التي طوّرتها كييف خلال الحرب. وقال مستشار رئاسي أوكراني إن الاتفاق «سيوفر لأوكرانيا إتاوات أو دعماً مالياً مقابل مشاركة هذه التكنولوجيا»، مضيفاً أن كييف «مستعدة لأن تصبح شريكاً صناعياً للولايات المتحدة في هذا المجال».

جنديان أوكرانيان يطلقان طائرة استطلاع مُسيّرة قرب الجبهة في دونيتسك (أرشيفية-رويترز)

ويرى خبراء أن هذه الخطوة قد تُغيّر موازين القوى، خصوصاً أن أهميتها تكمن في أن أوكرانيا باتت مُختبراً عملياً لتقنيات الحرب الحديثة. ووفق الخبراء العسكريين، فقد أنتجت أوكرانيا، العام الماضي، أكثر من مليونيْ مُسيّرة بكلفة زهيدة نسبياً، في حين ما زالت الولايات المتحدة والدول الأوروبية تواجه تحديات في تطوير طائرات مماثلة بالسرعة نفسها.

وعمد كثير من الشركات الغربية بالتعاون مع دولها إلى زيادة استثماراتها في الشركات الأوكرانية المنتِجة لتلك الطائرات، وحتى افتتاح مصانع لها على الأراضي الأوروبية. من جهته، أكد مسؤول في وزارة التجارة الأميركية أن هذه الشراكة المحتملة ستمنح واشنطن «ميزة استراتيجية في سباق تكنولوجيا الحرب المستقبلية»، لكنه شدد على أن الاتفاق يجب أن يضمن «حماية الملكية الفكرية الأوكرانية وإشراك مستثمرين أميركيين في خطوط الإنتاج».

الدعم الأميركي يعيد رسم معادلة الضربات

وبعدما أكدت مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة باتت توفر لأوكرانيا دعماً استخباراتياً مباشراً يمكّنها من شن ضربات دقيقة على منشآت الطاقة الروسية، قال مسؤول رفيع بوزارة الدفاع الأميركية: «نحن لا نضغط على الزر، لكننا نشارك مع شركائنا الأوكرانيين معلومات تسمح لهم بتحديد مواقع حساسة بدقة أكبر».

هذا التحول يعكس انفتاحاً أكبر داخل إدارة الرئيس دونالد ترمب على تجاوز القيود السابقة التي فرضها البنتاغون، خوفاً من التصعيد المباشر مع موسكو. وقال أحد أعضاء مجلس الأمن القومي الأميركي إن «البيت الأبيض يدرك أن شلّ قطاع الطاقة الروسي يُضعف قدرة الكرملين على تمويل حرب طويلة الأمد، ومن شأنه أن يخلق ضغطاً داخلياً على بوتين».

وعبّر الرئيس فولوديمير زيلينسكي عن تقديره الدعم الأميركي، وعَدَّ أن «المعلومات التي تصلنا من شركائنا حوّلت طائراتنا المُسيّرة إلى أدوات أكثر دقة وفاعلية». وأضاف، في مقابلة تلفزيونية، أن «روسيا قد تبدو قوية من الخارج، لكنها في الواقع نمر من ورق يعتمد، بشكل كامل، على إيرادات النفط والغاز».

الشرطة الدنماركية في محيط مطار كوبنهاغن (أ.ف.ب)

أكد حاكم منطقة الأورال، جنوب روسيا، الجمعة، أن أوكرانيا هاجمت مصفاة نفط روسية في المنطقة بطائرات دون طيار، بعد أحدث سلسلة من الضربات بعيدة المدى التي نفّذتها كييف. وكتب يفغيني سولنتسيف، حاكم أورينبورغ، على تطبيق «تلغرام»، كما نقلت عنه عدة وكالات دولية للأنباء: «حاولت طائرات دون طيار مُعادية مهاجمة منشأة صناعية في المنطقة». وأظهرت مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي عدداً من الهجمات بطائرات دون طيار على أرض مصفاة نفط في أورسك.

وهدّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بضرب محطات الطاقة النووية الأوكرانية ما لم تتوقف أوكرانيا عن هجماتها المزعومة على محطة زابوريجيا للطاقة النووية التي تحتلها روسيا.

وقال سلاح الجو الأوكراني، الجمعة، إن روسيا هاجمت منشآت الطاقة الأوكرانية في عدد من المناطق بالمُسيّرات والصواريخ. ووقعت الهجمات الرئيسية في منطقة بولتافا بوسط البلاد وخاركيف إلى الشرق.

فرقاطة دنماركية تُبحر قرب ساحل كوبنهاغن ضمن الإجراءات الأمنية تحضيراً للقمة الأوروبية (أ.ف.ب)

بدورها، أعلنت شركة «نافتوغاز» الأوكرانية العامة المُشغّلة لشبكة الغاز، الجمعة، أن روسيا شنّت ليلاً «أوسع هجوم» على منشآت لإنتاج الغاز في البلاد منذ بدء الغزو الروسي في 2022، مستخدمة 35 صاروخاً و60 طائرة مُسيّرة. وقال رئيس مجلس إدارة المجموعة سيرغي كوريتسكي، عبر «فيسبوك»: «تضرَّر جزء كبير من منشآتنا. وبعض الأضرار جسيمة»، مندداً بـ«بإرهاب متعمَّد» من جانب موسكو يستهدف منشآت مدنية.


إنذار في سوتشي بعد خطاب بوتين

انطلق إنذار بوجود مُسيّرة محذراً من هجوم أوكراني، بعد وقت قصير من حديث الرئيس الروسي عن الحرب وقضايا أخرى، في منتدى بمدينة سوتشي، الخميس. وقالت هيئة الطيران الروسية روسافياتسيا، على تطبيق «تلغرام»، إنه جرى تعليق العمليات في مطاريْ سوتشي وجيلينجيك.

وتلقّى مالكو الهواتف المحمولة رسالة نصية تُحذرهم من إنذار بوجود طائرة مُسيّرة في إقليم كراسنودار، وتنصحهم بـ«مغادرة الشوارع، والابتعاد عن النوافذ في المباني». ولم يتضح بالضبط مكان وجود بوتين. وتضم سوتشي مقراً سكنياً مؤمَّناً بشكل كبير للرئيس الروسي، وكثيراً ما يعمل من هناك. وأظهر موقع تتبُّع الرحلات «فلايت رادار 24» عدة طائرات روسية متجهة إلى سوتشي وهي تُحلق حول شمال القوقاز.

بوتين يراقب «عسكرة أوروبا» ويتعهد بالرد

في وقت سابق، تناول بوتين مجموعة من الموضوعات؛ أبرزها الحرب في أوكرانيا، وحمَّل أوروبا مسؤولية استمرار الصراع، قائلاً إن عدداً من الدول سعت إلى حل سِلمي. وتعهّد الرئيس الروسي بردّ «قوي» على «عسكرة أوروبا»، في كلمةٍ ألقاها خلال المنتدى في سوتشي بجنوب روسيا. وقال: «نراقب، من كثب، تنامي عسكرة أوروبا»، مضيفاً أن «الإجراءات الانتقامية الروسية لن تتأخر. وسيكون الرد على هذا النوع من التهديدات قوياً جداً». وتابع: «أقول الرد. نحن لم نبادر إطلاقاً إلى مواجهة عسكرية»، لكنه أكد أن «روسيا لن تُظهر قط أي ضعف أو تردد».

كما ردّ بوتين على تسليح الدول الأوروبية واستثمارها المتزايد في الدفاع، بالنظر إلى الصراع الجاري. وقال: «نحن نراقب، من كثب، التصعيد العسكري المتزايد في أوروبا». وأضاف: «في ألمانيا، على سبيل المثال، يقال إن الجيش الألماني يجب أن يصبح الأقوى في أوروبا. حسناً. نحن نسمع ذلك ونراقب ما يعنيه». وقال بوتين، دون تقديم أي تفاصيل: «لا أحد يشكّ في أن خطوات روسيا، وإجراءات روسيا المضادة، لن تتأخر في المجيء».

A general view of the Munich International Airport in Germany, February 16, 2023. (Reuters)

وعَدّ الرئيس الروسي أن إرسال صواريخ أميركية بعيدة المدى من طراز «توماهوك» إلى أوكرانيا سيشكل «تصعيداً جديداً» بين موسكو وواشنطن، بعدما أفاد مسؤولون أميركيون بأن واشنطن تدرس بيع هذه الصواريخ إلى الأوروبيين لتسليمها إلى كييف.

وحذّر بوتين، خلال منتدى في سوتشي بجنوب غربي روسيا، من أن «استخدام صواريخ توماهوك غير ممكن دون مشاركة مباشرة لعسكريين أميركيين، وهذا سيعني تصعيداً جديداً... ولا سيما في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة».


حرب استنزاف طويلة

وسط هذه التطورات، يُحذر محللون من أن الحرب مرشَّحة لأن تطول، ما لم تُتخذ خطوات أكثر جرأة من الغرب. الخبير البريطاني لورنس فريدمان كتب، في «فايننشال تايمز»، أن «روسيا قد تكون نمراً مُثخناً بالجراح، لكنها لم تنهرْ بعد. وإذا استمرت أوكرانيا في الاعتماد فقط على الهجمات بالمسيّرات دون دعم مالي وعسكري أوسع، فإن بوتين قد يجد طريقة للتأقلم».

لكن في المقابل، يرى أندريه كوزيريف، الباحث في مركز «تشاتهام هاوس»، أن «الهشاشة الاقتصادية الروسية باتت عميقة إلى درجةٍ تجعل استمرار الحرب مكلِّفاً لبوتين بشكل غير مسبوق». وأضاف أن «الأزمة الاجتماعية، الناتجة عن نقص الوقود وارتفاع الأسعار، قد تتحول إلى صدع داخلي لا يقل خطورة عن المعارك العسكرية في الجبهة».

وحتى الآن تبدو المعادلة معقَّدة: أوكرانيا تراهن على التكنولوجيا والتحالفات، الولايات المتحدة تُوازن بين دعم غير محدود وحذر استراتيجي، أوروبا تسعى لإيجاد مصادر تساعدها على مواصلة دعمها لأوكرانيا، بينما يحاول الكرملين امتصاص صدمة العقوبات والهجمات الداخلية. وفي النهاية، يبقى السؤال: هل ستدفع هذه الضغوط بوتين إلى التفاوض، أم أن الحرب ستبقى مفتوحة على استنزاف طويل يختبر صبر جميع الأطراف؟


مقالات ذات صلة

محققون أمميون يحذرون من تداعيات استهداف البنى التحتية في أوكرانيا وروسيا

أوروبا رد فعل بائع كتب بينما يحاول رجال الإطفاء إخماد حريق في سوق كتب استهدفها هجوم صاروخي روسي على كييف (أ.ب) p-circle

محققون أمميون يحذرون من تداعيات استهداف البنى التحتية في أوكرانيا وروسيا

حذّر محققون تابعون للأمم المتحدة من أن تصاعد الهجمات على البنى التحتية في كل من أوكرانيا وروسيا يجعل المدنيين أكثر عُرضة للخطر مع اقتراب الشتاء.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)

«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

وسَّع الحزب الحاكم سيطرته داخل البرلمان الروسي بشكل ملحوظ، وبعدما كان يستحوذ في البرلمان السابق على 310 مقاعد من أصل 450 مقعداً بات يسيطر حالياً على 355 مقعداً.

رائد جبر (موسكو)
العالم نيران وأعمدة دخان تتصاعد من مصفاة نفط رئيسية قرب موسكو بعد استهدافها في هجوم أوكراني الأحد (رويترز) p-circle

ترمب يدعو إلى إنهاء حرب أوكرانيا ويشير لتضرر روسيا

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ​الاثنين، إن روسيا «فقدت السيطرة» على قطاع وقود الديزل لديها، وكرر مرة أخرى دعوته لإنهاء ‌حرب موسكو ​على ‌أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مجمع لإعادة الشحن بميناء «نوفوروسيسك» على البحر الأسود في روسيا (رويترز)

كازاخستان تزيد صادرات النفط عبر «نوفوروسيسك» في أغسطس

زادت كازاخستان شحنات النفط عبر ميناء «نوفوروسيسك» الروسي على البحر الأسود 28 في المائة خلال أغسطس (آب) الماضي، لتصل إلى 460 ألف طن متري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «ترافيغورا» عند مدخلها في جنيف بسويسرا (رويترز)

«ترافيغورا» تطلق شركة ناقلات جديدة وتخطط لإدراجها في بورصة أوسلو

أطلقت «ترافيغورا» لتجارة السلع الأولية، شركة «فولار شيبينغ» للشحن التي ستملك وتدير 14 ناقلة نفط عملاقة، وقالت إنها ستبيع أسهماً في الشركة قبل إدراجها بالبورصة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الوجه الآخر لاتفاقيات ترمب لترحيل المهاجرين نحو أفريقيا

أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

الوجه الآخر لاتفاقيات ترمب لترحيل المهاجرين نحو أفريقيا

أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)

رحّلت الولايات المتحدة أكثر من 25 ألف شخص بموجب اتفاقيات سرية مع 35 دولة لاستقبال مهاجرين لا تربطهم أي صلات بتلك الدول، وفقاً لتحقيق نُشرته (الاثنين) مجموعة «فوربيدن ستوريز» الصحافية.

ولكن التقرير كشف عن ظروف صعبة يمر بها المرحّلون من الولايات المتحدة إلى عدد من الدول الأفريقية، إذ كشف التحقيق عن أن ثلث اتفاقيات الترحيل التي وقّعتها الولايات المتحدة كان مع دول أفريقية (12 اتفاقية على الأقل).

التوجه نحو أفريقيا

أشارت «فوربيدن ستوريز» إلى أن إدارة ترمب تواصلت مع 49 دولة أفريقية، من أصل 54، خلال بحثها عن دول لاستقبال مهاجرين مرحَّلين لا تربطهم بها أي صلة، وأشرف على هذه المفاوضات مكتب «إعادة الهجرة» في وزارة الخارجية الأميركية، برئاسة كريستيان إيرهاردت.

وقال التحقيق إن المفاوضات في الغالب تكون سرية، وتستخدم ضغوطاً مثل قيود التأشيرات أو ربطها بمساعدات، في حين ترفض كثير من الدول قبول أصحاب السجلات الجنائية العنيفة، لكن بعضها يقبل بذلك مثل دولة سواتيني، التي وقّعت اتفاقية بقيمة 5 ملايين دولار لاستقبال 160 شخصاً.

واعتمد التحقيق على أكثر من 100 مقابلة (منها 33 مع مرحّلين)، ووثائق داخلية، وتتبع رحلات، فيما يشير إلى أن المرحّلين غالباً هم أشخاص عاشوا سنوات طويلة في أميركا، لديهم عائلات أو عملوا هناك، ومنحهم قضاة أميركيون حماية من الترحيل إلى أوطانهم.

تعنيف ممرضة!

كشف التحقيق عن أن غانا استقبلت أكثر من 110 أشخاص، عبر 9 رحلات على الأقل منذ سبتمبر (أيلول) 2025، ولكن غانا وافقت فقط على استقبال مرحّلين من أصول غرب أفريقية، وفي بعض الحالات، أعادت ترحيلهم سريعاً إلى بلدانهم الأصلية مثل نيجيريا أو سيراليون، رغم وعود أولية بتوفير «ملاذ آمن».

طائرات تُستخدم لترحيل المهاجرين على مدرج مطار في ولاية تكساس الأميركية (أ.ب)

ومن أشهر قصص الترحيل، رابياتو كوياتيه (58 عاماً)، وهي ممرضة عاشت معظم حياتها في أميركا بعد فرارها من سيراليون، بسبب الحرب الأهلية التي ضربت البلد الصغير والفقير الواقع في أقصى غرب القارة الأفريقية.

رُحّلت كوياتيه إلى غانا، ثم أُجبرت على العودة إلى بلدها الأصلي سيراليون وسط مشاهد عنيفة، حيث انتشر مقطع فيديو منها وهي حافية القدمَيْن وتُسحب من شعرها بعنف، مما أثار غضباً شعبياً واسعاً.

مركز احتجاز

أما في غينيا الاستوائية فيبدو الوضع أكثر إثارة للقلق، حيث يشير التقرير إلى أنه بموجب اتفاق بقيمة 7.5 مليون دولار، استقبلت نحو 66 شخصاً عبر 6 إلى 7 رحلات منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، من جنسيات مختلفة مثل إريتريا، وإثيوبيا، ومصر، وأنغولا، والكاميرون، وكوبا، والبرازيل.

وأوضح التحقيق أن أغلب هؤلاء المرحّلين محتجزون في فندق «بامي» المتداعي على أطراف العاصمة مالابو، الذي تحول إلى سجن فعلي، وسط تقارير عن ظروف سيئة بسبب نقص الرعاية الطبية، والمنع من الاتصال، والضغط النفسي.

ويؤكد التحقيق أن السلطات الغينية اعتقلت في شهر سبتمبر (أيلول) الحالي مواطناً مصرياً وآخر إريترياً، بعد أن وثقا بالفيديو سوء الظروف التي يتم احتجاز المرحّلين فيها، ونقل التحقيق عن شهود ومحامين أن الشرطة غطت رأسيهما بأكياس، وقيدتهما، وضربتهما بأعقاب البنادق، ودفعتهما على الدرج.

نيكا الإيرانية

تناول التحقيق قصة نيكا الإيرانية (32 عاماً)، التي فرت من إيران قبل نحو 18 شهراً بعد مشاركتها في احتجاجات ضد النظام، وبعد وصولها إلى الولايات المتحدة، قضت أكثر من عام في مركز احتجاز للهجرة الأميركية، قبل أن يمنحها قاضٍ حماية قانونية بـ«منع الترحيل»، لأنها معرّضة لضرر جسيم أو خطر على حياتها إذا أُعيدت إلى إيران.

أُفرج عنها بموجب أمر قضائي في أواخر مايو (أيار) 2026، وأصبح بإمكانها العمل والبقاء في الولايات المتحدة مؤقتاً، ولكن بعد أقل من أسبوعين، أعادت سلطات الهجرة اعتقالها خلال موعد روتيني، ثم رحّلتها جواً إلى جمهورية أفريقيا الوسطى مع نحو 18 مهاجراً آخرين (من جنسيات مختلفة مثل أفغانستان والعراق وقيرغيزستان)، رغم الحماية القضائية.

لم يُخبروها بوجهتها مسبقاً، وظلّت مقيدة بالأصفاد طوال الرحلة، قبل أن تصل نيكا إلى عاصمة البلاد بانغي، وهي مدينة تصفها وزارة الخارجية الأميركية بأنها خطيرة جداً للسفر. حالياً تعيش في غرفة صغيرة شبه معزولة، وتخاف الخروج، وتنتظر مصيرها خشية أن تُرحّل مجدداً إلى إيران.


4 شبكات أميركية كبرى توقف التغطيات المشتركة لأخبار ترمب تضامناً مع «سي إن إن»

جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

4 شبكات أميركية كبرى توقف التغطيات المشتركة لأخبار ترمب تضامناً مع «سي إن إن»

جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

قرّرت أربع شبكات أميركية كبرى تشكّل مجموعة التغطية الصحافية المشتركة لأنشطة الرئيس دونالد ترمب، الاثنين، وقف هذه التغطية، وذلك تضامناً مع شبكة «سي إن إن» التي استبعدها الرئيس الأميركي من البيت الأبيض، وفقاً لبيان اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال براين بونتون، ممثل شبكة «فوكس» والمنسق لهذه المجموعة من القنوات المكلفة بتصوير الرئيس الأميركي على مدار اليوم وتوزيع اللقطات المصورة على وسائل الإعلام الأخرى: «اعتباراً من اليوم، لن تتولى مجموعة التغطية التلفزيونية المشتركة تغطية الفعاليات التي يشارك فيها الرئيس والتي تندرج عادة ضمن نطاق التغطية المشتركة».

والشبكات الأربع هي «سي بي إس» و«إيه بي سي» و«إن بي سي» و«فوكس».


زعماء العالم يترقبون خطاب ترمب... ومناسبة على غرار مؤتمر يالطا

شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
TT

زعماء العالم يترقبون خطاب ترمب... ومناسبة على غرار مؤتمر يالطا

شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)

​يجلس مئات من زعماء العالم، الثلاثاء، تحت قبَّة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حاملين إلى دورتها السنوية الحادية بعد الثمانين آمالهم وتطلعات شعوبهم إلى عالم أفضل، لا ينهشه الجوع والفقر، ولا تستبد فيه الحروب والنزاعات، ولا تهدده الكوارث الطبيعية والتكنولوجيا الجديدة، وأحدثها الذكاء الذي من صنع الإنسان.

ولكن هيهات! كأن الجمعية العامة للأمم المتحدة (التي يشيع اختصار اسمها بـ«أونغا») في وادٍ، وواقع حال أعضائها الـ193 في وادٍ آخر.

ومع ،ذلك يترقب هذا الحشد الدولي الأكبر عالمياً اللحظة التي يدخل فيها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى المبنى العريق على الجادة الأولى في وسط مانهاتن، والمشرف على نهر إيست ريفر، لمعرفة ما إذا كان خطابه المكتوب لهذا العام يتضمن غير ما يكتبه في منشوراته شبه اليومية على منصات التواصل الاجتماعي، وتصريحاته التلقائية أمام الصحافيين والعدسات، وغيرها من الوسائل، بغية توصيل رسائله ونداءاته بأن «أميركا أولاً»، وبهدف تعميم شعاره «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» («ماغا» اختصاراً) على من يسعى إلى كسب وده وتجنب غضبه، وعواقب العقوبات السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو المالية التي يمكن أن تفرضها الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى، على من يتجرأ على تحدي جبروتها.

أشخاص يحملون صوراً وقناديل أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك خلال مناسبة للأميركيين من أصول إيرانية ضد النظام الإيراني (رويترز)

ولترمب قصة طويلة وقديمة مع الأمم المتحدة. كان يطمح عندما كان مطوراً عقارياً في نيويورك إلى الفوز بعقد استثماري لتطوير مجمع المنظمة الدولية الواقع على بعد عشرات الأمتار فقط من «برج ترمب» الفاخر على الجادة الأولى أيضاً. غير أن مستثمراً آخر فاز بالعقد المجزي.

وعلى الرغم من أنه لم يتمكن من تحقيق غايته، لم تتلاشَ عزيمة ترمب لتحقيق هذا الهدف؛ بل صار أكثر تصميماً من ذي قبل، ولا سيما أنه ومنذ صار رئيساً يرى حالات الضعف والفشل والأعطاب التي أصابت الأمم المتحدة التي أنشئت على أنقاض «عصبة الأمم» في نهاية عام 1945، على أساس التوازنات التي أرساها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية.

عظيمة كأميركا

وفي عالم شهد -ولا يزال يشهد- تحولات هائلة منذ ذلك الحين، يشبِّه البعض الإخفاقات الراهنة للأمم المتحدة بسنوات الفشل التي سبقت انهيار «عصبة الأمم». وتندَّر بعض الدبلوماسيين بأن الرئيس ترمب يريد أن يطلق شعاراً جديداً «فلنجعل الجمعية العامة للأمم المتحدة عظمية مرة أخرى» («مونغا» اختصاراً).

وفي دليل على جدية هذه التوجهات، يوزع المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، قبعات «مونغا» على فريقه الدبلوماسي وحلفاء الولايات المتحدة في المنظمة الدولية.

ووصفت الناطقة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، السفير والتز لي بأنه «مبعوث رئيسي لجميع أولويات الرئيس» ترمب، الذي «يُقدِّر جهود السفير والتز في سبيل جعل الأمم المتحدة عظيمة مرة أخرى».

غير أن الدبلوماسيين الذين يتحدثون مع السفير والتز يعتقدون أن جعل الأمم المتحدة عظيمة حقاً، يستوجب عقد صفقة كبرى على غرار مؤتمر يالطا، الذي عُقد في مطلع عام 1945 بمشاركة الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، سعياً إلى استعادة هيبتها المفقودة في وقف حربين تنخرط فيهما دولتان من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة مع إيران، وروسيا مع أوكرانيا، بالإضافة إلى الحيلولة دون وقوع حرب جديدة يخشاها كثيرون بين الصين وتايوان.

واشنطن لا نيويورك

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ خلال اجتماع منظمة «بريكس» في نيودلهي بالهند (أ.ب)

ويعكس غياب كل من الرئيس الصيني شي جينبينغ، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، عن «أونغا» هذا العام، استمرار عدم الرضا من زعيمَي دولتين كبريين على التوازنات الراهنة في الأمم المتحدة، علماً بأن الرئيس الصيني سيقوم -وقت انعقاد الجمعية العامة- بزيارة دولة بدعوة من ترمب لواشنطن العاصمة، من دون أن يعرِّج على نيويورك القريبة.

وبينما يحاول ترمب وشي رسم معالم العلاقة التنافسية بين الولايات المتحدة والصين، يخشى دبلوماسيون من تحوُّل هذه المنافسة إلى مجرد بداية لحرب باردة جديدة، عوض أن تكون فرصة لصفقة جديدة على غرار مؤتمر يالطا، الذي كان مقدمة لنشوء الأمم المتحدة بصيغتها الراهنة.

ووفقاً لبرنامج الكلمات الذي أُعد لليوم الأول من أسبوع الاجتماعات الرفيعة المستوى للجمعية العامة، سيعتلي المنصة أولاً رئيس الدورة الحالية للجمعية، وزير الخارجية البنغلاديشي السابق خليل الرحمن، ثم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لإلقاء كلمتين افتتاحيتين، على أن تكون الكلمة الأولى للرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وفقاً لتقليد تعتمده الجمعية العامة منذ نحو 7 عقود. ويليه الرئيس ترمب، بوصفه رئيس الدولة المضيفة للمنظمة الدولية.

وقبل أيام من هذه المناسبة، قال لولا دا سيلفا إنه سيطلب من ترمب «عدم التدخل في انتخابات البرازيل».

وظهرت التوترات بين الرئيس لولا دا سيلفا وإدارة ترمب عام 2025، حين طبَّقت الأخيرة موجة أولى من الرسوم الجمركية ضد البرازيل، رداً على محاكمة الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، الذي يعد من حلفاء ترمب.

أصحاب الكلام

وسيتوالى على الكلام -الثلاثاء أيضاً- كل من: ملك الأردن عبد الله الثاني بن الحسين، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، فضلاً عن نحو 20 آخرين من رؤساء الدول والحكومات.

وعلى الرغم من الإخفاقات المتكررة للأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن الذي يعتبر القوة الرئيسية المحركة لها، في «صون السلم والأمن الدوليين» طبقاً لما جاء في ميثاقها، يُتوقع أن يعرض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (الذي تنتهي ولايته الثانية الأخيرة بعد مائة يوم فحسب) السنين العشر التي أمضاها في هذا المنصب، وكان خلالها شاهداً على تصدعات العالم ومصائبه.

لم يتمكن غوتيريش من فعل الكثير لوقف الحرب في سوريا، التي شهدت استخدام نظامها السابق الأسلحة الكيماوية ضد شعبه، بينما كانت الأمم المتحدة عاجزة عن اتخاذ إجراءات لمنع الإفلات من العقاب. وتواصلت الأزمة في ليبيا على الرغم من تغيُّر المبعوثين الأمميين. ووقعت حرب جديدة في السودان من دون أن تتمكن الأمم المتحدة من إيصال المساعدات إلى ملايين اللاجئين. وكذلك فشلت في وضع حد للأزمة اللبنانية، رغم وجود نحو 10 آلاف جندي ضمن القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل).

ورافق غوتيريش -على غرار جميع الأمناء العامِّين الذين سبقوه- الشلل المزمن لمجلس الأمن في إيجاد تسوية منصفة للشعب الفلسطيني، الواقع منذ نشأة المنظمة الدولية تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ بل كان شاهداً على وقوع حرب غزة التي نفَّذتها إسرائيل ضد الفلسطينيين من دون أي محاسبة، وحرب أوكرانيا وروسيا منذ أكثر من 4 سنوات ونصف سنة، وشاهداً أيضاً على بدء الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران قبل نحو 7 أشهر.

ومع ذلك، لا يفقد غوتيريش الأمل في تعددية قطبية تبدو حتمية، إما على أساس التنافر، وإما على أساس التعايش تحت سقف القانون الدولي والأنظمة القائمة على القواعد.