كيف تحوّلت الصين إلى الشريان الحيوي المموِّل لقطاع الطاقة الروسي منذ حرب أوكرانيا؟

الرئيسان بوتين وشي يسيران في مقر إقامة الزعيم الصيني تشونغنانهاي في بكين - سبتمبر 2025 (رويترز)
الرئيسان بوتين وشي يسيران في مقر إقامة الزعيم الصيني تشونغنانهاي في بكين - سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

كيف تحوّلت الصين إلى الشريان الحيوي المموِّل لقطاع الطاقة الروسي منذ حرب أوكرانيا؟

الرئيسان بوتين وشي يسيران في مقر إقامة الزعيم الصيني تشونغنانهاي في بكين - سبتمبر 2025 (رويترز)
الرئيسان بوتين وشي يسيران في مقر إقامة الزعيم الصيني تشونغنانهاي في بكين - سبتمبر 2025 (رويترز)

رفعت الصين مشترياتها من النفط والغاز الروسي بشكل ملحوظ منذ بدء الصراع في أوكرانيا عام 2022، وذلك في إطار شراكة «بلا حدود» أعلنتها موسكو وبكين قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب.

ويشكل ملف العلاقات الطموحة في مجال الطاقة، محوراً أساسياً وموضوعاً بالغ الأهمية على طاولة المباحثات الرسمية التي تجمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ، خلال قمتهما في بكين يوم الأربعاء، وسط تحولات دراماتيكية في خريطة الإمدادات العالمية، وفق «رويترز».

وعلى صعيد قطاع الغاز الطبيعي، تضخ شركة الطاقة الروسية العملاقة «غازبروم» الغاز إلى الصين عبر خط أنابيب «قوة سيبيريا» الممتد بطول 3000 كيلومتر، بموجب صفقة تاريخية مدتها 30 عاماً، وبقيمة إجمالية تصل إلى 400 مليار دولار، جرى إطلاقها نهاية عام 2019.

وشهدت الصادرات عبر هذا الخط قفزة نوعية خلال عام 2025 بنحو الربع، لتصل إلى 38.8 مليار متر مكعب، متجاوزة الطاقة السنوية المخطط لها أصلاً للخط البالغة 38 مليار متر مكعب.

وخلال زيارة بوتين الأخيرة للصين في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتفق البلدان على زيادة الكميات السنوية عبر هذا المسار بمقدار 6 مليارات متر مكعب إضافية، لتصل إلى 44 مليار متر مكعب سنوياً، بالتوازي مع اتفاق سابق جرى في فبراير (شباط) 2022، تلتزم بموجبه الصين بشراء ما يصل إلى 10 مليارات متر مكعب سنوياً بحلول عام 2027 عبر خط أنابيب من جزيرة ساخالين في الشرق الأقصى الروسي، وهي الكميات التي جرى رفع مستهدفاتها لاحقاً، لتصل إلى 12 مليار متر مكعب.

ورغم هذا النمو المتسارع، لا تزال صادرات الغاز الروسي إلى الصين، تمثل جزءاً صغيراً مقارنة بالحجم القياسي الذي كانت تشحنه موسكو سنوياً إلى أوروبا في عامي 2018 و2019، والبالغ 177 مليار متر مكعب.

يبيع متجر في شنغهاي بالصين صوراً لبوتين والرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى جانب صور أخرى لشخصيات مشهورة مصنوعة على الطراز الصيني التقليدي (إ.ب.أ)

بدائل أوروبا الصعبة ومفاوضات «قوة سيبيريا 2»

انكمشت حصة روسيا في واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز بشكل حاد خلال حرب أوكرانيا، لا سيما الإمدادات عبر خطوط الأنابيب، ورغم أن روسيا حافظت العام الماضي على مكانتها بوصفها ثاني أكبر مورد للغاز الطبيعي المسال إلى الاتحاد الأوروبي بحصة بلغت 16 في المائة، فإن الفجوة اتسعت بشكل كبير بينها وبين الشريك الرئيسي للاتحاد؛ الولايات المتحدة.

وفي ظل هذا المشهد، تواصل روسيا والصين المفاوضات المعقدة بشأن خط أنابيب جديد مقترح؛ وهو «قوة سيبيريا 2»، القادر على نقل 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً من روسيا إلى الصين عبر أراضي منغوليا. ورغم أن «غازبروم» بدأت دراسة الجدوى لهذا الخط منذ عام 2020، فإن المشروع اكتسب استعجالاً بدرجة قصوى مع تحول روسيا نحو الصين لتعويض خسارة سوقها الأوروبية الرئيسية؛ حيث أكد الرئيس التنفيذي للشركة، أليكسي ميلر، توقيع «مذكرة ملزمة قانوناً» بشأن الخط، لكن توقيع العقد النهائي الحاسم لا يزال مستعصياً حتى الآن.

وفي المقابل، ارتفعت صادرات روسيا من الغاز الطبيعي المسال عبر البحر إلى الصين العام الماضي، بنسبة 18.2 في المائة، لتصل إلى 9.79 مليون طن متري، وفقاً لبيانات الجمارك الصينية، مما جعل روسيا ثالث أكبر مورد للغار المسال إلى الصين بعد أستراليا وقطر، في سوق تعدّ فيها بكين أكبر مشترٍ للغاز المنقول بحراً في العالم.

يسير الناس على طول الرصيف حيث يتم إنزال العلم الوطني الروسي الضخم الذي نصبته شركة «غازبروم» على ساحل خليج فنلندا في سانت بطرسبرغ (إ.ب.أ)

قفزة قياسية في مبيعات النفط مطلع 2026

أما على صعيد قطاع النفط، فتتربع الصين على قائمة كبار عملاء موسكو للشحنات النفطية المنقولة عبر البحر وخطوط الأنابيب، حيث ظلت الصادرات عند مستويات قياسية رغم العقوبات الغربية الصارمة المفروضة على روسيا.

وبلغت واردات الصين من النفط الروسي نحو 2.01 مليون برميل يومياً خلال عام 2025 (ما يعادل 100.72 مليون طن متري إجمالاً)، مسجلة تراجعاً طفيفاً بنسبة 7.1 في المائة، مقارنة بالفترات السابقة، لتشكل هذه الشحنات 20 في المائة من إجمالي حجم النفط المستورد في الصين.

ومع مطلع عام 2026، كشف يوري أوشاكوف، مستشار السياسة الخارجية للرئيس الروسي، عن قفزة عنيفة في صادرات النفط الروسية إلى الصين بنسبة 35 في المائة، خلال الربع الأول من العام الحالي، لتصل إلى 31 مليون طن.

وتشتري الصين، بصفتها أكبر مستورد للنفط في العالم، بشكل أساسي خام شرق سيبيريا والمحيط الهادئ (إيسبو) المصدر عبر تفريعة «سكوفورودينو - موهي» التابعة لخط أنابيب «إيسبو» البالغ طوله 4070 كيلومتراً، والذي يربط حقول النفط الروسية بالمصافي الصينية وميناء «كوزمينو» في الشرق الأقصى الروسي.

وأعلنت شركة تشغيل خطوط أنابيب النفط الروسية «ترانسنفت» أنها تعمل على توسيع هذا الخط لزيادة الصادرات عبر ميناء كوزمينو، مستهدفة استكمال أعمال التوسعة بالكامل بحلول عام 2029.

كما تستهلك الصين النفط المقبل من جزيرة ساخالين في المحيط الهادئ، خصوصاً مزيج ساخالين وخامات «صقول»، حيث حافظت إمدادات مزيج «إيسبو» على مستويات مرتفعة منذ يوليو (تموز) 2025، عندما تم توسيع الصادرات إلى مليون برميل يومياً، وهو المستوى الذي تثبت «ترانسنفت» الصادرات عنده حالياً.

وإلى جانب هذه المسارات، اتفقت روسيا على رفع صادراتها النفطية إلى الصين عبر أراضي كازاخستان من خلال خط أنابيب «أطاسو - ألاشانكو»، بمقدار 2.5 مليون طن سنوياً، لتصل إلى 12.5 مليون طن إجمالاً.


مقالات ذات صلة

صندوق الاستثمار الروسي: الشراكة مع السعودية حققت قفزة تاريخية بـ70 مشروعاً مشتركاً

الاقتصاد جلسة الحوار بين السعودية وروسيا (منتدى سانت بطرسبورغ)

صندوق الاستثمار الروسي: الشراكة مع السعودية حققت قفزة تاريخية بـ70 مشروعاً مشتركاً

كشف المدير التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي، أنتون أوروسوف، عن قفزة في الشراكة الاستراتيجية بين موسكو والرياض، أسفرت عن تنفيذ أكثر من 70 مشروعاً…

«الشرق الأوسط» (سانت بطرسبورغ)
الاقتصاد مشاركون سعوديون في منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)

السعودية تستعرض منجزات «رؤية 2030» في منتدى سان بطرسبورغ الدولي

تحل السعودية ضيف شرف على الدورة التاسعة والعشرين من منتدى «سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي» الذي يُعقد في مدينة سانت بطرسبورغ الروسية.

«الشرق الأوسط» (سانت بطرسبرغ)
خاص وزير التنمية الاقتصادية خلال مشاركته في إحدى جلسات منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)

خاص وزير الاقتصاد الروسي لـ«الشرق الأوسط»: موسكو شريك موثوق للسعودية

أكد وزير التنمية الاقتصادية في روسيا الاتحادية، مكسيم ريشيتنكوف، ارتياح بلاده لمستوى تطوُّر العلاقات الاستراتيجية مع السعودية.

رائد جبر (موسكو)
الاقتصاد في مايو أنشأت «نوفاتك» التي تمتلك 60 % من مشروع «أركتيك2» للغاز الطبيعي المسال شركة تابعة مملوكة لها بالكامل باسم «نوردلاين» (رويترز)

بوتين يسمح لـ«توتال» ببيع 10 % في مشروع «أركتيك2» للغاز الطبيعي المسال

أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوماً رئاسياً يجيز لشركة «نوردلاين» الاستحواذ على حصة 10 % بمشروع «أركتيك2» للغاز الطبيعي المسال، من شركة توتال.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد المبعوث الخاص للرئيس الروسي للتعاون الاستثماري والاقتصادي كيريل ديميترييف (رويترز)

مبعوث بوتين: رفض شراء الطاقة الروسية كبّد أوروبا خسائر بـ3 تريليونات يورو

كشف المبعوث الخاص للرئيس الروسي للتعاون الاستثماري والاقتصادي، كيريل ديميترييف، عن تقديرات موسكو للخسائر الفادحة التي مُنيت بها الدول الأوروبية.

«الشرق الأوسط» (سانت بطرسبرغ)

مؤشر السوق السعودية يغلق على تراجع 0.28 % بضغط من قطاع الطاقة

متداول يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)
متداول يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)
TT

مؤشر السوق السعودية يغلق على تراجع 0.28 % بضغط من قطاع الطاقة

متداول يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)
متداول يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية «تاسي» جلسة يوم الأربعاء، متراجعاً بنسبة 0.28 في المائة، ليغلق عند مستوى 11114 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها 4.2 مليار ريال.

وسجّل المؤشر خلال الجلسة أعلى مستوياته عند 11148 نقطة، فيما بلغ أدنى مستوياته 11093 نقطة.

وجاء سهم «جي آي جي» في مقدمة الأسهم الأكثر ارتفاعاً، مغلقاً عند 31.68 ريال، بزيادة بلغت 6.24 في المائة، تلاه سهم «علم» عند 737 ريالاً، ثم سهم «أنابيب الشرق» عند 220 ريالاً، بمكاسب تراوحت بين 3.1 و3.3 في المائة.

في المقابل، تصدّر سهم «جزيرة تكافل» قائمة الأسهم الأكثر انخفاضاً، ليغلق عند 11.52 ريال، تلاه سهم «أسمنت السعودية» عند 31.38 ريال، ثم سهم «بترو رابغ» عند 12.70 ريال، بخسائر تراوحت بين 4.1 و4.9 في المائة.

وعلى مستوى القطاعات، تراجع قطاع الطاقة بنسبة 0.61 في المائة ليغلق عند 5081 نقطة، فيما كان سهم «بترو رابغ» الأكثر انخفاضاً بين أسهم القطاع، بعدما فقد 4.15 في المائة من قيمته.


العقد السوري - الأميركي للغاز: خطوة لكسر «عنق الزجاجة» المالي

حقل «جحار» أحد أهم حقول الغاز في سوريا ويقع بمنطقة البادية غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص (أرشيفية - وزارة الطاقة السورية)
حقل «جحار» أحد أهم حقول الغاز في سوريا ويقع بمنطقة البادية غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص (أرشيفية - وزارة الطاقة السورية)
TT

العقد السوري - الأميركي للغاز: خطوة لكسر «عنق الزجاجة» المالي

حقل «جحار» أحد أهم حقول الغاز في سوريا ويقع بمنطقة البادية غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص (أرشيفية - وزارة الطاقة السورية)
حقل «جحار» أحد أهم حقول الغاز في سوريا ويقع بمنطقة البادية غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص (أرشيفية - وزارة الطاقة السورية)

في اختراق استراتيجي هو الأبرز في مسار العلاقات الاقتصادية والسياسية بين دمشق وواشنطن منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، وقَّعت «الشركة السورية للبترول» عقداً تنفيذياً ضخماً مع شركتَي «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا إنرجي» الأميركيتين لتطوير حقول الغاز وزيادة إنتاجها؛ في خطوة تُعدُّ أول صفقة طاقة أميركية كبرى تشهدها البلاد منذ سنوات، ومؤشراً عملياً على بدء مرحلة «التنفيذ المتكامل» المدعومة بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفع العقوبات في يوليو (تموز) 2025.

وجاء هذا العقد استكمالاً لتحركات أميركية مسبقة بدأت مطلع عام 2026 عبر مذكرات تفاهم لشركات أخرى مثل «شيفرون» في الاستكشاف البحري و«إتش كي إن إنرجي» في حقول الرميلان البرية، إلا أن اتفاقية «كونوكو فيليبس» تميزت بكونها العقد التنفيذي الملزم الأكبر لتطوير قطاع الغاز المنزلي، والمدعوم بتحالفات وتمويلات خليجية وأوروبية لإنهاء أزمة الطاقة الحادة في البلاد.

ويرى خبراء طاقة أن أثر هذا العقد المستند إلى تفاهمات نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي لن يقتصر على الجانب النفطي الفني، بل يُمثل «شهادة ثقة» دولية ستُسهم في كسر «عنق الزجاجة» المالي لموازنة الحكومة السورية الجديدة التي تواجه عجزاً يقارب 1.8 مليار دولار لعام 2026.

وتتزامن هذه العودة الأميركية مع دخول لاعبين إقليميين ودوليين كبار إلى خط الاستثمار في الطاقة السورية، عبر عقود موازية وشراكات مع شركات سعودية (مثل «أديس») وقطرية وفرنسية؛ ما يضع قطاع الغاز السوري على أعتاب مرحلة واعدة تشكل المحرك الأساسي لعملية التعافي وإعادة الإعمار.

ويجسّد العقد على أرض الواقع التفاهمات التي تم التوقيع عليها سابقاً. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وقّعت «السورية للبترول» مذكرة تفاهم مع «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا إنرجي»، تلتها مباحثات فنية وقانونية وتجارية؛ ليتم تتويج مسار العمل المشترك بين الجانبين به.

بعد توقيع العقد بين «الشركة السورية للبترول» وشركتَي «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا إنرجي» (وزارة الطاقة السورية)

أهمية العقد

الأكاديمي والخبير السوري في شؤون الطاقة، الدكتور زياد عربش، رأى أن أهمية ما تم إنجازه تأتي من كونه تطويراً فعلياً للعلاقة من مذكرة تفاهم إلى عقد تنفيذي، ويُرسل إشارة قوية إلى الأسواق العالمية بأن سوريا أصبحت بيئة جاذبة للاستثمارات النفطية والغازية، كما يرفع «مستوى النشاط النفطي» في سوريا بشكل ملموس من خلال، زيادة عدد فِرق العمل والمهندسين والفنيين العاملين في الحقول، وتوفير حفارات ومعدات حديثة وفق أحدث المعايير الفنية، وتطوير البنية التحتية واللوجستية اللازمة لعمل هذه الشركات.

وأوضح عربش في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه كلما زاد عدد الشركات العاملة في سوريا، حفَّز ذلك دخول المزيد من الشركات، مما يؤدي إلى خفض التكاليف التشغيلية عبر وفورات الحجم وتبادل الخبرات، ويخلق بيئة تنافسية تعود بالفائدة على الاقتصاد الوطني.

شهادة ثقة

ومن شأن هذا العقد إحداث تأثير مضاعف؛ فوجود وجود شركة بحجم «كونوكو فيليبس» في السوق السورية يُشكّل، برأي عربش، «شهادة ثقة للشركات الأخرى، ويُقلل من المخاطر الملحوظة للاستثمار في سورية، كما يُظهر التزام الحكومة السورية بتوفير بيئة استثمارية جاذبة وقادرة على استقطاب كبرى الشركات العالمية».

وظهرت مؤخراً مؤشرات على هذا التوجه، تمثلت بتوقيع «السورية للبترول» عقداً مع شركة «أديس» السعودية لتطوير حقول الغاز في أبريل (نيسان) الماضي، بعد توقيع مذكرة تفاهم مع «شيفرون» الأميركية وشركة قطرية في فبراير (شباط)، كما تشير تقارير إلى تحالفات بين شركات أميركية وسعودية للاستثمار في شمال شرق سوريا.

حفارة «أورال ماش 2» التي أعيدت إلى العمل في حقول المنطقة الوسطى بسوريا (وزارة الطاقة السورية)

تجاوز «عنق الزجاجة» المالي

وورثت الحكومة السورية الجديدة اقتصاداً مدمراً من النظام السابق وتعاني عجزاً في الموازنة يقارب 1.8 مليار دولار. فحسب بيانات قدمها وزير المالية يسر برنية خلال مؤتمر صحافي في أبريل الماضي وأعلن خلال عن موازنة عام 2026، تُقدّر إيرادات عام 2026 بنحو 959 مليار ليرة سورية (نحو 8.7 مليار دولار)، مقابل نفقات تصل إلى 1056.7 مليار ليرة (نحو 10.5 مليار دولار).

ورأى عربش العقد أنه «خطوة محورية في تجاوز (عنق الزجاجة) المالي الذي تعاني منه موازنة الدولة، وذلك عبر مسارين متلازمين الأول: تخفيف فاتورة الاستيراد؛ إذ تعتمد سوريا حالياً على واردات وإمدادات إقليمية لتحسين التغذية الكهربائية، ففي ذروة ما قبل الحرب، كان إنتاج الغاز يبلغ نحو 28 مليون متر مكعب يومياً، لكنه هبط إلى نحو ثلث هذا المستوى».

وتستهدف الحكومة رفع الإنتاج إلى نحو 15 مليون متر مكعب يومياً في العام القادم، ومن المتوقع، أن يسهم العقد في زيادة الإنتاج بما يتراوح بين 4 -5 مليون متر مكعب يومياً خلال عام واحد من بدء العمل؛ ما يعني، حسب عربش، تراجعاً كبيراً في فاتورة استيراد النفط ومشتقاته، وتأميناً أفضل لحاجة السوق المحلية من الغاز للكهرباء والقطاعات الحيوية.

أما المسار الآخر، فيتمثل بـ«التصدير والإيرادات»؛ فمع تحقيق فائض إنتاج، يمكن التوجه نحو التصدير؛ ما يدر عملة صعبة تسهِم في إراحة موازنة الدولة مالياً وتعزيز قدرتها على تمويل مشاريع إعادة الإعمار والتنمية.

وتشير التقديرات المتداولة إلى أن المرحلة الأولى من المشروع يمكن أن تحقق زيادة في الإنتاج خلال عام واحد من بدء العمل، لكن عربش، قال في هذا الصدد: «لنكن واقعيين وإضافة عام آخر قبل بلوغ الزيادة الخمسة ملايين متر مكعب يومياً».

اختراق مهم في علاقات البلدين

ويأتي توقيع العقد في وقت تشهد فيه العلاقات بين السلطات السورية الجديدة وإدارة ترمب تحسناً متلاحقاً، وذلك بعد سقوط نظام حكم بشار الأسد أواخر عام 2024.

ورأى عربش أن هذا العقد يمثل اختراقاً مهماً في علاقات البلدين، بحكم أنه أول عقد تنفيذي مع شركة نفط وغاز أميركية كبرى منذ سقوط الأسد، ويعكس تحولاً في السياسة الأميركية تجاه سوريا، كما أنه يُتيح قناة للتعاون الاقتصادي المباشر بين البلدين؛ ما قد ينعكس إيجاباً على ملفات سياسية أخرى.

جاء توقيع العقد في وقت تواصل دمشق مساعيها لجذب الاستثمار الأميركي، حيث بحث وزير الطاقة السوري محمد البشير مع مسؤولين أميركيين الأسبوع الماضي فرص الاستثمار في قطاع النفط والغاز.

ووفق عربش، فإن توقيع العقد قد يمهّد الطريق لتطبيع أوسع في العلاقات بين البلدين، خصوصاً مع دخول شركات أميركية أخرى، مثل Baker Hughes وHunt Energy وArgent LNG، التي تُعدّ خطة شاملة لتطوير قطاع الطاقة في سوريا.

وزير الطاقة السوري محمد البشير يلقي كلمة خلال فعاليات المنتدى العالمي للطاقة في واشنطن (وزارة الطاقة السورية)

الواقع الحالي لحقول الغاز والإنتاج

يواجه قطاع الغاز رحلة شاقة للتعافي من عجز إمدادات عميق خلّفه النزاع المستمر لـ14 عاماً؛ إذ يقدّر تقرير للأمم المتحدة الخسائر المباشرة وغير المباشرة لقطاع النفط والغاز من جراء الحرب التي استمرت 14 عاماً، بأكثر من 115 مليار دولار بين عامي 2011 و2023. بينما تُشير بيانات الإنتاج الحالية المنشورة على صفحة السفارة الأميركية في دمشق، إلى أن إجمالي المعروض المحلي من الغاز يتراوح بين 7 و10 ملايين متر مكعب يومياً فقط، وهو هبوط حاد مقارنة بذروة ما قبل الحرب التي كانت تصل إلى 30 مليون متر مكعب يومياً. وفي المقابل، يقفز الطلب المحلي الإجمالي إلى مستويات تتراوح بين 23 و30 مليون متر مكعب يومياً، مدفوعاً بشكل رئيسي بالعجز الحاد في قطاع توليد الكهرباء. هذا التباين يخلّف فجوةً ونقصاً يومياً مستمراً يصل إلى 15 مليون متر مكعب؛ ما يضع قيوداً شديدة على قدرات محطات التوليد.

ومن هنا، تضع دمشق عينيها على هدف استراتيجي لعام 2030، يسعى للاستفادة من هذه الشراكات الدولية الجديدة لمضاعفة إنتاج الغاز بالكامل قبل نهاية العقد الحالي.

البنية التحتية

ورغم تعرض القطاع لأضرار كبيرة خلال سنوات الحرب، وما لحق بالحقول والمنشآت وخطوط النقل، إضافة إلى العقوبات التي أعاقت عمليات الصيانة لسنوات، فإن تطوير الاحتياطيات المؤكدة من الغاز المقدرة بنحو 285 مليار متر مكعب، يسمح، وفق عربش، بأن يستعيد الإنتاج الحالي وخلال 4 سنوات ذروة ما قبل الحرب (28 مليون متر مكعب يومياً)، في حين تحتاج سوريا إلى نحو 23 مليون متر مكعب يومياً لتأمين الكهرباء بصورة مستمرة.

وتعتمد سوريا حالياً على واردات وإمدادات إقليمية لتحسين التغذية الكهربائية، منها مشروع إمدادها بالغاز الأذربيجاني عبر تركيا بتمويل قطري، الذي يوفر نحو 3.4 مليون متر مكعب يومياً أو مباشرة من دولة قطر عبر الأردن.

وتركّز سوريا حالياً على إعادة تأهيل البنية التحتية للحقول القائمة، من خلال عقود مع شركات مثل «أديس» السعودية لتطوير حقول الغاز، وتستهدف مضاعفة الإنتاج عبر شراكات استراتيجية مع شركات دولية، كما يجسّده العقد مع «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا إنرجي».

بالتالي يمثل توقيع هذا العقد، حسب عربش، «نقلة نوعية في قطاع الطاقة السوري، ويأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث تسعى سورية إلى تجاوز «عنق الزجاجة» المالي، ورفع «مستوى النشاط النفطي»، و«استعادة الثقة الدولية وجذب استثمارات إضافية» من الشركات العربية والغربية، و«فتح صفحة جديدة في العلاقات السورية - الأميركية عبر التعاون الاقتصادي المباشر».

وختم عربش حديثه قائلاً: «مع توقع بدء جني ثمار هذا العقد خلال عام، وما يرافقه من مشاريع موازية مع شركات سعودية وقطرية وفرنسية، فإن قطاع الغاز السوري يدخل مرحلة واعدة قد تشكل محركاً أساسياً للتعافي الاقتصادي وتجاوز الأزمة المالية الخانقة، شرط الشفافية في الطرح والتنفيذ».

أين تقع الحقول؟

انعكست هذه الاتفاقيات فوراً على الأرض بعدما تسلّمت «الشركة السورية للبترول» مؤخراً حقول النفط والغاز التي كانت تحت سيطرة «الإدارة الذاتية» الكردية في شمال شرق البلاد، لتبسط الحكومة سيطرتها على خريطة الثروات التي تتركز في ثلاث مناطق رئيسية:

المنطقة الشرقية (دير الزور والحسكة): وتضم حقل «كونيكو» (شمال شرقي دير الزور) الذي أنشأته «كونوكو فيليبس» عام 2001 بطاقة 4.7 مليار متر مكعب سنوياً وكان ينتج 13 مليون متر مكعب يومياً قبل أن يتوقف نتيجة الاستهدافات، ومعه حقل «الجبسة» في الحسكة، وشكَّلا معاً 53 في المائة من إنتاج سوريا قبل 2011.

المنطقة الوسطى وبادية حمص: وتضم حقل «الشاعر» (أكبر حقول البلاد بطاقة إنتاجية بلغت 35 مليون متر مكعب سنوياً عام 2010)، وحقل «الجحار» غرب تدمر، إلى جانب حقول «المهر» و«الجزل».

وخلص عربش إلى أن قطاع الغاز السوري، وبناءً على هذه المعطيات المتكاملة، يدخل مرحلة واعدة قادرة على قيادة التعافي الاقتصادي وتفكيك الأزمة المالية الخانقة، شريطة الالتزام بأعلى معايير «الشفافية في الطرح والتنفيذ».


الحكومة الأميركية تمنح «ساندبوكس» المدعومة من «إنفيديا» 500 مليون دولار

شعار شركة «إنفيديا» الأميركية على لوحة كمبيوتر (رويترز)
شعار شركة «إنفيديا» الأميركية على لوحة كمبيوتر (رويترز)
TT

الحكومة الأميركية تمنح «ساندبوكس» المدعومة من «إنفيديا» 500 مليون دولار

شعار شركة «إنفيديا» الأميركية على لوحة كمبيوتر (رويترز)
شعار شركة «إنفيديا» الأميركية على لوحة كمبيوتر (رويترز)

منحت الحكومة الأميركية يوم الأربعاء 500 مليون دولار لشركة «ساندبوكس إيه كيو» الناشئة لتطوير مواد كيميائية جديدة لصناعة أشباه الموصلات محلياً، بما في ذلك بدائل لمركبات مهمة وواردات العناصر الأرضية النادرة.

ويأتي هذا التمويل في إطار مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتخصيص أموال للأبحاث بموجب قانون «تشيبس»، وهو جهد سبق أن موّل استثماراً بقيمة 150 مليون دولار في أدوات تصنيع الرقائق الإلكترونية الجديدة، واستثماراً بقيمة ملياري دولار في الحوسبة الكمومية.

وبلغت قيمة شركة «ساندبوكس إيه كيو»، المدعومة من «إنفيديا»، 5.75 مليار دولار في أبريل (نيسان) 2025، وجمعت أكثر من مليار دولار حتى الآن. وتعمل الشركة على تطوير نوع جديد من الذكاء الاصطناعي، مصمم لحل المشكلات في العالم المادي. فبدلاً من تدريبها على اللغة البشرية المكتوبة أو شيفرة الحاسوب، تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بـ«ساندبوكس إيه كيو» نتائج التجارب الواقعية والبيانات الفيزيائية لإنتاج نماذج تساعد العلماء على حل المشكلات التي تعجز عنها روبوتات المحادثة الحالية.

وحتى الآن، طبقت «ساندبوكس إيه كيو» هذه النماذج في مجالات مثل التكنولوجيا الحيوية وأجهزة استشعار الملاحة الكمومية لاستبدال أنظمة تحديد المواقع العالمية، لكنها تتجه الآن إلى مجال المواد الكيميائية ومواد تصنيع الرقائق الإلكترونية.

وبفضل منحة قدرها 500 مليون دولار من وزارة التجارة الأميركية، ستسعى «ساندبوكس إيه كيو» إلى ابتكار مواد جديدة في المجالات التي يعتمد فيها تصنيع الرقائق الإلكترونية في الولايات المتحدة على سلاسل إمداد أجنبية هشة، أو حيث يواجه هذا القطاع نقصاً واختناقات.

ويُكلّف العقد شركة «ساندبوكس إيه كيو» بإيجاد مواد قابلة للتسويق في أربعة مجالات رئيسية، وهي بدائل ومواد معالجة لمواد «بي إف إيه إس»، أو «المواد الكيميائية الأبدية» المستخدمة في صناعة الرقائق الإلكترونية؛ ومحفزات لتسريع التفاعلات الكيميائية في صناعة الرقائق؛ ومغناطيسات وبطاريات دائمة جديدة لمعدات صناعة الرقائق لا تستخدم عناصر أرضية نادرة من الصين أو مصادر أجنبية أخرى.

وكجزء من العقد، ستستحوذ وزارة التجارة على حصة أقلية في «ساندبوكس إيه كيو»، وفقاً لما صرّحت به الشركة ومسؤول رفيع في الوزارة.

وامتنع جاك هيداري، الرئيس التنفيذي لشركة «ساندبوكس إيه كيو»، عن الكشف عن حجم حصة الحكومة، لكنه قال لوكالة «رويترز» إنها لا تمنح حقوق التصويت أو مقعداً في مجلس الإدارة.

• دفع العائدات

وأحد مجالات التركيز هو مواد «بي إف إيه إس» الكيميائية، وهي مواد بالغة الأهمية في صناعة الرقائق الإلكترونية، ولكنها قد تبقى في البيئة لفترة طويلة نظراً لقوة روابطها الكيميائية. وقد أجّلت إدارة ترمب العام الماضي بعض المواعيد النهائية التي حددتها إدارة بايدن لمراقبة هذه المواد في مياه الشرب. وستعمل شركة «ساندبوكس إيه كيو» على تطوير بدائل لمركبات «بي إف إيه إس» وطرق لتحليلها إلى مواد كيميائية أقل ضرراً عندما يتعذر استبدالها، وهو مجالٌ أحرزت فيه الشركة الناشئة تقدماً بحثياً ملحوظاً.

وصرح هيداري لوكالة «رويترز»: «عند النظر إلى مراحل تصنيع أشباه الموصلات المتعددة، نجد فرصاً في مختلف مراحل هذه العملية لاختيار مواد كيميائية بديلة تُغني عن استخدام مركبات (بي إف إيه إس)، وفي حال وجود مراحل تُنتج هذه المركبات، يتم تحليلها في الموقع قبل تسربها إلى البيئة الخارجية».

وفي حال نجاحها في تطوير مواد في المجالات الأربعة الرئيسية، ستمنح «ساندبوكس إيه كيو» تراخيص استخدام هذه التركيبات لشركاء صناعيين لإنتاجها بكميات كبيرة، وستحصل وزارة التجارة على عائدات مالية، وفقاً لما صرحت به الشركة ومسؤول رفيع في الوزارة لوكالة «رويترز».

وفيما يخص البطاريات والمغناطيسات الدائمة، يُسهم هذا التمويل في تحقيق هدف أوسع لإدارة ترمب، ألا وهو تقليل اعتماد الولايات المتحدة على المعادن الحيوية من سلاسل التوريد الأجنبية. وتستخدم آلات تصنيع الرقائق أنظمة بطاريات لتنظيم الطاقة من الشبكة الكهربائية وكأنظمة احتياطية لتجنب الانقطاعات المفاجئة والمكلفة في حال انقطاع التيار الكهربائي، وتحتوي جميع هذه الآلات على مغناطيسات.

وقال مسؤول رفيع في وزارة التجارة الأميركية، متحدثاً عن آلات تصنيع الرقائق: «تستخدم جميع الآلات مغناطيساً دائماً واحداً على الأقل. وإذا لم تتمكن شركات معدات أشباه الموصلات الكبرى من توفير كميات كافية من المغناطيسات لتشغيل هذه المعدات، فستكون هذه مشكلة».