أزمة الوقود في روسيا تكشف عن عمق الضغوط على الاقتصاد الكلي

توقف حرب إيران يُنهي مهلة التقاط الأنفاس لحكومة موسكو

سيارات تصطف داخل محطة وقود في روسيا (رويترز)
سيارات تصطف داخل محطة وقود في روسيا (رويترز)
TT

أزمة الوقود في روسيا تكشف عن عمق الضغوط على الاقتصاد الكلي

سيارات تصطف داخل محطة وقود في روسيا (رويترز)
سيارات تصطف داخل محطة وقود في روسيا (رويترز)

تعد السحب السوداء المتصاعدة فوق مصفاة كابوتنيا النفطية في العاصمة الروسية موسكو، دليلاً واضحاً على أن أزمة الوقود، التي اعتُبرت في البداية مجرد مشكلة محلية، أصبحت تمتد إلى مختلف أنحاء روسيا.

وأصبح البنزين سلعة شحيحة في واحدة من كبرى الدول الغنية بالموارد الطبيعية. وأصبحت طوابير السيارات الطويلة أمام محطات الوقود أبرز مظاهر الاختلال الاقتصادي الذي صارت تنزلق إليه روسيا بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا.

وبدا لفترة وجيزة أن روسيا قد تتمكن من التقاط أنفاسها بمساعدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فقد أدت الحرب التي شنها ترمب على إيران إلى حدوث قفزة كبيرة في أسعار النفط، كما خفف البيت الأبيض العقوبات المفروضة على قطاع النفط الروسي، لتتدفق عائدات النفط (البترودولار) مجدداً إلى موسكو لبضعة أشهر. لكن بعد التوصل إلى اتفاق مع طهران وانتهاء فترة تخفيف العقوبات، انتهت مهلة التقاط الأنفاس للاقتصاد الروسي. ومن المرجح أن تتراجع أرباح صادرات النفط، في وقت بدأت فيه روسيا تواجه في الداخل صعوبات في الإنتاج.

كان السيناتور الأميركي الراحل والمرشح الرئاسي السابق جون ماكين قد سخر من روسيا ذات يوم، واصفاً إياها بأنها «محطة وقود ذات قنابل نووية». ولا تزال القيادة الروسية تلوّح بترسانتها النووية في مواجهة الغرب كلما سنحت الفرصة، لكن أوضاع محطات الوقود داخل البلاد لم تعد على ما يرام في الفترة الحالية.

كان ميخائيل رازفوزاييف، حاكم شبه جزيرة القرم، التابعة لموسكو حالياً، قد حذر سكان المدينة الساحلية قبل أسبوع من أن الوقوف في طوابير السيارات الممتدة لكيلومترات أمام محطات الوقود لن يجدي نفعاً. وكتب عبر قناته على تطبيق «تلغرام»: «للأسف، لم تتمكن شاحنات نقل الوقود من الوصول إلى المدينة الليلة الماضية»، مشيراً إلى أن قسائم الوقود الإلكترونية أصبحت، تبعاً لذلك، غير صالحة للاستخدام.

وشهدت أزمة البنزين في شبه جزيرة القرم، التي ضمتها روسيا عام 2014، تصعيداً حاداً خلال الأسابيع الأخيرة. ومع بداية موسم العطلات، لم يعد بإمكان قائدي السيارات في هذا المصيف الشهير سابقاً الحصول على البنزين إلا من خلال قسائم رقمية تُستخرج بواسطة رمز الاستجابة السريعة «كيو آر»، وذلك في مشهد يُعيد إلى الأذهان بطاقات التموين التي كانت متداولة في حقبة الاتحاد السوفياتي وقت العجز المزمن في السلع. ويحق لسكان القرم الحصول على ما لا يزيد على 20 لتراً من البنزين أسبوعياً، شريطة أن يتمكنوا من الحصول سريعاً على أحد رموز «كيو آر»، وأن تتمكن أعداد كافية من شاحنات الوقود من الوصول إلى شبه الجزيرة.

معدلات تكرير النفط

وحسب تقديرات محللي شركة الاستشارات «إنرجي إنتليجنس»، تراجعت معدلات تكرير النفط في المصافي الروسية بحلول يونيو (حزيران) الجاري إلى أقل من أربعة ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى يسجَّل منذ 21 عاماً. وتشير التقديرات إلى أن ثلث مصافي التكرير في روسيا متوقفة حالياً عن العمل بسبب الهجمات الأوكرانية بالمسيَّرات.

وأصبحت التداعيات ملموسة الآن في جميع أنحاء البلاد، فلم تقتصر الأزمة على ارتفاع أسعار الوقود، بل إن عدداً من كبرى شركات النفط فرضت قيوداً على صرف البنزين والديزل في 25 منطقة روسية، من بينها موسكو وسانت بطرسبرغ. كما لم يعد يُسمح لقائدي السيارات بتعبئة الوقود في أوعية خارجية (جراكن).

وقود الطائرات

امتدت تداعيات الأزمة إلى قطاعات أخرى. فمنذ أسابيع، تشكو المطارات من نقص الكيروسين، رغم أن أسعار تذاكر السفر الجوي مرتفعة بالفعل. كما تسبب نقص الديزل في معاناة للمزارعين في المناطق الزراعية بجنوب روسيا وعلى امتداد منطقة نهر الفولغا.

وتأتي أزمة الوقود في وقت يمر فيه الاقتصاد الروسي أصلاً بمرحلة صعبة. فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.2 في المائة خلال الربع الأول من العام. أما الطفرة الاقتصادية التي شهدتها السنوات الأولى من الحرب، والتي اعتمدت على الاستثمارات الحكومية والتحول نحو التصنيع العسكري، فقد انتهت بالفعل في عام 2025. واضطر الرئيس الروسي مؤخراً إلى الإقرار، خلال المنتدى الاقتصادي في سان بطرسبرغ، بأن «الديناميكية الاقتصادية تعرقلت في الوقت الراهن».

ولا يزال الاقتصاد المحلي يعاني من ضعف النشاط، وفي محاولة لكبح التضخم الآخذ في الارتفاع بشكل مستمر، يواصل البنك المركزي رفع أسعار الفائدة، ويسبب ارتفاع تكلفة القروض في إحجام رواد الأعمال عن ضخ استثمارات جديدة، فيما لا يَلوح في الأفق أي مؤشرات على تحقيق نمو اقتصادي.

ورغم أن الرئيس الروسي أبدى ثقته بأن الاقتصاد سيستعيد عافيته قريباً، فإن الأساس الذي يستند إليه هذا التفاؤل لا يزال غير واضح، فمن المؤكد أن نموذج النمو القائم على الدعم الحكومي الذي اعتمدته موسكو حتى الآن، لم يعد قابلاً للاستمرار.

غير أن السؤال المطروح هو: من أين ستأتي الأموال؟ فقد تقلصت السيولة النقدية في صندوق الثروة السيادي، أي الاحتياطيات المتاحة من الذهب والعملات الأجنبية، إلى ما يعادل نحو 40 مليار يورو (45.5 مليار دولار)، وفي الوقت نفسه، يسحب البنك المركزي مليارات إضافية كل شهر لسد العجز في الموازنة أو لتمويل مشروعات البنية التحتية والمؤسسات المملوكة للدولة؟

ولذلك، خلص تقرير «كيل» الصادر عن معهد «كيل» للاقتصاد العالمي في ألمانيا ومعهد استوكهولم لاقتصاديات التحول، إلى أن موسكو استنفدت تقريباً احتياطياتها المالية، وأن الاقتصاد الروسي دخل «مرحلته النهائية».

وتلتهم الحرب مبالغ طائلة، إذ يخصص نحو 40 في المائة من نفقات الموازنة لقطاعات الجيش والتسليح والأمن. وفي المقابل، تُجرى حالياً دراسات وخطط لتخفيض الإنفاق في مجالات أخرى.

ويفخر الرئيس الروسي بأن معدل البطالة لا يزال عند مستوى متدنٍّ قياسي يتراوح بين 2.5 و3 في المائة. غير أن المشكلة، حسب الخبراء، لا تكمن في أن الاقتصاد يخلق فرص عمل جديدة، بل في أن روسيا تعاني ببساطة من نقص متزايد في الأيدي العاملة.

ويعود ذلك، أولاً، إلى أن شيخوخة السكان تؤدي إلى تراجع عدد الكوادر المتاحين لسوق العمل. وثانياً، لأن الحرب، لا سيما في الأقاليم، باتت تستنزف القوى العاملة كما لو كانت مكنسة عملاقة.

وفضلاً عن ذلك، أدت أربعة أعوام من العقوبات المرتبطة بالحرب إلى اتساع الفجوة التكنولوجية التي تعانيها البلاد. ولا تزال الصين هي الشريك التجاري الأكبر لروسيا، إلا أن اعتماد موسكو على بكين يزداد باطراد.

ولعل تحول علامتي السيارات الروسيتين الشهيرتين «موسكفيتش» و«فولغا» في الوقت الحالي إلى مجرد نسخ مقلدة بالكامل من سيارات ركاب صينية يحمل دلالة رمزية على هذا الواقع.


مقالات ذات صلة

ترمب يمدد الإعفاء من قانون جونز مع بعض القيود

الاقتصاد لافتة في محطة وقود تعرض أسعار البنزين في واشنطن العاصمة بالولايات المتحدة (رويترز)

ترمب يمدد الإعفاء من قانون جونز مع بعض القيود

قال مسؤول في البيت الأبيض، الاثنين، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وافق على تمديد الإعفاء من قانون جونز، ولكن مع بعض القيود.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صهاريج النفط الخام في ولاية تكساس (رويترز)

تراجع احتياطي النفط الاستراتيجي الأميركي لأدنى مستوى منذ 1983

أظهرت بيانات وزارة الطاقة الأميركية، يوم الاثنين، تراجع مخزونات النفط الخام ضمن احتياطي البترول الاستراتيجي الأميركي بنحو 6.1 مليون برميل إلى 298.7 مليون برميل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

«وول ستريت» تستقر قرب أعلى مستوياتها مع صعود النفط وترقب بيانات التضخم

استقرت سوق الأسهم الأميركية قرب أعلى مستوياتها على الإطلاق، فيما ارتفعت أسعار النفط في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن موعد إعادة فتح مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد حفارة تعمل في أحد الحقول الزراعية في داكانو بولاية كولورادو الأميركية (رويترز)

النفط يرتفع... والخام الأميركي يقترب من 80 دولاراً

صعدت أسعار النفط خلال النصف الثاني من جلسة يوم الاثنين، مدفوعة بالتفاؤل بشأن المحادثات الرامية إلى إعادة فتح مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد عاملان داخل أحد مصانع «معادن» في السعودية (الشرق الأوسط)

مؤشر الإنتاج الصناعي السعودي يتراجع 16.3 % في يونيو تحت ضغط التعدين والأنشطة النفطية

انخفض الرقم القياسي للإنتاج الصناعي في السعودية بنسبة 16.3 في المائة خلال يونيو (حزيران) 2026، مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«الهيئة الملكية للرياض» تستقبل طلبات «برنامج التوازن العقاري» الأحد

«برنامج التوازن العقاري» يدعم استقرار السوق العقارية في مدينة الرياض (واس)
«برنامج التوازن العقاري» يدعم استقرار السوق العقارية في مدينة الرياض (واس)
TT

«الهيئة الملكية للرياض» تستقبل طلبات «برنامج التوازن العقاري» الأحد

«برنامج التوازن العقاري» يدعم استقرار السوق العقارية في مدينة الرياض (واس)
«برنامج التوازن العقاري» يدعم استقرار السوق العقارية في مدينة الرياض (واس)

تبدأ الهيئة الملكية لمدينة الرياض استقبال طلبات السنة الثانية لـ«برنامج التوازن العقاري»، اعتباراً من الأحد 16 أغسطس (آب) الحالي حتى نهاية يوم الثلاثاء 15 سبتمبر (أيلول) المقبل، عبر المنصة الإلكترونية للبرنامج.

يأتي ذلك استمراراً لتوجيهات الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، باتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق التوازن في القطاع العقاري بمدينة الرياض.

وجاء إطلاق السنة الثانية ضمن المسار السنوي للبرنامج الهادف إلى زيادة المعروض من الأراضي السكنية المخططة من خلال قيام الهيئة بتوفير ما بين 10 آلاف و40 ألف قطعة أرض سنوياً بأسعار لا تتجاوز 1.500 ريال للمتر المربع، بما يسهم في تقليل الفجوة بين العرض والطلب، ودعم استقرار السوق العقارية في العاصمة.

ويُتاح التقديم للمواطنين المتزوجين أو من تجاوزت أعمارهم 25 عاماً، شريطة عدم وجود ملكية عقارية سابقة للمتقدم، وألا تقل مدة إقامته في مدينة الرياض عن ثلاث سنوات، إلى جانب استيفاء بقية شروط وضوابط الاستحقاق المعتمدة.

وأوضحت الهيئة أن أولوية الاستحقاق لا ترتبط بأسبقية التقديم، مؤكدة أن التسجيل في المنصة لا يعني القبول النهائي، وسيتم إدراج المواطنين الذين سبق لهم التقديم في السنة الأولى وثبتت أهليتهم ودخلوا القرعة الإلكترونية تلقائياً ضمن المسار المعتمد للسنة الثانية.

وبيَّنت أن جميع الطلبات تخضع للتحقق الإلكتروني وفق الشروط المعتمدة، على أن تشمل مراحل البرنامج بعد انتهاء فترة استقبال الطلبات: التحقق من الأهلية، وإعلان النتائج، واستقبال الاعتراضات، وإجراء القرعة الإلكترونية للمستحقين، ثم استكمال إجراءات البيع على الخريطة حسب الضوابط.

ودعت الهيئة الراغبين في التقديم إلى الاعتماد على المنصة الإلكترونية وقنواتها الرسمية، وعدم التعامل مع الروابط أو الحسابات غير الموثوقة، مؤكدة جاهزية مركز الاتصال «19998» وقنوات العناية بالمستفيدين للإجابة عن الاستفسارات المتعلقة بإجراءات التقديم ومراحل البرنامج.


ترمب يمدد الإعفاء من قانون جونز مع بعض القيود

لافتة في محطة وقود تعرض أسعار البنزين في واشنطن العاصمة بالولايات المتحدة (رويترز)
لافتة في محطة وقود تعرض أسعار البنزين في واشنطن العاصمة بالولايات المتحدة (رويترز)
TT

ترمب يمدد الإعفاء من قانون جونز مع بعض القيود

لافتة في محطة وقود تعرض أسعار البنزين في واشنطن العاصمة بالولايات المتحدة (رويترز)
لافتة في محطة وقود تعرض أسعار البنزين في واشنطن العاصمة بالولايات المتحدة (رويترز)

قال مسؤول في البيت الأبيض، الاثنين، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وافق على تمديد الإعفاء من قانون جونز، ولكن مع بعض القيود.

وينص قانون جونز على أن البضائع المنقولة بين الموانئ الأميركية يجب أن تشحن على متن سفن مصنوعة في الولايات المتحدة، ومملوكة لشركات أميركية، ويقودها طاقم من الأميركيين، ويهدف الإعفاء إلى خفض أسعار الوقود من خلال زيادة مرونة الشحن، وتقليل الاختناقات في النقل.

كانت أسعار البنزين في الولايات المتحدة قد شهدت ارتفاعات كبيرة جراء حرب إيران التي ترتبت عليها إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، وهو ما خفض الإمدادات عبر المضيق الذي كان يمر عبره 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية.


تراجع احتياطي النفط الاستراتيجي الأميركي لأدنى مستوى منذ 1983

صهاريج النفط الخام في ولاية تكساس (رويترز)
صهاريج النفط الخام في ولاية تكساس (رويترز)
TT

تراجع احتياطي النفط الاستراتيجي الأميركي لأدنى مستوى منذ 1983

صهاريج النفط الخام في ولاية تكساس (رويترز)
صهاريج النفط الخام في ولاية تكساس (رويترز)

أظهرت بيانات وزارة الطاقة الأميركية، يوم الاثنين، تراجع مخزونات النفط الخام ضمن احتياطي البترول الاستراتيجي الأميركي بنحو 6.1 مليون برميل إلى 298.7 مليون برميل، الأسبوع الماضي، وهو أدنى مستوى لها منذ يناير (كانون الثاني) 1983.

ويأتي السحب في إطار موافقة أميركية على الإفراج عن 172 مليون برميل من الاحتياطي، بالتعاون مع وكالة الطاقة الدولية، جراء ارتفاع حاد في أسعار النفط بعد اندلاع حرب إيران.

ومع السحب من المخزونات، وضخ المزيد من النفط في الأسواق، وتراجع وتيرة التصعيد في الحرب بين أميركا وإيران، تراجعت الأسعار من مستويات قياسية.

وتتداول الأسعار حالياً عند مستويات 86 دولاراً للبرميل، في حين تخطى الخام الأميركي مستويات 80 دولاراً للبرميل، نتيجة تراجع آمال التوصل لاتفاق يعيد فتح مضيق هرمز قريباً.